الملكة بلقيس

fig1
fig2

الفصل الأول

الجزء الأول

(تنكشف الستارة عن هيئة تخت ملوكاني وبه الملكة جالسة، والحرس ينشدون اللحن الآتي):

الجميع (للملكة) :
ملك مولاتي الورى شمس الزمان
وثناها في سماء العزِّ بان
أَبْقِها يا ربنا طول الزمان
في سرور وأمان وأمان
بهجة الدنيا السنية
عدلها أحيا البرية
إذ غدت شمسًا زهية
في حِمى الذات العلية
في المعالي ترتقي أعلى مكان
حيث يزهو قدرها ذاك المصان
ملكها الزاهي تحلَّى بالأمان
وصفا وقت التهاني والزمان
ملكة (لذاتها) :
هي القناعة فالزمها تكن ملكًا
لو لم يكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير القطن والكفن؟!

الجزء الثاني

(ملكة – مخبر – حرس)
مخبر (للملكة) :
خانت الديلم عهد الذمم
فابتغوا دون الورى أخذ البلد
ورمونا في بحار العدم
من خيول ورماح وعدد
قد دُهينا في ذهاب الرحم
بعد إتلاف الأهالي والولد
فأدركينا بجيوش النقم
وأسعفينا أسعفينا بالمدد
ملكة (للمخبر) : ما عندك من الأخبار؟ أزل نقاب الكشف عن محيَّا الاستتار.
مخبر (للملكة) : اعلمي يا ملكة الدهر، وتاج إكليل المعالي والفخر، أن الديلم قد اغترُّوا بحلمك الوافر، وعدلك الباهر، فأعلنوا علينا الحرب، وأذاقونا الهم والكرب، وملكوا البلاد، وشتتوا شملنا في كل ناد، وأسروا الموالي، ولم يراعوا حق عدلك العالي، فأدركينا بالفرسان، قبل ما نقع في الهوان.
ملكة (للمخبر) : قد علمت ما به ذكرت، وفهمت ما به أشرت، فاذهب وحرِّض الأهالي عَلَى الثبات مع الصبر؛ ليزول عنهم القهر، ثمَّ هيِّئ نفسك مع رجالك الأبطال، واستعدُّوا للمفاخرة في ميدان الحرب والقتال، وسأتبعكم برجال لا تهاب اللقاء.
مخبر (للملكة) : أمركِ يا صاحبة الوفاء (ويخرج).
ملكة (لذاتها) :
غرَّ العدا فرطُ حلمي فاستطالوا على
ممالكي وبغوا واستوطنوا الطللا
إني لمالكة بالعدل حاكمة
لكنَّ لي همة لا تعرف الكسلا
العدل دأبي وفرط الحلم من شيمي
وصارمي في الوغى لا يصحب الفللا
مواقفي في الوغى بين الورى اشتهرت
وسطوتي في اللقا قد دكَّتِ الجبلا
لا عشتُ إن لم أفرِّق جمعهم سربًا
وينسني ذكرهم بين الورى مثلًا
إني لأعجب من اغترار العدوِّ بحلمي، وتصدِّيه لظلمي، وتعديه عَلَى بلادي، واجترائه عَلَى عنادي، ولم يدرِ أنني ثابتة الجنان، كثيرة العساكر والأعوان، يشهد لسطوتي السيف والقلم، كما تشهد بعدلي سائر الأمم! ليت شعري ما الذي رآه العدوُّ من ضعفِ قوَّتي حتى تجرَّأ عَلَى إزعاج رعيتي، وأنا الملكة بلقيس، صاحبة الجاه النفيس، عالية الهمم، كثيرة النعم، مواقفي مشهورة، وعساكري بعون الله منصورة، فتأهَّبوا يا بني الديلم للقاء جيشي العرمرم.
ألا خبِّروا جمع الديالم أنه
ستأكلهم يوم الوغى الكواثر
وتخرق أمعاهم رماح زوابل
وتجري دماهم في الفيافي البواتر
قد ابتدءوا في البغي والبغي دأبهم
ولكن عَلَى الباغي تدور الدوائر
ملكة (لذاتها) : نعم نعم، ينبغي التصميم عَلَى الحرب، والقيام بوظيفتَيِ الطعن والضرب؛ لأخرج العدو من الوطن، وأصرف عني وعن رعيتي الهم والحَزَن، ولكن يلزمني أن أستجلب ناظر الحرب إلى هذا المكان؛ لأسأله عن انتظام عساكري والأعوان. آتني بناظر الحرب إلى هذا المكان!
خادم (للملكة) : أمرك يا رفيعة الشان (ويخرج).
ملكة (لذاتها) :
لكل امرئٍ من دهره ما تعوَّدا
ومن عادتي إغماد سيفي بالعِدا
هُمُ جعلوني في اللقا بازًا لصيدهم
ولم يعلموا أني لهم أجلب الردى
ومن يجعل الضرغام بازًا لصيده
تقيَّده الضرغام فيما تقيدا
وإني محضت الحلم في محض قدره
ولو شئت كان الحلم مني المهندا
وإن أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا
ووضع الندى في موضع السيف في العلا
مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

الجزء الثالث

وزير (للملكة) : أنعمي صباحًا أيتها الملكة العادلة، والوحيدة الفاضلة.
ملكة (للوزير) : أهلًا بفارس الزمان، وغُرَّة هذا الأوان، كيف تركت عساكري أيها الوزير، والفارس الشهير؟ هل هم عَلَى ما هم عليه من الشجاعة، والبسالة وكمال الطاعة؟
وزير (للملكة) : نعم نعم، هم عَلَى ما تعهديهم من الشجاعة، والانقياد وكمال الطاعة، وهم في غاية الشوق للقاء الأعداء؛ لكي يُنزِلوا بهم الضر والبلاء.
ملكة (للوزير) : هاتني بجملة منهم لأرى انتظامهم وغَيرتهم وإقدامهم.
وزير (للملكة) : أمركِ يا غاية الأمل.
ملكة (للوزير) : أحضرهم إلى هنا بالعجل.

(لذاتها)

إنَّا لنبني عَلَى ما شيدته لنا
آباؤنا الغرُّ من مجد ومن كرم
لا يرفع الضيف عينًا في منازلنا
إلا إلى ضاحك منَّا ومبتسم
إني إذا كان قومي في الورى عَلَم
فإنني علم في ذلك العلَم

الجزء الرابع

(وزير الحرب – وحرس – وعسكر – وقُوَّاد)

(ينشدون اللحن الآتي جميعًا):

الجميع (للملكة) :
جئنا يا ذات المعالي
فَأْمُري جمعَ عبيدك
لتباشر في النزال
وتَرَيْ فِعْل جنودك

(لحن):

