مقدمة المترجم

أرنولد توينبي – الإنسان المفكر

في هذا العام الذي نزل فيه أرنولد توينبي ضيفًا على بلادنا (١٩٦٤م)، يكون المؤرخ الفيلسوف قد بلغ الخامسة والسبعين من عمره. فقد وُلد في لندن عام ١٨٨٩م، وكانت أسرته تضم عددًا غير قليل من أهل العلم والفكر، ربما كان أشهرهم عمه «أرنولد توينبي» (١٨٥٢–١٨٨٣م) الذي كان بدوره مؤرخًا ومصلحًا اجتماعيًّا. وتعلم توينبي في «ونتشستر»، وفي كلية «باليول» بجامعة أكسفورد، ثم أصبح زميلًا ومدرسًا بهذه الكلية نفسها من عام ١٩١٢م إلى عام ١٩١٥م. وقد تزوج من ابنة «جلبرت ميري» Gilbert Murray، العالم الإنجليزي المشهور في الدراسات الكلاسيكية. ثم اشتغل في وزارة الخارجية البريطانية في الحرب العالمية الأولى، وحضر مؤتمر الصلح في باريس عام ١٩١٩م (وتكرر ذلك في الحرب العالمية الثانية، حيث حضر مؤتمر الصلح الثاني في باريس عام ١٩٤٦م). وقد عُيِّن أستاذًا لِلُّغة اليونانية والتاريخ البيزنطي بجامعة لندن من عام ١٩١٩م إلى عام ١٩٢٤م، ثم أصبح مديرًا للمعهد الملكي للشئون الخارجية من عام ١٩٢٥م إلى عام ١٩٥٥م. ومنذ ذلك الحين، مُنح توينبي عِدَّة درجات فخرية، وأخذ يقوم بأسفار واسعة النطاق في بلاد متعددة اعترفت بفضله ووجَّهت إليه الدعوة لإلقاء محاضراته فيها. وكانت مناقشات توينبي المشهورة مع أصحاب الاتجاهات الصهيونية، وردوده الحاسمة على المزاعم اليهودية بشأن فِلسطين، من أشهر الوقائع التي دارت خلال هذه الرحلات، والتي أصبحت حديث الأوساط العلمية في العالم أجمع.

وقد اكتسب توينبي مكانته — من حيث هو مؤرخ وفيلسوف — من كتاباته الهامة، التي نذكر منها:

  • الفكر التاريخي عند اليونان Greek Historieal Thought (١٩٢٤م).
  • العالم بعد مؤتمر الصلح The World after the Peace Conterence (١٩٢٥م).
  • المدنية في الميزان Civilization on Trial (١٩٤٨م).
  • الحرب والمدنية War and Civilization (١٩٥١م).
كما أشرف توينبي على تحرير حولية استعراض الشئون الدولية Survey of International Affairs من عام ١٩٢٠م إلى عام ١٩٣٨م.
على أن أعظم مؤلفات توينبي على الإطلاق، هو ذلك المؤلَّف الضخم الذي يكوِّن مركَّبًا جامعًا ندر أن نجد له نظيرًا في ميدان الدراسات التاريخية، وهو كتابه: «دراسة في التاريخ  A Study of History» وهو يتألف من عشرة مجلدات، ظهرت الستة الأول منها فيما بين عامي ١٩٣٤م، ١٩٣٩م، ثم ظهرت الأربعة الأخيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عام ١٩٥٤م، أي أن الكتاب قد استغرق إعداده للنشر عشرين عامًا. ولقد كان هذا العمل الضخم هو الذي أذاع شهرة توينبي وجعله في الصف الأول من مؤرخي ومفكري القرن العشرين؛ ولذلك فإن الكتاب يستحق منا وِقفةً قصيرةً نعرِّف فيها القارئ به، ونعرض بإيجاز لاتجاهه العام والفلسفة الكامنة من ورائه.

(١) كتاب «دراسة في التاريخ»

في هذا الكتاب يعرض توينبي عوامل قيام مدنيات الإنسان وسقوطها بصورة شاملة ومجملة في آن واحد. وهو يميز بين إحدى وعشرين مدنية، خمس منها حاضرة، والأخريات قد اندثرت ولم تبقَ إلا آثارها التاريخية. وهو يؤكد أن هذه المدنيات تسير كلها في نشأتها وازدهارها واضمحلالها تبعًا لنمط واحد لا يتغير. فقد يختلف الوقت الذي يستغرقه نشوء حضارة أو نموها أو انحلالها، فيطول حينًا، ويقصر حينًا آخر، غير أن الصورة العامة تظل على ما هي عليه، والتعاقب حتميٌّ لا مفرَّ منه، وأسباب التحوُّل من حالة إلى أخرى هي في أساسها واحدة. وهكذا تتحكم الحتمية في التعاقب الزمني، وتُولد المجتمعات وتزدهر ثم تموت بانتظام لا يخيب.

