التراث والعصر

الحكم على العمل الفني يتطلب الوقوف على المنابع التي صدر عنها، والجو الذي عاش فيه، والاتجاهات التي أمْلَت على الفنان اختيار طريقه — وبصفة عامة الإطار الذي أحاط بنشأة الأثر الفني وظهوره — وهذا الإطار تتحدد خطوطه الأساسية بالتراث والعصر.

والتراث في مصر يحتلُّ أهمية خاصة في تكوين الأثر الفني؛ ففي أعماق الفنان المصري المعاصر رواسب أجيال عدة ما زال نبضها الفني متصل الخفقات.

في العصور السابقة على التاريخ كان بمصر فن يغلب عليه الطابع التجريدي، ثم قطع الفن المصري الأصيل رحلة طويلة؛ بدأت في منف وانتهت في الإسكندرية … خط مديد من التراث ساهم في بنائه المعماريُّ والنحاتُ والمُصوِّرُ.

وإذا كان المعماري والنحَّات قد أحاط عملهما فكرة الخلود والبعث، وأظلَّها بالصمت … فإن المُصوِّر كان يُمثل النغم المتحرك في صمت هذا الخلود، وهو وإن لم يخرج عن إطارهما، إلا أنه استطاع بحركاته ومُسطَّحاته اللونية وخطوطه أن يُقدِّم صورة للحياة الاجتماعية للعصر وملامحه وسكانه … وأن يحقق توازنًا رائعًا بين البناء والغناء في لوحاته الجدارية التي آوت مقابر سقارة وبني حسن والعمارنة، وارتفعت نغمات غنائها اللوني في عصر توت عنخ آمون.

وخلال هذه الرحلة كانت مصر تؤثِّر في فنون البلاد القائمة على شواطئها، وتتأثر بها دون أن يطمس هذا التأثر أصالتها وجوهر عقيدتها الفنية، إلى أن أُنشئت الإسكندرية فكانت مِزاجًا من الشرق والغرب، وظهرت الحضارة الهلينستية.

وحاول الفن الهلينستي أن يجمع بين نظرة الشرق والغرب ومقاييسهما الفنية في آثاره … وبعثت مراسم الإسكندرية أعمالًا بدا فيها التعدُّد والاختلاف عن هذا الخط الباهر الرائع الذي بدأ من منف وانتهى في الإسكندرية، ولكنها لم تصل إلى قمم الفن القديم.

وبعد هذا الخط من الحضارة المصرية القديمة تأتي مرحلة جديدة على يدي الفنان القبطي … مرحلة جمعت بين الطابع المحلي الأصيل وانعكاسات الفنون البيزنطية.

وفتح العرب مصر … وظهر مع العصر الطولوني معالم مصر الإسلامية في الفن، وحفلت قصور الأمراء بالصور البارزة وصور الحظايا والقينات … ثم جاء العصر الفاطمي — أروع عصور الفن المصري الإسلامي — وسكب الفنان حيويته وروعة ألوانه في الأنسجة والصور الحائطية والكتب، وبدا أسلوب التجريد الفني في أروع قممه.

وإلى جانب هذا الخط الثقافي المديد تعيش آثار الفنان الشعبي، وتكون جزءًا من التراث.

وحين بدأ الفن المعاصر تاريخه مع مطلع هذا القرن، كان هذا التراث هاجعًا في ضمير الفنان المصري … غير أن أيدي الفنانين المستشرقين في مراسم الإسكندرية والقاهرة الخاصة، وفي مدرسة الفنون الجميلة التي أُنشِئت سنة ۱۹۰۸م وجَّهت الفنان المصري — وهي تُلقِّنه الفن التعليمي — وجهات بعيدة عن هذا التراث ونظرته وفلسفته.

ولكي نحكم على الفنان المصري في تلك المرحلة لا بد أن نُلِمَّ بروح العصر وذوقه ومناخه الثقافي العام.

يتحدد عصر الفنان التشكيلي في مصر بأعقاب الحرب الكبرى الأولى؛ ففي هذه السنوات كان الجيل الفني الأول قد تلقَّى أصول التعاليم الفنية التي تُعِينه على أن يشق طريقه.

غير أن البداية كانت متواضعة عبَّرت عنها الأديبة «مي» حين كتبت عن معرض الصور المصري الذي أقيم في مارس سنة ۱۹۱۹م بهذه الكلمات: «لقد أُضيف إلى الأحاديث المزعجة التي ملأت أندية القاهرة في هذه الأيام موضوع لم تألفه بعدُ اجتماعاتنا … موضوع الفنون الجميلة … لم يكن في هذا المعرض ثمة ما هو منقول عن الطبيعة مباشرة، أو مُعبِّر عن فكرة شخصية إلا رسمان اثنان؛ إلا أن من الرسوم المنسوخة عن رسوم موضوعة وفوتغرافيات ما كان حسنًا.»