مخبر (للملكة) :
جيوشك اليوم يا ذات العلا والفخر
تبغي لقاء الديالم بالسيوف البُتَّري
حُزْنَا من الرب عَلَى أعدائنا النصر
والسيف يشهد لنا والعاليات السمري
ملكة (للجميع) : يا معشر الأبطال، وفرسان النزال، قد جمعتكم لأمرٍ لا أجد غيركم من هو أهله، ولا أرى سواكم مساعدًا لي عَلَى حمل ثقله، فهل أنتم في موضع ظني أيها الأبطال إذا الْتَقتِ الجماعات وافتخرت الرجال؟ أو يدخل نظم جمعكم اختلال؟ أو يطمع في تفريق كلمتكم عدوٌّ محتال؟ كلَّا، إني لا أظن هذا في رجالي، وهيهات أن تتصف بذلك أبطالي، فجرِّدوا سيوفكم من الأغماد، وقاتلوا أرباب الفساد والعناد؛ لأنكم عماد دولتي، وبكم تقوى صولتي، فقووا شوكتي، واحموا حوزتي؛ لأنني لهذا اليوم خبأتكم، ولمثل هذا اليوم ادَّخرتكم. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن من لَحِقه منكم هلاك أو حتوف، فهو حيٌّ في الدارين، وقد باء بإحدى الحُسْنَيَيْن. وأمَّا من أدبر وأحجم، فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم. فاملئوا قلوب الأعداء رعبًا، وأذيقوهم نكالًا وضربًا، وكونوا لهم قاهرين، وعلى جموعهم ظافرين، واحموا الوطن من أعدائكم الأشرار؛ لأنكم لملكي حماة وأنصار، وإنكم لحماية الدين ركن مكين، ولحفظ الوطن حصن حصين، وسترون مليكتكم يوم القتال، تقتحم بنفسها أهوال الحرب والصدام:
وأشوِّق قلبي لحرب أبتغي فيها
قتل الأعادي وسيفي اليوم يفنيها
عارٌ عَلَى ملكة لم تحمِ بلدتها
أنا بلادي بعون الله أحميها
من جسمكم يا رجال الحرب أجمعها
ذات المخالب إن جاءت بأغزيها
النصر حالفني والأُسد ترهبني
والإنس والجن والدنيا وما فيها
وزير (للملكة) : يا غُرَّة هذا الدهر، وفريدة هذا العصر، أبشري بالعز والنصر، وسنرمي أعداءنا بسهام المذلة والقهر، وها أنا ذا رجالي مستعدُّون، لمهاجمة الأعداء ومباشرة الطعن والنزال، فأبشري بالعزِّ والفوز عَلَى الأعداء اللئام، بهمة فرساننا الكرام، فسنقاتل الأعداء برًّا وبحرًا، ونترك لحربنا عَلَى صفحات التاريخ ذكرًا، فاستعدُّوا يا معشر الديالم لحربي، وانتظروا طعني في صدور أبطالكم وضربي:
مليكتي إن كان ظل القصطلي الحلكي
أخفى عليك قتالي يوم معتركي
فسائلي فرسي هل كنت أطلقه
إلا عَلَى موكب كالليل محتبكِ؟
وسائلي الرمح عني هل طعنت به
إلا المدرع بين النحر والحنك؟
وسائلي السيف عني هل ضربت به
يوم الكريهة إلا هامة الملك؟
أسقي الحسام وأسقي الرمح نهلته
وأتبع القرم لا أخشى من الدَّرَكِ
كم ضربة لي بحد السيف قاطعة
وطعنة شكَّت القربوس بالكرك!
لولا الذي ترهب الأملاك قدرته
جعلت متنَ جوادي قبة الفلك
ملكة (للجميع) : بارك الله فيكم أيها الأبطال، وها أنا سائرة أمامكم في ميدان القتال.

(لحن):

الجميع (للملكة) :
في مجال الحرب نبغي الافتخار
في البراري والقفار
ونحوز الافتخار
والعلا والاشتهار
بجميل الاصطبار
وجليل الاعتبار
ولواء النصر يهدينا الفخار
أمان أمان لعلاك والمقام
إذ به نلنا المرام
بجميل الصبر مع حسن الختام
(تم الفصل الأول)

الفصل الثاني

الجزء الأول

(جوليا – فوديم)

(تُرفع الستارة عن هيئة صالة ملوكي.)

جوليا (لفوديم) :
أختاه قلبي به النيران تلتهب
ونهر دمعي بروض الخد ينسكب
وإنني في بحار الوجد غارقة
وإن قلبي لبعد الأم يَطَّرب
فراق أمي ضنى جسمي وأتلفني
كذاك بُعْدُ خطيبي أمره عجب!
فوديم (لجوليا) : شقيقتي، إن أمي ستعود عن قريب، وقد أتى حبيبك الخطيب.
جوليا (لفوديم) : أخطيبي أتى يا شقيقتي؟
فوديم (لجوليا) : نعم يا ملكة مُهجتي.
جوليا (لفوديم) : وا فرحاه! إني لرؤيته لفي غاية الاشتياق، وإن قلبي لرؤية والدتي لفي احتراق.
فوديم (لجوليا) : أمَّا حب خطيبك أمر ما فيه اختلاف، وهو منتظر رجوع أمك ليحظى بالزفاف، وقد أتتنا البشائر برجوع والدتي الملكة مكللة بإكليل النصر، يعلو عَلَى رأسها ألوية الفخر، فأظهري البسط والانشراح، فإني أسمع صوت أفراح، اسمعي اسمعي!

الجزء الثاني

(ينشدون اللحن الآتي من الخارج):

جوقة (لنفسها) :
في حمى شمس الكمال
نحن أبطال القتال
بأسنا هدَّ الجبال
في الوغى يوم النزال
شمس أيام الهنا
نورها باهي السنا
حيث قد نلنا المنا
بانتصار قد دنا
بالهنا والافتخار
وجميل الاصطبار
ملكة ذات اقتدار
تزدهي في افتخار

(هنا تصدح الموسيقى مَرْشًا عسكريًّا ويدخلون القوَّاد والعساكر، وأمامهم الملكة وعليهم علامات الانتصار.)

ملكة (لذاتها) :
الحمد لله نلتُ النصر في الحرب
وسقيه العدا كأسًا شديدًا من الكرب
تفرَّقوا في الوغى مثل القطا سربًا
لما رءوا شدة الأبطال في الضرب
جوليا (للملكة) :
بالنصر والفخر والعليا بلا نَصَب
حزتِ الهنا والمنى مع غاية الأرب
والنصر والمجد والعز التي اشتهرت
به الملوك ونالت غاية الأدب
ملكة (لجوليا) : الحمد لله يا ابنتي، قد نلت في الحرب بغيتي، ورجعت بحمد الله منصورة، ببسالة عساكري المشهورة، وأسرت فرسان الأعداء، وأوقعت بهم الضر والبلاء.
جوليا (للملكة) : لمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وإني أيتها الملكة العادلة، والوحيدة الفاضلة، قد قر ناظري، وانشرح خاطري، بنيلك هذه الأماني، فأقدم واجب التهاني، ورجائي من مكارمك العلية، ومحاسنك الزكية، إحضار الأسرى إلى هذا المكان؛ تذكارًا لجلالتك من رفعة الشان.
ملكة (للياور) : أحضروا الأسرى إلى هذا المكان.
ياور (للملكة) : أمرك يا رفيعة الشان.

(لحن):

الجميع (للملكة) :
ربة الأمر المطاع
شرَّفت كل البقاع
ذكرها بالعدل شاع
ولها النصر أطاع
قدرها سامٍ جليل
ولها ذكر جميل
جودها لا عن مثيل
وهو للعاني كفيل
اهنئي شمسَ الكرام
بالمنى نلتِ المرام
واحمَدي رب الأنام
حيث قد تم السلام

(ويخرجون)

ملكة (للوزير) : اجلس أيها الوزير، والفارس الشهير، فإني أشكرك عَلَى حسن التدبير، فأنعم بك من مدبر خطير، حافظت عَلَى الوطن، وصرفت عني وعن رعيتي الهم والحزن.
الوزير (للملكة) : ما أنا يا يا مولاتي إلا عبد دولتك، وغرس نعمتك، وما هذا إلا واجب ذمتي، وسبب نعمتي، والحمد لله عَلَى إحساناته الجليلة، وإنعاماته الجزيلة؛ إذ قد نصرنا عَلَى أعدائنا، وثبَّت أقدامنا، وللحق هدانا بحسن تدبيرك يا ملكة الزمان، وشمس سماء المجد وغرة هذا الأوان، فجلالتك العلية مفروض إكرامها، وألوية جيوشك مرفوعة بالنصر أعلامها، فلا زال النصر خادمًا لأعتابك، والعز والفخر مُلازمَيْن لبابك، بحيث يبتهج بك الوقت ويزدهي، وينتظم بك عقد المسرة ولا ينتهي.