ولقد رأى البعض في طريقة توينبي هذه في كتابة تاريخ المجتمعات البشرية نوعًا من الخلط بين المنطق والتاريخ، أو بين التسلسل السببي والتعاقب الزمني؛ ذلك لأن عدد المدنيات التي يستخلص من دراستها قانونه العام أقل من أن يسمح بالتعميم، فمن الجائز أن نمط الميلاد والازدهار والفناء قد سرى على المدنيات الماضية، ولكنا نظل غير واثقين من أن جميع الحضارات المقبلة ستخضع بدورها لهذا النمط نفسه، ومجرد تكرار حدوث تعاقب معيَّن في هذا العدد البسيط في الماضي، لا يُعد على الإطلاق ضمانًا بأن كل حضارة مقبلة ستتعاقب أحوالها على نفس هذا النحو.

ومع ذلك فإن المرء لا يملك إلا أن يعجب بمقدرة توينبي الخارقة على إثبات وجهة نظره؛ فهو يعرض كل رأي له مستشهدًا بعدد هائل من الأمثلة التي يزخر بها كتابه إلى حد مذهل، وكأنه ينهل من منبع لا قرار له، ويكاد يبدو أن كل شيء قد تكشَّف لعينه الفاحصة، من أبسط الحوادث في المجتمعات البعيدة حتى أعقدها في المجتمعات القريبة.

وهكذا فإن نطاق المعارف التي يتضمنها كتاب «دراسة في التاريخ» هو نطاق موسوعي. وإنه لمن الصعب أن نجد — على مر العصور — مؤرخًا يستطيع أن يدمج في نظرياته مثل هذا القدر الهائل من المواد الواقعية المستمدة من هذا العدد الكبير من المجتمعات، ولقد كان من الضروري أن تفلت من قبضته وقائع معينة، أو يقدم لبعض الحوادث تفسيرًا قد يعترض عليه المتخصصون في فترة معينة، كل هذه أمور لا مفر منها بالنسبة إلى مفكر يرسم صورةً على هذا القدر من الشمول للتاريخ العالمي.

والحق أن توينبي كان يدرك كل الإدراك أن هناك نموذجين للمؤرخ؛ نموذج المؤرخ الباحث المدقق في التفاصيل، ونموذج المؤرخ الفيلسوف. ومن المؤكد أنه آثر النموذج الثاني. وليس معنى ذلك أنه لم يكن باحثًا مدققًا، وإنما معناه أنه كان على استعداد — في بعض الأحيان — للتضحية ببعض التفاصيل في سبيل الصورة الكلية الشاملة، إذ إن من المستحيل على رجل واحد أن يحقق كل هذه الوقائع في كل هذه الميادين، ويشيِّد في الوقت ذاته نظريةً عامةً في تطور المجتمعات البشرية. ولقد كان على حق في اختياره صفة المؤرخ الفيلسوف وتفضيلها على صفة المؤرخ التفصيلي المتخصص؛ ذلك لأن الكثيرين يمكنهم أن يقوموا بهذا العمل الأخير، وكل ما يحتاجون إليه هو الصبر والمثابرة والاطلاع على مصادر البحث. أما العمل الأول، فأصحابه هم من القلة النادرة التي توافر لها من البصيرة النافذة ما يمكِّنها من القيام بعملية توحيد وجمع شاملة، تضم بها شتات الأبحاث والوقائع التفصيلية التي حققها مؤرخو الصنف الآخر. وليس هذا حال البحث التاريخي وحده، وإنما هو حال العلوم البشرية جميعًا: ففيها العالم المتخصص المدقق في تفصيلات العلم، والذي يلقي الضوء على جانب صغير يركز فيه جهوده، وفيها صاحب النظرية الشاملة الذي تمتد بصيرته إلى أوسع الآفاق، ويضم كل الوقائع المتفرقة في مركَّب واحد جامع. والنوعان معًا لازمان لتقدم المعرفة البشرية، غير أن فضل الأول منهما في اجتهاده، أما فضل الثاني فهو في عبقريته التي لا تتكرر.

ومن المؤكد أن توينبي كان عبقريةً من هذا النوع، بل إنه ربما كان أقرب مؤرخي العصر الحديث إلى الجمع بين النوعين معًا (وهو أفضل ما يُرجى في هذا الميدان). وإذا كانت الأسس التي قامت عليها فلسفته في التاريخ قد قُوبلت باعتراضات كثيرة، فإن هذا شأن الفلسفات جميعًا، والمهم في الأمر هو القدرة الخارقة على تكوين مذهب شامل في تطور المجتمعات البشرية، وعلى تبرير هذا المذهب تبريرًا علميًّا سليمًا.

