الفصل الخامس

الكشافة الصغير

في اليوم التالي، بينما كان جيمي جالسًا على المقعد نفسِه، وذهنه مشغولٌ بالموضوع نفسِه، قفز طفلٌ رشيق نوعًا ما عاليًا من فوق السياج وحطَّ بمهارة على ممشى الحديقة المغطَّى بالرمال. حين استعاد الجسدُ الضئيل توازنه، قبضَت إحدى يديه على حزام سروال قصير غايةٍ في القذارة ودسَّت فيه اليد الأخرى إمعانًا في تثبيته طرَف قميصٍ لم يكن بالِغَ النظافة. وبينما يقفُ على قدم واحدة، خلع الفتى حذاءً قماشيًّا من القدم الأخرى، ونفَض عنه الرمل، ثم ارتدى الحذاء مرةً أخرى على قدمٍ حافية. أخذ الطفلُ نفَسًا عميقًا ووقف للحظة بلا حَراك يجول بنظرِه متفحصًا الحديقة.

خلال لحظة الثبات تلك، راح جيمي يتأمَّل في ذهنه هذا الجسمَ النحيف المسطَّح. حيث ربطت إحدى ساقَي السروال عند الركبة. بينما فقدَت الساق الأخرى ربْطتَها وتدلَّت حتى منتصف الكاحل بحزامٍ سائب ومشبك متخبِّط. وكان كُمَّا القميص الأخضر الكاكي ممزَّقَين عند المرفقين وقد شُقَّ أحدهما بالطول حتى المنكب. كما كشَفَت اليدان والذراعان والساقان عن آثارِ تسلُّق وأنشطةٍ عنيفة. وكان الوجه الصغير مسطحًا بعضَ الشيء؛ فالأنف أفطسُ صغيرٌ، والفمُ واسع. ولم تَبدُ العينان بالِغتَيْ الاتساع. لم يستطع جيمي أن يُحدد وهو على ذلك البعد ماذا كان لونهما. ربما كان الشعر سيصبح بُنيًّا لو لم تبهتْه شمسُ كاليفورنيا الحارة حتى صارت الطبقةُ الخارجية ذاتَ لون أصفر باهت؛ أما المواضع التي افترق فيها شعرُه فقد ظهرت فيها خصلاتٌ داكنة أكثر. كان مقصوصًا بطولٍ واحد على شكل دائرة عند الأذنَين مع غُرَّة بامتداد الجبهة. «إنه من أصولٍ هولندية» هكذا افترض جيمي، وبينما هو جالسٌ يشاهده، شرَع الطفلُ يدور بحركةٍ غاية في الرشاقة والخفة، ويرقص تحت أشعة الشمس.

راح الجسد الصغير يجول في أنحاء الممشى وهو يُقوس ذراعيه فوق رأسه حتى تتلامسَ أصابعهما أحيانًا، وأحيانًا أخرى يمدُّ الذراع اليُمنى ويرفعها باسطًا اليسرى خلفها مثل كوكب عطارد في مداره، وهو يدور، ويشبُّ كأنه يلتقط فراشاتٍ من الهواء، راقصًا وحده تمامًا في منتصف وقت بعد الظهر تحت شمس كاليفورنيا. وبعد ذلك، عندما اعتراه التعب، تحوَّل الفتى فجأةً من الرقص إلى السير في اتجاه جيمي مباشرةً. حيث يوجد في منتصف الطريق حوضُ زَنابق مادونا. فتوقف الطفلُ أمامه وانحنى، وأخذ يُحدق في وجوه الزنابق، وعندئذٍ اتسعَت عينا جيمي وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ غريبة متعجبة. فما رآه كان شخصًا صغيرًا جدًّا جاثيًا على ركبتَيه، وقد اتجهَ مرفقاه للخارج، ووضع يدَيه على جنبيه، وانحنى نصفَ انحناء، واتجهَت عيناه نحو السماء، وهو يمتصُّ بنشوةٍ ميسم زنبقة مادونا، الواحدةَ تِلو الأخرى!

اتسعَت ابتسامة جيمي فصارت ضحكةً مكتومة حين لاحظ أن إحدى المياسم التي فاضت بالرحيق قد أسالت قطرةً على البتلة، فدعم الطفلُ الجزء السفلي من البتلة، ولعق القطرة مستحسنًا المذاقَ ثم نهض وسار عبر الممشى متكاسلًا حتى سحب جيمي أصابعَ قدمه؛ إذ إنها كانت في ألم ووهن بالغ، ولم يكن يريد أن تُداس.

توقَّف الفتى ونظر إلى جيمي، من قمة رأسه المتعَب المريض إلى أخمصِ قدميه المتورمتَين تورُّمًا بالغَ السوء، فارتسمَت الدهشة على الوجه الصغير، لكن لم يكن هناك أدنى علامةٍ على الخوف ولم يكن هناك حركةُ تراجع. فقد ظل ثابتًا في مكانه.

قال الطفل: «أوه، مرحبًا!»

أجابه جيمي: «مرحبًا!» بقدر ما استطاع من الودِّ بصوت خَشُن مؤخرًا من الشعور بالشفقة على الذات.

تساءل الشخص الصغير: «أين سيدُ النحل؟»

تردَّد جيمي. كان قد صار قريبًا بما يكفي لينظرَ في أعماق العينين الموجهتَين إليه، وقد أدهشه أنْ وجدَهما أشدَّ عمقًا، وأقوى إفصاحًا، وأكثرَ فهمًا، من أي عينَين شهدهما قط في شخصٍ قريب من ذلك العمر. كان ثمة أشياءُ قابعة في أغوار العينين الرماديتين الضاربتين للَّون البُني اللتين التقتا بعينَيه جعلت جيمي يتوخَّى حذره.

قال جيمي: «لقد رحل بضعة أيام وكلَّفني بتولِّي أعماله.»

فاحتجَّ الصغير قائلًا: «مهلًا! لكننا لا نعرفُك.»

فقال جيمي: «لكن ها أنا ذا.»

فقال الصغير: «إنك كذلك، وربما ما كنت لتكون هنا لو لم يسمح سيدُ النحل بذلك، وأيًّا كان ما يأمر به، يُنفَّذ!»

مع قوله «يُنفذ» مدَّ يدَيه على مستوى خصره ملوحًا بهما في حركةٍ تأكيدية معبِّرة بدقة متناهية.

قال جيمي: «يسرُّني أنك تعتقد أنني سأُفلح في المهمة.»

قال الشخص الصغير: «لم يُتَح لي وقتٌ للتفكير في أي شيء.» وتابع: «لست متَّقدَ الذهن. ولا أستطيع التفكير سريعًا. ما دام سيدُ النحل قد طلب منك المجيء إلى هنا والبقاء هنا، فلا بد أن تأتيَ ولا بد أن تبقى، ولا بد أن تُفلح في عملك. هذا جلُّ ما في الأمر. إنني مساعدُ سيد النحل. وكما تراني. إنني طفل! الأمر واضحٌ كالشمس!»

