الفصل الثالث والعشرون

ما زالت المغامرة مستمرة

سلك جيمي طريقَه إلى المنزل متعثرًا وسط الظلام الذي راح يهبط سريعًا. تعثر لأن عينَيه كانتا مشغولتين بمنظرٍ ألهاه عن أي شيء آخَر، حتى الطريق الذي يسير فيه. فكلُّ ما استطاع أن يراه هيئةُ فتاة رشيقة ممشوقة القوام ممتلئة المنحنيات، ذات وجنتَين متوردتين، وشعرٍ طيَّرته الريح، ولهيبُ السخط يتطاير من عينيها الرماديتين البنيتين وهي تجري على الشاطئ بحثًا عنه. خطَر له أنه ربما كان في صالحه أنها لم تَعثر عليه، فربما تتوفَّر له فرصةٌ أفضلُ معها إذا تسنَّى لها مزيدٌ من الوقت لتُفكِّر قبل أن يُحاول التحدث معها.

حين وصل إلى المقعد الواقعِ تحت شجرة الجاكرندا هوى إليه وجلَس هناك، رجلًا حائرًا ومحطَّمًا. وراح يُفكِّر في أنه قد تصرَّف تصرُّفًا متَّسقًا مع الصفة التي اشتَهر بها الاسكتلنديون. فقد كبَح غضبَه وتحيَّن فرصته وانتظر طويلًا حتى يضرب ضربتَه. لكنه حين ضرب، كانت ضربتُه غايةً في القسوة، غايةً في العنف. لم تكن ثمة جدوى من محاولةِ تخيل أيِّ شيء آخر، من التفكير بأي طريقة أخرى. لقد أصبح الموقف بأكمله واضحًا أمامه الآن. لا يمكن أن تكون فتاة العاصفة أيَّ أحد سوى مولي كاميرون، ابنةَ صِهر جارته وصديقته. لا يمكن أن تكون سوى معلمةِ التربية القومية الأمريكية التي تعشقُها فتاة الكشافة الصغيرة، وربما ما شهده كان نزهةً أعقبَت نهاية العام الدراسي مع مجموعةٍ من التلاميذ الصغار. إذ أتى أمامه جمعٌ متألِّق من الوجوه الصغيرة منها السوداء والسمراء والحمراء، ومنها ما هو بلون الشوكولاتة وبلون النُّحاس، وجوه أطفال وُلدوا في أمريكا متمتِّعين بجميع حقوق المواطن الأمريكي. ثم جاء الوجهُ المنهمك للفتاة التي تقبَّلَت الوضع على ما هو عليه إسهامًا بنصيبها في سبيل النهوض ببلدنا وأمانها عبر محاولة تشكيل هذه المادة الغريبة واستخدامها لتُصبح قُوًى يُستعَان بها مع مرور الوقت لتؤديَ دورَها في المساعدة على الحفاظ على حكومتنا وحمايتها.

بدا لجيمي في تلك الساعة أن الرجال الذين سافَروا للخارج من أجل الحرب لم يفعَلوا شيئًا أنبل، ولا أشجعَ ولا أهمَّ مما تفعله هذه الفتاة، هذه الفتاة التي تُعايش الموقفَ عن قرب، التي تُعِد هؤلاء الأطفالَ الذين يُمثلون لأوطانهم البذورَ التي قد تزدهر وتصبح أشجارًا باسقة.

لن تُواجهه صعوبةٌ في العثور على فتاة العاصفة الآن. فإنه يعرف اسمها. ولمعرفة مكانها فكلُّ ما عليه أن يسأل مارجريت كاميرون. كما أدرك، أيضًا، وهو جالسٌ في العتمة بينما يهبُّ عليه عبيرُ الزهور، وتلوح النجومُ المتلألئة من خلال الفروع المتداخلة لشجرة الجاكرندا، التي ظلت طيلةَ شهور متتالية مغطاةً بزهور في زرقة سماء الليل، أدرك لأول مرةٍ حجمَ الألم الذي كان يمتلئ به قلبُ فتاة العاصفة يوم أتته وهو جالسٌ بمفرده يُحارب معركته على العرش بجوار البحر. كان يظنُّ أنه أمام قلب جريح، مفطورٍ من مشكلاته الخاصة. والآن أدرك أن ما كانت ستشعر به فتاةٌ مثل مولي كاميرون، كيفما عَهِدَها، حيالَ نفسها هو لا شيء مقارنةً بما لا بد أنه قد اعتراها حين استيقظَت على الحقيقة المزعجة أن شقيقها التوءم، القريب الوحيد الذي تبقَّى لها في العالم، هو المسئول عن الحسرة التي تقود أليس لويز كاميرون إلى هلاكها. لا بد أنه قد أثقل على عقل مولي كثيرًا اليقينُ من أن وقوع لولي في مأزِق سيودي بعقلِ العمة مارجريت العزيزة، إن لم يُودِ بحياتها، وهي التي فتحت لهما بيتَها حين كانا بلا مأوًى ولا صديقٍ ولا مال. استطاع جيمي أن يرى، متخيلًا السنوات، كيف شعرت فتاةُ العاصفة بواجبها نحو امرأة فاضلة مثل مارجريت كاميرون، واستطاع أن يفهم لماذا كانت جَزِعةً لدرجة أنها عزمَت على أن تُلقي بنفسها في التيار السفلي للمحيط لأنها لم تستطع تدبيرَ المفر، لم تستطع أن تتصور سبيلًا لتصحيح الخطأ الذي وقع، حيث امتدَّت يدُ القدر التي لا يمكن لقانونٍ أن يتحكم فيها أو يصرفها وصرَعَت دونالد قبل أن تُتاح له أي فرصة لإصلاح الضرر الذي كان سيُصلحه قطعًا كونه ليس رجلًا نذلًا. فقد قالت مارجريت إنه لم يكن فتًى فاسدًا، وقد رغبَت أن يُسمى ابنه على اسمه.