(٢) تعليقات على المحاضرات الأربع

ألقى توينبي المحاضرات الأربع التي نقدم ترجمتها في هذا الكتاب خلال زيارته الأخيرة للجمهورية العربية المتحدة في شهر أبريل سنة ١٩٦٤م، وقد أُلقيت بالترتيب الآتي:

  • المحاضرة الأولى: «استعراض لتاريخ العالم في نصف القرن الأخير»، جامعة القاهرة.
  • المحاضرة الثانية: «أسلوب الحياة الغربي في الميزان»، جامعة عين شمس.
  • المحاضرة الثالثة: «مشكلة الغذاء والسكان في العالم»، جامعة الإسكندرية.
  • المحاضرة الرابعة: «الشرق الأوسط والسياسة العالمية»، محافظة القاهرة.

وسنقدم الآن تعليقات موجزةً على هذه المحاضرة التي تكشف عن أوجه مختلفة لتفكير توينبي، وتعبِّر بوضوح عن نظرته إلى الحضارة الحديثة في حاضرها ومستقبلها، وترسم خطوطًا عامة للحلول التي يراها عميد المؤرخين لأهم مشكلات العالم الذي نعيش فيه.

المحاضرة الأولى

حين يستعرض توينبي في هذه المحاضرة تاريخ العالم في نصف القرن الأخير، فهو إنما يتحدث عن أحداثٍ عاصَرها بنفسه منذ كان في الخامسة والعشرين من عمره حتى اليوم. ولقد كان خط التطور في التاريخ العالمي في هذه الفترة واضحًا في نظره كل الوضوح؛ فهو خط هابط إذا نظرنا إليه من جهة نظر السيطرة الغربية على العالم، وصاعد إذا تأملناه من وجهة نظر الشعوب النامية التي كانت مستعمرةً في بداية هذه الفترة ثم نالت استقلالها في نهايتها. ذلك لأن الدول الغربية كانت — منذ نصف قرن — مسيطرةً على الوجهة السياسية أو الاقتصادية أو كلتيهما معًا على بقية أجزاء العالم، وكانت القوة في هذه الدول متجمعةً في مراكز قليلة. ويمكن القول إن تاريخ الفترة التالية إنما كان تاريخًا لتشتت هذه القوى المركزة، واضمحلال سيطرة الغرب على العالم؛ ويتمثل ذلك أساسًا في الانكماش الهائل الذي طرأ على الاستعمار، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث أصبح اليوم محصورًا في «جيوب» قليلة تقاوم حركة التحرر بعنف وضراوة، ولكنها تعلم أن تصفيتها مسألة وقت فحسب.

واقترن بذلك الانكماش في السيطرة الغربية الاستعمارية ازدياد الاتجاه إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، أي إن «العدالة السياسية» قد ارتبطت ﺑ «العدالة الاجتماعية والاقتصادية» ارتباطًا وثيقًا، وتحققت هذه العدالة على مستوى العالم بدرجات متفاوتة، ولكن الظاهرة التي تلفت الأنظار هي إشارة توينبي إلى ازدياد انتشار العدالة الاجتماعية في الدول الغربية ذاتها: أي إن انكماش السلطان الاستعماري لهذه الدول قد أدى إلى مزيد من عدالة التوزيع في داخلها، لا العكس، كما قد يتوقع أصحاب النظرة السطحية إلى الأمور.

على أن تراجع السيطرة الغربية — سياسيًّا واقتصاديًّا — قد عوَّضه انتشار الثقافة الغربية ونمط الحياة الغربي في العالم، وقد بدأ هذا الانتشار في بلدان قليلة، أهمها روسيا واليابان، وكان الهدف منه مواجهة النفوذ الغربي عن طريق اتباع نفس أساليب الغرب، ثم امتد إلى بقية بلاد العالم، حتى أصبح من السمات الرئيسية المميزة لتاريخ نصف القرن الأخير. وهذا أمر لا ينبغي أن يدهش له أحد: إذ إن تفوُّق البلاد الغربية في العلم والتكنولوجيا قد فرض طابعها العلمي والحضاري، وأسلوبها في الحياة، على العالم بأسره.

ومن الملاحظ على هذه المحاضرة أن توينبي لم يشِر بالقدر الكافي إلى الانقسام في دعم حركات التحرر الوطني في البلدان الحديثة الاستقلال، مع أن هذه من أهم ظواهر الفترة الحالية في تاريخ العالم. ومن المؤكد أن كل ما سبق له التنبيه إليه من تضاؤل لسيطرة الغرب وتزايد أهمية العالم غير الغربي إنما يرجع — في قدر غير قليل — إلى المنافسة الدولية الشديدة بين كتلتين كبريين متقاربتين في القوة، تعمل كل منهما على إلغاء تأثير الأخرى أو إضعافه، بحيث تترك الفرص لحركات التحرر الوطني لكي تمارس نشاطها بقدر من الحرية لم يكن ليتوافر لها قبل عهد المنافسة الثنائية هذا.