بهذه البداية كان الفن التشكيلي يشقُّ أولى خطاه، في حين كان للأدب المعاصر دعامات يرتكز عليها سبقت قيام الحرب، ومفاهيم من النقد تحدد معالم الطريق.

على أنه رغم ميل الذوق العام إلى فن الروكوكو الذي كان يملأ البيوت ومحلات الفن الأجنبية، فإن النقد كان يحاول أن يضع مفاهيم الفن النظرية، وإن لم تجْرِ هذه المفاهيم دوامًا على وتيرتها في التطبيق … من ذلك ما كتبه المازني في مقاله١ «معرض الفنون» عن رسالة التصوير: «التصوير في أصله فن تقليدي، ولكن ليس معنى ذلك أن تمثيل الطبيعة تمثيلًا لا يتجاوز مجرد النقل دون زيادة أو نقص هو كل ما يُطلَب من التصوير … ومن المُسلَّم به أن إثبات صورة الشيء ليس عملًا فنيًّا، وإنما يُصبح كذلك إذا كان الإثبات بحيث يُبرِز صفة الشيء، ويؤكد مميزاته، وينفث فيه روحًا، أو بعبارة أخرى لا يكون الرسم فنيًّا إلا إذا ظهر فيه عنصر الجمال في الترتيب والتأليف، وإلا إذا صار إبراز الفكر والأداء وعناصر التمثيل والجمال وطابع المصور في عمله، كل ذلك، واحدًا في جوهره بحيث تصبح الصورة ليست عبارة عن فكرة رُسِمَت وألبست عمدًا هذا الثوب الفني، بل فكرة خليقة ألَّا يكون لها وجود إلا بمقدار ما تستطاع العبارة عنها بالتصوير.»

ونظرة أخرى إلى العصر تتمثل في فكرة البعث … بعث التراث؛ وهي من المعالم المميزة في عصور النهضة … كان هذا هو عصر «النزعة القومية» في الأدب والفن والفكر.

وإلحاح هذه النزعة تعكسه كتابات النقد في تلك الفترة … من ذلك ما كتبه الدكتور محمد حسين هيكل في سنة ۱۹۲٧م؛ بمناسبة معرض جماعة الخيال التي أسَّسها المَثَّال مختار وبعض الفنانين المصريين والأجانب المقيمين بمصر؛ لإقرار الفن المصري؛ وذلك تأييدًا للدعوة إلى استلهام الفن المصري القديم٢: «نلمح الآن اعتراضًا يوجَّه إلينا: أين نحن من الفن المصري القديم وبيننا وبينه عشرات المئات من السنين؟ … إنما يجب أن يستقي رجال الفن إلهامهم من الحاضر ومن الحياة المحيطة بهم؛ ليكون الفن المصري جديرًا بهذا العصر الذي نعيش فيه … نلمح هذا الاعتراض ونبتسم له؛ فعشرات المئات من السنين هذه ليست شيئًا في تاريخ النفس الإنسانية وتطوُّرها … وإذا كان بين مظاهر عيشنا ومظاهر عيش الأقدمين خلاف — أكبر خلاف — فإن روحنا وروح الأقدمين متقاربتان، بل متفقتان في الانقباض والانبساط والحسرة والألم، والمظاهر التصويرية لهذه المشاعر أكبر دليل على هذا.»
وينتقل هيكل بعد أن يعرض امتدادات مظاهر حياة الأقدمين في حياتنا الحديثة إلى لوحة محمود سعيد «القديس يوحنا والتنين» التي عرضها في هذا المعرض، فيقول:

«لقد كانت الفكرة الأولى التي أدَّت إلى اغتباطي لأول ما شاهدت صورة «القديس يوحنا» أن أثارت عندي ذكرى قديمة عزيزة على المصريين جميعًا؛ هي صور الزير سالم وأبو زيد الهلالي، وقصص الزير والهلالي وأساطيرهما متصلة في النفس المصرية بتاريخ مصر القديم إلى حد كبير. لذلك سرَّني أن أرى الفن الحديث يتناول هذه الصور القديمة فيخلع عليها من جدَّة الشباب ما يرُدُّ إليها الحياة بعد أن كادت تندثر وتتلاشى وتترك عصرنا هذا … سُرِرتُ ورجوتُ أن يتناول البعث الجديد هذه الصور القديمة، كما تناول رفايل ومكلنج وفنسي وغيرهم تاريخ المسيحية وتاريخ اليونان. فلما ألفَيْتُ الصورة بعد التحديق والرجوع إلى برامج الجماعة تمثل القديس يوحنا والغول الذي يحاربه، ورأيت هذا الغول في صورة غير أغوالنا الشرقية الكثيرة الصور لم ينقص إعجابي بمقدرة محمود سعيد وقُوته، ولكن قصر الآمال الذي بنيته عاد خاليًا من رجاء حسِبْتُه تحقَّق … ولكن بحسْب هذه الصورة أن يكون لها من الفضل أن تبعث في نفوسنا رجاءً جديدًا يُحققه معرض جماعة الخيال في العام القادم.»