ظل جيمي جالسًا تحت شجرة الجاكرندا حتى وقتٍ متأخِّر من الليل، وحين بدأ أخيرًا يتألمُ من وجع عظامه جرَّاء البرد، نهض ودخل المنزل. أشعل المدفأة وجلس قُبالتَها على كرسيٍّ مقابل لكرسيِّ سيد النحل ليمدَّ ساقَيه الطويلتين مستدفئًا بالنيران. وبينما كان قلبه مضطربًا وذهنه مشوشًا لدرجة استعصاء التفكير منطقيًّا، تمنَّى من أعماقه أن يرى سيد النحل. تمنى لو يعود مايكل ورذينجتون إلى ذلك البيت الصغير، وهو الذي ظل سنواتٍ عديدةً روحَه وحياته، فيستطيع الجلوسَ ساعةً في كرسيه المعتاد بجانب المدفأة ويتشاور معه، ويساعده على أن يجد الأمل والتفاؤل، ويُخبره ما الذي عليه فعلُه للتصالح مع فتاة فاضلة فضلًا تعجز الكلماتُ عن وصفه، حتى إن جيمي لم يجد طريقةً يصف بها رأيه فيها.

في ذلك اليوم، أجبر يدَها، مكرِهًا إياها بوحشية، على أن تكتب أمام العيون المندهِشة لمجموعتها واحدةً من أكثر الكلمات رداءةً في أيِّ لغة، ليس كتابتها فحسب، وإنما إعادة كتابتها ووضع خطٍّ تحتها. لقد أوجعَها بالطريقة التي يعلم أنها ستُوجعها، ثم اختفى وتركها موصومةً بوصمة كريهة لنفسها ربما مثل أيِّ شكل من العذاب خُلق خِصِّيصى لها.

جعل جيمي يُحملق في الكرسيِّ الشاغر متسائلًا. إذ وجد نفسَه يبتهل بالدعاء أن يحضر سيد النحل. لكنه لم يأتِ. ظل الكرسيُّ شاغرًا. في خياله فقط أمكَن لجيمي أن يرى الرأسَ الأبيض، والوجهَ النحيف، والعينين الكبيرتَين الداكنتين، واللحية الحريرية، واليدين النحيفتين الحساستين التي تُرافق الأرواحَ المرهَفة والمبدعة. لكنه لم يأتِ. وقد أحسَّ في أعماقه أنه يعلم لماذا لم يأتِ. كان سيدُ النحل سيسلك سلوكَ الرجل النبيل، فقد هذَّبته معاناتُه الخاصة بعذاباتها المصيرية، وكان سيتصرَّف برقةٍ بالغة، وما كان سيُلقي بتلك الكلمةِ البشعة في وجه امرأة، وما كان سيجبرها على كيِّ قلبها بها. ما كان سيد النحل سيفعله هو أن يقول: «عزيزتي مولي، يبدو أنكِ لم تقولي الحقيقة، أنكِ لم تكوني صريحة؛ لكن حيث إنني أعرفُكِ حقَّ المعرفة، فإنني أعلم أن هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًّا، فهلا شرَحتِ لي حقيقةَ الأمر؟ ما الذي حدث حقًّا؟»

أما الآن فلم يَعُد ضروريًّا أن يُخبَر جيمي بأيِّ شيء. فقد عرَف المسألة برُمَّتها حين أرسل بصرَه فوق رأس مارجريت كاميرون المحنيِّ والحلي الزهيد الذي قبضَت عليه بيدَيها؛ ليرى عقد الزواج مبسوطًا على الفِراش أمامها مكتوبًا فيه اسمُه واسم طفلتها الوحيدة.

كان الصباح بلونه الرماديِّ قد بدأ يتسلَّل للنوافذ حين ألقى مربِّي النحل بنفسه على الفراش من دون أن ينزعَ ملابسه ليستغرقَ في نوم مضطرب. ولم يستيقظ حتى سمع مارجريت كاميرون في المطبخ ومعها فطورُه. فنهض وخرج إليها. نظرَت إليه نظرةً واحدة وقالت: «إنك لم تخلع عنك ملابسَك يا جيمي، وأشك أن تكون قد نِمت من الليل كلِّه ساعة!»