وعلى أي حال فقد أشار توينبي بإيجاز إلى انقسام العالم إلى كتلتين، وأعرب عن اعتقاده بإمكان ظهور كتلة أو قوة ثالثة، ليست هي أوروبا في رأيه، وليست هي كتلة الحياد أو عدم الانحياز، التي لم يشِر إليها في هذا الصدد على الإطلاق، وإنما هي الصين التي سيصبح عدد سكانها نصف مجموع سكان العالم في سنة ٢٠٠٠م. ويؤكد توينبي أنه عندما يصبح عددها بهذه الكثرة، «سيكون من الصعب جدًّا الاستمرار في عدم الاعتراف بوجود الصين». ولكن هل يعني بذلك أن مشكلة الاعتراف بوجود الصين، ودخولها الهيئات الدولية، ستظل بغير حل حتى سنة ٢٠٠٠م؟ من المؤكد أن هذا أمر بعيد الاحتمال جدًّا، لأن السنوات القلائل المقبلة قد تشهد حلًّا لهذه المشكلة. وفضلًا عن ذلك فإن الاعتقاد بأن الصين هي التي ستكون الكتلة الثالثة لا يمثل تنبؤًا بالمستقبل بقدر ما يمثل تأثرًا قويًّا بعوامل عارضة مؤقتة في الحاضر. وها قد لاحت في الأفق بوادر تشير إلى أن الصين قد لا تظل على الدوام خارجةً عن نطاق الكتلة التي كانت تنتمي إليها حتى عهد قريب. وإذن فالتنبؤ في هذا الميدان أمر غير مأمون، ولا سيما إذا كانت دعاماته ظواهر مؤقتةً يمكن أن تزول على مر السنين.

المحاضرة الثانية١

في هذه المحاضرات يضع توينبي أسلوب الحياة الغربي في كفة الميزان، ليستخلص مزاياه وعيوبه، وكأنه بذلك يخاطب أبناء الشرق، الذين أخذوا من الحضارة الغربية بنصيب غير قليل، وبهرتهم هذه الحضارة وافتتنت بها نفوسهم، فيقول لهم: لا تظنوا أن هذه الحضارة الغربية خير كلها، فلها عيوبها التي لا يجد أبناؤها أنفسهم مفرًّا من الاعتراف بها، أما أنتم يا أبناء الشرق، فالفرصة أمامكم ما زالت سانحةً، إذ إن في وسعكم أن تتجنبوا عيوبنا، وتسيروا في طريقكم الخاص، مع اقتباس ما يلائمكم فقط من حضارتنا الغربية!

وهكذا فإن في حديث توينبي عن «أسلوب الحياة الغربي» إشارةً ضمنيةً — ولكنها واضحة — إلى الشرق، ونصيحة مخلصة يقدمها مفكر قد يختلف المرء معه في الرأي، ولكنه لا يستطيع أن يشك في نزاهته.

ويحدد توينبي في الجزء الأول من محاضرته مظاهر ومراحل اقتداء الشعوب الشرقية بالأسلوب الغربي في الحياة، ليؤكد في النهاية أن هذه الشعوب ما زالت أمامها فرصة الانتقاء والاختيار، وأنها تستطيع أن تأخذ من أسلوب حياة الغربيين أفضل عناصره، ولكن من واجبها أن تستبعد تلك العناصر التي أثبتت تجربة الغرب أنها ضارة.

من هذه العناصر التطلع إلى المعرفة وطلب العلم. وهذا العنصر في رأي توينبي — كما في رأي الكثيرين — سلاح ذو حدين؛ فقد تمكن العلم من أن يرفع مستوى حياة الغرب إلى حد لم تعرفه الأجزاء الأخرى من العالم قط، ولكنه في الوقت ذاته قد هدد حياة الغرب بالفناء. وهكذا فإن توينبي بعد أن يمتدح في العلم الغربي كشوفه الرائعة، يعيب عليه أنه أهمل الإنسان، ويدعو أهل الشرق في نهضتهم العلمية الجديدة أو المقبلة، إلى خلق علم يتركز حول الإنسان، ويفي بمطالبه الروحية إلى جانب مطالبه المادية، ويمكن تسخيره في خدمة البشر بدلًا من أن تكون حصيلته هي أسلحة الفناء التي تكاد تخرج عن نطاق سيطرة الإنسان.

