أبيض وأزرق

رفع المرشد اليوناني الميكرفون الصغير إلى فمه وقال بالإنجليزية في صوتٍ هادئ: «مرحبًا بكم في جزيرتنا.»

كان يرتدي ملابسَ رياضيةً بادية الجدَّة؛ كاب وقميص قصير الأكمام وشورت وجورب في حذاء من المطَّاط، وكانت جلُّ ملابسه بيضاء اللون.

قال: «أنتم جميعًا مصريون وتتكلمون اللغة العربية، تمامًا؟ للأسف أنا لا أعرف العربية، وسأُضطَر إلى مخاطبتكم بالإنجليزية، أنتم تعرفون الإنجليزية، أليس كذلك؟»

تصاعدَت صيحات الموافقة من جنبات الأتوبيس السياحي، ومضى المرشد قائلًا وهو يشير إلى السائق: «السائق اسمه ميخالي، مثلي تمامًا، وهو كما تَرونَ غاضبٌ بسبب اضطرارنا للانتظار حتى يكتمل عددكم. باقي اثنان الآن، وقد فهمتُ أنهما عروسان؛ ولهذا يجب أن نتسامح معهما، ها هما.»

ظهر الزوجان الشابَّان في مدخل السيارة، وشقَّا طريقهما في الفُرجة الضيقة التي تفصل بين صفَّي المقاعد، ثم جلسا على المقعد المقابل لذلك الذي شغلتُه أنا وزوجتي.

كانت الفتاة سمراءَ ضئيلة الحجم، قصَّت شعرها كالصبية، وارتدَت بدلةً صيفية من قماشٍ قطني أصفر اللون، وحذاءً ذا كعبٍ مرتفع من نفس اللون، وامتلأَت أصابع يدَيها بالخواتم الذهبية، كما تدلَّى الذهب من أُذنَيها وأحاط بكلٍّ من عنقها ومِعصمَيها. وكان عريسها في نفس حجمها وسنِّها، تتدلَّى من سوار حول معصمه كاميرا صغيرة الحجم. رأتنا نتطلع إليها فخاطبَت زوجتي شاكية من غباء موظَّفي الفندق وجهلِهم باللغة الإنجليزية؛ إذ لم يفهموا إلا بصعوبة أنها تُريد الحُليَّ التي أودعَتها خزانة الفندق بالأمس.

استدار المرشد بحيث أصبح يُواجِه الطريق، واستقر في مقعدٍ بجوار السائق، وما زال الميكرفون قريبًا من فمه.

وانسابت السيارة في شوارعَ هادئة تحفُّ بها أشجارٌ متقاربة على الجانبَين، وتُطِل عليها منازلُ واطئة من طابقَين أو ثلاثة. وكانت أغلب المنازل مكسوَّة بطلاءٍ أبيض اللون.

قال المرشد: «نحن الآن في الجزء الحديث من المدينة. أما المدينة القديمة فعمرها خمسة آلاف سنة؛ ولهذا تُوجَد بها آثارٌ لكل أنواع الغُزاة وبُناة الإمبراطوريات، بدءًا من قبائل أوروبا والفينيقيين إلى اليونان والفرس والرومان، ثم القوط والعرب والأتراك، وأخيرًا الإيطاليين والألمان والإنجليز.»

لم أَرَ كثيرًا من المارة، كان أغلبهم من الشباب الأوروبي الذي ارتدَى الملابس الرياضية أو اكتفى بأَرديةِ السباحة.

توقفَت سيارتُنا خلف سيارةٍ لجمع القمامة سدَّت الطريق، وتابعتُ ببصري عاملًا يجُر صندوقًا للقمامة بيدٍ مقفَّزة، ويُثبِّته في مؤخرة السيارة لتتولى تفريغه آليًّا، ثم أعاد الصندوق إلى مكانه بجوار الرصيف وجذَب غيره.