فأجابها: «كذلك أنتِ يا مارجريت، ومِن ثَم ليس لديكِ أيُّ أساس تستندين إليه في تأنيبي.»

فقالت مارجريت: «بل لديَّ. فإنني لم أمرضْ يومًا في حياتي مرضًا حقيقيًّا. ليس في صدري جرحٌ لا بد من رعايته بعنايةٍ قُصوى شهورًا قادمة. إنما أحتمل جِراحي حيث لا يمكن للعالم أن يكتشفها.»

صاح جيمي: «لا تفعلي ذلك!» وتابع: «لا تُصبحي ناقمةً يا مارجريت. إننا لا نعلم، ولا نستطيع أبدًا أن نعلم لماذا تجري الأمور في هذا العالم على النحوِ الذي تجري عليه بالضبط؛ لكننا نعلم شيئًا: نعلم أن الله موجودٌ في ملَكوته السماوي، وأنه رحيمٌ ويحبُّ العفو والرحمة، ونعلم أننا إذا عصَيناه واتبعنا أهواءنا وخالفنا وصاياه سنُعاقَب عقابًا قاسيًا. ولكن للأسف لا يوجد إنسان يمكن أن ينال عقابَه بمفرده في هذه الحياة. ولا يمكن لأحد أن يُعاني دون أن يجعل شخصًا آخرَ يعاني، لكن بطريقةٍ ما لا بد أن تنتهيَ الأمور لصالح الجميع، حتى إن لم نستطِعْ أن نرى كيف يمكن ذلك ونحن نُلاقي من أحداث الدهر ما يؤلمنا أشدَّ الألم. لقد ظننتُ حين نهضت وخرجت من المستشفى أنني سأقدم على مغامرة كبرى تخصُّني وحدي. وشعرت بحماسٍ شديد للوقوف على قدمي ولفعل ما يحلو لي لبضعة أيام، ولتنفيذ أوامري أنا. وقبل الاسترسال فيما حدث لي، قد يكون هذا دليلًا على أن الله قد أمرني بالنهوض والهروب وأن أكون تحت رحمة الطريق؛ لعلي أصبح ممتنًّا بحقٍّ حين يأتيني المأوى، وربما أرادني أن أكون هنا لتقديم ما أستطيع من عونٍ لروح فتاةٍ كسيرة في الأيام التي عاندتْها فيها الحياةُ لدرجة مثيرة للشفقة.»

كانت مارجريت كاميرون تُجهز أصنافَ الفطور على الطاولة والدموع الغزيرة تجري على وجنتَيها، دموع امتنَّ لها جيمي امتنانًا تعجز الكلمات عن وصفه. فمن الممكن أن يُعول على العقل في الحفاظ على توازنِه حين يمنح الله راحةَ سكب الدموع في وقت الأزمة.

قال جيمي: «الآن سأتناول فطوري وأغتسلُ هنا في المنزل. وبعد ذلك سأرتدي أفضلَ ثيابي وأذهبُ للبحث عن مولي كاميرون. وبإمكانكِ تسهيلُ ذلك البحث عليَّ بدرجة كبيرة إذا أعطيتِني عُنوانها، إذا أخبرتِني أين قد أجدُها.»

سألتْه مارجريت كاميرون: «منذ متى وأنت تعرف مولي؟»

قال جيمي: «منذ جئتُ إلى هنا تقريبًا، لكن أرجو أن تُدركي أنني لم أعلم أنها جارتي في الدار المجاوِرة، وأنها ابنة صِهْرك، حتى أمسِ.»

فقالت مارجريت كاميرون: «يمكنني أن أفعلَ شيئًا. من الممكن أن أتصل بها على الهاتف وأسألَها أن تأتيَ إلى المنزل اليوم وإذا كان من الممكن أن تأتيَ لتراها وفي أيِّ ساعة تودُّ أن تراك.»

سألها جيمي: «هلا تكرَّمتِ وفعلتِ ذلك؟»

جلسَت مارجريت حتى انتهى جيمي من فطوره. ثم مضى معها ليحملَ الأشياء في طريق العودة، بزعم رؤية دونالد الصغير، والحقيقة أنه أراد أن يوعِزَ إليها بالاتصال ومعرفة ما سيكون الرد. وحين ألمح إليها به فعلًا، اتصلَت مارجريت كاميرون مرتَين أو ثلاثًا ولم تلقَ ردًّا. كان رنينُ الهاتف على الطرَف الآخر مسموعًا بوضوح، وهكذا أدركا أن مولي ليست في المنزل. فقالت مارجريت إنه ليس بيدِهم شيءٌ سوى الانتظار لحين عودتها. وهكذا عاد جيمي إلى منزله في خيبة أمَل. وبدلًا من الاغتسال في حوض الاستحمام كما كان ينوي نزَل إلى البحر، وفي مياهِه الباردة المالحة ألقى بعضًا من الألم والتعب من جسده. ثم استلقى على الرمال الساخنة وراح في النوم على الفور تقريبًا.