الجزء الثالث

(عسكر – قواد – أسرى)

(لحن):

جوقة (للملكة) :
الْبَسي يا ذخرنا ثوب النعيم
فالصفا هنا
وانجلى بعد الهنا ليل الهموم
وانتفى عنَّا
قد أتينا بالأسارى في القيود
يشتكوا الذلا
فاهنئي رغمًا عن كيد الحسود
واحمدي المولى
بختيار (للملكة) : مولاتي، زادت هواجس الضمائر، واشتغلت خفايا السرائر، والثقة بحلمك أوفى عمل، والاعتماد عَلَى فضلك أزكى أمل، فأعتقي أسيرًا متوسِّلًا إليك بعدلك، وواقفًا بأعتابك الكريمة معتمدًا عَلَى فضلك، وارحمي العَبرة، وأقيلي العثرة، وفكي أسر هؤلاء المساكين، واعطفي عَلَى عبيدك المُهانين، فقد تكدَّرت حياتنا، وتنغَّصت لذَّاتنا، وصارت مدة العمر قصيرة، وصحة النفس مستحيلة، والدهر سيف قاطع لا يؤمن حده، وسيف نافذ لا يمكن رده، وهذا مقام العائذ بظلك، المحتاج إلى عفوك وعدلك، والحلم لا تمحى آثاره، ولا ينهدم مناره، وفيما أشرت إليك كفاية لمن وعى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، ولا زلت راقية في درجات الهمم، معظَّمة في أعين ملوك الأمم، تزهو بك الدنيا وما فيها، وفي الحسنى إليك المنتهى.
ملكة (للجميع) : قد مننت عَلَى هؤلاء الأسرى بالإطلاق، فأخلوا سبيلهم وحلُّوهم من الوثاق، وأبقوا هنا هذا الفارس الجواد؛ لأسأله هو من أي البلاد.

(لحن):

الجميع (للملكة) :
يا ذات البها ذاتَ المعالي
أمان أمان
يا شمس الولا والمجد العالي
جدت كرمًا يا ذات مجد أمان
فابْقَي أبدًا مدى الليالي
يا ذات الولا ذات الكمال أمان أمان
يا ذات البها والمجد العالي
جدت كرمًا يا ذات مجد أمان
فابقَي أبدًا مدى الليالي

(ويخرجون)

(بختيار – الملكة – جوليا – فوديم)
ملكة (لبختيار) : آه، إن حُسن هذا الهمام قد رماني بالعشق والهيام، وما بقي لي عنه صبر ولا قرار، وفقدت الصبر والقرار، وما بقي له اصطبار، فليت شعري ما اسم هذا الفارس النجيب، الذي يُتمنَّى بقوامه العجيب! ما اسمك يا صاحب الازدهار؟
بختيار (للملكة) : عبدك بختيار.
وأهيف معسول الرضاب ممنع
يمزِّقني في الحب كل ممزَّقٍ
ملكة (لبختيار) :
فلو كان لي نصف اسمه رق وارعوى
أو العكس من باقيه لم أتعشق
وما اسم بلدك بين البلدان؟
بختيار (للملكة) : اسم بلدي يا مولاتي همزان.
ملكة (لبختيار) : آه، فقدت في حبه الجنان، حي الله بلادك، وبلَّغك مرادك! ولكن ما سبب قيامك للحرب يا قرة الأبصار؟
بختيار (للملكة) : سببه يا مولاتي حب الافتخار.
ملكة (لبختيار) : آه، فقدت في حبه الصبر والقرار، فأخشى أن يظهر سري، أو يطَّلع أحد عَلَى أمري، خذوا بختيار وزيدوا في إكرامه، وأعلوا في دارنا مقامه، وزيدوا له في الإكرام، وأجلسوه في أعلى مقام.
ياوريه (للملكة) : أمرك يا نسل الكرام.

(ويخرجوا)

ملكة (لياوريه) : ينبغي التستر مهما أمكن عن زيد وعمرِو؛ لئلا يظهر سري، أو يطَّلع أحد عَلَى أمري، إنني يا ابنتي من مقاساة أهوال الحرب والصدام، أصبحت منحرفة المزاج، ومرادي أن أستريح قليلًا بالمنام.

(وتذهب هي والحاضرين ما عدا جوليا.)

جوليا (لذاتها) : ويلاه، قد وقعت في شَرَك الهوى، فازداد بي وهدَّ مني القوى، وعشقت بختيار وعدمت في حبه الاصطبار، وزاد بي الوجد والهيام، واستولى عليَّ الغرام لأنه ملك شديد الباس، يهدُّ بعزمه الحواس، ويستولي عَلَى القلوب، ويوقع المحب في الكروب، وقد وقعت في أمرين خطيرين، وسهمين مهلكين؛ الأول: محبة حبيبي، والثاني: محبة خطيبي، ولكن الأول أنساني الثاني، وصار سببًا لحرماني، أواه وا حزناه!

الواقعة الرابعة

(جوليا – فرناس)
فرناس (لجوليا) :
أذاتَ الحسن قد طال اشتياقي
وفي نار الهوى زاد احتراقي
جوليا (لفرناس) :
أيا ذا المجد دعني في همومي
ودعني اليوم من أمر التلاقي
فرناس (لجوليا) :
أجوليا إن وجدي في ازدياد
وإني قد سئمت من البعاد
جوليا (لفرناس) :
أيا ذا المجد دعني في عنائي
فإني اليوم مشغولٌ فؤادي
فرناس (لجوليا) : ما عوَّدتني يا كاملة الوفا، عَلَى الصدِّ والجفا، فما هذا الإعراض عني والفرار مني؟!
جوليا (لفرناس) : ابعد بحياتي عليك عني، فإني لا أشتهي رؤية أحد في هذا النهار.
فرناس (لجوليا) : ما هذا الكلام يا مخجلة الأقمار؟! ونحن لهذا اليوم في الانتظار، وقد أتت الملكة من الحرب، ومرادنا الزفاف عنَّا الهم والكرب.
جوليا (لفرناس) : دعني من أمر الزفاف، واذهب من أمامي يا نجل الأشراف، فإن قلبي في اضطراب، فاذهب من فضلك ولا تُطِلِ الخطاب.
فرناس (لجوليا) : ما هذا الحرمان؟
جوليا (لفرناس) : اذهب اذهب بلا توانٍ! هه هه، يطلب مني أمر الزفاف، ويجهل أني ذقت بحب بختيار التلاف.
بحبي بختيار عدمت صبري
دموعي في هواه عين فخري
سلوت بحبه الثاني خطيبي
ومن فرط الهوى قد عزَّ صبري
فرناس (لجوليا) : تُيِّمتِ بغيري يا رشيقة القوام، ونسيت عهدي والزمام، فاعدلي عن هذه الأفكار، قبل ما أخبر بذلك أمك ذات الافتخار.
جوليا (لفرناس) : سر وأخبرها بذلك والسلام، فإني نقضت عهدك والزمام.
فرناس (لجوليا) : خلِّي عنك الصد والهجران!
جوليا (لفرناس) : سر سر، فلا رأيت خيرًا يا مُهان، سر سر قبل أن أذيقك الهوان.
جوليا (لذاتها) : ويلاه، قد وقعت في الهم العريض الطويل من مداراة هذا الفدم الثقيل، قاتله الله عَلَى هذه السماجة والقباحة واللجاجة، آه فيا ليتني أرى حبيبي في هذا المكان، لتزول عني برؤيته الأحزان … من هذا القادم بدون قرار؟