وينتقل في نفس المقال إلى تصوير ما كان يجيش في نفس رجل الفن والأدب في هذا العصر، فيقول :

«أفضيتُ بهذا الذي دار في نفسي إلى صديقي مختار المثَّال … ومختار من متقدمي الدعاة إلى استلهام الفن المصري القديم؛ لأنه يراه أدنى إلى الكمال من كل ما عرف العالم إلى يومنا الحاضر من فن، ولأنه يشعر في جو مصر بروح عميقة عجيبة خفية قوية تمسكها فتفر منك كلما أمسكت بها، ويرى وجوب تدوين ما يُستطاع من مظاهر هذه الروح على الحَجَر وعلى اللوحات وعلى الورق … فلما ذكرت المثيولوجيا القديمة وأساطير العصور المختلفة قال: ولكن أنَّى يجد رجل الفن اليوم هذه المثيولوجيا وتلك الأساطير؛ وأكثرها مبعثر أو مكتوب بلغة أصبحت لا تُفهم؟ … إننا نستلهم ما نعرف من ذلك، ونستلهم الآثار الباقية أمامنا، لكنَّ على رجال التاريخ والأدب واجبًا فنيًّا وإنسانيًّا عظيمًا … ذلك أن يُقرِّبوا تفاصيل هذا التاريخ لنا، ويجعلوه في متناولنا فيُقرئونا إياه بلغة مفهومة، ونحن متأثرون بعد ذلك به أردنا نحن أو لم نُرِد … متأثرون أكبر التأثُّر؛ لأنا نؤمن بالفن المصري إيمانًا صحيحًا.»

•••

على أن وجهًا آخر لملامح العصر كان له أثره في تشكيل معالم المدرسة المصرية الحديثة؛ فلقد صاحب ظهورها عصر اضطراب القيم الفنية وتدافُع المذاهب الجديدة. كانت الواقعية والذوق ومعايير الجمال الأكاديمي قد تقوَّضت أعمدتها منذ أرسل المذهب التأثري طلْقته الأولى في معركة الفن الحديث … وعلى ضوئه الباهر تغيَّرت الحقيقة التقليدية الثابتة للمرئيات، وحلت محلها الحقيقة البصرية المتغيرة مع انعكاسات النور والظل.

ولكن التأثرية كانت تحليلًا سطحيًّا براقًا يعوزه البناء والتركيب، فوُلِد في مهدها ومن اتجاهها النزعة التي أعقبتها، وقادها الثلاثة الكبار: سيزان، وفان جوخ، وجوجان، وأعاد كل منهم بناء الأشكال على طريقته، وأخضع النظرة التأثرية لأصول التصوير المعماري.

وأطلق ماتيس وديران وفلامنك ودوفي صواريخهم التي أحدثت انقلابًا في الألوان وطريقة وضعها والتناسق التقليدي بينها، وهزت وقار الصالونات ونقاد الفن، فأطلق عليهم الناقد فوكسيل اسم «الضواري» الذي عُرِفُوا به منذ سنة ١٩٠٤م.

وأعقب الضواري النزعة التكعيبية التي ظهرت قبيل الحرب العالمية الأولى، وكانت اتجاهًا مضادًّا لفن الضواري … كانت دعوة إلى تغليب التصميم المعماري للوحة على اللون، وجعل الخط والدائرة والمكعب محور التعبير الفني، ثم ظهرت رؤيا السيريالية مع الحرب، مُصوِّرةً الأحلام التي تضطرب بها خبايا النفس … وإلى جانب هذه النزعات كان المصور والنحات أمبرتوبوشيوني والشاعر مارنيتي يقرعان طبول المستقبلية، ويدعوان الفن إلى التحرر من كل صور الماضي؛ ليكون إحساسًا ديناميكيًّا خالصًا، وقد ذهب أنصارهم إلى حد المناداة بحرق متحف اللوفر حتى يتخلص الفنان المعاصر من عبودية التراث والذوق القديم.