ظلَّ نائمًا حتى كاد النهارُ أن ينتصف. ثم عاد مارًّا بمارجريت كاميرون، وهذه المرةَ نسخ رقم الهاتف وأخذه معه. فقد عزَم أن يُبقيَ الخطوط مشغولةً حتى يلقى ردًّا. بعد فشله المرة الأولى، أخرج أبهى الملابس التي استطاع أن يعثر عليها بين أشيائه وبين تلك التي منحَه إياها سيدُ النحل وبسطَها. متكلفًا أقصى درجات الاهتمام التي تكلَّفها يومًا، فاختار قميصًا حريريًّا فاخرًا ذا لونٍ أرجواني شاحبٍ رقيق مع ربطة عنقٍ أغمق لونًا لتُناسبه. وارتدى السروالَ الرمادي والحذاء الأسود وأخرج المعطف الأسود. ساورَه شعور أنه يودُّ الظهورَ بأفضلِ مظهر في إمكانه. فقد كان سجله حافلًا بما يؤخذ عليه لدرجة أنه شعر بأنَّ عليه التأنقَ في مظهره الشخصيِّ بقدر ما يستطيع. وبينما هو يرتدي قميصه أمام خِزانة الأدراج، ويربط بعنايةٍ ربطةَ العنق التي أراد ارتداءها، سمع صوت سلك الباب الأمامي ينفتح وينغلق ثم أتاه صوتٌ واضح، غشيته قليلًا النبراتُ التي يحبُّها، مناديًا: «هل أنت هنا يا مربي النحل؟»

تقدَّم جيمي إلى باب غرفة النوم، فأصبح في مواجهة مولي كاميرون على الجهة الأخرى من حجرة المعيشة. كان من المفاجأة في غايةٍ حتى إنه لم يقوَ على قول «يا إلهي!» للتعبير عن مفاجأته. شعر أنه مجنونٌ لاعتقاده أنه عثَر على لمعةٍ في العينين الرماديتَين المائلتين للون البني، ونصفِ ضحكة الْتوَتْ بها شَفتا هذا الفم الفاغر الحمراوان. بينما تقف مولي كاميرون أمامَه، مرتديةً حذاءً عاليَ الرقبة وسروالًا قصيرًا كما لو كانت على سفَر، مع شعرها القصير الذي بعثرَته الريح، ووجنتَيها المتورِّدتين من الجهد، أو لعله الغضب.

لكن لا يمكن أن يكون غضبًا؛ فإنه على يقينٍ تامٍّ من أنه رأى الضحكَ على وجه مولي وهي تسأله: «جيمي ماكفارلين، هل ما زلتَ على اقتناع راسخ بأنني كاذبة؟»

مد جيمي ذراعين متوسِّلتَين.

وقال: «يا فتاة العاصفة، إنني على اقتناع راسخ بأنكِ رائعة للغاية. ولطالما كان هذا ما اعتقدتُه. إذ لم أستطع أن أصدق، قط، ولو للحظة، أنَّ حاجتكِ إليَّ كانت لنفسك، وقد تأكدتُ الآن من ذلك، علمت بشجاعتكِ وجَسارتكِ، ولا أملك كلماتٍ لتفسير التصرف الجبان الذي أقدمتُ عليه أمس. هل من الممكن أن تُسامحيني؟ هل من الممكن أن تسامحيني، يا عزيزتي مولي؟»

لم يبدُ الأمر ممكنًا بالفعل أن مولي كاميرون كانت تقف في مدخل بيته تنظر إليه بوجهٍ مبتهج، يكاد يضحك.

وهي تقول: «بالنظر إلى ما حدث، وبالنظر إلى الطريقة التي استغللتُك بها لتحقيق أغراضي؛ فلا بد أن أقرَّ بأنني قصدتُ خِداعك؛ أردتُ أن تُصدق أنني أردتُ المساعدة لنفسي وأنا كنت أريدها طَوال الوقت من أجل لولي، وكنتُ في أمسِّ الحاجة إليها، لما أحمله من دَينٍ أنا ودون لأمِّها …»

أمسَكَت بغتةً عن الكلام، واختفت ضحكتُها.

واستأنفَت حديثها فقالت: «لقد تحدثتُ مع العمة مارجريت، وعرَفت الآن أنك علمت بكلِّ جوانب الموقف ما عدا شيئًا واحدًا. ثمة شيءٌ آخر لا بد أن تعرفه. نتيجةً لضياع أو تأخير في البريد، وصَلني بعد شهر من وفاة دون خطابٌ منه فكان ذلك العزاء الوحيد لي أنا ولولي في الأيام المريرة حين كنتُ أخفيها في مسكني في المدينة وأتدبَّر خطاباتها لأمِّها، التي كان يُفترض أنها تكتبُها من ساكرامنتو. ستُخمن بالطبع أنني رتَّبت دخولها المستشفى، وسدَّدنا الفواتيرَ من دخولنا مجتمِعة. لم يخطر لي قطُّ أنها لن تستطيع تحمُّلَ ولادة الطفل. لم أتوقَّع أن تغيبَ عن عالمنا، لكن أعتقد أنها توقعَت ذلك لأنها أصرَّت على اتخاذ الاحتياطات لتلك الطارئة. لقد صُغنا خطاباتِها بحيث لا تُفاجئ العمة مارجريت مفاجأةً بالغة، وظننت أننا احتَطْنا لكل شيء. لكن لولي أخذَت معها ذلك العقدَ في المستشفى. فقد كانت تشعر بالخزي الشديد، فأرادت أن تأخذَه معها فقط حتى يمكنَ للأطباء والممرضات أن يرَوه. كانت مضطرةً إلى تقديم دليلٍ إذ كانت كرامتُها في خطرٍ كبير، وكان جُرحها مؤلمًا؛ ومِن ثَم تصادف أن عثرَت عليه العمة مارجريت أمسِ حين ذهبَت لتبحث بين أشيائك لترى الثيابَ التي هي بحاجة إلى الرَّتْق.»

