المجاهدة

قال أبو الحسن الشاذلي: «من آداب مجالسة الصديقين، أن تفارق ما تعلم؛ لتظفر بالسر المكنون.»

«إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة، ومجانبة الدعاوى والمخادعة، فمن أعطيها؟»

«وكل كرامة لا يصحبها الرضا عن الله، ومن الله، فصاحبها مستدرج مغرور، أو ناقص أو هالك أو مثبور.»

سبقه جابر برغوت إلى المخزن الصغير الملاصق لحجرة الإمام. اطمأنا إلى جلستهما بين السجاجيد والحصير والمقشات وأسلاك الكهرباء وزيوت الإضاءة والشموع والبخور والصناديق والكتب القديمة.

مال الراكشي إلى جابر برغوت. استهوته صحبته، أنصت إلى آرائه، وتأملها. استولى على قلبه بالمحبة. شعر أنه يعلم من علوم الدين والتصوف أكثر مما يعلمه الشيخ يوسف بدوي. هو الآن أرقى حالًا من الشيخ الذي كان يتعلم منه. وشعر بالروحانية في نفسه، والربانية في روحه.

قال علي الراكشي: الشيخ أمين عزب زعلان مني.

– لماذا؟

– يتصور أني أمشي في طريق الشيخ حماد.

غلبه التأثر حين طارده الأولاد في شارع إسماعيل صبري، فلاذ بمجيرة عم سعد. اختبأ وراء الكشك الصفيح المطل على سيدي علي تمراز، حتى طرد عم سعد الأولادَ.

قال جابر برغوت: وهل تفعل ذلك؟

التمعت عيناه بحيرة: أنا لا أعرف الشيخ حماد؟

واعتدل في جلسته: يقولون إنه رجل صالح.

أمن جابر برغوت بهزة من رأسه: هذا صحيح … وأنت رجل صالح … سر في طريقك ولا تلقِ بالًا لأحد.

تشاغل علي الراكشي بتأمل القبة الضخمة — من انفراجة الباب — تتوسط صحن الجامع، تحيط بها نوافذ زجاجية ينداح منها الضوء إلى الداخل، ويشكل تكوينات وظلالًا على الأرض والجدران.

هذا هو المكان الوحيد الذي يجلس فيه إلى من ألقي حبه في قلبه، يحاوره، يأخذ ويعطي، يسأل ويجيب. يدرك في مجلس جابر برغوت معنى القول إن الصوفي لا يتنفس إلا بين إخوان. هذا الرجل أخوه. هو الأقرب إليه لأنه يفهمه، لا يضايقه ولا يزجره ولا يثور عليه. دنياه القرآن والدعوات والابتهالات والأذان والبخور والخدمة في الجامع. تيقن من آثار ربه في قلبه، فاعتزل الناس، ولزم الجامع لا يفارقه إلا لضرورة.

فاض المكان بالصمت، صمت سادر، جياش بالصفاء والسكينة.

– ما أخبار الشيخ يوسف بدوي؟

أحنى راسه: لم أعد مريدًا.

ثم بصوت ممتلئ: كل ما يعلمه … أعلمه.

كثرت طاعاته، وكثر إخلاصه. أخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الناس. رآهم من حوله بعين النقص. انقطع إلى الله من البشر. ولَّى وجهه نحوه فلم يتحول عنه. صار معه بلا علاقة. صفَّى نفسه من كل ما هو فانٍ، متناهٍ، محدود. فني عن آفات الدنيا، فلم يرجع إليها. لم يعد يشتغل بغير الذات الإلهية، فتحققت — في داخله — الولاية. سلك في مدارج العارفين إلى حيث بلغ مرتبة العرفان، وانكشفت له الحجب، وشهد من علم الله ما لا يشهده غيره. عرف السر وأخفى. بحره يغوص إلى حيث لا أعماق، وتمتد آفاقه إلى حيث لا نهاية، وثمة أصوات خفية تنبعث من داخله، تدعوه إلى السمو والارتقاء فوق الحجة والرغبات، والتحليق في آفاق الطير بلا أجنحة.

عظمت الأحوال، وعلت المقامات: تفتح أبواب السماء، وتسطع الأنوار، وتبين الملائكة عن صورها، وتتألق مشاهد الجنة بدورها وقصورها وحورها وأنهارها وأشجارها وثمارها ومنازل الأنبياء والأولياء والشهداء والصديقين. يسير في الملكوت، ويمضي في الطريق إلى الغاية القريبة: ينكشف له الأمر، ويتعرَّف إلى الأحوال الرفيعة، وتجليات الذات والصفات. يتخفف من الأحمال السيئة، ويرقى في مقامات النور. يغني في كون اللاهوت، وينهل من التوحيد والحقائق، ويفيض على صدره النور، ويتصرف في الأطوار القلبية، وتتوالى فيوض التجلي، لا يتخللها ستر ولا انقطاع.