ابتسم جيمي، وحين يبتسم جيمي، وهو شيء ليس كثيرَ الحدوث بالمرة، تتراقص نقاطٌ صغيرة من الضوء في عينَيه، ويتمدَّد جلده على وجهه النحيف وتختلجُ شَفتاه؛ مما يعطيه جاذبيةً لم تفقد تأثيرها حتى الآن. تقدم الطفل خطوةً ووضع يده على ذراع جيمي فيما ارتسمَت ابتسامةٌ مشاكسة على الملامح الصغيرة. وانطلق صوْبَه بالسؤال فجأةً.

«هل رأيتني وأنا أدور؟»

هز جيمي رأسه بالإيجاب.

«هل أحسنتُ أداء الحركة؟»

فقال جيمي: «أعتقد أنك أدَّيتَها ببراعة.»

قال الشخص الصغير: «نُضطَر إلى القيام بتلك الأشياء البغيضة في المدرسة. إنها هُراء! لكنني أتدرب عليها، حين أذهب إلى مكانٍ أشعر فيه أنني بمفردي. أعتقد أنني أؤدِّيها بصورةٍ أفضل على صوت النحل والأمواج أكثرَ من أي شيء آخر. إنها سخيفةٌ حتمًا. ليت بإمكانك أن ترى بيل السمينَ الطيب وهو يدور! لكن حين تجعلك مَدرستك تقوم بها، فمن الأفضل أن تظلَّ تُثابر باستمرارٍ حتى تؤديَ الحركة أفضلَ من زملائك.»

قال جيمي: «هذا منطقٌ سليم.» وتابع: «إذا مضيت في الحياة وفي رأسك مبدأٌ من هذا القبيل و«ظللت تُثابر باستمرار»، فلا يمكن أن ينتهيَ بك المطاف إلا على القمة.»

قال الشخص الصغير بعفويَّة: «هكذا تصوَّرت الأمر». وأضاف: «وقد تعلمت، على ما أنا فيه من ضآلةِ حجمي وصِغَر سنِّي الآن، أنني لا يمكن أن أكون قائدَ فريق كشَّافة وزعيمَ وكْر اللصوص والمساعدَ الأول لسيد النحل إلا إذا ثابرتُ واجتهدت.»

هنا حسَم جيمي رأيه في أن الشخص الضئيل قبالته هو بالقطع طفل.

اقترب الشخصُ الصغير أكثر، وخفَض صوته، وسأل في سرية: «متى أخَذوه إلى المستشفى؟»

تراجع جيمي للوراء ونظر إلى الطفل متسائلًا.

وقال مُحتجًّا: «لم أقل إن أحدًا أُخِذ إلى المستشفى.»

أقر الشخص الصغير: «كلا. لم تقل.» وتابع: «لكن لو كنتَ تعرف سيد النحل مثلما عرَفتُه أنا، طوال الوقت الذي كنا نتعاونُ فيه، أي منذ كبرت بما فيه الكفاية لتسلُّق السياج، كنت ستعلم أنه لا يمكن لأي شخص أن يُبعده عن حديقته هذه إلى أي مكان إلا المستشفى، وكنت ستعرف أنه لا توجد طريقةٌ ليأخذه بها إلا وهو غير قادر على الحركة.»

قال جيمي: «أظن أن ذلك قريبٌ من الحقيقة.»

في حركة سريعة، أرسل الصبيُّ ذراعيه، مباعدًا بينهما وفرَّق بين أصابعه وهز رأسه على سبيل التوكيد.

«إنها الحقيقة بالضبط؛ لأنه ظل شهورًا وشهورًا بحاجةٍ إلى الذَّهاب ومن لدى الدكتور جرايسون طلبوا منه الذَّهاب، وحثُّوه على الذَّهاب، وحاولوا أن يُرغموه على الذهاب، لكن لم يستطع أيٌّ منهم أن يجعله يذهب. كان يظن أنه سيفعل أي شيء في العالم من أجلي. كان يقول إنه سيفعل. ومن ثَم حين أدركت أنه لن يذهب ولن يُمكن إرغامُه على الذهاب» استقام الجسد الصغير فجأةً وشد منكبيه للوراء «لم أطلب منه أن يذهب إلى المستشفى. طلبت منه أن يبقى في المنزل ويفعل ما يحلو له»، وهنا ضحك الصغير ضحكةً مكتومة؛ «لأنني كنتُ أعلم جيدًا جدًّا أن هذا ما سوف يفعله على أي حال، فلم أُرِد أن أُفسد امتياز معزَّتي عنده! فإنك حين تحصلُ على موقع يجوز لك الاحتفاظُ به، يجدر بك الاهتمامُ قليلًا بحماية حدودك.»

لم يرَ جيمي سببًا يمنعه من الضحك، وقد ضحك قبل أن ينتبهَ لذلك، على أي حال. لكن لم يُربك ضحكه الشخص الصغير، ولو قليلًا.

«متى سيَجْرون له الجراحة؟»

انزعج جيمي من السؤال. فهزَّ رأسه بطيئًا.

وقال: «لا أعلم حتى مما يُعاني.»

قال الطفل: «ولا أنا.» وتابع: «أعتقد أنه الشيء الوحيد في العالم الذي يوجع قلبه حقًّا ولم يُخبرني به. لقد أخبرني بكلِّ الأشياء التي يتألَّم منها وأقصته عن دياره في الشرق، وحدثني عن الفتاة الصغيرة ذات الشعر الذهبي التي اضطُرَّ إلى فراقها فراقًا غايةً في البشاعة، واطلعت على كل ما في الصندوق الماهوجني المنقوش الكبير ورتبت كل ما فيه من أوراق ورأيت كلَّ ما فيه من صور. أعلم كم أَحبَّ ماري، وأعلم بشأن الدار التي فقَدها. بل إنني أعلم حتى السر الذي حطَّم قلبه، وأعرف كلَّ ما استطاع أن يُعلمني إياه بشأن النحل.»

أمسك الصغيرُ عن الكلام ثم تحول إلى نبرةٍ اتَّسمَت بالموضوعية الصِّرفة لمناقشة العمل.

«والآن، فلنعد إلى ما يخص النحل. هناك الكثيرُ من الأشياء كي نتعلَّمها عنه، والتي لم يكتشفها كلَّها بعدُ أولئك الرجالُ الذين ألَّفوا عنه الكتب، مِن ثَم لم يستطع سيدُ النحل أن يُعلمني كل شيء، بالطبع. لكنني أعرف كلَّ ما تيسَّر له أن يُريَني إياه بشأن القفائر وعن خبز النحل ومرض تعفُّن الحضنة وبشأن المَلِكات واليرَقات والعاملات والذكور والممرِّضات. أما المعلومات التي عن الممرضات فهي بلا حدود! لم تكن لتتخيَّل أن يوجد في قفير النحل ممرضات، أليس كذلك؟»

جال في بال جيمي تَجارب حديثةُ العهد، إذ أجاب متمهِّلًا: «إن الممرضات من أروع المخلوقات على وجه الأرض، وقد سمعت أن النحل مخلوقات غايةٌ في الروعة؛ لذلك أعتقد أنه من الوارد أن يكون لديه بالفعل ممرضات.»

«أنت محقٌّ، تمامًا!» قال الصغير. ثم أضاف: «من الممكن أن أصطحبَك إلى أيٍّ من هذه القفائر لأفتحَها وأُريَك ما قد يصل إلى أربعين ألفَ ممرضة وهي ترعى اليرقات البيضاء.»