قال جيمي: «فلتُصدِّقيني أنني لم أفتح تلك الصرَّة. ولم أعلم لمن أعطيتِ العَقد والخاتَم. ولم أعلم باسم مَن استخرجت رخصة الزواج. لم أعلم سوى أنني لو كنتُ قد فتحتُ فمي وقلت إنني لم أرَ قط الفتاةَ التي اقتادوني إليها حين وصلتُ المستشفى كنت ربما عرَّضتُها علانيةً للخزي الذي فقدَت حياتها وهي تتحمَّلُه وحدها، فلزمتُ الصمت حتى حين وبَّخني الطبيب توبيخًا لاذعًا.»

مدَّت مولي كاميرون يديها وتقدمت لمنتصف الحجرة.

وهي تصيح: «ويحي!» وتابعَت: «ويحي، وا أسَفاه! لكن لولي أخبرَت الممرضة — سمعتُها وهي تخبرها — أنك كنتَ رائعًا، أنك كنت كريمًا، أنه ما من رجلٍ كان سيفعل مَكرُمةً واحدة من المكارم التي فعلتَها! لقد سمعتُها!»

قال جيمي: «لقد دافعَت الممرضةُ عني.» وتابع: «لقد أخبرَتْه بأشياءَ جعلتْه يعتذر. دعكِ من ذلك! فليس له علاقة أو، على وجه الدقة، هو وثيق الصلة بما فعلته أمسِ.»

وعندئذٍ تقدم جيمي وفتح ذراعَيه.

«هل هناك أيُّ أمل على الإطلاق، يا فتاة العاصفة؟ هل هناك أيُّ أمل على الإطلاق، يا مولي كاميرون، أن تستطيعي الصفحَ عني؟ وهل ستُصدِّقين أن الجرح الذي كنتُ مصابًا به تلك الليلةَ على الصخرة، الجرح الذي كنت مؤمنًا إيماني بوجود الله، بأنه سيُنهي حياتي خلال بضعة أشهر على الأكثر، هل ستُصدقين أننا عالجْناه، أنا وعمتُكِ مارجريت، بالماء المالح وأشعةِ الشمس والغذاء الصحي؟ هل ستصدقين أنني أصبحتُ رجلًا سليمَ البدن مرةً أخرى، حتى إذا ترَك الجرح في جسدي ندوبًا؟ هل ستصدقين؟»

قالت مولي: «مهلًا، يا جيمي! لم أعرف قط اسكتلنديًّا يستطيع أن يُطيل الحديث هكذا! لقد أثَّرتْ عليك أمريكا تأثيرًا فظيعًا! لستَ رجلًا اسكتلنديًا حقيقيًّا على الإطلاق! إن الاسكتلندي الحقيقيَّ كان سيختصر المسافات التي بيننا ويسألني: «هل تتزوجينني؟» ثم يعتبر موافقتي أمرًا مسلَّمًا به وينصرفُ للمفيد!»

رفع جيمي منكبَيه. وأخذ نفَسًا بلغ أعماقَ رئتيه وفعل ما قالته.

وبعد برهة، حين استعادت أنفاسَها لتَقْوى على فعل أي شيء، أدارت مولي كاميرون رأسها وولَّت وجهَها للسقف وقالت بلُكنة اسكتلندية: «سأفعل. وقتَما تريدني، سأفعل!»

فقال جيمي: «إنني أريدك حالًا، اليوم إذا وافقتِ، بمجرد أن نصل إلى مكتب الزواج ونحصلَ على الوثائق الرسمية. فقد سئمتُ من المغامرات. وأريد أن أستقرَّ وأقضيَ ما تبقى من حياتي أحبُّكِ وأرعى النحل.»

فسألته مولي كاميرون: «وماذا سيظنُّ مكتب الزواج إذا جاءته الفتاة نفسُها من أجل إذنٍ آخر باسمٍ آخر في تلك المدة القصيرة؟»

نظر جيمي إلى عينَيها مباشرةً وضحك وهو يُحيطها بذراعَيه بقوة. وأجاب: «فلتتركي لي مسألةَ المكتب! لا بد أنه في عُهدة شخصٍ إنسانيِّ النزعة. سأذهب وأتحدث معهم، وسأحرص على ألَّا يقعَ أيُّ شيء مزعج حين تأتين. فقد استطعتُ في أوقاتٍ من حياتي إقناعَ الناس بمهارة.»