– قوَّى الله إيمانك.

بدا عليه التردد.

قال الراكشي: هل هناك ما تريد أن تكلمني فيه؟

وهو يغمض عينيه: لا تشغل بالك.

اتجه إليه بنظرة اهتمام: نحن أصدقاء.

ربت ركبته بأصابعه: نعم الصديق أنت … وأنت كذلك شيخ مبارك.

ثم بصوت هامس: الحكاية يا أخي علي أن سيدي ياقوت العرش …

داخل التهدج صوته، واختلطت الصور، وتشابكت، وشحبت، وتشكلت تكوينات، وغاب الزمان والمكان، وتواصلت لحظات السكينة والصفاء، وانداحت حزم الضوء من النافذة العلوية، وحلقت في صحن الجامع عصافير وحمائم، وتضوع المكان ببخور لم يشم أريجه من قبل، وسرت تلاوات من القرآن وقصائد صوفية وموسيقى جميلة، وأصوات تسبِّح بلغات كثيرة، متداخلة، وتناغمت التكبيرات والأذكار والابتهالات، وارتفع الأذان في غير موعد، واهتزت البيارق، ورفرفت البنود والأعلام الخضر، وتطوح الذاكرون في طاقات النور، وانفتح باب الخوارق عن فيوض لا نهاية لها، وتلاحق مد البحر وجزره، في إيقاع منغم، وتعالى هسيس النخيل على شاطئ الكورنيش، واستطال المحيط الأخضر، فلا يحده أفق.

قال الراكشي: ولكن من هو سيدنا الأنفوشي؟

التمعت عيناه بحيرة: اختفى سيدي ياقوت العرش دون أن أعرف من هو ولا مكانه.

قال الراكشي: وكيف ستتصرف؟

وعلا صوته فجأة: أقم مولدًا للإمام الأنفوشي.

– من؟

أعاد قوله: أقم مولدًا للإمام الأنفوشي.

وهو يغالب حيرته: أنا لا أعرف من هو … مضى سيدي ياقوت العرش … غاب عن المكان فلم أعرف إلا أن سيدي الأنفوشي أحد تلاميذه.

اطمأن إلى أن سيدي الأنفوشي ليس في مرتبة الأقطاب. لا يرقى إلى مرتبة الشاذلي وأبو العباس وياقوت العرش والبوصيري والأقطاب الصالحين، لم يعد لديهم الوقت الذي ينفقونه في أمور الحياة الدنيا. الحياة الآخرة شاغلهم. فوضوا أمر الناس ومشكلاتهم الدنيوية إلى سيدي الأنفوشي. ولي له كراماته، وإن لم يحقق من المكاشفات ما يجعل له مكانة الأقطاب. هو المريد والتابع والتلميذ الذي ينفذ الأوامر.

لم يكن قد التقى بسيدي الأنفوشي، ولا ظهر له في صحو أو منام، لكن طيف سيدي ياقوت العرش ظل ماثلًا أمامه، وإن غابت عنه رؤيته منذ ظهر له في صحن الجامع. يشعر أنه يصبِّره ويدفعه إلى المواصلة. لولا هذا الشعور الذي تملكه، ما استطاع أن يظل على أمله في أن يلتقي بسيدي الأنفوشي، يراه، وينصت إلى نصائحه وتعاليمه.

عرف أن عليه أن يجاهد نفسه وأهواءه وميوله، حتى يرضى عنه أولياء الله الصالحون. مشوار الراكشي طويل، لا يقاس به قراءاته القليلة وإنصاته المتعجل لخطب الجمعة ودروس المغرب، والأحاديث التي تدور في الجامع. أكثر الراكشي من الطاعات والإخلاص، فبلغ مرتبة من الورع لا يبلغها سوى العارفين الواجدين، المبتعدين كلية عن مشاغل الدنيا وهمومها، فهم قد تنبهوا وانشغلوا بالله وحده. اقترب الراكشي من الحضرة الإلهية. حصلت الولاية، وبلغ مرتبة العرفان. انكشفت له الحجب، وشهد من علم الله ما لا يشهد سواه. ظل هو مريدًا يرغب في القربى.