وعندئذٍ، للمرة الثانية، واجه جيمي السؤال: «هل لديك مناعةٌ من النحل؟»

ومرةً أخرى أجاب جيمي قائلًا: «لا أعلم. لم أختبر الأمرَ من قبل.»

ضحك الصغير ضحِكَ مَن تفهَّم الموقف.

«ولا أنا؛ إلى أن حصلتُ على تجربتي. بعد أن لازمتُ المكان منذ أول مرة رأيتُ فيها رأسه الأبيض وظللتُ أتردد عليه حتى قال إنني من الممكن أن أُصبح مساعدَه وأُعاونه في أمور النحل، لم يكن لديَّ أيُّ خبرة؛ لذلك عُدت ذاتَ صباح، إلى الجهة الشرقية هناك، لأرى ما إن كان لديَّ مناعة من النحل، وقد اعتقدنا دائمًا فيما بعدُ أنني قد ارتكبتُ خطأً. لم تكن رائحتي مناسبة.»

عضَّ جيمي على شفته وازدرد لُعابه بصعوبة، حيث تفوح من الشخص الصغير قبالته، في واقع الأمر، رائحةُ خيل أشدُّ ممَّا سِواها من روائح، يليها بالضبط رائحةُ كلاب، وقد اختلط بروائح الخيل والكلاب رائحة نفَّاذة لزنابقِ مادونا وكذلك البصل. وقد أثار المزيجُ بطريقة خاصة حاسةَ الشم المرهفة لدى جيمي. ورغم أنه لم يكن قد مضى وقتٌ طويل منذ ألهبَت عينَيه دموعُ الشفقة على نفسه، فقد انتابته رغبةٌ في تلك اللحظة بالذات في التهليل. ولم يكن ثمة سببٌ وجيه مطلقًا يمنعه من ذلك. ومن دون أن يُدرك البتة ما يدور في ذهنه، استأنف الشخص الصغير حديثه بجدِّية.

«لم تكن رائحتي مناسبة. أتعلم، إن للنحل تجاويفَ للشمِّ بدلًا من الأنوف. إنها موجودة في أنبوبَين صغيرين ناتئَين حيث مكان الأنف في الكائنات الأخرى بخلاف النحل، وكل واحدة من النحلات العاملات (وهي النحلات التي تؤدي الأعمال في أنحاء الخلية)، كل واحدة من النحلات العاملات لديها خمسةُ آلاف تجويفٍ للشم. ورغم ذلك فالنحلة العاملة لا تُقارَن بالذكر. إذ إن الذكر لديه سبعةٌ وثلاثون ألفًا وثمانِمائة تجويف للشم، بحيث يضمن ألا يضلَّ عن رائحة الملكة حين يخرج للتزاوج معها. وهكذا، حين اقترب مني أحد الذكور، كنتُ غالبًا مغطًّى تمامًا برائحة الخيل والكلاب. تلك كانت المشكلة برُمَّتها؛ لم تكن رائحتي مناسبة. قال سيد النحل إنه كان عُدوانيًّا جدًّا. كنت قد امتطيتُ الحصان كوين ولهوتُ مع كلب أمي، وعندما أدخل في عراك مع الكلب تشام، يكون فوقي نصف الوقت وأكون فوقه النصف الآخر؛ لذا كنت ملطخًا تمامًا برائحة كلب وحصانٍ وأشياء من هذا القبيل، وهي روائح لا يحبها النحل. وقد ظل سيد النحل يقول إنه لو كان قد احتكم لأيِّ منطق لَما حدث ذلك. فطالما شعر بالذنب حيال الأمر، لكنني لم أكترثْ كثيرًا. فمن الجيد أن تعلم بالضبط ما أنت موشِكٌ عليه، وحينئذٍ، إذا اعتقدتَ أنك تستطيع احتماله، فبالقطع ستستطيع. على أي حال، قلت إنني سوف أذهب قبالةَ القفائر التي في الصفِّ الشرقي بينما ذهب سيد النحل لملءِ أحواض المياه وللتأكُّد من عدم وقوع سرقات وللاطمئنان من أن المَلِكات كلَّهن على ما يُرام ويضَعن بعض الملايين من البيض أو نحو ذلك، وقد مضيت إلى هناك متسكعًا، ومِن ثَم أول شيء أدركته، هو خروج نحلة عاملة كبيرة لتؤزَّ فوق رأسي مباشرةً، وجاء خلفها اثنتان أو ثلاث أخريات، وكانت تطير بيني وبين السيد، ولم أُرِد أنا المرورَ وسط زهوره — فهو أشدُّ خلق الله حرصًا على الزهور — ولم أدرِ بالضبط كيف يُمكنني إبعادها؛ لأنني ليس لديَّ سوى عينَين بينما كلٌّ منها لديها ربما ستةُ آلاف عين في كل ناحية من رأسها.

هنا صاح بي سيد النحل وقال: «سِرْ في خط متعرج!» وكان أجدرَ به أن يقول ذلك بالإسبانية أو بالفرنسية أو أي شيء، فلم يكن هناك أيُّ جدوى من التحدث بالإنجليزية أمام نحلاته؛ لأنها فهمته كما فهمته تمامًا! وقد حاولتُ قدر جهدي أن أفعل ما أخبرني به، لكنني كلما انحرفتُ فإن النحلة اللعينة تنحرف خلفي كذلك، وكلما وثبتُ إلى ناحيةٍ وحاولت أن أميل إليها، فإن النحلة تميل قبل أن أفعل بقليل، وبالطبع، لما سار الأمر على ذلك المنوال، فقد تصادمنا. أخبرني، هل سبق أن لاحقَتْك نحلة من السُّلاسة الألمانية السوداء؟»

اسوَدَّ وجهُ جيمي للحظة، ثم نظر إلى الوجه الصغير المتحمس أمامه وترك الموقف يمرُّ وهو يقول بهدوء: «لم أُجرب لسع النحل. كلا. لكنني جرَّبت بضع مراتٍ لسع الدبابير والزنابير في الوديان والغابات حين كنتُ صبيًّا. أي لديَّ فكرة عامة عن الأمر.»

قال الصغير: «لا أعتقد ذلك.» وتابع: «لا أعتقد أن هناك، في عالم الحشرات اللاسعة، أي شيء له ستُّ أرجل، بها إبرٌ حادة وطويلة وجاهزة للاستخدام مثل التي لدى النحلة الألمانية السوداء. أُقسم إنها تستطيع اختراقك حتى تصل لأحشائك، وحين يُهاجمك نحوُ ثلاث منها من مؤخرة عُنقك وحول أذنيك وعضلات ذراعيك؛ ويحي!»

شبَّك يدَيه ثم فصلهما وأرسلهما بعيدًا ملوحًا بهما.