ومثل هذا يقال أيضًا على النزعة الفردية التي اشتهر بها الغرب، فلهذه النزعة فضل لا يُنكر في تقوية شعور الإنسان بكِيانه، وبأنه خالق أفعاله، والمسئول عنها، وما كانت الكشوف الكبرى في تاريخ البشرية إلا نتاجًا لأفراد لديهم وعي كامل بكِيانهم وبقدرتهم على الخلق. ولكن الغرب مع ذلك قد تطرف في النزعة الفردية إلى حد تحويل المجتمع إلى وحدات منعزلة لا يربط بينها شعور إنساني واحد، وفي هذه الحالة تغدو الفردية قوةً مضادةً لتقدم المجتمع، وقد ينتهي الأمر بالفرد إلى استخدام قدراته ومواهبه استخدامًا مضادًّا للجماعة بأسرها. ويعيب توينبي على المجتمعات الغربية هذا التطرف في النزعة الفردية، وهو التطرف الذي يصل إلى حد إهمال أفراد الأسرة الواحدة للمسنين منهم، وترك أمر العناية بهم للدولة، إن كانت قادرةً على ذلك. ولا شك أن توينبي معجب بروح التضامن العائلي في الشرق، وهو يرى أن هذا التماسك فضيلة ينبغي الاحتفاظ بها، حتى لا يقع الشرق في نفس خطأ الفردية الأنانية الذي وقع فيه الغرب.

وهناك عنصر آخر هام في أسلوب الحياة الغربي يمكن تسميته ﺑ «النظرة المتعصبة إلى الأمور»، أي الاعتقاد بأن في كل شيء موقفًا صحيحًا واحدًا، وكل ما عداه باطل. ويربط توينبي بين التعصب وبين «عقيدة التوحيد»؛ فهذه العقيدة لها مزاياها العديدة، من حيث إنها تربط بين الناس وتجمعهم في سبيل هدف واحد ونظرة واحدة إلى الحياة. غير أن لها في رأي توينبي نتيجةً ضارةً؛ هي أنها تؤدي بالجماعة التي تعتنقها إلى تأمل الحياة من منظور واحد، هو منظورها الخاص، وإنكار حق الجماعات الأخرى في أن يكون لها مُثُلها العليا الخاصة بها، بل وعدم تصور إمكان وجود نظرة إلى الحياة تخالف نظرتها هي. أي إن حصيلتها النهائية هي الاعتقاد بوجود مجموعة واحدة من القيم هي التي ينبغي أن تسريَ على العالم بأسره، وعدم السماح بقيام أية مجموعة منافسة من القيم. وهذه هي روح التعصب التي أدت إلى اتخاذ الصراع في عالم اليوم هذا الطابع الحاد بين الكتلتين؛ الاشتراكية والرأسمالية.

ويرى توينبي أن الشرق ينطوي على بذور روح التسامح والتعايش السلمي بين الأساليب المختلفة في الحياة. وهو يضرب لذلك مثلًا بعقائد الشرق الأقصى، ولا سيما الهند، التي تتعايش معًا دون تعارض. وهو يؤكد أن ما يحتاج إليه العالم هو التخفيف من النظرة «التوحيدية» إلى الأمور، والإيمان بإمكان وجود نوع معين من «التعددية» في النظم والمذاهب الاجتماعية والسياسية.

وربما كان للمرء أن يأخذ على توينبي أنه لم يوضح الطريقة التي يمكن أن يتم بها هذا التعايش بين المذاهب: فهل يستطيع الإنسان أن يغير طريقته في النظر إلى الأمور بالمواعظ وحدها، أم أن من الواجب وجود أسس موضوعية لهذا التغيير؟ وفي الحالة الأخيرة، ما هي هذه الأسس وكيف يمكن تنميتها؟ وفضلًا عن ذلك، فهل التعايش بين النظم المتباينة حالة نهائية دائمة، أم هو حالة مؤقتة تهدف إلى منع التصادم بينها حتى يتحقق التفوق للأصلح منها بطريقة سلمية، فلا يعود للتعايش معنًى في هذه الحالة؟ كل هذه أسئلة لا يجيب عنها توينبي في محاضرته هذه، ولعله اكتفى بأن يثير في أذهان السامعين الشعور بضرورة التفكير في هذه الموضوعات الحيوية، وترك لكل ذهن أن يتصور الحل الذي يراه ملائمًا لما أثارته المحاضرة من المشكلات.