تطلَّعتُ إلى الرصيف المقابل، فلمحتُ رجلًا متقدمًا في السن يبرز من بابٍ ممسكًا بعصًا طويلة تنتهي بفُرشاة، طاويًا صحيفةً أسفل إبطه. ومضى الرجل يُنظِّف الإفريز أمام المنزل بعناية، ثم جمع الأتربة في كَومٍ صغير. وعاد إلى المنزل فأحضَر جاروفًا استعان به في نقل الأتربة إلى كيسٍ أسود من البلاستيك، ثم وضَع الكيس بعناية على حافَة الرصيف، واستدار داخل المنزل، فارتقى بضع درجاتٍ إلى شُرفةٍ صغيرة مكشوفة، واستقر في مقعد من الخيزران أمام مائدةٍ تحمل فنجانًا من القهوة وغَلْيونًا. وبعد أن ارتشَف من الفنجان، بسط صحيفتَه وانهمك في إشعال الغَلْيون.

تحرَّكتْ سيارة القمامة أخيرًا، وتبيَّنتُ رتلًا طويلًا من السيارات تكوَّن خلفنا دون أن يصدُر عن إحداها صوتٌ ما. وتطلَّعتُ إلى حيث استقرت صناديق القمامة الفارغة فرأيتُ الأرض حولها نظيفة بلا أثَر لما كانت تحويه من فضلات.

انحنى الأتوبيس في شارعٍ خلا من المارة، امتدَّت على أحد جانبَيه حديقةٌ كبيرة كثيفة الخضرة، انتشَرتْ في أنحائها الورود البنفسجية الصغيرة التي كانت تملأ حدائقنا في الصِّبا.

همسَت زوجتي: «وأنا طفلة كنت ألصقُ بتلاتِ هذه الوردة على شفتَيَّ.»

أحاط بنا هدوءٌ عذب، ومضت السيارة على مهل، ولمحتُ شابًّا وفتاة يتبادلان قبلةً طويلة أسفل إحدى الأشجار. ولزم المرشد الصمت كأنما يتيح لنا أن نستمتع بالهدوء.

لكنَّ الجالسين خلفي اختاروا هذه اللحظة بالذات ليُفيضوا من سعادتهم بإنجازاتهم على الجميع. ودون أن أُحرِّك رأسي عرفتُ أن خلفي مباشرةً توءمتَين في ربيع العمر، تعيشان في أبي ظبي مع أبيهما المهندس وأمهما المدرسة، وأن السلاسل والصلبان الذهبية التي تتدلَّى من عنقيهما هي هدايا أعياد الميلاد، وأنهما تتوقان لاستعراض مواهبهما في رقصة البطن داخل السيارة.

أشرف الأتوبيس على أسوارٍ حجرية قديمة تتخلَّلها أبراجٌ عالية، وعلَّق المرشد قائلًا: «أمامكم الآن التحصينات التي أقامها الفرسان الصليبيون في القرن الخامس عشر عندما استقَروا هنا بعد طردهم من الشام، وتُعيِّن هذه التحصينات حدود المدينة القديمة. لكننا لن نذهب إليها الآن، إنما سنتجه إلى قلب المدينة الحديثة حيث البنك؛ فلا بد أن بعضكم يود استبدال نقوده.»

تصاعدَت صيحات الاستحسان والاستفسار عن سعر الدولار، بينما انتقل الأتوبيس إلى منطقةٍ آهلة بالمارَّة والمقاهي والمطاعم الأنيقة.

ومع ذلك كانت الشوارع نظيفة للغاية، بلا حفر ولا أتربة. كما خلت الأرصفة من شتى المخلفات والإفرازات، وامتدت أفاريزها الحجرية في استقامة، وقد التصقَت أجزاؤها بعضها ببعض، التصاقًا محكمًا لم يترك بينها أية فراغات. وأحاطت بقواعد الأشجار دوائر من التربة، مؤطَّرة في عناية بأفاريزَ رفيعة من الرخام.

تناقصَت المقاهي والمطاعم بالتدريج لتحلَّ محلها البوتيكات وحوانيت الملابس والمجوهرات والأنتيكات، وتوقَّف الأتوبيس في ميدان صغير على بُعد خطوات من البنك، وقال المرشد: «أُحب أن أنبِّهكم إلى شيءٍ هام بالنسبة إلى الشراء؛ فالجزيرة كلها عبارة عن منطقةٍ حرة؛ ولهذا فالمنتجات الأجنبية هنا أرخص منها في بلادها الأصلية، بل وأرخص من المنتجات اليونانية المحلية.»