تبدلت — من زمن — صورة علاقتهما. ينصت، فتفيض الأقوال والرؤى. اعتبر من تشريف الراكشي له، عندما اقتنع بالذهاب معه إلى حمام الأنفوشي، وترك له جسمه. ينال بركة تحميمه بيديه. لو أنه أعلن الولاية، ما تردد في أخذ الطريق عليه. عاش بالأمل، وتمنى وصول النفس إلى القرب والحب والإخلاص، والائتناس بنور الرحمة الإلهية. اجتهد في قطع الأمل. مال إلى العزلة، واستعد للرحلة. أولياء الحي نجوم الهدى، يضيئون له طريقه. أزال صدأ القلب بدوام الخلوة والصوم والطهارة ونفي الخاطر والربط. شفَّت البصيرة، ونشطت مداركها إلى مصادر استقبال فيوضات النور الإلهي، وما تنزله الملائكة من الغيب بالهداية والنور.

قال جابر برغوت في تنبه: أسأل نفسي الآن: هل يجب أن أتوقف عن عمل الأحجبة وفك السحر؟

قال الراكشي: لماذا؟ … أنت لا تؤذي أحدًا.

ضايقه ما تناقله الناس من أنه قد خاوى جنية، تتيح له معرفة الغيب وقراءة الطالع وشفاء الأمراض، وإخراج الجن من العين والأنف وأصبع القدم.

اكتفى — في الفترة الأخيرة — بترديد ما حفظه من كتب السحر: آيات القرآن والأحاديث النبوية والرقى والتعاويذ، لا يجاوزها إلى استخدام أحشاء الطيور، أو أقدامها، ولا الكتابة المؤذية.

عندما طلبت منه هنية زوجة خميس شعبان أن يصنع لها عملًا تضعه تحت وسادة ضرتها، أو عند عتبة بيتها، نفض رأسه في غضب. قال إنه يصنع الأحجبة للخير، ويرفض المكر السيئ.

وهو يغالب قلقًا واضحًا: ربما لا يُرضي ما أفعله سيدي ياقوت.

أعاد الراكشي القول: أنت لا تؤذي أحدًا.

بدا هادئًا، ساكنًا، على غير الصورة التي اعتاد الناس رؤيته فيها يحسن الإنصات، وتقصد كلماته المعنى، وتغيب الجذبة في حركاته وتصرفاته. كان يفعل ما يفعله عفو الخاطر، ودون قصد. تنتابه حالة الوجد. تدفعه إلى حالة الفناء، يحدوه الحنين والشوق والمحبة والطيران، وينغمس في بحر التعبد. يبدو غريبًا بين من لا يفهمون معاني كلماته، وما يحياه. إيماءات تفيض عليه بأحوال السكر والفقد والفناء، يشطح بما لا يتبينه هو نفسه، ويستنكره الناس. ما يفعله لا يفهمه من تغيب عنه المشاركة في الأذواق والمواجد. ثم يعود إلى حالة الصحو، يصبح سويًّا بعد الجذب، يعي ويدرك، ويتنبه. يصر الناس على رؤية الجذب حالة دائمة. لم تكن تثيره حتى مضايقات الأولاد له.

ماذا يعرف أهل الظاهر والرسوم من أحوال أرباب الحقائق وأهل الباطن؟

آثر الصمت، وانصرف إلى أحواله ومواجيده، فني عن نفسه، وعن دعوة الخلق له، سكن إلى الله، وفر من الناس، يخضع للعلم الذي لا يتبدل ولا يتغير ولا يخطئ، يحيا في قلب الحب والتسامح والصبر. يعنيه أن يخرج من الدنيا مثلما دخل فيها: طاهرًا من الذنوب، نقيًّا من الشبهات، فيظفر بقرب الحبيب. لا يأذن لأي قول أو تصرف، أن يصرفه عن الحياة التي أرادها. صفَّى نفسه من كل ما هو فانٍ متناهٍ محدود، فهي لا تنشغل بغير الذات الإلهية. مضى إلى الأنس وروح الفؤاد والرجاء والمؤنس. ارتقت النفس إلى المعارج القدسية، في رحاب مسيرة الأيام، وتقلب آيتي الليل والنهار. أنس بالأنوار. تراءت له كشمس مبهرة بالضياء. واطمأن إلى نهاية الارتقاء والوصول: المنن والفطن، للعلم والحكمة، النعم والفضل. تنجذب القلوب له، بالمحبة والقول. لا يشق عليه — بالفيوضات الإلهية — أن يحيط بالسماء والأرض، النهار والليل، الجبال والأودية، المياه والأنهار. يعلم ما لا يعلم الناس، ويقول ما يغيب عن الناس. يفهم أسرار الجماد، ويعرف ما في باطن الأرض وقاع البحر من خيرات. يختفي أمام الناس فلا يراه أحد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