المحاضرة الثالثة

تعالج هذه المحاضرة موضوع السكان ومشكلة الغذاء في العالم. وقد حرص توينبي فيها على أن ينبه إلى خطورة الزيادة المطردة في عدد سكان العالم، التي قدر أنها ستبلغ في سنة ٢٠٠٠م الضعف أو ثلاثة أمثال العدد الحالي لهؤلاء السكان. وتلك زيادة خطيرة، ولا مفر من البحث عن طريقة لمواجهتها قبل أن يصل العالم إلى مرحلة الخطر الحقيقية. ولا شك أن المؤرخ أكثر شعورًا بالخطر في هذا الصدد من السياسي؛ ذلك لأن السياسي يتناول مشكلات ملحَّة عاجلة، وخططه التي تستهدف المستقبل لا تصل إلى هذا المدى البعيد، أعني التفكير في مشكلات العالم سنة ٢٠٠٠م مثلًا. وفضلًا عن ذلك فإن نظرة السياسي محلية محدودة، تختص ببلد معين أو مجموعة من البلدان أو نظام من النظم الاجتماعية والسياسية، أما التفكير على مستوى العالم في مجموعه، بقدر متساوٍ من الاهتمام، فإن المؤرخ العالم أقدر عليه؛ لأن نظرته تمتد إلى رحاب مكانية وزمانية واسعة، ولأنه يستطيع أن يقيس المستقبل على أساس خبرته بالماضي والحاضر، ويصل إلى استنتاجات ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند وضع أي تخطيط لمستقبل البشر.

والنتيجة التي يصل إليها توينبي هي أن التضخم الانفجاري في عدد السكان مقترن باستتباب السلم، الذي أصبح مقدمةً لا بد من افتراضها في أي بحث عن مستقبل الإنسانية «إذ إن قيام حرب أخرى يعني عدم وجود مستقبل للبشرية، وبالتالي فلا مجال لتصور حالة مقبلة للناس في أعقاب حرب ثالثة»، هذا التضخم المقترن بالسلام سيفرض على الناس اتجاهات جديدة في التفكير. وهذا ما يستطيع توينبي أن يؤكده لأنه يراه بعين المؤرخ الفيلسوف الذي تمثلت له تجارب البشر كلها في لمحة واحدة. فالإنسان، إذا أراد أن يواجه مشكلات السكان والغذاء في المستقبل بوصفه إنسانًا، يتعين عليه أن يعيد النظر في كثير من نظمه الأساسية الراهنة، ولا سيما نظام تقسيم البشر إلى وحدات قومية. ويرى توينبي أن وحدة البشر في المستقبل شرط لا غناء عنه لبقاء الجنس البشري، وضمان عدالة توزيع الموارد المالية فيه. فالأسلحة النووية تقتضي — من أجل ضمان عدم استخدامها أولًا، ثم تحريمها وإزالتها من الوجود ثانيًا — هيئةً دوليةً شاملةً تقوم بهذه العمليات على نطاق عالمي شامل. وكمية الغذاء التي تتناقص نسبتها إلى مجموع سكان العالم بالتدريج، تقتضي بدورها هيئةً عالميةً أعلى سلطةً من الهيئات القومية الخاصة. وهكذا ينتهي توينبي إلى إبداء رأيه بكل صراحة ووضوح: فإما سيادة حكم الإنسانية الواحدة المتماسكة، وإما الموت جوعًا أو تحت أنقاض القنبلة النووية.

ومن الممكن القول إن توينبي لم يقدِّر أهمية التقدم العلمي في توفير الغذاء لسكان العالم تقديرًا كافيًا في هذه المحاضرة؛ ذلك لأنه أشار إلى احتمالات الزيادة المطردة في إنتاج الغذاء، ولكنه لم يشر إلى احتمالات الزيادة «الثورية» في هذا الإنتاج، نتيجةً لتركيز الطاقات العلمية في هذا الموضوع بعد أن يتحقق للعالم نزع السلاح، ولا تعود الأغراض العسكرية هي الهدف الرئيسي للبحث العلمي. وربما كان عدم إبداء توينبي الاهتمام الكافيَ بهذه المسألة راجعًا إلى رغبته في إبراز عنصر الخطورة في زيادة عدد السكان، والتنبيه إلى ضرورة إيجاد علاج حاسم لهذه المشكلة. والعلاج الحاسم الذي يقترحه، والذي يراه الوسيلة الوحيدة لحفظ البشرية ذاتها من الهلاك، وأعني به سيادة النزعة العالمية وإذابة الحواجز بين الدول القومية، هو علاج ضروري، لا من الناحية السلبية فقط — أعني إنقاذ العالم من المجاعة أو الدمار — بل من الناحية الإيجابية أيضًا، لأنه هو الخطوة الأولى في سبيل بداية «التاريخ» الحقيقي للإنسان على هذه الأرض. فبعد توحيد الإنسانية، سيبدأ عصر الإنسان في هذا العالم، وستُعد العصور الماضية كلها — بما فيها من حروب ومنازعات وانقسامات بين البشر — عصور «ما قبل التاريخ» بالنسبة إلى هذا العصر المرتقب.