الجزء الخامس

(جوليا – بختيار)
بختيار (لجوليا) : هو يا مولاتي أسيركم بختيار.
أيا جوليا ارحمي قلبي وعزيني
أيا جوليا عَلَى أسري
أيا جوليا أرى دهري يعاديني
لما بي في الهوى العذري
جوليا (لبختيار) :
ألا يا بختيار ملكت قلبي
فجُدْ بالوصل لي إذ أنت طلبي
بختيار (لجوليا) :
ألا يا جوليا قلبي قد تعنَّى
بحبك في الورى والله حسبي
جوليا (لبختيار) :
أجبني هل فؤادك يا حبيبي
أسير محبتي وتود قربي؟
بختيار (لجوليا) :
نعم والله يعلم فرط شوقي
إليك وما جرى من فرط حبي
جوليا (لبختيار) : أصدق تحبني بهذا المقدار، يا صاحب الافتخار؟
بختيار (لجوليا) : نعم، وحق العزيز الجبار.
أسير الحب يا جوليا ارحمي قلبي
فذلِّي زاد من حبك
أيا جوليا سلبت في الهوى لبي
فجودي وارحمي حبك
إلى من أشتكي يا منيتي ذلي
وحالي في الهوى ظاهر
أبحتِ في الهوى يا منيتي قتلي
وغادرت الفؤاد حائر
يا شقيقة الروح وعزيزة الفؤاد، ونزهة النفس وغاية المراد، أنت روضة أنسي، وبهجة نفسي، وقد غدوت أسير الغرام، فهل أنبه خاطري ببلوغ المرام؟
جوليا (لبختيار) : قسمًا بعزِّك يا شقيق الغزلان، وبِذُلِّي لعزِّ جمالك الفتَّان، وحق من أودع في قلبي هواك، وزيَّن طرفي بحسن مرآك، لا مِلتُ إلى السِّوى، ولا خنت عهد الهوى، فكن مطمئن الخاطر ساكن البال، فأنت مالك رِقِّي عَلَى كل حال.

(شعر):

قسمًا بزورتك التي من غير ما
وعدٍ سمحت بها بغير تكلف
وبطيب ما أودعت من طيب الهوى
قلبي وذكر صبابتي وتعنفي
ما أنت إلا بغيتي دون الورى
وعلى رضاك تذللي وتلهفي
يا بهجة أنسي، ونزهة نفسي، قد تم أمرنا عَلَى حفظ العهد، وكتم أسرار المحبة والوجد، فتفضل بالخروج من هذا المكان، لئلَّا يرانا إنسان؛ لأني أخشى من والدتي أن ترانا أو يخبرها باجتماعنا من يرانا، فنقع في شَرَك الذل والعنا، وتنقضي لذاتنا بالكدر بعد طول الهنا.
بختيار (لجوليا) : لا تخافي بأس والدتك يا مالكة الفؤاد، فإنها افتُتنت بحبي دون كل العباد، وقد أتت إليَّ عندي وطلبت مني الوصال، فما ساعدتها عَلَى بلوغ الآمال، وبعد امتناعي يا ربة الحسان، أذنت لي بالمجيء إلى هذا البستان.
جوليا (لبختيار) : إني لأعجب من هذا الحال! ولكن يا صاحب الإيناس، يلزمنا أن نحترس غاية الاحتراس، ونحاذر عَلَى كتمان سرِّنا؛ لئلَّا تطَّلع والدتي عَلَى أمرنا.

(لحن):

الاثنين :
يا رب ذو العطايا
أنعم لي بالمراد
وجد لي بالمنايا
مكون العبادِ
وامنحي ربي نصرًا
يا قاهر الحسَّادِ
وأسبل علينا سترًا
يا ملجأ القُصَّادِ
(تم الفصل الثاني)

الفصل الثالث

الجزء الأول

(ملكة – حرس – حجاب – ياور)

(في حديقة الملكة.)

ملكة (لذاتها) :
غدوت أسيرة بيدي أسيري
فقدت وحقه في الحب صيري
أسر لطول أسري في يديه
فيغضب إذا سر لطول أسري
سألت الله يبليه بعشق
فأصبح عاشقًا لكن لهجري
آه، قد فُتِنت ببختيار، وفقدت في حبه الاصطبار، وقلَّ في حبه نصيري، فأتذلل إليه مع عزتي، فيتكبر مع أنه مالك مهجتي، وأخضع إليه فيتذلل، وأطلب منه الوصل فيتعلل، وإن من هذا أن الأعداء تهاب سطوتي يوم الطعان، وأهاب سهم جفنيه الوسنان، وتخشى الأبطال سيفي والسنان، وأخشى من صده والهجران.
عجبًا يهاب الليث حد سناني
وأهاب لحظ فواتر الأجفان
وأقارع الأعداء لا أخشى سوى
إعراض من أهوى أو الهجران
حكمت في الحب السلو إلى لهوي
فقضى لسلطان عَلَى سلطان
يا بختيار ملكتني وتركتني
في عزِّ ملكي كالأسير العاني
لا تعزلوا مَلكًا تَذلَّل في الهوى
ذل الهوى عز وملك ثاني
آه، لا حول ولا قوة إلا بالله … ائتوني ببختيار.
ياور (للملكة) : أمرك يا صاحبة الافتخار.
ملكة (للياور) : آه، كم ذا يعاملني بختيار بالصد والهجران، ويحرقني بنار الحب والحرمان، وقد ذهبت إليه وشرحت قصة غرامي عليه، فأظهر الاستغناء والدلال، ورشقني من التعنيف بنبال، وقال: خلي عنك العشق والهيام، والْتفتي لتدبير السياسة والأحكام، ولا تميلي إلى اللهو والطرب، فإنه يُفضي بملكك إلى العطب، وانتصحي بقول من قال يا ذات الدلال:
إذا غدا مَلِكًا باللهو مشتغلًا
فاحكم عَلَى مُلكه بالويل والحرَب
أمَا ترى الشمس بالميزان هابطة
لما غدا وهو برج اللهو والطرب؟!
ولم يدر أنني لم أسمع النصح في هواه، وقد أُحرقت بنار جواه.

الجزء الثاني

(ملكة – ياور – فرناس – حرس)
فرناس (للملكة) :
أقبِّل أعتابًا كما النجم رفعة
ببهجة من نالت من العلم بسطة
فلا زلت ذات المجد تعلي مفاخرًا
فقد حزت يوم الحرب عزًّا ونصرة
ملكة (لفرناس) : مرحبًا بفرناس ثابت القلب والحواس، هل أتيت لتهنيني بالانتصار عَلَى الأعداء اللئام؟ وأنا أبشِّرك ببلوغ المرام، إذ زالت عنَّا الأتراح، وسنقيم الأفراح، ونُجري أمر الزفاف، وأزوِّجك بابنتي جوليا بلا خلاف.
فرناس (للملكة) : ومن أين لي ذلك يا كاملة الأوصاف، وسيدتي جوليا عدلت عن تلك الأفكار، وتُيِّمت بأسير يدعى بختيار؟!
ملكة (لفرناس) : أجوليا تيمت ببختيار؟
فرناس (للملكة) : نعم يا صاحبة الافتخار، وقد غدت لبعده قليلة الاصطبار، ولا يأخذها عنه هدوٌّ ولا قرار، وسمعتها تتغزل أمامه بالأشعار، آناء الليل وأطراف النهار.
ملكة (لفرناس) : ومن أخبرك بهذه القضية؟
فرناس (للملكة) : اعلمي يا صادقة الطوية، أنه لما بلغني خبر قدومك من الحرب، ومعاناة الطعن والضرب، أتيت لأهنِّيك بالانتصار، عَلَى أعدائنا الأشرار، فوجدتك قد ذهبت إلى المنام، ووجدت سيدتي جوليا في البستان، محفوفة بالهموم والأحزان، فسلَّمت عليها فلم ترد عليَّ السلام، ودنوت منها فطردتني من ذاك المقام، ولاطفتها فأغلظت عَلَيَّ، ومدحتها فأوصلت الشتم إليَّ، فاختفيت قليلًا لأسمع مقالها وأطَّلع عَلَى أحوالها، فوجدتها تتغزل ببختيار، وتذكر أنها فقدت في حبه الاصطبار، فدخلت عليه مرة ثانية فأظهرت وجدها علانية، فنصحتها فما انتصحت، وهددتها بالشكوى إليك فما ارتدَعَتْ، فجئت ورفعت إليك قصتي؛ لتعامليني من فضلك بالتي.
ملكة (لفرناس) : أَأنْتَ سمعتها تتغزل ببختيار؟
فرناس (للملكة) : نعم، وحق العزيز الجبار، وقد تجسَّست أحوالها مرة أخرى، فوجدتها مجتمعة به والصدق بمثلي أحرى، وأظهرا أنهما تتيَّما ببعضهما، وتمكَّنا من عشقهما، وسمعت منهما حديثًا أرق من النسيم، وأحلى من العافية عَلَى قلب السقيم.
ملكة (لفرناس) : كن في أمان أيها الهمام، فلا أزوجها إلا بك، والسلام.
فرناس (للملكة) : دمت في حفظ العليم العلام.