«حين عُدت إلى سيد النحل، كنت أرتجف كأنما أصابتني قُشَعريرة، وأعتقد أن الماء المالح الذي سال منهمرًا على وجهي كان كافيًا لتغترف منه مِلء ملعقة كبيرة من الملح. يقول سيد النحل إن كل دلوِ ماء تأخذه من المحيط به ثلاثةٌ ونصف في المائة من الملح، لكنني أراهن بربع دولار على أن الملح الذي سال من دموعي كان أكثرَ من ذلك. فحتى لو أنني متُّ لظلَّت دموعي تنهمر. قال سيد النحل إنها لسعاتٌ سيئة، وأمسَكَ بي بإحكام وراح يفرك الإبر؛ لأن هذا ما يجب فِعلُه؛ فإن شدَدتَها فستزيدُ الطين بلَّة. ثم فتح الخرطوم على أرض طينية وخلَط لبخة باردة من الوحل وبسَطَها على اللسعات وقال إنه لا بد أن يُركَل عقابًا له على السماح لي بالذَّهاب وسط النحل بينما تفوح مني رائحةُ الكلاب والخيل.

فمسحت عينيَّ وقلت إنني أعتقد أن تلك هي المشكلة. ما كان عليَّ القيام به هو ارتداء معطف النحل القديم الخاص به ودعْكُ رأسي ببعض الزنابق وسروالي القصير ببعض القَرنفُل. هكذا ذهبت إلى الرواق الخلفي وأخذت معطفه، وحين شرَعت أرتديه سألني ماذا أنا فاعل. فأخبرته أنني سأجعل رائحتي مناسبةً و«أحاول، أحاول مرة أخرى». فجلس هناك وأخذ ينظر إليَّ، فلم أرَ قط عينيه وقد اتسعَت حدَقتُهما وازدادتا سوادًا مثل تلك المرة، ولم أرَ قط وجهه وقد زاد شحوبًا عن شحوبه حين يبلغ به الألم مَداه، ثم همس بصوت منخفض للغاية، حتى إنني استطعت بصعوبةٍ سماعَه، وهو يقول: «هلا أقسمتَ بالربِّ أنك لن تفعل ذلك، أيها الكشافة الصغير؟»

فقلت: «لا دخل للرب بهذا الأمر. إن المسألة بيني وبينك، وإنني ذاهب!»

وهكذا عقدت أزرار المعطف وذهبت إلى حوض القَرنفل وتقلَّبت فيه. أعتقد أنني كنت أكثرَ غلظةً مع القرنفل مما أراد السيد، لكنك إن حدثَ ولسَعَتك نحلةٌ ألمانية سوداء فستُدرك لماذا كنت متلهفًا للاستزادة من القرنفل. ثم سحقت أطيب زَنْبقة استطعتُ العثور عليها وفركت بها شعري كله. ثم مضيتُ في الممشى الشرقي. خطر لي أن أُحاول مع النحل الإيطالي أولًا. فهو أكثرُ لطفًا بكثيرٍ من الألماني. ورغم أنني لا أجيد التصفير، فقد صفَّرت متغنيًا بأغنية «هايلاند ماري» بأفضل ما استطعت ومشيت، برفقٍ وخفة، ولستُ على يقين لكن أعتقد أنني حملت في يديَّ آخرَ زَنْبقة، والتزمتُ الهدوء — فعليك بالتزام الهدوء بطبيعة الحال عند الاقتراب من النحل، فلا يجوز الاضطراب، لكنني لم أكن أسير ببُطء شديد على نحوٍ ملحوظ — توقفت عند كلِّ قفير من قفائر النحل الإيطالي فلم يفعل بي أيَّ شيء. لقد كان السيد مُحقًّا. حيث تلقَّيت عقابي لأن رائحتي كانت مزعجة. ومِن ثَم فركتُ الزنبقة قليلًا حين توجهت إلى النحل الألماني الأسود، وذهبتُ ووقفت أمامه وعدَدتُ حتى عشرة. ثم تحدَّيتُه أكثرَ أن يأتيَ ويلسعني. فهاج قليلًا نوعًا ما واقتربَت اثنتان منه بعض الشيء، لكن حين وجدتا رائحةَ الزهور قوية، رجَعتا مرةً أخرى. لقد واجهتُه بجسارة، على أيِّ حال. وحين عدت إلى سيد النحل، رفعني وضمَّني بين ذراعيه وقال إنه تمنَّى من الله أن يعيش حتى يشهدَ اليوم الذي تُصبح فيه صغيرتُه ماري بذلك الإقدام، وضمَّني بشدة حتى كاد يُحطم عظامي جميعًا، وقبَّلني أول قُبلة أحصل عليها منه على الإطلاق. وهو لم يُقبلني سوى بضع مرات بعد ذلك. إنه ليس كثيرَ التقبيل، صدِّقني! وقد قال إنني من الممكن أن أصبح مساعدَه وأُعاونه في رعاية النحل. دعني أخبرْك بشيء، إنك ستنهض وستؤدي عملًا مفيدًا، وتَشحَذ ذهنك لأقصى درجة، قبل أن يعودَ سيد النحل! إن معطفه معلَّق في الرواق الخلفي وتوجد هنا في الحديقة زهور كثيرة. متى أردت أن تعرف شعور النحل نحوك، فبوسعك أن تُقدم على الأمر في الحال، رغم ما يشمله الأمرُ من ضريبة المخاطرة. لكن، مهلًا، دعني أخبرك بشيء! قبل أن تقترب من خلايا النحل الألماني الأسود، اكتسِبْ رائحة مناسبة!»

«لكن كيف أكتسبُ رائحة مناسبة؟» تساءلَ جيمي.

«حسنًا، سوف أُريك المعطف المناسب، من ناحية. ضعه عليك ثم اذهب لتدسَّ رأسك وسط زهور القرنفل وافرك نفسك بها كما فعلت، ثم خُذ واحدةً من زنابق مادونا واسحَقْها وافرك يدَيك بها، وربما من الأفضل أن تذهب بالقرب من صنبور المياه حيث ستجد مساحةً صغيرة من الأرض رِخْوة كالإسفنج واقتلع حفنةً من النعناع وافرك بها سروالك كليةً. ومهما فعلتَ فلا تضعف! ومن الأفضل أن تُصفِّر لحنًا مناسبًا. هل تستطيع أن تصفر لحن «هايلاند ماري»، ببطء ورقَّة؟ إنه أحَبُّ الألحان للنحل. كان اسمها ماري. إذا استطعت أن تترنَّم بها بعذوبة ورقة حقيقيةٍ وبحب جارف، والكثير من الملاطفة، والكثير من الشجن، إذا توصلت للطريقة الصحيحة بالضبط — إنك في نفس طوله تقريبًا — فمن الجائز ألا يُلاحظ النحلُ الفرق. أجل، أظن أنه لن يُلاحظ. ربما لم تسمع من قبلُ عن عيونٍ كالتي لدى النحل. فالنحلة العاملة التي تُلاحقك لديها ستةُ آلاف عين في كل جانب من رأسها، أما الذكر — من أجل ملاحقة الملكة كما أخبرتك، حين تطير بعيدًا حتى تكاد تبلغ عَنان السماء، أعلى كثيرًا من الطيور وكل شيء — فلدى الذكَر ثلاثةَ عشَر ألف عين في كل جانبٍ من رأسه. لذلك من الأفضل أن تُصدق، أنه في حال هاج أحدهم فوقك، فسوف يرى أن رأسك ليس أبيض. كل النحل يترك رأس سيد النحل الأبيض. فهو دائمًا حاسرُ الرأس. وكان النحل يترك لحيته وعينَيه الواسعتين الداكنتين دون أن يُصيبها. أليس رائعًا؟»

«نعم، تولَّد لديَّ هذا الانطباع، في الدقائق المعدودة التي رأيته خلالها ومن منزله ومكتبته ومهنته، أجل، أعتقد أنه رائعٌ حقًّا.»