المحاضرة الرابعة

في هذه المحاضرة يتناول توينبي موضوعًا يشغل أكبر قدر من اهتمامنا، وهو مركز الشرق الأوسط في السياسة العالمية، وأبعاد القضية الفلسطينية. والاتجاه العام الذي يسير فيه توينبي في هذه المحاضرة تقدميٌّ تمامًا. وهو يصل في ذلك إلى حد الجرأة التي تدعو إلى الإعجاب، فيتحدث عن تناول بترول الشرق الأوسط قائلًا: «إن أفضل طريقة — في رأيي — لضمان الحصول على البترول من البلاد المنتجة له، هي ألا نضايقها بمحاولة السيطرة عليها سياسيًّا، وإنما أن نترك هذه البلاد حرةً، لأن رغبتها في بيع بترولها لا تقل على أي الحالات عن رغبة أوروبا الغربية في شرائه.» ويتحدث عن الجنوب العربي أمام السفير البريطاني قائلًا: «إن بريطانيا سيكون عليها إن عاجلًا أو آجلًا — وآمل أن يكون ذلك عاجلًا — أن تتخلى عن السيطرة على منطقة نفوذها الحالية في الجزيرة العربية، مثلما تخلت من قبل عن سيطرتها على العراق والأردن وفِلسطين ومصر والسودان.» ويتحدث عن «ذلك الجزء من فِلسطين الذي يحتله الإسرائيليون اليوم» بوصفه مظهرًا من مظاهر بقاء الاستعمار في الشرق الأوسط.

وموقف توينبي من القضية الفِلسطينية معروف ومشهور في العالم أجمع، فقد أفاضت الصحف العالمية في وصف مناقشاته مع أصحاب الاتجاهات الصهيونية، ودحضه الحاسم لحججهم، وهو يرتكز في موقفه هذا على أساسين؛ الأساس الأول علمه الواسع بالتاريخ، الذي أتاح له أن يفند مزاعم الصهيونيين عن الدولة اليهودية القديمة التي يقال إنها كانت في فِلسطين. والأساس الثاني والأهم هو نظرته — بوصفه عالمًا — إلى الموضوع كله. فالعالم الذي يقدر النظرة المنطقية الموضوعية إلى الأمور، لا يقبل أبدًا أن تقوم دولة على أسس دينية خالصة «هي في ذاتها مشكوك فيها»، ولا يقبل المزاعم العنصرية التي تنطوي عليها ضمنًا الدعوة الصهيونية إلى جمع اليهود من أشتات الأرض في مكان واحد، ولا يقبل بمنطق «الأمر الواقع» الذي يرتكز عليه ساسة إسرائيل في رفضهم إعادة اللاجئين بعد أن احتلُّوا أراضيهم غصبًا. وهكذا يقف توينبي — في معارضته للصهيونية — على أرض متينة، أتاحت له أن يتخذ من هذه المسألة موقفًا مشرفًا لا أثر فيه للتعصب أو التحامل. وربما كان موقفه هذا هو الذي يحقق مصالح الجميع، وضمنهم اليهود أنفسهم، لو أنهم أدركوا الأمر على حقيقته، ونظروا إلى الخط الكامل لتطور التاريخ العالمي، وعلموا أن عالم الغد لن يكون فيه مكان للجهالة والتفكير الأسطوري والخرافي.

ويحدد توينبي في هذه المحاضرة ثلاثة «مفاتيح» يعتقد أنها هي التي ستؤدي إلى حل المشكلة الفِلسطينية؛ أول هذه المفاتيح هو القوة المتزايدة التي يمكن أن تكسبها البلاد العربية إذا توحدت. وهو يستعرض بدقة كاملة العوامل التي تساعد على هذه الوحدة، والعقبات التي يمكن أن تعترض طريقها، لينتهي آخر الأمر إلى أن فرص الشعوب العربية في الوحدة لا تقل عن فرص الولايات الإيطالية أو الدويلات الألمانية في الوحدة القومية في القرن التاسع عشر. وآراء توينبي في هذا الصدد موضوعية خالصة، غير أن من الصعب التوفيق بينها وبين حملته على النزعة القومية، وهي الحملة التي تظهر بطريقة صريحة أو ضمنية في محاضراته الثلاث الأخريات. ومن الجائز أن لديه تفسيرًا لهذا التعارض، غير أن نص المحاضرات ذاتها لا يوضح هذا التفسير.