(ويخرج)

ملكة (للحاجب) : آتوني بجوليا في هذا المكان.
حاجب (للملكة) : أمرك يا رفيعة الشان.

(ويذهب)

ملكة (لذاتها) : ويلاه، قد شاركتني جوليا في بختيار، وأعدمتني الصبر والقرار.

الجزء الثالث

(ملكة – بختيار – حرس – حُجَّاب)
ملكة (لبختيار) : مرحبًا بك يا بختيار، يا صاحب اللطف والازدهار، هل عدت عن التجني، وتركت الإعراض عني؟
بختيار (للملكة) : وكيف يمكنني الإعراض عن مولاتي، ومن هي سبب حياتي، وها أنا مستعد لكل خدامه ما عدا الوصال.
ملكة (لبختيار) : هذا هو عين الضلال … بختيار خلِّ عنك الدلال، واسمح بطيب الوصال، وانظر لمن تكلِّمك وتتذلل إليك، وواصلني فقد وقع اختياري عليك؛ إذ إني وقعت في هواك، ومرادي من الدنيا رضاك.
بختيار (للملكة) : اعذريني يا مولاتي بعدم قبول هذا الأمر، فإني لا أقبله ما دمت حيًّا في الدهر.
ملكة (لبختيار) : اسمع كلامي، واقضِ مرامي، وادنُ مني، وعاملني بالتي.
بختيار (للملكة) : أطيعك يا مولاتي في غير هذه القضية.
ملكة (لبختيار) : بختيار، ارحم عيوني البكية، وأنا أغمرك بالنعم الوفية.
بختيار (للملكة) : لا حاجة لي بالإنعام، ولا أبتغيه عَلَى الدوام.

(لحن):

أمر الوصال لا أبتغيه
ذات المكارم والنوال
هذا الذي لا أشتهيه
فلتتركي ذكر الوصال
ملكة (لبختيار) :
خلي عنك بعادي
واشفي بوصالك فؤادي
بختيار (للملكة) :
خلي الملام ذات الكلال
فعل المكارم من فعالي
فأوعي الكلام أخت الهلال
ولتتركي أمر الوصال
ملكة (لبختيار) : أصغِ لكلامي واقضِ مرامي، فقد ملكت قلبي، فاسمح بقربي.
بختيار (للملكة) : هيهات هيهات، أنا لا أفعل ذلك ولو صرت مع الرفات، فلا تخاطبيني بمثل هذا المقال، فأنا لا أطاوعك في أمر الوصال.
ملكة (لبختيار) : بارك الله فيك أيها المفضال، فإن كلامي معك كان ضربًا من المزاح، فتعزز ولا تيأس يا راحة الأرواح، وحيث وجدتك عفيف النفس، متَّصفًا بالبهجة والأنس، عزمت عَلَى تزويجك بابنتي جوليا اللطيفة؛ إذ إني وجدت نفسك عفيفة.
بختيار (للملكة) : مرادك تزوجيني بجوليا؟
ملكة (لبختيار) : نعم.
بختيار (للملكة) : كيف هذا يا سيدتي، وأنا أسير عندك، وفي غدٍ تطلبني دولتي وأهل مملكتي؟!
ملكة (لبختيار) : أبقيك عندي يا بختيار وأفضِّلك عَلَى الكبار والصغار، وأجعلك صهري وعوني في الحروب وذخري.
بختيار (للملكة) : عافيني يا سيدتي في هذا المطلب، فأخشى أن يكون قولك مزاحًا فأقع في العطب.
ملكة (لبختيار) : لا وحياتك يا رفيع الرتب، ما قلت لك إلا حقًّا، ومرادي تزويجك بابنتي جوليا صدقًا، فهل ترضى بذلك؟
بختيار (للملكة) : كيف لا أرضى بذلك، وقد ذقت في حبِّها صعب المهالك، وتيمت بجمالها، وطلب السعادة بوصلها:
فتنت بها وقلبي قد تعنَّا
وجسمي قد غدا في الحب مضنى
مهاة قد سبت عقلي ولبي
وحسن لحاظها صاد المعنا
بجوليا قد فتنت عَلَى المصاب
كثير الوجد في رشف الرضاب
سأشكر فضلكم ما دمت حيًّا
وأشكره وجسمي في التراب
ملكة (لبختيار) : قد سُرِرت يا بختيار برضاك، وسأبلغك عن قريب مناك، ولكن الصبر أولى، ومرادي سؤال ابنتي جوليا، هل لها رضًا بذلك أم لا؟
بختيار (للملكة) : لها رضًا بذلك أيتها الملكة العظيمة؛ لأنها تحبني المحبة الفخيمة، وقد تشاكينا الوجد والأشجان، لما اجتمعنا في البستان، وكلانا عَلَى الاقتران بالآخر متعاهدان، ولا نَحُول عن ذلك، ولو ذقنا الهوان والمهالك.
ملكة (لبختيار) : آه يا مهان، فضَّلت ابنتي عليَّ، وصوبت سهام الانتقام إليَّ، وصممت عَلَى الاقتران بابنتي، وتركتني في هواني وحسرتي، فلا عشت إن لم أذقْكَ الدمار، أو تحول عن هذه الأفكار.
بختيار (للملكة) : هيهات هيهات، فإن الوقت فات، فأنا لا أعدل عن هذه الأفكار، ولو أُلقيت في النار:
هيهات أعدل عن ذات الجمال ولو
سقيت في حبها كاسًا من العدم
برئت من شرفي والعز إن رضيت
نفسي بغير ممات مذهب السقم
ملكة (لبختيار) : والآن، أتبقى مصرًّا عَلَى هذا العناد؟
بختيار (للملكة) : نعم وخالق العباد.
ملكة (للجند) : خذوه إلى السجن، وكبِّلوه بالقيود؛ عسى يعود عن هذه الفعال الرديَّة.
بختيار (للجند) :
دعوني في الهوى نفسي أبية
ولا أرضى سوى جوليا البهية
وذلي في قيود لي افتخار
وحب الموت في حب الوفية
ملكة (للجند) : أخرجوا هذا الفاجر، فلا بُد من أن أذيقه الدمار أو يعود عن هذه الأفكار.
ملكة (لنفسها) : أفٍّ لهذا الغادر، والخائن الماكر، كيف يمكنني قتله، وهو حبيبي ومرادي من الدنيا وصله؟!

