السَّرْجِين المُفضض

(١) سلمان أفندي

هو رجل في الخامسة والثلاثين من عمره، حسن اللباس، رشيق القامة، ذو شاربين معكوفين، وحذاء لامع، يلبس الأجربة الحريرية، ويدخن اللفائف الثمينة، ويحمل بيده الناعمة عصاةً جميلة ذات قبضة ذهبية مرصعة بالحجارة الكريمة، ويأكل في المطاعم الكبيرة حيث يلتئم سراة القوم وأشرافهم، ويذهب إلى المتنزهات المشهورة في مركبة فاخرة يجرها فَرسَان كريمان.

ولم يرث سليمان أفندي المال عن أبيه؛ لأن أباه — رحمه الله — كان رجلًا، فقيرًا، مسكينًا، ولا جدَّ متاجرًا فاكتسب ثروةً؛ لأنه كسلان متوان يكره العمل ويظنه محطًا بمقامه، وقد سمعناه مرة يقول: «إن جسدي وأخلاقي لا تساعداني على الشغل؛ فالشغل قد وُجِدَ لذوي الأخلاق الباردة والأجساد الخشنة».

إذًا كيف حصل سلمان أفندي على المال، وأي ساحر حوَّل التراب في كفيه إلى فضة وذهب؟

ذاك سر من أسرار السَّرْجِيْنِ المفضض، أعلنه لنا عزرائيل ونحن بدورنا نعلنه لكم:

منذ خمسة أعوام تزوج سليمان أفندي من السيدة فهيمة أرملة المرحوم بطرس نعمان التاجر الذي اشتهر بين أَتْرَابِهِ بالجدِّ، والمواظبة، والأمانة، وقد كانت حينئذ السيدة فهيمة في الخامسة والأربعين من عمرها، وفي السادسة عشر من سنى عواطفها وأميالها، وهي الآن تصبغ شعرها وَتَكْحَلُ عينيها، وتطلي وجهها بالألوان، والمساحيق، ولكنها لا ترى سلمان أفندي قبل نصف الليل، وقلما حظيت منه بغير النظرات الحادة، والألفاظ القاسية، فهو مشغول عنها بتبذير الثروة التي جمعها زوجها الأول بكده، وعرق جبينه.

(٢) أديب أفندي

فتى في السابعة والعشرين من عمره، ذو أنف كبير، وعينين صغيرتين، ووجه قذر، ويدين ملطختين بالحبر، وأظافر محشوة بالأوساخ، أما ملابسه فممزقة الأطراف، وعلى حواشيها بقع من الزيت والدهن والقهوة، وليست هذه المظاهرة القبيحة من نتائج العوز، والحاجة؛ بل من مولدات إهماله، وانشغال باله بالأمور المعنوية، والمسائل العلوية، والمواضيع الإلهية … وقد سمعناه يقول: مستشهدًا بأمين الجندي «إن القريحة لا تنصرف إلى شيئين» أي أن الأديب لا يستطيع أن يميل إلى صناعة القلم وإلى النظافة في وقت واحد.

أديب أفندي يتكلم كثيرًا، ويتكلم دائمًا، فهو منصرف عن كل شيء إلا الكلام، وقد علمنا أنه صرف عامين في إحدى مدارس بيروت، ودرس علم البديع على يد أحد الأساتذة المشهورين ونظم الشعر، وأنشأ الرسائل، والمقالات، ولكنه — للآن — لم ينشر منها شيئًا، لأسباب كثيرة أهمها انحطاط الصحافة العربية، وغباوة القراء.

وقد انصرف أديب أفندي في الآونة الأخيرة إلى خفايا الفلسفة القديمة والحديثة، فهو معجب بسقراط، ونيتشية في وقت واحد، ويميل إلى أقوال القديس أغسطينس ميله إلى كتابات فولتر وجان جاك روسو، وقد لقيناه مرة في عرس، والناس حوله ينشدون الأهازيج، ويشربون الخمر، وهو يتكلم ببلاغته المشهورة عن مأساة هملت لشكسبير. ورأيناه مرة أخرى سائرًا في جنازة وجيه، والمشيعون يمشون إلى جانبه برءوس مُخْفَضَةٍ، وملامح مكتئبة، وهو يتكلم بفصاحته المعهودة عن خمريات أبي النواس، وغزليات الفارض.