قال الصغير وهو يُلوح لأسفل آتيًا بالحركة التي بدأ جيمي يعتادُها: «إنه بحقٍّ فريدٌ من نوعه.»

ثم سأل على نحوٍ مفاجئ: «هل كان مريضًا مرضًا شديدًا؟»

نظر جيمي إلى العينَين المتَّسعتين في استيعابٍ أمامه، ولم يخطر له الكذب أو المراوغة.

إذ أجاب قائلًا: «أجل.» وأضاف: «لقد كان أكثرَ الرجال الذين رأيتهم إعياءً على الإطلاق، وقد رأيتُ الكثير من المرضى!»

قال الشخص الصغير: «إنني أدرى الناسِ بحاله.» وتابع: «فقد ساعدتُه على عبور الممشى الخلفيِّ وصولًا إلى الأريكة وجئتُه بالأمونيا عدة مرات وأنا أظن أنني لن أتمكنَ من إنقاذه مطلقًا. لقد رأيته يتألم حتى يتصبَّب عرقًا، ويتساقط العرَق من طرَف أنفه، قطرةً قطرة، ببطء، فيسقط على مقدمة قميصه نقطةً نقطة! ويمكنني إخبار الجميع أن حالته كانت في غاية السوء! وإذا كان متوعكًا إلى تلك الدرجة مرةً أخرى، فربما من الأفضل له أن يَمضيَ قُدُمًا ويموت.»

إثر النبرة غير المبالية التي نُطق بها الاقتراح، تراجع جيمي في مقعده وحدَّق بإمعان في الوجه الخالي من التعبير للشخص الصغير الواقفِ أمامه. كان لديه انطباعٌ أن هذا الطفل يعشق سيد النحل. أما في تلك اللحظة فقد شعر أنه يُواجه وثَنيًّا صغيرًا لا يعشق أيَّ شيء ولا يُدرك ولو بقدر معقول ما قد تعنيه كلمةٌ من الكلمات. لكنه كان يُدرك إلى حدٍّ كبير ما قد تعنيه الكلمةُ فيما يخصُّ التعليمات مثل طريقة تصفير أغنية «هايلاند ماري»؛ لذلك نظر جيمي بثباتٍ إلى الكشافة الصغير، وقد ضيَّق عينَيه، ثم قال مترددًا: «كنت أعتقد أنك تُحبه.»

«أحبه؟» قال فتى الكشافة الصغير. واستأنف: «حسنًا، فلتُعِرْني انتباهك!»

اندفعَت أمام عينَي جيمي يدُه اليمنى المتَّسخة. ومثل شفرة السكين هوَت اليسرى ومرَّت على الرسغ. وببطءٍ انفتحت أصابع اليد اليمنى وانضمَّت.

قال الكشافة الصغير: «إنني بحاجةٍ إلى هذه اليدِ لأداء كل مهامِّ حياتي.» وتابع: «إذ لا يُمكنني امتطاء كوين، ولا يمكنني قيادة فريق الكشافة، ولا يمكنني التجديف بزورقي، ولا يمكنني مساعدةُ سيد النحل من دونها، لكن إن كانت ستُزيل الألم من جسد سيد النحل، فسوف أُعطيها له بمنتهى البساطة!»

ومِن ثَم بتَر اليد اليمنى ورماها في تمثيلٍ إيمائي مؤثر للغاية.

صعدت إلى حلق جيمي غصةٌ كبيرة جدًّا، كادت أن تُهدد بخنقه.

بينما وقف الشخص الصغير على إحدى قدمَيه ووضع الأخرى على المقعد، وشبك يدَيه المتَّسختَين حول ركبته المثنيَّة ومال ناحيةَ جيمي.

«أعتقد أنك أخطأتَ فهمي»، سقط القول على أذنَيه المذهولتين. وعلى نحوٍ مفاجئ عدل الصبي من وضعه وشعر جيمي بالجسد الصغير بجانبه وبالرأس الصغير يميل متقلقلًا قربَ الجرح الذي ترَك بُقعًا حمراء على صدره، ويده الصغيرة التي أنهكها العمل وهي توضَع على يده، ثم وجه الصغير وهو يرتفع إلى وجهه، ليقول لجيمي بهدوءٍ وبصوت خفيض ورقيق ذي نبرة غايةٍ في العذوبة: «هل تعلم كم من الممكن أن يكون الموت جميلًا؟»

قد يكون هذا أقسى ما صدَم جيمي على الإطلاق؛ إذ إنه لم يكن يُفكر في أن الموت شيء جميل، وقد ظل يُفكر فيه ليلًا ونهارًا من أجل الرجال الآخرين طَوال سنوات أكثر مما يودُّ إحصاءها. أما في حالته فقد ظل يُفكر فيه طَوال عامين وهي مدة طويلة. لم يقْوَ على الكلام؛ لذلك هز رأسه نافيًا.

قال الشخص الصغير: «مثلي تمامًا.» وأضاف: «لم أكن أعرفُ أي شيء عنه مطلقًا، لكن نانيت عرَفَت. نانيت هي شقيقتي الكبرى. لقد صادفها حظٌّ غايةٌ في السوء. فقد غرق أحد الرجال في البحيرة التي ذهبنا إليها الصيفَ الماضي، وفي اليوم التالي كانت نانيت تلعب على الشاطئ مع بعض الأطفال الآخَرين حين رأته بالمصادفة في اللحظة نفسِها التي كانوا يُخرجونه فيها من المياه، بعد أن لبث في المياه مدةً طويلة جدًّا دون أن تفعل السلاحفُ به أي شيء. وعادت إلى المنزل وقالت أمي إنها مصابة بنوبة هستيرية، وقد ظلت تأتيها ليلًا أثناء نومها حتى تسنَّى لي مواجهة ما كانت قد رأته. إذ إنه منذ وقت ليس ببعيد، صعدت إلى السماء عمةُ أمي، العمة بيث العجوز، وفي البداية قالت أمي إننا لا نستطيع الذَّهاب ووداعها. لقد تُوفِّيت ليلًا وهي نائمة، ويداها مضمومتان على صدرها وعلى وجهها ابتسامةٌ صغيرة غامضة غاية في الغرابة. بدا كأنها تعرف سرًّا جميلًا تودُّ البوح به، وكانت تبتسم بسببه وهي تُقرر إذا ما كانت ستبوح به أم لا. وقال أبي إنه ربما من الأفضل أن نذهب. فقد ترى نانيت شيئًا يجعلها أفضلَ حالًا. ولم تُرد نانيت الذَّهاب، لكن بعد أن قال أبي ذلك، جعلتها أمي تذهب. فذهبنا بعد العشاء، بعد عودتنا من المدرسة. حيث حمَّمتْنا أمي وألبسَتْنا أفضلَ ملابسنا وأخَذَنا أبي في السيارة، وعند الباب الأمامي بالضبط بدأ الجزء الجميل.