الجزء الرابع

(ملكة – جوليا)
جوليا (للملكة) :
أمَّاه يا نجمًا بدا
وبطالع السعد اهتدى
آه ارحمي من أقبلت
لعلاك يا غيث النِّدا
ملكة (لجوليا) : ما سبب غمك يا ابنتي، ومالكة مهجتي؟ فقد قربت أيام الحظ والسرور، والأنس والحبور، وعن قريب أزفك عَلَى خطيبك، ومن هو من الدنيا نصيبك؛ لأني أعلم حبكما لبعضكما، فأنعطف بالإحسان إليكما، وأقيم لكما الأفراح؛ لتزول عنكما الأتراح.
جوليا (للملكة) : أرجوك أن تعافيني يا أماه من أمر الزفاف؛ لأني عدلت عنه بلا خلاف، وعزمت أن أقضي عمري بلا زواج؛ إذ ليس لي إليه احتياج.
ملكة (لجوليا) : ما هذا المقال يا ذات الابتهاج؟ وما سبب إعراضك عن الزواج؟ أما تدرين يا بديعة الصفات، أن الزواج يجلب المسرَّات، تتصل به الأنساب، وتجتمع به الأحباب؟
جوليا (للملكة) : أرجوك أن تتركيني يا أماه من هذه الأمور؛ لأني مشغولة الخاطر وفؤادي الآن مقهور، وأنا لا أشتهي الزواج الذي هو فرح شهر، وفي الحقيقة غم دهر.
ملكة (لجوليا) : ولماذا يا مائسة القوام؟
جوليا (للملكة) : دعيني، فإني لا أتزوج والسلام.
ملكة (لجوليا) : عرفت مرادك يا عزيزتي، وفهمت قصدك يا حبيبتي، فأنت لا تحبين الزواج، ومالك إليه احتياج؛ لأن خطيبك مقلوب الفضائل، وهو كما عرفتيه وحيد في الرذائل، عقله قليل وفهمه عليل، وبالإجمال ما له في السماجة من مثيل، وقد خطر في بالي حساب، وأظنه هو الصواب، وهو أن أقرنك بأسيرنا الديلمي بختيار؛ لأنه من السادة الأخيار، شابٌّ لطيفٌ بديع الجمال ظريف، فماذا تقولين يا ابنتي الوحيدة؟
جوليا (للملكة) : دعيني أيتها الملكة السعيدة، فأنا لا أبتغي زواجًا بأحد؛ لأن الزواج أصل كل نكد.
ملكة (لجوليا) : لماذا يا حبيبة قلبي، وريحانة لُبِّي؟ بختيار شاب أديب، عاقل لبيب، شهم شجاع، وهو ركن عند الدفاع، وقد اخترته لك دون كل الرجال، فلا تعدلي عن قولي يا ذات الجمال.
جوليا (للملكة) : أأنت اخترتِ لي بختيار؟
ملكة (لجوليا) : نعم يا مخجلة الأقمار.
جوليا (للملكة) : بما أنك أنت التي اخترتِه لي أهلًا فامتثالًا لأمرك، قد رضيت أن يكون لي بعلًا.
ملكة (لجوليا) : أرضيت بذلك؟
جوليا (للملكة) : كيف لا أرضى بذلك وقد ذقت في حبه صعب المهالك:
يا رب أنت المرتجى دون الورى
حقق رجائي فالفؤاد تحيَّرا
يا رب واجعل قول والدتي قريـ
ـن الصدق فالقلب انكوى وتسعَّرا
في حبِّ من أهوى وليس بمنصفٍ
دهري ومن شغفي به دمعي جرا
ولغيره أبدًا أميل وليته
يدري بحالي في هواه وما جرا
ملكة (للجند) : خذوا جوليا بجانب بختيار، وضعوا في رجلها الخلخال.
جوليا (للملكة) : دمت والدتي في عز وإجلال.
ملكة (لذاتها) : لا حول ولا قوة إلا بالله، قد شاركتني جوليا في بختيار، وعدمت في حبه الاصطبار، يا إلهي كيف العمل؟ ضاقت في وجهي سبل الحيل:
إلهي زاد بي فرط اشتغالي
عَلَى حالي وفكري ليس خالي
إلهي قد بُليت بحب ظبي
أطال تلهُّفي وأذلَّ حالي
وقد عشق ابنتي وأطال هجري
وغادرني وناري في اشتعالي
إلهي كيف أفعل بعد هذا
وصبري مُتلفي والجسم بالي؟
إذا ما رمت أقتله تراني
فقدت لقتله روحي ومالي
وأقتل ابنتي فيكون عارًا
عَلَى مثلي يطول مدى الليالي
أغثني يا إلهي قد كفاني
هواني والهوى فارحم سؤالي
وأسبل يا إلهي الستر دومًا
ووفِّقنا إلى حسن المآلِ
(تم الفصل الثالث)

الفصل الرابع

الجزء الأول

(جوليا – بختيار – حرس)

(تُرفع الستارة عن هيئة سجن وبه جوليا وبختيار مكبَّلين بالقيود.)

بختيار (لنفسه) :
لما بي أشتكى ذلي ويعلم
إلهي أنت بالمظلوم أعلم
زماني زاد في ظلمي وصبري
جفاني والهوى أقسى وأظلم
إلهي أنت يا ربي وذخري
أغثني أدمعي عَلَى الخد تجري
عذاب السجن قد أوهى فؤادي
وأضناني وأفنى حسن صبري
وا رحمتاه لعزيزٍ
في السجن أضحى ذليلًا
حليف وجد يقاسي
أسرًا وقيدًا ثقيلًا
بختيار (للجند) :
مُبلًي بحب حبيب
لم يلقَ عنه بديلا
بمن أستعين بقلبي المحز
ون صبرًا جميلا
فلو مت وجدًا لكا
ن الممات عندي قليلا
يا دهر كنت علينا
بما قضيت عجولا
آه، حكمت بسجني الملكة بلقيس، ورمتني في هذا السجن التعيس، وما لي ذنب سوى امتناعي عن وصلها، وعدم اجترائي بقولها، وكيف أرضى بطلبها، ويشتغل قلبي بحبها، وهي عجوز شمطاء، وحية رقطاء؟! وقد طلبت مني ما هو بعيد عنها، وأوعدتني بالإنعام إن كنت أقبل منها هذا الكلام، فرفضت ذلك الطلب، وأظهرت لها من حب ابنتها ما احتجب، وقد هددتني فما ارتجعت، وردعتني فما ارتدعت، وسجنتني فما اخترت إلا تلك الحبيبة، ولا أختار أمها ولو رمتني في ألف مصيبة:
غاب في ذا السجن رشدي
وجفا جفني المنام
ونما في الحب وجدي
وسقامي والهيام
يا نسيم الصبح بلِّغ
جوليا مني السلام
واذكرنْ شوقي إليها
ونحولي والسقام
قربها في الدهر قصدي
ومرامي والكلام
وأعز الناس عندي
ومناي والمرام
أين من يرثي لحالي
ويرى ضيق الحبوس
زاد ذلي وانتحالي
من سقامي والنحوس؟
يا إلهي جُد بيسري
وارحم المضنى الكئيب
يا إلهي عَزَّ صبري
من بكائي والنحيب
جوليا (لبختيار) : آه، هذا حبيبي مسجون.
بختيار (لنفسه) : آهِ، وا حزناه! ليت شعري، أين من أموتُ لأجلها، ومن أظهرتْ لي ميل قلبها، صاحبة الوجه الحسن؟
جوليا (لبختيار) : هي في السجن تقاسي بحبك الهم والحزن.
بختيار (لجوليا) : هل هي عَلَى ما أعهدها من الوجد والهيام؟
جوليا (لبختيار) : نعم نعم.
بختيار (لجوليا) : أوَغيَّرتها الأيام وأنستها عهدي والزمام؟
جوليا (لبختيار) : لا، وحق العليم العلَّام.
بختيار (لجوليا) : وأين هي الآن؟
جوليا (لبختيار) : هي التي تناجيك أيها المصان.
بختيار (لجوليا) : آه، وأنت مسجونة يا عزيزتي؟
جوليا (لبختيار) : نعم يا أقصى بغيتي، قد ازدادت بي الأوصاب، وشاركتُكَ في هذا العذاب.