شرع الركاب في مغادرة السيارة، فاكتشفتُ بينهم عددًا من المحجَّبات، وسيدتَين متلازمتَين في أواخر العقد الرابع، عَرَّيَتا أكتافهما، في محاولةٍ متعجلة للحصول على شهادة التصييف.

توزَّعنا بين البنك وواجهات الحوانيت. وكنتُ أنا وزوجتي قد استبدلنا نقودنا في الفندق عند وصولنا. فانتحينا جانبًا مظللًا ووقفنا نتأمل المارَّة. ولاحظتُ أن غالبية السائحين من الشباب، وأن نسبةً كبيرة منهم من بلاد الشمال القصي، ومن الفتيات.

تبيَّنتُ عددًا من الوجوه العربية، وسمعتُ اللهجة السعودية من زوجَين ظننتُهما أفريقيَّين بسبب لون بشرتهما. وكان الزوج البدين يحمل أكبر زجاجة ويسكي رأيتها في حياتي، وقد حملهَا فوق ساعدَيه كالطفل الرضيع.

اقتربَت العروس الصفراء منا ومدَّت يدها بالكاميرا الصغيرة إلى زوجتي، ملتمسة منها أن تُصوِّرها هي وعريسها. وأسرعَت تقف إلى جواره فوق درجات البنك وقد أحاطها بذراعَيه وأمسك معصمَيها بيدَيه.

لمحتُ حانوتًا لبيع الصحف، فتركتُ زوجتي تُصوِّر العريسَين، ومضيتُ إليه. ابتعت صحيفةً يونانية باللغة الإنجليزية، وألفيتُ أخبار بيروت تحتل صدر الصفحة الأولى. ووصف العنوان الرئيسي الأمس بأنه أطول يوم في الحرب التي تجاوزَت الشهرَين؛ إذ استمرت الغارات الإسرائيلية المكثَّفة من الصباح حتى المساء دون انقطاع.

قرأتُ التفاصيل، وتأمَّلتُ الصورة المنشورة إلى جوارها، وتُمثِّل طفلًا عربيًّا لم يكمل العام الأول، بتر الإسرائيليون يدَيه.

ألهبَت أشعة الشمس رأسي، فطويتُ الصحيفة، واتجهتُ إلى السيارة. كان الجميع قد عادوا إليها، فصعدتُ خلف زوجتي.

التقت نظراتي وأنا أتجه إلى مقعدي بنظرات أحد الركاب، فوجَّهتُ إليه التحية مرغمًا، وعندما أصبحتُ بجواره خاطبني ضاحكًا: «هل عثرتَ على سر شويبس؟»

أجبته باقتضاب: «لا.»

كان يشير إلى تساؤلاتي عن الطائرة المصرية التي أقلتنا من مطار القاهرة عندما رأيتُ أنها تحمل اسمًا غير اسم «مصر للطيران»، وأن بها مضيفاتٍ أجنبيات، وأنها تقوم برحلاتٍ إلى تل أبيب.

جاء مكاننا أنا وزوجتي هذه المرة خلف العروسَين الشابَّين، وكانا يجلسان متلاصقَين وقد أودعَت يدَيها بين كفَّيه. واشتبكا في حديثٍ مع أم التوءمين تبيَّنتُ منه أن العريس يعمل، هو الآخر، في مكتب مقاولاتٍ بأبي ظبي منذ سنتَين، وأن العروس تخرَّجتْ هذا العام في كلية التجارة.

وقبل شهرَين تلفَن لها من أبي ظبي ليسألها أن تتزوَّجه. ومنذ تلك اللحظة لم تعرف طعم النوم؛ فقد أصرت على أن تُعِد كل شيء بنفسها؛ الملابس والستائر والجاتوهات. وفي حفل الزواج الذي أُقيم بالهيلتون كادت تسقُط من الإعياء. وقد أقاما بعده في الهيلتون ثلاثة أيام، ثم جاءا إلى الجزيرة مباشرة؛ ولهذا فما زالت في أشد الحاجة إلى النوم.

تحرَّك الأتوبيس، بينما تَشعَّب الحديث وانضَم إليه شابٌّ يُدخِّن الغليون ويعمل في الكويت، بدت زوجته حاملًا في شهرها الثالث أو الرابع. وعرفتُ أن «الشو» الذي يُقدِّمه الميريديان أفضل لأن «الباند» أكثَر مهارةً وتنوُّعًا.