حيث وُضع هناك إكليلٌ كبير من الزهور كاد يغطِّي الباب وبداخله القليل من زهور أذن الفأر زرقاء وبنفسَج ورقيب الشمس، ثم ياقوتية بيضاء وياقوتية ذهبيَّة وزرقاء، وباقات من خلَنْج الخُزامى وورود بيضاء وورود بلون زَهْري فاتح، وفي أسفله، حيث ربط بشيفون بنفسجي تدلَّى على باب الرواق بالكامل، وضعت زنابق بيضاء غاية في البهاء. لم أرَ قط شيئًا بذلك الجمال.»

ارتفع الوجه الصغير إلى وجه جيمي.

وسأله: «هل رأيت قط شيئًا بمثلِ ذلك الجمال؟»

هز جيمي رأسه بالنفي.

«في غرفة المعيشة، حيث كانت العمة بيث تجلس على كرسيٍّ متحرك، منذ عرَفتُها، وضعت الزهور في كل مكان. إذ أرسلها كل أفراد أسرتنا، وأرسلها كل الجيران، وأرسلتها كنيستها، وأرسلها أناسٌ لم نسمع عنهم قط؛ لأن الكل كان يحبُّ العمة بيث. قالت أمي إنها كانت أكبرَ من يكذب كذبات بريئة في العالم بأسره. فقد كانت في الأيام التي تراها فيها وهي تتلوَّى من الألم، تنظر في عينيك مباشرةً وتقول إنها بخير. كانت دائمًا بخير. وكان لديها منزلٌ غاية في الطرافة. فكلما ذهبتُ لزيارتها تمنحني كعكة بها قطع الحلوى، أو عيدان نعناع حمراء، ولديها دائمًا أفضلُ زبيب. يا للروعة، لا يوجد قط زبيبٌ بحلاوة مذاق الذي كان لديها! وأحيانًا ما تجد فشارًا أو فطائرَ الدونات، وحين كنت هناك آخرَ مرة، منحَتْني كعك زنجبيل توابله قوية جدًّا؛ حتى تُذكِّرك رائحته بمنطقة مضائق الهند!

ومِن ثَم دخلنا إلى غرفة نوم العمة بيث، حيث وضع على فراشها غطاء ساتان أرجواني، بينما هي مستلقيةٌ على وسادتها وكان شعرها ناعمًا ومموجًا؛ وهو شعر مموَّج كثيف ولونه بُني لامع. وقد بلغَت من العمر السابعة والثمانين ويمكنك أن تجد في رأسها شعرًا رماديَّ اللون. كانت خصلاته ناعمةً حريرية ملتفَّة منسابة على نحو بديع جدًّا.

وقد مضى الموت وأضفى عليها سحرًا. فلم يكن ثَمة تجعيدةٌ في وجهها، وعُنقها ممتلئ، وشفتاها باسِمتَين. يا للروعة، لقد كانت بديعةً للغاية! وبدا ثوبها كأنه قد فُصِّل من سحب رمادية ناعمة، والكُمَّان وواجهة الثوب حتى أسفله من الدانتيلا الرقيقة، والمعصمان مربوطان في عقدتَين صغيرتين أنيقتين.

وقد وقفت نانيت تنظر إليها وأخذت تتسلَّل مقتربة وهي تنظر وتنظر، ثم أمسكت بذراعي وقالت: «عجبًا، لقد ظننتُ أنها ستبدو مثلَ الرجل الذي رأيته!»

عندئذٍ اكتشف أبي واكتشفنا كلُّنا لأول مرة أن نانيت كانت تعتقد أن كلَّ الموتى في كل مكان يَبْدون مثل الرجل الذي لبث في الماء بين السلاحف وما إلى ذلك، ودعني أخبرك بشيء، لقد كنا سعداءَ حينذاك أننا قد أحضرنا نانيت لترى العمةَ بيث! فقد كانت جميلة جدًّا، حتى إن نانيت أرادت أن تفكَّ العقد التي في معصمَيها وتربطها بالطريقة التي أحبَّتها، وقد جعلني ذلك أريد القيام بشيء من أجلها، فسألت ما الذي يمكنني فعله، فقالوا إن بإمكاني إلباسها خفَّيها. ومِن ثَم أزاحوا الغطاء الدانتيلا ذا البطانة الأرجوانية الذي كان يُغطيها، فوضعت في قدمَيها خفَّيها الرماديَّين الصغيرين ذَوَي الفراء الأبيض. كانا صغيرَين وفي غاية الروعة! ثم هندمت تنانيرها الداخلية، وتنورتها الساتان الرمادية التحتانية، وثوبها الدانتيلا، وأصلحت نانيت هندامَ كمَّيها ودثَّرناها وقبَّلناها قُبلةَ الوداع، وغادرنا ولم يَعُد بمقدور أحدٍ أن يُخيفنا من الموت!

ومنذ ذلك الحين لم تنتفض نانيت ليلًا، ولو مرة واحدة. فقد عرَفنا أن هناك أنواعًا متعددة من الموت. فهناك مَن كان قلبه شريرًا وتحدثَ بغير الحق وأخذ أشياءَ لا تخصُّه، ولم يُطِع الله، ولم يحترم حكومتَه البتة، وبالطبع، لا يمكن أن يبدوَ مثلُ ذلك الشخص بمظهرٍ جيد سواءٌ كان حيًّا أو ميتًا بينما بداخله مثل تلك الأشياء. علاوة على ذلك، ثَمة حوادثُ من الوراد أن تحدث لأي شخص؛ منها البقاء في الماء مدة طويلة مع السلاحف، أو الاحتراق إثر اندلاع حريق أو انفجار مصنع. إن هذا لمِن سوء الحظ. أما إن مت في المنزل، بأن تخلد للنوم في هدوءٍ في فراشك ليلًا لا غير، في وداعةٍ شديدة حتى إنك لا ترفع يدَيك عن صدرك أبدًا، وحين ترى الرب تزحف إلى وجهك ابتسامةٌ صغيرة عذبة؛ مرحى! إنني على يقينٍ أن الرب وكل الملائكة كانوا في غايةٍ من البهجة لرؤية العمة بيث حين جاءتهم تسير بجسدٍ ممشوق ومستقيم وشابٍّ تمامًا في ثوبها الرقيق الشبيهِ بالسَّحاب! لقد وضعَت نانيت في يدَيها زهورَ أذن الفأر وبنفسَج بارما ورقيب الشمس وهي تربط معصميها ربطة مناسبة. إن ظلت تحملها معها عند بلوغها السماء، فلا بد أن الهواء حولها سيعبقُ برائحة الزهور. لم يُرد أحدٌ منا أن تذهب. فقد كنا جميعًا نحبُّ أن نرعاها. كنا جميعًا نحب أن نأخذ إليها الفاكهةَ والزهور والكتب والصحف. كان كلٌّ منا يدَّخر كلَّ ما يُصادفه من قصص طريفة ليُخبرها بها، لكننا رغم ذلك كنَّا مسرورين نوعًا ما برحيلها؛ لأن عظامها كانت تؤلمها بالطبع، ولم تكن تقول الحقيقةَ حين تُخبرنا دائمًا أنها بخير؛ لأنها كانت تُضطرُّ إلى الاستسلام وترى الطبيب أحيانًا على كراهةِ ذلك لها.»