فقالت مولي كاميرون مصدقة على قوله: «صحيح، لا بد أن أؤكد على صحة ذلك القول! فإنني أوافق الرأيَ أنك أكثرُ الناس الذين عرَفتُهم يومًا قدرةً على الإقناع! إن لم يكن لديك قدرةٌ هائلة على الإقناع ما كان سيخطر لي أن أُعرضك لكلِّ الإزعاج الذي عانيتَه بسببي منذ العاصفة العاتية.»

قال جيمي: «لا تشغَلي بالَكِ بالإزعاج أو معاناتي بسببكِ.» وتابع: «ثَمة شيءٌ واحد أريدكِ أن تعرفيه. هل تُدركين في أعماق قلبكِ أنني لم أستطع قطُّ أن أُصدق أنكِ أردتِ ذلك العَقد وذلك الخاتمَ واسمي لنفسكِ؟»

نظرَت مولي كاميرون في عينَيه مباشرة.

وقالت: «لم تستطع بالطبع!» وتابعَت: «بالطبع لم تستطع! فأنت نفسُك رجلٌ مجبول على الانطلاق في الطبيعة بما يكفي لتعرفَ الفتاة التي تهوى الطبيعة حين تلتقيها. بالطبع ما كنتَ ستظن بي مثلَ هذا الظن!»

ثم وضعَت ذراعَيها حول عنق جيمي، ولم تشدَّ رأسه إلا مسافةً قصيرة حتى أصبح في مستوى رأسها.

ثم قالت: «إن رأيي فيك يا جيمي ماكفارلين ليس مما يُكتب في كتب كثيرة، لكنْ لديَّ شيء أريد معرفتَه قبل أن تذهب إلى مكتب الزواج. هل ستسمح لي بالاستمرار في تدريس التربية القومية الأمريكية مرتَين أو ثلاثَ مرات أسبوعيًّا؟ فإنني شَغوفةٌ بعملي! وأعتقد أنها من أهمِّ الوظائف لأي امرأة في هذا البلد في عصرنا الحالي!»

فقال جيمي: «بالطبع، بالطبع سأسمحُ لكِ. سوف أسمح لكِ بفعلِ ما يحلو لكِ تمامًا، وسوف أذهب معكِ لأرى قدر العون الذي أستطيع تقديمَه في تدريس التربية القومية الأمريكية. فقد حصلتُ على قدرٍ من التدريب الصارم بعض الشيء؛ مما يجعلني ملائمًا لتدريس التربية القومية الأمريكية. وأعلم عن الحرب بِضعة أشياء كما يجدر بأيِّ رجل أن يعلم بها. ولديَّ سؤال أودُّ أن أسألكِ إياه قبل الذَّهاب إلى مكتب الزواج. أودُّ أن أعرف هل من الممكن أن نأتيَ بقسٍّ اسكتلندي من الكنيسة المشيخية البروتستانتية ليزوِّجنا هنا في هذا المنزل الذي يخصُّنا؟ أودُّ أن أعرف هل ستذهبين إلى الكنيسة ومدرسة الأحد معي فيما بعد؟ أود أن أعرف هل سنراعي الله وتسود الأجواء الدينية في منزلنا؟ أود أن أعرف هل من الممكن لأولادنا أن ينشَئوا على تقاليدَ كالتي ورثتُها، والتي ورثتِها بالطبع من والديكِ؟»

قالت مولي كاميرون: «بالطبع. بالطبع. لن أرغبَ في أن تسير الحياة على أيِّ نحو آخر، وسيُسرُّني كثيرًا أن أتزوجَ هنا في المنزل الصغير الذي هو صرحٌ مشرق للرجل الذي كان صديقًا لنا نحن الاثنين. فأنا أيضًا كنت أعرفُ سيد النحل وأحبُّه. لقد قرأتُ كلَّ الكتب التي في مكتبته تقريبًا. وكنت أنفض الغبار عن صوره وأثاثه الثمين. ولولا سقوطُه مريضًا كنت ستلقاني هنا قبل وقت طويل.»

قال جيمي: «لكن يبدو لي أنكِ جئتِ هنا عدة مرات.»

فقالت مولي: «قليلًا جدًّا. فإنني لم أستطع الابتعادَ طَوال الوقت، يا عزيزي جيمي. فمنذ تلك الليلةِ على الصخرة وأنا غيرُ قادرة على حمل قلبي على حُسن التصرف متى فكرتُ فيك. لأحدِّثك بالحقيقة المحضة، إنني أحبك! أحبك يا جيمي ماكفارلين! أحببتُك في العاصفة، وأحبُّك هنا وأنت في الحديقة، وأحببتك حتى على الشاطئ أمس حين واتَتْك الجُرأة لتُخبرني برأيك عني حقًّا. كنتُ حانقةً إلى حدٍّ ما حين ركضتُ في أثَرِك، لكن حتى لو كنت وجدتُك وفرَغتُ من قول ما لديَّ فقد كنتُ غالبًا سأخبرك بأنني أحبُّك، يا عزيزي مُربي النحل.»