(لحن الاثنين):

جوليا (لبختيار) : أخا الوجد، إني في ضيق الحبوس.
بختيار (لجوليا) : لقد زاد حزني يا قوت النفوس.
جوليا (لبختيار) : لا تسلُ حسني.
بختيار (لجوليا) : لا يا ذا العروس.
جوليا (لبختيار) : وخلِّ التجنِّي.
بختيار (لجوليا) : علتني البئوس.
جوليا (لبختيار) : أنت حبي.
بختيار (لجوليا) : أنتِ طلبي.
جوليا (لبختيار) : أنت ضيا العين.
بختيار (لجوليا) : أنتِ ذخري.
جوليا (لبختيار) : أنتَ بدري.
بختيار (لجوليا) : أنتِ نور العين.
جوليا (لبختيار) : تعطَّف عليَّ يا زين الرفاق.
بختيار (لجوليا) : وجودي إليَّ بحسم الفراق.
جوليا (لبختيار) : دهتني بلية.
بختيار (لجوليا) : وعز التلاق.
جوليا (لبختيار) : زاد حزني.
بختيار (لجوليا) : قلَّ صبري.
جوليا (لبختيار) : حان مني الحَين.
بختيار (لجوليا) : ما احتيالي؟
جوليا (لبختيار) : فما انتحالي؟
بختيار (لجوليا) : هدَّ صبري البين.

الجزء الثاني

(ملكة – بختيار – جوليا – حرس – حجاب – فوديم – فرناس)
ملكة (للجند) : ويلاه، أنا سجنتهما ليذوقا الهوان، ولكن أراهما في السجن يتناشدان الألحان، آه كيف العمل؟ أخرجوا بختيار عَلَى عجل.
ملكة (لنفسها) : عطِّف اللهم قلبه عليَّ يا كريم، قبل أن أقتله وأرتكب هذا الإثم العظيم، بختيار!
بختيار (للملكة) : لبيك!
ملكة (لبختيار) : عُد عن هذه الأفكار، وعطِّف قلبك عليَّ، وجُد بطيب الوصل إليَّ، ودع بنتي لخطيبها فرناس، فلعلنا نعيش سوية بالعز والإيناس!
بختيار (للملكة) : أنا لم يمكني ذلك يا شديدة الباس؛ لأن حب جوليا قد هدَّ مني الحواس، وقد ملك قلبي، واستولى عَلَى لبي، ولم يبقَ لقلبي موضع لحبيب ثانٍ، ولو أمكنني ذلك لاخترتك يا ذات المعالي.
ملكة (لبختيار) : بختيار، انظر بلائي، وارحم بكائي، ودع حب ابنتي، واترك الهجر بالتي.
بختيار (للملكة) :
هيهات أترك ذات الحسن والحَوَر
ولو وقعت بها في وهدة الخطر
فحبها سمعي وعشقها بصري
وهل أعيش بلا سمع ولا بصر؟!
إن موتي افتخار
فيمن دعت قلبي كليم
وقد فقدت الاصطبار
ويلي بها هل من رحيم؟
خلي عذلي والملام
في حبها قلبي كليم
إن طلبك والمرام
عندي غدا مثل الجحيم
ملكة (لبختيار) : أنا وصلي كالجحيم؟ فلا بُد من قتلك أيها الذميم، وسأقتلك أمام تلك الفاجرة، وأدع الدائرة عليكما دائرة. هيَّا أخرجوا جوليا بالعجل؛ لأقتلها ويخيب من بختيار الأمل … جوليا!
جوليا (للملكة) : نعم والدتي.
ملكة (لجوليا) : عودي عن سُبُل الغواية، واتَّبعي طرق الهداية، ودَعِي حب بختيار، وميلي لخطيبك فرناس، قبل أن تذوقي الدمار.
جوليا (للملكة) :
قسمًا بما حكم الهوى
في الحب قلبي ما غوى
لا تعذلين فمهجتي
اليوم لا تبغي السِّوى
في بختيار زادني
عن حبه ألم النوى
خلي ملامي إن لي
قلبًا يضعضعه الهوى
ملكة (لجوليا) : آه يا فاجرة، لا بُد من قتلك أيتها الغادرة.
فوديم (للملكة) : لا تعجلي يا أماه بقتل شقيقتي، وترفقي بها وعامليها بالتي، واصفحي عنها يا سامية المقام، فالصفح من شيم الكرام، ولا تعجلي بقتل هذا الأسير، فإن قتله مخلٌّ بشرفك الخطير، وإذا شاع هذا الأمر يزداد بنا الغم والقهر، فاعفي عنهما يا رفيعة الجناب؛ تنالين الستر والصواب.

(لحن):

الاثنان :
من مدمعي تجري العيون
والموت صعب والمنون
قد جار ذا الدهر الخئون
صبرًا فما قُدِّر يكون
بلقيس جودي بالأمان
ثمَّ ارحمي الجسم المُهان
وا حسرتي جار الزمان
صبرًا فما قدِّر يكون
الموت صعب والفراق
وا حسرتي مر المذاق
إن كان قد عزَّ التلاق
صبرًا فما قدِّر يكون
بختيار (للملكة) : أيتها الملكة العظيمة، والسيدة الفخيمة، اتقي الله فينا، واعطفي علينا ولا تقتلينا، واصفحي الصفح الجميل، وارحمي العبد الذليل، ولا تعجلي علينا بالقتل، فقد رمينا بسهام الذل، والعجول مخطئ وإن مَلَك، والمتأني مصيب ولو هَلَك، فاقبلي عثرتنا وارحمي عَبرتنا.
ملكة (لبختيار) : لا لا، سأنال بقتلكما المرغوب، وأفوز بكل المطلوب، وأتصرف مع القلوب، تصرف السحاب مع الجنوب، أولى فأكون للأعناق قطَّاعة، وللأرواح نزاعة، ورب وحدة أنفع من أنيس، ووحشة أنفع من جليس.
بختيار (لنفسه) : إلهي كيف العمل؟ ضاقت في وجهي سبل الحيل، والعمر قصير، والعيش صغير، والحزن كثير، والخطب كبير.
جوليا (للملكة) : قد جرى القلم بما حكم، ووقعنا في بحار العدم … يا أمَّاه قد انحلت عني عرى الصبر، ورميت بسهام المذلة والقهر، واشتد بكائي وازداد بلائي، فارحمي العبرة، وأقيلي العثرة.
ملكة (لجوليا) : لا لا يا فاجرة، لا بُد من قتلك يا غادرة، وأبدل المودة والصفا، بالقطيعة والجفا، وأرميك في بحار العدوان، وأسقيك كئوس الذل والهوان.
بختيار (للملكة) : إلهي بك المستعان، وأنت الحنَّان المنان، اكشف عنَّا هذه الغمة، وجُدْ علينا بجزيل النعمة، وعطِّف علينا قلب هذه الملكة، فقد رُمينا في بحار الهلكة … يا مولاتي، قد ازدادت بنا البلايا، ورمينا بسهام الرزايا، والعفو من شيم النفوس الشريفة، والأخلاق المنيفة، فإمَّا أن تصفحي، أو تأمري بقتلنا لترتاح نفوسنا من مقاساة هذا العنا.
فرناس (للملكة) : لا تصغي يا مولاتي لهذا المقال، ولا ينطلي عليك المحال، فإني أرى قتلهما أولى، وأشهى لقلبي وأحلى، فاقتليهما يا ذات الفَخْرِ، ولا تسمعي كلام زيد ولا عَمْرِو.
ملكة (لفرناس) : نعم، إن هذا هو الصواب، والرأي الذي لا يُعاب.
جوليا (للملكة) : إذن، فاقتليني قبله يا والدتي، ولا تدعيني أموت لأجله بحسرتي.
بختيار (للملكة) : لا، بل اقتليني قبلها يا سيِّدتي وفرِّجي كربتي.
ملكة (للاثنين) : سأقتلكما معًا أيها الأشرار بضربة واحدة من هذا البتار.