أشار المرشد إلى بارٍ يشبه بارات وسط القاهرة، وقال: «هذه هي التافيرنا التي يجتمع بها اليونان عادةً ليشربوا النبيذ والأوزو، ويأكلوا اللحم والأسماك المشوية، ويرقصوا ويُغَنوا .. ويتشاجروا. وبالمناسبة، اليوناني شخصٌ حساس جدًّا لكرامته، ويثور لأقلِّ مساسٍ بها. وربما كان السبب أنه ظل رافع الرأس طَوال قرونٍ طويلة من السيطرة الأجنبية.»

كان ثمَّة رجلان بدينان يحتلان المقعد المقابل لمقعدي، وكانا يتحدَّثان بصوتٍ مرتفع للغاية ينطق بثقةٍ كبيرة في النفس، ورضاءٍ تام عن الإنجازات. وحكى أحدهما وهو يردِّد بين كل عبارة وأخرى «شوف سعادتك»، كيف صَنع ثروتَه في بورسعيد بعد أن صارت مدينةً حرة. واتضح أن المدينة المعروفة هي موطن الثاني، وهو أستاذ في الجامعة ذو عويناتٍ سوداء وشفتاه ممتلئتان، يعمل في السعودية، وكان يدعو زميله «محمد بك». ومن معصم كلٍّ منهما تدلَّت الكاميرا الصغيرة المعهودة.

أسميتُ محمد بك بيني وبين نفسي «محمد كرشة». وسمعته يقول إنه جاء بدون أسرته كي يفوز بعطلةٍ حقيقية. وتبيَّنتُ أن أسرة الأستاذ البورسعيدي تجلس خلفه مباشرة، وهي مكونة من سيدةٍ محجبة تضع عويناتٍ شمسية، وتغطِّي الملابس رأسها وساعدَيها حتى المعصمين، وبقية جسدها حتى أصابع القدمَين، وإلى جوارها فتاةٌ في سن المراهقة موشكة على البكاء، وطفلان غيرها.

أشرفَت السيارة على أحد أسوار المدينة القديمة، فقال المرشد: «لقد صدَّت هذه الأسوار غزواتٍ أجنبيةً كثيرة، أقدمُها وقع قبل الميلاد بثلاثة قرون، عندما هاجمها أحد خلفاء الإسكندر الأكبر بجيشٍ من أربعين ألفًا يساندهم أسطولٌ قوي وآلاتُ حصارٍ مبتكرة. وصمد ستة آلاف من المدافعين داخل المدينة لهذه القوة الماحقة سنةً كاملة، حتى اضطُر المهاجمون للانسحاب.»

قام محمد كرشة فجأةً من مكانه وعرض علبة من سجائر الدانهيل على الجالسين. وتوقَّف عند السيدتَين عاريتَي الأكتاف، وكانتا تجلسان خلفي. وسمعتُ إحداهما تقول إنها لا تدخن. بينما قالت الثانية إنها انتهت للتوِّ من سيجارتها ولا تريد واحدةً جديدة.

ألحَّ عليها أن تأخذ السيجارة ملتمسًا منها ألا تكسفه، واعتذَرتْ مرةً أخرى، فأصر قائلًا: «أنت بتهينيني كده يا مدام.» واضطُرتْ في النهاية أن تأخذ السيجارة، فأشعلَها لها ثم عاد راضيًا إلى مقعده.

وسمعتُ رفيقتها تهمس لها: «أيوه يا عم، ماشية معاك حلاوة.»

تمهَّل الأتوبيس أمام بوابةٍ قديمة في السور فقال المرشد: «هذه البوابة تُدعى بوابة الحرية. وهي تؤدي إلى أقدم حي في المدينة، وهو يُعرف بحي الفرسان.»

اخترقَت السيارة البوابة ومضت في أزقةٍ ضيقة تُظلِّلها الأشجار، ثم توقفَت في ساحةٍ صغيرة تفرَّعَت منها ممراتٌ مهجورة.

علق المرشد قائلًا: «في أعقاب انسحاب الصليبيين من الشام استقر ستمائة فارس من أعرق العائلات الأوروبية في هذا الحي، وتعاهدوا فيما بينهم على حياةٍ قوامها الزهد والعفة، ولم يكونوا يغادرون هذا الحي إلى بقية المدينة إلا في جماعات، وفوق ظهور الجياد.