لماذا يا تُرى يعيش أديب أفندي، وما الغرض من صرفه الأيام، والليالي بين الكتب القديمة والأوراق البالية؟ ولماذا لا يقتني له حِمَارًا، ويصير من عداد المكارين، الأقوياء، النافعين؟

ذاك سر من أسرار السرجين المفضض أعلنه لنا بعلزبول، ونحن بدورنا نعلنه لكم:

منذ ثلاثة سنوات نظم أديب أفندي قصيدة خُلُقٍ في مدح سيادة المطران يوحنا شمعون وأنشدها أمامه في دار حبيب بك سلوان، ولما فرغ من تنغيمها دعاه سيادة المطران، ووضع يده على كتفه وقال له مبتسمًا: «عفاك الله يا ابني فما أبلغك شاعرًا، وما أذكاك أديبًا، فأنا أفتخر بأمثالك بأنك ستكون من رجال الشرق الكبار».

ومن تلك الساعة إلى الآن، ووالد أديب أفندي، وعمه، وخاله ينظرون إليه معجبين، ويتحدثون عنه مفاخرين قائلين: «أو لم يقل المطران يوحنا شمعون إنه سيكون من رجال الشرق العظام؟».

(٣) فريد بك دعيبس

هو رجل يناهز الأربعين، طويل القامة، صغير الرأس، كبير الفم، ضيق الجبهة أصلعها، يمشي متثاقلًا بصدر منتفخ، وعنق مستطيل، ولخطواته وزن خاص يضارع بَخْتَرَةَ جمل يقود هودجًا، وعندما يتكلم بصوته الجهوري، وأسلوبه الفخم تخاله — إن لم تكن تعرفه — أحد وزراء الدولة المشغولين بتدبير شؤون الناس المهتمين بتكييف أمور العباد.

وليس لفريد بك من عمل سوى الجلوس في صدور المحافل، وتعداد مآتي أسرته المجيدة ومزايا مَحْتَدِهِ الكريم، وهو مغرم بسير أخبار الرجال العظام، وأعمال الأبطال الكبار كنابليون وعنترة العبسي، وله ولع خاص بالأسلحة النفيسة، ولديه منها مجموعة حسنة معلقة بترتيب على جدران منزله، ولكنه لا يُحسن استعمالهاز

ومن أقواله المأثورة: «إن الله خلق الناس طبقات متفاوتة، منها للرئاسات ومنها للخدمة»، ومنها «إنما الشعب حِمَارٌ حَرُون لا يسير إلأا إذا علوت ظهره» ومنها «القلم للضعفاء أما السيف فللأشداء …».

وما هي الأسباب التي تجعل فريد بك أن يتمجد متغطرسًا، ويتجبر متعجرفًا، ويزهو مختالًا متبذخًا، متبجحًا.

ذاك سر من أسرار السرجين المفضض أبانه لنا سطانائيل، ونحن بدورنا نبينه لكم:

في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، بينما كان الأمير بشير الشهابي سائرًا بكوكبة من رجاله بين أودية لبنان، مر بقرب القرية التي كان يقطنها منصور دعيبس جد فريد بك دعيبس. ولما كان النهار حارًا والشمس تُرِيْشُ الأرض بسهامها الدقيقة، فتكاد تحرقها تَرَجَلَ الأمير قائلًا لرجاله «تعالوا نرتاح في ظلال السنديانة».

وعلم منصور دعيبس بذلك، فنادى جيرانه الفلاحين، وأخبرهم بوجود الأمير الكبير على مقربة من قريتهم، فساروا ورائه نحو تلك السنديانة حاملين أطباق التين، والعنَب، وجرار اللبن والخمر، والعسل، ولما بلغوا المكان تقدم منصور دعيبس، وقبَّل أطراف أذيال الأمير، ثم نحر كبشًا أمامه، وهتف قائلًا «هذا من خير أميرنا وولي نعمتنا».

فَسُرَّ الأمير بأريحيته، وخلع عليه قائلًا: «ستكون منذ الآن، وصاعدًا شيخًا على هذه القرية مشمولًا بنظري الخصوصي، وقد أعفيت سكان قريتك من الأموال الأميرية في هذه السنة».

في تلك الليلة بعد أن تابع الأمير سيره اجتمع في بيت «الشيخ» منصور دعيبس جميع سكان القرية، ونادوا به رئيسًا مطاعًا في السراء والضراء. رحمهم الله جميعًا.

•••

وللسرجين المفضض أسرار لا عِدَادَ لها تعلنها لنا الشياطين، والأبالسة في كل يوم وليلة، وسوف نظهرها لكم قبل أن يُسَيِّرَنَا الدهر إلى ما وراء الشفق الأزرق، أما الآن وقد انتصف الليل وملَّت أجفاننا السهر، فاسمحوا لنا أن ننام لعل عروس الأحلام تحمل روحنا إلى عالم أنظف من هذا العالم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