(لحن):

الاثنان :
في سبيل الحب قد لَذَّ الحِمام
والفنا في الحب لي أقصى مرام
فلنا البشرى بموتٍ في الهوى
ما ألذ الموت في شرع الغرام!
يا مُنى الروح لك الروح فدى
تفدي هذا الحسن من شر الردى
هذا يوم البين حقًّا قد بدا
ودنا موتي عَلَى الدنيا السلام
بختيار (لجوليا) : آه حبيبتي جوليا.
جوليا (لبختيار) : آه حبيبي بختيار.
ملكة (للاثنين) :
ألا قولا لجوليا وبختيار
بأني قد فقدت بهم قراري
فموتا بضربةٍ من حد سيف
تبوء بكم إلى بئس القرارِ
ناظر الحرب (للملكة) : أدركينا يا مولاتي، أدركينا، فقد حلت الأعداء في نادينا، وخرَّبوا الأمصار، وألبسونا الذل والشنار، حتى قتلوا الكبار والصغار، وقد جنَّدتُ الجنود، وهم منتظرون قدومك يا رفيعة البنود، فأدركينا أيتها الماجدة، ولا تتأخري دقيقة واحدة.
ملكة (للجند) :
ما كل يتمنى المرء يدركه
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
اتبعوني لأسير إلى الأعداء، وأعيدوا هؤلاء إلى السجن والبلاء، وعند عودتي أذيقهما الدمار بحد البتار:
وسالمتك الليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر
جوليا (لبختيار) : ما هذا الحال؟ أيها الدهر الميَّال، قد أهنتني وأطلت في تعذيبي، وازداد بكائي ونحيبي، وأفجعتني في نفسي، ووسدتني تراب رمسي، هلا رثيت لحالي، ورحمت ما جرى لي، فكبدي طالما يتوجع، وقلبي طالما يتقطع.
بختيار (لجوليا) : عزيزتي، تصبَّري عَلَى البلوى، فما من رحيم يرحم الشكوى، والصبر أولى عند تصادم الأهوال، فتصبَّري ولا تجزعي عَلَى كل حال.

الجزء الثالث

(ملكة – فرناس – فوديم – جوليا – بختيار – حرس – سجَّانين)
ملكة (للجند) :
إني رأيت وفي الأيام تجربة
للصبر عاقبة محمودة الأثر
وكل ماجدٍ في أمر يأمله
واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
سأقتل في اليوم ابنتي وأقتل بخ … بخ … بخلت بقتله؛ إذ إنه ملك مهجتي، لا لا لا … أقتله أوَّلًا … كلا كلا، لا أقتله! لا، اقتليه يا بلقيس اقتليه، وكما عذبكِ عذبيه! لا … لا … بل أُبقي عليه وتذللي إليه … ويلاه زال عقلي والصبر أحرى بمثلي! أخرجوا جوليا وبختيار بلا ارتياب.
سجان (للملكة) : أمركِ يا رفيعة الجناب.
ملكة (للاثنين) : إلى ما تظهران الوجد والأشجان، فلا عشت إن لم أذقكما الهوان، أو تعودا عن حبكما الذي أورثني الأحزان … تكلما … أجيبا … ما تقولان؟ ما تقولين أنت يا ابنتي؟
جوليا (للملكة) : أنا لا أرجع عما أنا فيه من الغرام، ومحبة حبيبي مائس القوام.
بختيار (للملكة) : وأنا والله كذلك ولو ذقت المهالك.
ملكة (للاثنين) : إذن استعدَّا للقتل، وتجرَّعا غصة الذل، ولكل أجل كتاب، فلا بُد من قتلكما بلا ارتياب:
سأقتل في ذا اليوم ابنتي
وأقتل حبي ولو بليت بحسرتي
لأن حياتي دون قتلهما غدت
بدون وصال أصل دائي وحرقتي
هما صارا عذَّالي وصرت عذولة
إلى البنت والمحبوب في كل لحظتي
هما صارا عذَّالي وقتل عذَّالي
قبل مماتي يشفي همي ووحشتي
فلا تعجبوا إن الغرام أضلني
وخيَّب آمالي وأعمى بصيرتي
فصِيرا إلى النيران من حد ضربة
تذيقكما الأعدام يا شر حيرتي

(هنا يدخل ناظر الحرب ويأخذهم، فيقع السيف عَلَى فوديم، فتُقتل.)

ملكة (للجند) : إلى أين ذهب بختيار، من أعدمني الصبر والقرار؟ من هذا … هذه بنيتي فوديم، صاحبة القوام القويم؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، قد بلغ الكرب منتهاه، وأخذتُ البرية بالمجرمة، وارتكبت هذه المأثمة … ويلاه، وا أسفاه، ألا قاتل الله الهوى، فإنه يهد القوى، ويذيق المنون، فهو لعمري داءٌ عاقبته الجنون، فصبرًا أيتها الابنة المحبوبة، وخذ أمك المكلوبة، فبعد عدلي دعيت بظالمة، وبعد صلاحي بآثمة:
من كان يدنو من عدوٍّ وحاسدٍ
فبالعدل من نفسي أتيت ومن قلبي
فطوبى لمن انتصح بي وارتدع، وتاب عن العشق ورجع، وقطع أسباب المطامع، واشتغل عن المصنوع بالصانع؛ لأن الدهر ذو اغتيال، يقلِّب حالًا بعد حالٍ، فقد ارتكبت عارًا لا تُمحى آثاره، ولا ينهدم مناره، فقد طاب لي الحِمام، وعلى الدنيا ألف سلام (تضرب نفسها بالخنجر).
إذا غدا مَلِكًا باللهو مشتغلًا
فاحكم عَلَى مُلكه بالويل والحرَب
أما ترى الشمس بالميزانِ هابطةً
لما غدا وهو برج اللهو والطرب؟!

الجزء الرابع

(عسكر – سجَّانين – نصوح)
نصوح (للخادم) : لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه الملكة بلقيس صاحبة الجاه العالي والقدر النفيس، مالي أراها ملقاة عَلَى التراب، غائبة عن الرشد فاقدة الصواب؟! هل هي عَلَى قيد الحياة باقية؟ أم قضت نحبها وفارقت الدنيا الفانية؟ قد قضى عليها بما حكم الإله، فلا حول ولا قوة إلا بالله، عليَّ بجوليا وبختيار.
خادم (لنصوح) : أمرك يا صاحب الافتخار.
أيها الدهر ما كفاك عنادا
جُرْت ظلمًا وكم أذبت فؤادا!
لو تُعادي فما أراك تُعادى
إن لله في العباد مرادا
وسوى ما أراده مستحيل

الجزء الخامس

(جوليا – بختيار – نصوح)
نصوح (لبختيار وجوليا) : انظرا يا ولديَّ حالة الملكة، وكيف وقعت في بحار التهلكة؛ لأني لما أتيت إلى هذا المكان لأشفع فيكما، وأطلب منها الأمان، وجدتها توسَّدت تراب رمسها، وأسكنها دهرها مضيق رمسها، وأظنها ضربت نفسها بهذا الخنجر الذي أراه بيدها، فاعتبر يا ولدي وتبصَّر، وانظر كيف غيَّر الله الأحوال وأنقذك أنت وجوليا من الوبال.
جوليا (لبختيار) : وا أسفاه، وا حزناه! توفِّيت أختي ووالدتي، وبقيت وحدي بحسرتي.
بختيار (لجوليا) : الظلم كمين في النفسِ، أنسيت ما فعلت والدتك بالأمسِ، فأطاعت هواها ولم تنلْ مناها، فدعي عنك الأتراح، وهيَّا بنا نقيم الأفراح، ونحظى بالملك والسعادة ونفوز بالعز والسيادة.
نصوح (لهما) : هذا من تمام سعدكما، وكمال مجدكما، وحيث قد تم الأمر عَلَى هذا المنوال، وبزغت شموس المسرة والإقبال، فهيَّا يا ولدي نزف جوليا عليك، ونقدم واجبات التهاني إليك، ونتمم بتتويجكما الفرح، بعد أن ترتقي سدَّة المُلك ويزول عنك الترح.
الجمع :
كل من بغى واستعلى
ليس للمعالي أهلا
لو درى بما قد حلا
ما بغى وقاسى الذلا
هذا جزاها فقد رماها فيه نهاها
وما نهاها عما أتاها إلى هداها
من قابل الإحسان
بالجحد والكفران
غادرٌ لئيم
(تمت الرواية بحمد الله تعالى.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١