«مهلًا، كيف هذا؟» قال صوتٌ من ورائهما، فاستدار جيمي ومولي ليرَيا فتاةَ الكشافة الصغيرةَ واقفةً في المدخل بعينين متسعتين دهشةً.

حيَّاها جيمي تحية رقيقة: «مرحبًا يا جين ميريديث!» وتابع: «تعالي لترَيْ ماذا حدث في هذه العائلة للتو؟»

دخلَت جين ميريديث ووضعَت يدَيها عند محيط خَصرها، وبمرفقَين في مستوى خاصِرتَيها ورأسٍ مائل، أخذت تُحدق في الاثنين.

وقالت: «حسنًا، إن سألني أحدٌ عنك فسوف أقول إنك سريعٌ في اغتنام الفرص! لا أظن أنه قد مضى أسبوعٌ على وفاة زوجتِك، وها هي مولي تتودَّد إليك، تمامًا مثل أبي وأمي! أيُعقَل ذلك!»

فقال جيمي: «ليس الأمر كذلك.» ثم أضاف: «لا بد أن تُسلمي بأنَّ في العالم بعضَ الأشياء التي لا يفهمها الصِّغار في سنِّكِ.»

فقالت: «حسنًا، لا تُبالغ أنت في التسليم بالأشياء. فربما أدركُ أكثر مما تظن. لا تظنَّ على أي حال أنني صدَّقت مطلقًا أن جيمي الصغيرَ كان له أمٌّ وماتت فأخذتَه أنت ورحلتَ تاركًا إياها. ليست تلك الطريقةَ التي يتصرف بها الرجالُ حين تموت زوجاتُهم. كانت قصةً جيدة، لكن تستطيع أن تُحدث بها مَن تشاء. أما أنا، فلا! يبدو منطقيًّا أكثرَ أن أجدَ مولي بين ذراعَيك. ذلك مما أصدِّقه! لو كنتُ مكانك كنت سأفعل ذلك. صحيح، هل الأخشاب المكدَّسة في الخارج من أجل إسطبل تشيف؟»

فقال جيمي: «إنها كذلك.»

«حسنًا، أليس من الأفضل أن نبدأ العمل إذن؟»

ابتسم جيمي.

وسألها: «أليس من الممكن أن تُمهليني يومًا إجازة؟» وتابع: «ألا تعلمين أنني أرتدي معطفي حين أكونُ في كامل أناقتي بملابس يوم الأحد؟»

فقالت جين: «بلى، أعلم، لكن مولي ليست متأنقةً بملابس يوم الأحد، وأنا لستُ متأنقة بملابس يوم الأحد. إنَّ أنسبَ ما يمكنك فعله أن تذهب وتخلعَ عنك ملابسك وترتديَ ملابس العمل وتأتيَ لتبدأ العمل في بناء إسطبلي. كذلك إن لم تكن أذُناك مسدودتَين تمامًا فقد كنتَ ستسمع أسراب النحل الثلاثةَ التي انتابتْها حالةُ هياج؛ واحد منها يخصُّني، والاثنان الآخران يخصَّانك. لقد سمعتُها من بعيدٍ في آخر الشارع.»

تردَّد جيمي، وانفتح فمه، ونظر إلى مولي كاميرون. لكن مولي نفسها كانت تنتسبُ إلى أبوَين اسكتلنديَّين.

فقالت: «لا بد أن تُنقذ النحل بالطبع!» وأضافت: «ارتدِ ملابسك الخاصةَ بالنحل وسيطِر على الأسراب. إذا كنتَ تريد الاحتفال فسأذهب حيث أستطيع التزيُّنَ وسوف نحتفل هذا المساء.»

«حسنًا»، قال جيمي ذلك، وذهب إلى حُجرته.

وبينما كان يُغير ملابسه على عُجالة سمع صفيرًا حادًّا، فنظر من النافذة في الاتجاه الذي جاء منه الصوت. فرأى في اللحظة المناسبة بيل السمينَ الطيب والطفل المطيع وذا الوجه الملائكي، يُطلون من فوق السياج من الموقع المميز الذي تكدَّسَت عليه الأخشاب، صفٌّ من الوجوه الحزينة إلى حدٍّ يفوق الوصف. يبدو أن أذنَيْ جين ميريديث قد انتبهَت إلى أصواتٍ أخرى غير النحل. فقد شاهدها جيمي وهي تقتربُ من جانب المنزل وتمضي صوبَ النداء، وهي تبدو تمامًا بهيئة الكشافة الصغير نفسِها الذي عرَفه من البداية.

فتح جيمي البابَ ونادى على مولي بصوتٍ خفيض: «تعالي لتُشاهدي هذا. لقد تمرَّد فِتيان الكشافة من بضعة أيام وضرَبوها ضربًا مبرحًا حتى كاد قلبُها ينفطر. والآن يُنادونها.»

وقف الاثنان عند النافذة ليُشاهدا ما سيحدث.