والسبيل الثاني إلى حل المشكلة الفلسطينية هو موقف الطوائف اليهودية في العالم الغربي وفي الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص. ذلك لأن توينبي يرى أن فترة العطف الحالية يمكن أن تنتهيَ في المستقبل، بحيث تزداد هذه الطوائف اندماجًا بالبلاد التي تحيا فيها، والتي تدرك أن مستقبلها متوقف عليها، بدلًا من أن تظل تتمسك بهذا الولاء المزدوج نحو بلادها الأصلية ونحو إسرائيل في نفس الوقت، فتُعرِّض بذلك مركزها في هذه البلاد للخطر. ويرى توينبي أن الأجيال القادمة من يهود البلاد الغربية لن تشعر بنفس العطف الذي يربط بين الأجيال الحالية وبين سكان إسرائيل، الذين تربطهم أواصر القرابة العائلية باليهود الغربيين في كثير من الأحيان. والنقد الذي يمكن أن يوجه إلى هذه الوسيلة في حل المشكلة الفلسطينية هو أنها تقتضي لتحققها وقتًا أطول مما ينبغي؛ إذ إن علينا أن ننتظر «جيلين أو ثلاثة» حتى يضعف تأثير الروابط العائلية، وتضعف الصلة بين يهود البلاد الغربية ويهود إسرائيل.

ومثل هذا النقد يمكن أن يوجه إلى الوسيلة الثالثة من وسائل حل المشكلة الفلسطينية، وهي موقف اليهود الشرقيين في إسرائيل نفسها؛ فهو يرى أن اليهود الشرقيين أقدر على التفاهم مع البلاد العربية من اليهود الغربيين، وأن هناك أملًا في الوصول إلى حل لو انتظرنا حتى تصبح لليهود الشرقيين — بحكم كثرتهم العددية — الكلمة الأولى في بلدهم. وهذا «الحل» في رأينا بعيد عن الواقع: أولًا لأن اليهود الشرقيين ربما كانوا أكثر ضراوةً في عداوتهم للبلاد التي كانوا يعيشون فيها من اليهود الغربيين، والأمثلة التي أتى بها توينبي لإثبات رأيه هنا أمثلة فردية لا تكفي أبدًا لإثبات حكم عام كهذا. وثانيًا لأن هذا الحل يقتضي منا أن ننتظر أجيالًا متعددةً حتى يأتيَ الفرج بسيطرة اليهود الشرقيين على مقاليد الأمور في إسرائيل. وفي خلال هذه الأجيال المتعددة يظل اللاجئون في خيامهم، وتضعف قضيتهم بالتدريج، وتظهر منهم أجيال فِلسطينية جديدة لا تعرف عن وطنها الأصلي، ولا عن نكبة إخراجها من ديارها، سوى ما تسمعه من الغير. فهذا الحل إذن سلاح ذو حدين، وأخشى أن أقول إن الحد الضار فيه أقوى من الحد النافع.

والخلاصة أن موقف توينبي من القضية الفِلسطينية سليم تمامًا من الوجهة العلمية، وهو متعاطف تمامًا مع وجهة نظر العرب. وكل ما في الأمر أن صفة المؤرخ فيه تجعله يستهين أحيانًا — في الحلول التي يقترحها — بحساب الزمن، ولا يتأمل الأمور إلا من خلال فترات زمنية طويلة، مع أن التوقيت الدقيق عامل حاسم في مشكلة القضية الفِلسطينية، والفرق بين المبادرة إلى الحل في الوقت المناسب، وبين الانتظار طويلًا حتى تحل المشاكل نفسها بنفسها، قد يكون هو ذاته الفرق بين الطريقة المثمرة والطريقة غير المأمونة في معالجة هذه المشكلة.

وأخيرًا فإن النص الذي نقدمه لمحاضرات توينبي الأربع هذه، قد يكون الوحيد المكتوب لهذه المحاضرات؛ إذ إن المؤرخ الكبير لم يترك نصًّا لها، وإنما كان يرتجل منها أجزاءً كثيرةً، يكمِّل بها الملخص الذي يقرأ منه. وقد أعددت هذه الترجمة من التسجيلات المحفوظة بهيئة إذاعة الجمهورية العربية المتحدة مباشرةً، وحرصت على أن تكون دقيقةً جامعةً لكل ما قاله توينبي في محاضراته. وأستطيع أن أقول مطمئنًّا إنه من الممكن الاعتماد على هذه الترجمة بوصفها نصًّا مكتوبًا لهذه المحاضرات.

القاهرة في أكتوبر ١٩٦٤م
دكتور فؤاد زكريا
الأستاذ المساعد بكلية الآداب
جامعة عين شمس
١  للاطلاع على تحليل أكثر تفصيلًا لهذه المحاضرة، انظر مقالنا بعنوان: «توينبي والأسلوب الغربي في الحياة»، مجلة الثقافة، العدد ٤١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