وقف الكشافة الصغير بيدَين ممدودتين إشارةً إلى النهاية.

«بعد ما أخبرتُك به، لك أن تتخيل كيف قد يبدو سيد النحل في حالِ قرر الرب أن يخلدَ إلى النوم ليلًا، وألَّا يُعانيَ مزيدًا من الألم في جانبه ولا يتساقط المزيد من العرق من أنفه. إنني متأكدٌ أن كل الآلات الموسيقية من هارب وأبواق في السماء سوف تعزف «زووم! زووم!» وكل الملائكة ستأتي محتشدةً إذا دخل سيد النحل من البوابات! أراهن أن الرب نفسه سوف ينهض واقفًا حين يأتي سيد النحل بقامته شديدة الاستقامة فارعة الطول ليؤديَ له التحية؛ إذ كان ممَّن شاركوا في الحرب يومًا ما، في مكانٍ ما. فلديه زيٌّ رسمي رائع ويستطيع أداء التحية بأسرع ما يمكن! لقد كان جُنديًّا وأراهن أنك أيضًا كنتَ جنديًّا؛ لأنك تبدو مثل الجنود وتمشي مثل الجنود، وأعتقد أنه من السيِّئ أنك لا ترتدي بذلتك الرسمية. كم تروق لي البذلُ الرسمية!»

وعندئذٍ فغَر جيمي فمه واتسعَت عيناه. ثم اندفعت يدٌ محذرة إلى الوراء ناحيته. وباغتَ أذنيه هسهسةُ صفير يُراد به التنبيه على التزام الصمت. ثم مال الكشافةُ الصغير إلى الأمام، في هدوء، وخطوةً خطوة، باسطًا ذراعَه أمامه من أجل التوازن، ودافعًا الأخرى إلى الوراء لتوخِّي الحذر، زحف منحنيًا في الممشى، وقد تطلَّع بعينَيه بثباتٍ إلى الأمام. وحين انحنى جيمي ليُصبح بمحاذاته، رأى نحلةً طنَّانة كبيرة وهي تتسلَّق البتلة الخارجية المؤدية إلى بوق إحدى الزهور البوقية. ورأى الكشافة الصغير وهو يَقيس مسافةً معينة، ويجثو، ثم سريعًا، أسرع من قدرتِه على استيعاب ماذا يجري، انطلق سيلٌ من اللُّعاب مباشرةً وأصاب النحلة، ليُوقعها من حيث استقرت. وثب الكشافة الصغير في الهواء وأطلق صيحة كان بمقدورها أن تُثير الرعب في واحد من قبيلة الأباتشي وهو في طريقه للقتال. وبينما هو يدور ويصيح في اندفاع، ملوحًا بيدَيه، صاح الصغير، بصوت صِبيانيٍّ حادٍّ: «أصبتُها؟ يا للهول! لقد أصبتها! لقد ضربتها طاخ!»

ثم استدار الجسد الصغير، وهُرع تجاه جيمي وأمسك كلًّا من ركبتيه بيدٍ من يديه.

«اسمع، هل ستخبر بيل السمين الطيب والطفل المطيع وذا الوجه الملائكي، إذا جئتُ بهم؟ هل ستخبرهم أنني فعلتها؟ إذ إن بيننا رهانًا. وسوف أفوز بموجبه بخمسةٍ وعشرين سنتًا. سوف أوسعهم ضربًا إن لم يُصدِّقوني، لكن سيصبح بإمكاني التفاخرُ أكثر بمراحل إن أخبرتهم أنك رأيتني.»

أخيرًا هيَّأ جيمي فمَه ليقول قولًا إنجليزيًّا مفهومًا.

ثم قال: «بالتأكيد! في أي يوم تريد مني ذلك، سوف ألتقي برفاقك وأشهد أنك أصبتَ النحلة بنزاهةٍ وأمانة.»

تباهى الشخص الصغير مزهوًّا وهو يقول: «لقد ظللتُ أتدرَّب على ذلك طيلة أسبوع.» وتابع: «ظللت أحاول، وراهنت بربع دولار على فعلها، والحق أن خمسةً وعشرين سنتًا هو مبلغ كبير! فثمة أشياءُ كثيرة يمكنك فعلها بخمسةٍ وعشرين سنتًا!»

تفكَّر جيمي في الأوقات التي كان لا يملك فيها حتى خمسة وعشرين سنتًا في يده خلال الأيام القليلة الماضية، وأقرَّ بصحة الزعم. إذ يبدو أن الحديث عن المال قد أثار في ذهنه سلسلةً جديدة من الأفكار. وبعينَين متسائلتين راح الصغير يتفرَّسه.

«هل ستذهب إلى المستشفى في أي وقت قريب لزيارة سيد النحل؟»

قال جيمي: «أنتظر اتصالًا هاتفيًّا.» وأضاف: «لقد أخبرني الدكتور جرايسون أنه سيُهاتفني ويبلغني بتطور حالته، وحالما يُصبح السيد في حالةٍ تُمكنه من مقابلتي، فسأذهب بالطبع.»

دسَّ الكشافة الصغير يده في جيب سرواله القصير وأخرج إلى الضوء حفنةً من أشياء متعددة، والتقطَ بيده اليسرى، من بين الخيوط والأزرار والمشابك والحصى، عملةً معدنية من فئة عشرة سنتات وعملتين من فئة خمسة سنتات وناولَها جيمي.

«عندما تذهب، هل يمكنك المرور على أقرب مطعم للشطائر وشراءُ شطيرة سجق وزجاجة مياه غازية بنكهة الفراولة من أجله وتعطيهما له بالنيابة عني مع حضن قوي وقُبلة؟»

تقبَّل جيمي النقود بوجهٍ جاد.

وقال متحمسًا: «بالطبع.»

قال الصغير: «سأعطيك القبلة التي ستنقلها له في الحال» ومن دون مقدمات، طُبِع على خدِّ جيمي أقوى وأحرُّ وأحلى قُبلة صغيرة ذاقها في حياته. ووجد يديه على كتفي الشخص الصغير وعينَيه مثبتتَين على وجهه.

«مهلًا!» قال جيمي. «هل أنت فتاةٌ أم صبي؟»

بحركة رشيقة، انسلَّ الشخص الصغير من بين أصابعه مثل رمال متحركة وتراجع خطوة أو خطوتين للوراء.

«ما دمت لا تستطيع أن تعرف، فلا يوجد أيُّ فرق، أليس كذلك؟»

واضطُرَّ جيمي لأن يُقر بأنه لا فرق.

قال الكشافة الصغير: «أعتقد أنه من الأفضل أن أرحل. أرجو أن تنجز مهمةَ شطيرة السجق على خيرِ وجه. يحبُّ السيد الخبز محمصًا والسجق المسلوق مشقوقًا ومقليًّا ومخططًا بصلصة المستردة وعليه طبقةٌ سميكة من البصل المقلي وشريحة من الخيار المخلل بالشبت. هل يُمكنك تذكر ذلك؟ هل تحبه بتلك الطريقة؟»

«يا إلهي!» قال جيمي، وهو يلعق شفتَيه. «لم أحْظَ بواحدٍ منذ زمن! سأتذكر بالطبع!»