وفي سنة ١٥٢٢م هاجمهم الأتراك بمائتَي سفينة ومائة وخمسين ألف جندي، ولم يكن مع الفرسان غير خمسة آلاف من السكان المحليين، وفرض الأتراك عليهم حصارًا استمر أربعة شهور ونصفًا، فقد الغزاة خلالها خمسين ألفًا من رجالهم، رغم أن الفرسان لم يتلقَّوا أية مساعدة من الخارج؛ فقد تخلى العالم المسيحي عنهم.

وتمكَّن الأتراك أخيرًا، بفضل أحد الخونة، من إحداث ثغرة في دفاع الفرسان، واضطر هؤلاء إلى طلب الهدنة. واتفق الطرفان على أن يغادر مائة وثمانون فارسًا — هم كل من تبقَّى من الفرسان — الجزيرة إلى مالطة بطريقةٍ مُشرِّفة، ومنذ ذلك الحين عُرفوا بفرسان مالطة.»

زمجر محمد كرشة قائلًا: «إحنا جينا نتفسَّح ولا نسمع محاضرات؟»

واصل الأتوبيس سَيْره بين الشوارع القديمة الضيقة حتى بلغ ساحةً صغيرة احتشدَت فيها الأتوبيسات السياحية الصغيرة.

غادر الجميع السيارة فتبعتُهم أنا وزوجتي بعد أن بسطتُ الجريدة فوق مقعدنا. وعَبَرنا بوابةً صغيرة إلى أزقةٍ ضيقة رُصفَت بالحصى الكبير وتصاعدَت من جنباتها رائحة القهوة المنعشة مختلطة بنغماتٍ خفيفة من الموسيقى اليونانية.

تفرَّقتْ جماعتنا في عدة اتجاهات، فالتفَّ البعض حول باعة المرطِّبات والفطائر الذين وقفوا في حوانيت الملابس والحُليِّ والخزف، وكانت المعروضات مُرتَّبةً في عناية ونظام ونظافة.

لم نشعر أنا وزوجتي برغبة في الأكل، فمشَينا نتفرَّج على السائحين، ونتأمل المعروضات، ونقلِّب بينها طويلًا دون أن يلاحقنا أحد أو ينهرنا أو يهيننا عندما يكتشف أننا لا ننوي شراء شيء. وتمهَّلتْ زوجتي أمام حانوت لبيع الحُليِّ الذهبية، فتجاوزتُها إلى ميدانٍ صغير احتل جانبًا منه مقهًى تُظلِّله الأشجار، واحتلَّت جماعات من السائحين الأوروبيين مقاعده، يَجرعون البيرة من أكوابها الزجاجية التقليدية.

تنبَّهتُ فجأةً إلى الهدوء الذي يسود المكان رغم زحام المارَّة وعمليات البيع والشراء ولحقَت بي زوجتي فانتحينا جانبًا، ووقفنا نستمتع بالهدوء، وعندما تعبنا من الوقوف اقتعَدنا الرصيف الذي كان نظيفًا للغاية.

قمنا بعد قليل وانطلَقنا عائدين، ومَررنا بمطعمٍ رُصَّت موائده في الهواء الطلق، ووقف أمامه صبي يُلوِّح بقائمة الطعام، أشار لنا أن ندخل فخاطبتُه بالإنجليزية قائلًا: «شكرًا، ليس الآن، في مرةٍ قادمة.»

سألَني بالإنجليزية: «من أي بلد أنتم؟ إسرائيل؟»

أجبتُه «لا، مصر.»

قال بعربيةٍ مكسَّرة وبلهجةٍ مُستنكِرة: «إذن لماذا لا تتكلم بالعربية؟»

تطلَّعتُ إليه لحظةً ثم واصلتُ طريقي أنا وزوجتي في صمت.

استأنف الأتوبيس جولتَه في شوارع المدينة، وبين الحين والآخر كان البحر يتراءى لنا من خلال شوارعَ جانبية تؤدي إلى ميناءٍ ازدحَم بالقوارب والسفن.