توقفَت جين على بُعد عدة ياردات من السياج، وعلَّقَت إبهامَيها في حزام سروالها، وجعلَت تتفحَّص فِتيان الكشافة بوجهٍ جامد.

وقالت باقتضاب: «حسنا. ماذا تريدون؟»

يبدو أن بيل السمين الطيبَ كان قد اختِيرَ متحدثًا.

إذ وقف وقال: «هيا بنا! لننزلْ إلى الشاطئ لنلعبَ! سوف نلعبُ لعبة الهنود أو القراصنة أو قطَّاع الطرق، أو أي شيء تأمر به!»

أجابتْه قائدةُ الكشافة السابقةُ بسخرية متقَنة: «أجل، بالطبع!» ثم أضافت: «أجل، بالطبع! بعد الطريقة التي عاملتُموني بها ذلك اليوم! بعد الطريقة التي حنَثتُم بها في قسَمِكم! يا لكم من فتيانِ كشافة مطيعين، تُقسِمون يمينًا مغلَّظةً، ثم تتراجعون عنها. أجل، سأظلُّ دائمًا أرافقكم!»

عندئذٍ عمد الطفلُ المطيع إلى استخدام عينيه السوداوَين على أكمل وجه.

وتوسَّل إليها قائلًا: «مهلًا، أرجوك!» وتابع: «لم يعد هناك شيءٌ مُسلٍّ من دونك! لم ندرك أنك كنت تبتكر كلَّ شيء. صراحةً لم نُدرك ذلك! لم نكن نُدرك أننا نُنفذ ما تُخبرنا به. لقد أصبحنا بلا شاغلٍ ينظر كلٌّ منَّا إلى الآخَر مثل ثلاثة حَمقى أغبياء. لم نعد نجد تسليةً منذ أتينا ذلك الفعلَ بالِغَ الوضاعة. أرجوك! لن نفعلَ ذلك مرةً أخرى! إننا في غاية الأسف. ألسنا كذلك يا بيل الطيِّب! ألسنا كذلك يا ذا الوجه الملائكي؟ ألسنا في غاية الأسف؟»

قال ذو الوجه الملائكي: «بلى، إننا في غاية الأسف. ونُقدم اعتذارنا. وكما قالا. لم نعد نجدُ أيَّ متعة في اللعب. هلا أتيت أرجوك؟ بإمكانك أن تُصبح القائدَ المزعج مرةً أخرى. لن ينبسَ أيٌّ منا بكلمة.»

ارتفع منكبا جيمي، وانقبض صدره. ومال إلى الأمام وأراح يديه على حافة النافذة وجعل وجهُه على مستوى رأس الطفلة نفسِه. فتح فمَه ثم تريَّث لحظة ليتأكَّد. لكن لم تُبدِ جين ميريديث أيَّ تردد البتة من جانبها؛ إذ جعلَت تهز رأسها بتأنٍّ.

وقالت: «يحسُن بكم أن تذهبوا وتتدبَّروا شيئًا يمكنُكم القيامُ به. كرِّروا كلَّ الأشياء التي اعتَدْنا فعلها، وافعلوها على نحو أفضل. أما أنا فقد فرَغتُ من أمركم. لن أُعرِّض نفسي مرة أخرى لما فعَلتُموه بي ذلك اليوم! وأنا أغسل أسناني هذا الصباحَ رأيت التقويم ووجدتُ أن تاريخ اليوم هو الحادي والثلاثين. وأنا لن أُعرض نفسي للضرب من ثلاثةِ صِبية مرةً أخرى إلا في الثاني والثلاثين من الشهر! هل فهمتم؟ فلتَمضوا في سبيلكم فحَسْب! إنني لستُ خائفة منكم. فما زلت أستطيع أن أضرب أيًّا منكم، بل أستطيع ضربكم جميعًا. ولستُ خائفةً منكم. وإنما فرَغتُ من أمركم. وعلى كل حال، تلك الألواح التي تقفون عليها هي من أجل بناء إصطبل لتشيف، وسوف أؤدِّي الحركات التي يؤديها معسكرُ الكشافة رقم اثنان وعشرون. فقد انتهيتُ من التمثيل. ومن الآن سأصبحُ من الكشافة الحقيقية، وسوف أمتطي حِصانًا وأحملُ سوطًا وأقرَعُه به إن راح يتراجعُ فوق مكانٍ شديد الانحدار. لكنني لن أضربَه فيما عدا ذلك. ولن أضرب أيَّ شيء لا يُعادلني في حجمي وقوتي. دَعوا عنكم أمري! فقد انتهيتُ من أمركم!»

دارت جين ميريديث على عَقِبَيها، ورفعَت سروالها، وسارت في اتجاه الرواق الخلفي. كان مربي النحل متكئًا على حافة النافذة، فأحكَمَ ذراعه حول فتاة العاصفة وجعل يتفرَّس وجه جين وهي تتَّجه نحوه. كانت ملامحها ثابتةً لا تتغير.

فقالت مولي كاميرون: «إنها تقصد ما قالته! سوف تَثبُت على موقفها!»

فضمَّها جيمي بشدة وقال: «آمين!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