قال الشخص الصغير: «اتفقنا إذن! هل لديك ثقةٌ إزاءَ تولِّيك المهمة وهل أنت متأكد أنك ستستطيع رعاية الأمور هنا؟»

قال جيمي: «سأبذل قصارى جهدي.» وتابع: «لكن عليَّ أن أخبرك كما أخبرتُ شريكك، أنني لا أعلم أيَّ شيء عن النحل.»

قال الشخص الصغير: «كما أنك لا تبدو بالنشاط الكافي لتهبطَ بلا مشقة عبر الجانب الشرقي وتتسلَّق الجانب الغربي على امتداد فدَّانين من خلايا النحل. اجلس أنت لا تتحرَّك وسأذهب أنا بنفسي لأرى إذا كان على ما يُرام.»

ومِن ثَم جلس جيمي تحت شجرة الجاكرندا وانتظر بينما ذهب الكشافة الصغير إلى الجهة الشرقية، ليفحص كلَّ قفير من قفائر النحل بعناية، ويعود بالخبر بأن أحواض المياه على ما يُرام، وأن الملكات كلَّهن يضعن بيضًا، وأن كل العاملات مشغولات، وأن الذكور تطن، كدأبها ككائنات بغيضة غير منظمة. ولم يكن هناك أيُّ أثر لفقسٍ ملوَّث، ولم يكن هناك أي أثر للُّصوص.

قال الشخص الصغير: «فقط نحل عادي، مخلِص، يعمل بجِد ليجمعَ كل ما يستطيع من رحيقٍ في حدائق الزهور حيث تخترقُ جبال سييرا مادري جبالَ سانتا مونيكا لتنفذَ إلى البحر مباشرة.»

أصرَّ الشخص الصغير على أن يقتادَ جيمي إلى المنزل ويُريَه المكتبة الحافلة بكتبٍ عن النحل. فأشار إلى كل المجلدات التي يمكن قراءتها بهدف معرفة طريقة رعاية النحل، ثم مرَّ بإصبَع خفيفة على مجلدات وُضِعَت وحدها على أحد الرفوف قائلًا: «أما هذه فهي الكتب الطريفة.»

اختار مجلدًا أزرقَ صغيرًا انفتح من تلقاء نفسه، وراح يقرأ منه بصوتٍ مستمتع: ««هناك أنواعٌ متعددة من النحل؛ أفضلها النحل الصغير المستدير المبرقش.» أليس مدهشًا؟» تساءل الصغير.

حين ألقى جيمي نظرةً عابرة من فوق كتف الكشافة الصغير، لمح اسم «أرسطو» على الغلاف فذُهِل ربما للمرة المائة منذ عصر ذلك اليوم. بعد أن أغلق المجلد وأعاده إلى الرف، التفتَ الطفل ناحيته: «ويقول بلينيوس إن النحل حين يهاجر عابرًا البحر المتوسط تأخذ كل واحدة حصاةً صغيرة وتحملها بقدمَيها حتى يُصبح وزنها ثقيلًا فلا تعصف بها الرياح!» ثم اخترقت ضحكةٌ صافية ورنانة أذنَي جيمي. «أليس ذلك هُراءً؟ لا بد أن تسمع سيد النحل وهو يضحك عند قراءة كلام بلينيوس عن النحل! وهناك المزيد من الكتب الطريفة مثلها، أما هذه فليست طريفةً على الإطلاق. هذه أكثرُ ما عليك معرفته لتثير اهتمامك بحق.»

مرَّت الإصبع الصغيرة على كتب لوبوك وزفامردام، معلقًا أثناء ذلك، فقال: «إن لديه صورًا رائعة لشكل النحل من الداخل»، وتوقف عند هوبير. ثم قال الكشافة الصغير: «ستحتاج إلى قراءة كتب هوبير.» وتابع: «لقد كان كفيفًا، لكنه خطط كل التجارِب وأجرى كل البحوث، وسجَّلها من أجله رجلٌ مبصر. إنه رائع أيضًا. وقد وضع عُنوانًا لكتابه هو «ملاحظات جديدة عن النحل.» أرى أنه عمل جيد جدًّا بالنسبة إلى رجل كفيف. فلتعلم أن مربي النحل، لا بد أن يتحلَّى بأشياء كثيرة أخرى بجانب معرفته بالنحل.»

وقدَّم التفسير مرتجلًا، من دون أن يطلبه منه أحد.

«يحتاج الأمر إلى البقاء في الخارج أغلبَ الوقت. ومعرفة الزهور وأحب الزهور للنحل. من المهم أن تكون سريعَ الملاحظة ورابِطَ الجأش، وفي رأيي أنك لا بد أن تكون على خُلق. ومن الأفضل أن تتأكد من قدرتك على العمل جهدَ طاقتك قبل أن تقترب من النحل. يقول سيد النحل إن النحل لديه بصيرة، وإن دنا منه شخصٌ كاذب وغشَّاش وتفوح منه رائحة الخطيئة والأنانية؛ فسيحدث ما لا يُحمد عُقباه! إذ يعلم النحل من فوره الشخصَ الوضيع، وعندئذٍ لا تأخذه به رحمة. بمجرد أن يستشعر حقيقتك، يلحق بك الأذى. فإذا كنت تعلم، في أعماقك، أنك لستَ صالحًا، وأن الله لن يقبلك في ملَكوت السماء يوم يأتيك الموت، فمن الأفضل أن تتخلَّى عن هذا العمل وتدَعَني أبحث عن شخص آخر ليرعى النحل.»

نهض جيمي ووقف ناصبًا قامته في اعتداد. وأخرج من جيبه كلَّ أوسمة الخدمة المتميزة وأنزلها إلى مستوى عينَي الشخص الصغير.

وقال بجدِّية شديدة: «على حدِّ معلوماتي، لا يوجد سببٌ يجعل النحل يستاء من أي روائح قد تنبعث من خارجي أو حتى من أكثر الأماكن سريةً في باطن روحي.»

قال الشخص الصغير: «حسنًا إذن، هذا يُبشر بالخير.» وتابع: «كل ما في الأمر أنك تبدو لي أحيانًا كأنك لستَ متأكدًا ما إن كنت ستبقى أم سترحل.»

قال جيمي: «أقرُّ أنه كان صعبًا عليَّ أن أُقرر، ما إن كنتُ سأبقى أو أرحل، لكن إذا ساعدتني، فمن الأفضل لي على ما أظن أن أجربَ على الأقل ما أقوى على عمله.»

وقف جيمي ساكنًا وشاهد الشخصَ الصغير وهو يسير عبر الممشى متجهًا إلى السياج الذي كان قد استخدمه سبيلًا للدخول. وبينما هو على وشك القفز من فوقه وقد اعتلاه، بلغت أذنَيه نصيحةٌ واضحة: «من الأفضل أن تبقى، يا رجل! سيروق لك الأمر!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