توقَّفنا في ميدانٍ صغير تتوسَّطه نافورة على شكل طبلةٍ تكسوها مُربَّعاتٌ من الخزف الأزرق المزوَّق برسوم. وفوق النافورة ارتفعَت ثلاثة رءوسٍ برونزية ضخمة للسمكة المعروفة بحصان البحر، وقد تلاقت قممها على شكلٍ هرمي.

قال المُرشِد: «نحن في ميدان الشهداء اليهود، وتعود هذه التسمية إلى عام ١٩٤٣م، عندما احتلَّت القوات النازية الجزيرة؛ فقد جمعوا هنا يهود الجزيرة كلهم، وكان عددهم يربو على ألفَي شخص، ثم قاموا بترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال المختلفة في أوروبا.»

مررنا بمبنًى قديم أشبه بالثكنة العسكرية، فقال المرشد إنه مسرح الفنون الشعبية. وانتصب واقفًا، واستدار يواجهنا وهو يضيف في حماس: «هذا المسرح خصَّص دخل إحدى حفلات الأسبوع الماضي لضحايا الغزو الإسرائيلي للبنان.»

لم يُعلِّق أحد بشيء، فاستعاد المرشد هدوءه وأعطانا ظهره من جديد وغاص في مقعده. انتقل الأتوبيس إلى شوارعَ غصَّت بالمقاهي والمطاعم والفنادق الحديثة، وانتشَرتْ بها رائحة الياسمين، ثم خرجنا فجأة إلى شاطئ البحر.

استنشقتُ الهواء المحمل برائحة الأسماك في لهفة. وبدت حافة الماء نظيفةً من أي مخلفات. وبالمثل كانت رمال الشاطئ التي اصطفَّت فوقها مظلات المصيِّفين الملوَّنة في نظامٍ بديع.

ثم صافحَت عيني زرقةٌ كثيفة لم أرَ مثلها من قبلُ، وكانت تزدادُ كثافةً كلما قاربت الأفق.

توقَّف الأتوبيس إلى جوار رصيف الكورنيش. وشعرت بهرجٍ مفاجئ بين الركاب. وعندئذٍ تبيَّنتُ أن بعض المستلقيات على الشاطئ قد عَرَّينَ صدورهن.

حدَّقتْ سيدةٌ محجبة في استنكار، ووضعَت عارية الكتفين التي لا تدخِّن إصبعها في شفتها، متأملةً المشهد في ابتسامةٍ خجلى وحاسدةً في الوقت نفسه. وتشبَّثتِ العروس بيد عريسها في شدة كأنما تخشى أن يقفز هاربًا.

ورفع محمد كرشة والأستاذ البورسعيدي ومهندس أبي ظبي كاميراتهم الصغيرة، وأقبلوا يلتقطون الصور في حماس.

مدَّت زوجة الأستاذ البورسعيدي المحجَّبة يدَها فجذَبت الكاميرا بعنف من يد زوجها وهي تهتف: «احمد ربك على النعمة اللي عندك.»

عقب المرشد ضاحكًا: «إن كل شيء في بلادنا في الهواء الطلق كما لاحظتم.»

واصل الأتوبيس سَيْره على طريق الكورنيش، وكانت هناك أجزاءٌ صخرية تخلو من المصطافين، وأوشك رصيف الكورنيش أن يخلو من المارَّة. أما الجانب الآخر من الطريق فقد خلا من أي حوانيت أو مقاهٍ. كان يتألَّف في أغلبه من منازلَ قديمةٍ مسورَّة بجدرانٍ بيضاء، أو مطاعمَ متباعدةٍ ترتفع عن مستوى الطريق بعدة درجات.

كانت جدران المنازل نظيفة لا تحمل أية كتابة أو إعلانات. وفوق أحدها طُبع شعار المنجل والمطرقة المتعانقَين بحجمٍ صغير، وبصورةٍ أنيقة.

أشار المرشد إلى شجرة أطلَّت من حديقة أحد المنازل وقال في انفعال: «هذه شجرة يهوذا، والزهرة القرمزية التي تَرونَها يندُر أن يراها أحد في هذا الوقت من العام؛ فهي تظهر في الربيع قبل الأوراق. وتقول الأسطورة إن هذه الزهرة كانت في الماضي البعيد شاحبة اللون، لكن إحساسها بالعار من جريمة يهوذا جعلها تكتسب هذه الحمرة القانية.»

أضاف المرشد بعد قليل: «لقد أوشكَت جولتنا على الانتهاء، وستعودون إلى فندقكم بعد لحظات. وأظن أنكم تحتاجون إلى فكرةٍ سريعة عن الأطباق الشهية .. أبرز هذه الأطباق «الضُلمة»، وهي عبارة عن ورق عنبٍ محشُو باللحم المفروم المخلوط بالأرز والمتبَّل بالنبيذ والبصل والخضرة. وهناك «الكفتة»، وهي كراتٌ من اللحم المفروم المعجون بالبصل المبشور والقرفة والنعناع والنبيذ.

ثم «المسكعة» وهي من أفضل الأكلات الشعبية هنا. وتتألَّف من شرائح الباذنجان واللحم المفروم، تتخلَّلها طبقات من صلصة الباشاميل والجبن المبشور. أما عشَّاق الأكلات البحرية فأمامهم سمك البربوني المقلي والاستاكوزا التي تُقدَّم بالزيت والليمون، والأخطبوط الذي يُقطَّع إلى شرائح ويُقلى أو يُسلق، ثم الكالاماري والجمبري والسرطان.»

اعترضتنا إشارة المرور الحمراء، وانتظر السائق في صبر وهدوء، رغم أن الطريق الاعتراضي كان خاليًا ولم تمر به سيارةٌ واحدة، ولم نمضِ كثيرًا بعد ذلك؛ فسرعانَ ما بلَغْنا الفندق، وأسرع الجميع بمغادرة السيارة وحملَت الصحيفة في يدي وتبعتُهم مع زوجتي.

عَبَرنا ممرًّا مسقوفًا بين صفَّين من النباتات الشائكة. ومن خصاص هذه النباتات بدا لي جانب من حوض السباحة التابع للفندق، وقد استلقَت حوله عدة فتياتٍ أوروبيَّات، عرَّضْن أجسادهن العارية للشمس، وفوق عارضة الحوض استعدَّت شقراءُ فارعة، عارية الصدر، للقفز، وقد ثنَت ساقَيها القويتَين، وبرز ثدياها الممتلئان إلى الأمام.

ولجنا رَدْهة الفندق واتجهنا على الفور إلى المطعم، واجتزنا قاعةً واسعة تناثَرتِ المقاعد الوثيرة في جنباتها، واستقَر البار في أحد أطرافها، وبالقرب منه عدة ألعابٍ تليفزيونية.

توقَّفنا أنا وزوجتي أمام إحدى هذه الألعاب. وعندما لحقنا بجماعتنا وجدنا أفرادها قد تجمهَروا أمام المطعم، وكان بابه مغلقًا، وقد اصطَف أمامه عمَّالُ كلٍّ من المطعم والمطبخ في سُتراتهم الرسمية، وحملَت مائدةٌ مجاورة كميةً من ساندويتشات الجبن واللحوم الباردة.

كان أحد العمال مشتبكًا في نقاشٍ حادٍّ مع عريس العروس الصفراء، بلغةٍ إنجليزيةٍ متبادلة الركاكة، وسمعتُه يقول: «قلتُ لك إننا مُضرِبون، ألا تعرف ماذا يعني الإضراب؟ ألا يُضرِب أحد في بلادكم؟ ومع ذلك أعددنا لكم بعض الساندويتشات، ومن لا يُعجبه يمكنه أن يأكل في أحد المطاعم القريبة.»

سألَه البورسعيدي: «ونقودنا التي دفعناها؟»

أشار العامل إلى مكاتب الفندق قائلًا: «طالِبوا بها الإدارة.»

زمجر محمد كرشة قائلًا: «المفروض إحنا جينا نصرف فلوسنا، إزاي يعاملونا بالشكل ده؟»

تَدخَّل عاملٌ متقدِّم في السن موضحًا: «نحن لم نقصد الإساءة إليكم، إنما نحن نسعى للحصول على حقوقنا؛ فهذا الفندق يجني أرباحًا طائلة في فترة الصيف، ثم يغلق أبوابه في أشهر الشتاء الخمسة، ويُسافِر أصحابه إلى الخارج حاملين أرباحه بينما نبقى نحن في بيوتنا بلا عمل، أليس من حقنا أن نتقاضى أجرًا عن هذه الفترة أيضًا؟»

تزعم الأستاذ البورسعيدي الدعوة إلى ملاحقة إدارة الفندق. بينما انطلق الآخرون إلى الخارج وعلى رأسهم محمد كرشة. وكنتُ أنا ممن أقبلوا على الساندويتشات، فأخذتُ واحدًا لي وآخر لزوجتي مع كُوبَين من عصير البرتقال، وانتحَيْنا ركنًا في القاعة الخارجية وجلسنا نلتهم طعامنا.

لمحتُ الشقراء السامقة تلج القاعة من الباب المطل على حوض السباحة وتتجه إلى المصعد، وكانت قد غطَّت صدرها وارتدت شورتًا أسود اللون، وبدا جَسدها الكبير عن قربٍ متناسقَ التفاصيل، يشع بجاذبيةٍ حيوانية. وقدَّرت أنها تنتمي إلى الشمال الأوروبي والعنصر الجرماني على الأغلب، إلى أن سمعتُها تخاطب زميلةً لها بلهجةٍ أمريكية واضحة.

فرغنا من الأكل وأشعلنا سجائرنا، وانهمكَت زوجتي في قراءة الصحيفة اليونانية، بينما قمتُ أتفرج على الألعاب التليفزيونية، وكانت شاشة إحداها تُمثِّل طائرة تُلقي قذائفها على أهدافٍ متغيرة. كان اللاعب يبذل جهدًا بالغًا في التركيز، مستعينًا بيدَيه الاثنتَين؛ واحدة تضغط زرًّا يُسقِط القذائف، والثانية تُحرِّك مقبضًا يُبعدِ الطائرة عن مجال الصواريخ المضادة لها.

لكنه فشل في تسجيل أية نقاط بسبب بطئه في متابعة الضغط على الزر وتحريك المقبض في الوقت نفسه، فغادر مكانه آسيًا. وفوجئتُ بالشقراء الأمريكية تحتل مكانه، وقد استبدلَت ملابس السباحة بقميص وبنطلون أسودَين التصقا بجسمها الفارع.

وضعَت عملةً معدنية في ثقب بالجهاز، ثم جعلَت تُحرِّك يدَيها فوق الزِّر والمِقبَض بسرعة فائقة، وتساقطَت القنابل بدقةٍ بالغة على أكواخٍ متفرقة تُشبِه أكواخ الهنود الحمر والزنوج الإفريقيين، وعلى جمالٍ يمتطيها بدوٌ في صحارى شاسعة، ومنازلَ شاهقة تُحيط بها الحدائق.

نادَتْني زوجتي، فتبعتُها إلى المصعد. ولاحظتُ أن بقعةُ من الدماء تلوِّث ملابسها من الخلف فنبَّهتها إلى ذلك. ناولَتْني الصحيفة ومدَّت يدها خلفها فجمعَت الفستان في قبضتها لتُخفي البقعة، وعندما بلغنا حجرتنا، هُرعَت إلى الحمَّام.

ألقيتُ بالصحيفة فوق مقعد، وعندئذٍ اكتشفتُ أن الغرفة ما زالت كما تركناها في الصباح. ورأيتُ لافتةً من الورق المقوَّى على مائدة الزينة وكانت تحمل بحروفٍ كبيرة هذه العبارة: «نحن مضربون»، وأسفلها التوقيع: «عمال النظافة».

أشعلتُ سيجارة وخرجتُ إلى الشرفة، وجلستُ أتأمَّل البحر الذي هبَّت منه نسمةٌ باردة، بينما أشعة الشمس القوية تلتمع فوق الأجساد الممشوقة التي استلقت على شاطئه.

ومن أعماق المدينة الصغيرة جاءتني نغماتُ البوزوكي اليوناني تحمل آثار النُّواح العربي، الذي تسلَّل إليها ولا شكَّ عَبْر أربعة قرون من القَهر التركي.

انتهَتْ سيجارتي، فولَجتُ الحجرة لأطفئها في المنفضة. وكانت زوجتي قد غادَرتِ الحمَّام واستلقت على الفِراش، فاستلقيتُ إلى جوارها، ووضعتُ رأسي على كتفها. وبعد لحظة أحطتُها بذراعي فقالت في رقة: «لقد نزفتُ اليوم بشدة.»

قلتُ: «وأنا أيضًا.»

مصر الجديدة
١٩٨٢م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