وإلى جانب هؤلاء كان ماتيس وبول كلي وجوجان وموديلياني وغيرهم قد شقُّوا طريق العودة إلى فنون الشرق وأساليبه في التشكيل الفني.

هذه الاتجاهات جميعًا التي أحاطت بالخطوات الأولى للفنان المصري تُمثل وجه عنائه في اختيار طريقه، وصعوبة التجربة التي مرَّ بها الجيل الأول.

أما مختار فقد وجد سبيله إلى فن مصر القديم، واستخلص منه مميزات الثبات والاستقرار وبلاغة التعبير النحتي بالكتلة والخطوط والقدرة على إيداع التمثال الصغير كل خصائص النحت الكبير … وعَبَرت فلاحاته العصر الإسلامي فأضفى عليها حجابًا من روحه، واكتسبت الرشاقة والرقة والعنصر الزخرفي … ثم اتصلت بالتيار الغربي الحديث الذي ساهم في تكوين مصر المعاصرة، فجاء أسلوب فن مختار صورة صادقة عميقة لمصر تحقق بها التوازن بين التراث والعصر … وبهذا رسم الطريق لفن النحت.

أما جيل المصورين الأُوَل فقد تشعبت بهم الطرُق … كان أحمد صبري، وراغب عياد، ويوسف كامل، ومحمد حسن أبرز خريجي هذا الجيل الأول من مدرسة الفنون الجميلة.

ولقد اتجه صبري إلى تجارب الغرب الفنية القديمة، ونأى عن صراع المذاهب المتطرفة التي غزت فنونه … واستطاع أن يرتفع بأعماله عن مستوى «الواقع الفوتوغرافي» إلى الواقع الفني — مع بقائه أمينًا للأصول التقليدية لفن التصوير — وفي أعمال صبري مصريةٌ تلمسها العين في صفات فنه الموضوعية، وفي النبل والهدوء والوقار الذي يسود لوحاته.

ولقد أثرى فنَّ التصوير بالصورة الشخصية التي تُعتبر دعامة فنه، وقدَّم في إطار القواعد أسلوبًا تسوده رقة اللون وقوة اللمسات وبراعة شخصية الوجوه التي صوَّرها.

أما راغب عياد فاتجه نحو رحلة جريئة … لاح وكأنه نسي تعاليمه المدرسية، وحرر أسلوبه من الزخرف والوشْي والبهرجة الفنية، وجعل من الصورة الشعبية تعبيرًا فنيَّا تسوده جرأة التحرر الخطِّي وجرأة اللون … ولقد انتقل التصوير معه من «الرومانسية» إلى «الواقعية»، بل إلى السخرية، فأدَّى في الفن ما أدَّاه المازني في الأدب … كلاهما حرَّر أسلوبه من بلاغة «المقامات» التقليدية، واتجه إلى الواقع اليومي، فقدَّم منه صورة فنية رائعة.

وفي حين استخدم محمد حسن براعته في الأداء وذكرى دراساته الأكاديمية في تصوير معالم البيئة المصرية ووجوهها؛ فإن يوسف كامل استهوته النظرة التأثرية، وصوَّر من خلالها وبلمساته الريف المصري.

أما ناجي ومحمود سعيد فقد شقَّا طريقهما بعيدًا عن المدرسة، ونشآ في غير بيئتها، وكلاهما قاد اتجاهًا كان له أثره في الجيل الذي أعقبه.

التقى فن ناجي بشعاع من طيبة مع أشعة من الفن الأوروبي المعاصر، وخاصةً أساليب ما بعد التأثريين، واتخذ الريف المصري في لوحاته تعبيرًا تشكيليًّا جديدًا يُمثل الأرض والطبيعة وحياة الفلاح، ويصدح بألوان جمعت بين طنافس الشرق ونقوشه وبين منطق الغرب ونسقه … ولقد خرجت لوحاته حاملةً أحد معالم المصرية في التعبير الفني؛ فهو الذي بشَّر بالعودة إلى الفرسك المصري القديم، وهو الذي قدَّم مثلًا لإمكانيات التقاء المفهوم الشرقي مع المفهوم الغربي في الفن، وهو في مقدمة الذين تناولوا خامة التصوير، فعبَّر بها عن حياة الفلاح والقرية.

أما محمود سعيد فيحقق المصرية في فنه عن طريق آخر غير طريق ناجي … هو مصري دون أن تلمح عودته إلى لوحات الأقدمين وأساليبهم … مصري بالمنطق المعماري المكين الذي يسود تكوين لوحاته، ومصري بحساسيته البصرية في اللون، وبالنور الذي يشعُّ من لوحاته، وبالتفسير الذي قدَّم من خلاله صورة كاملة للبيئة والعصر، وأقام به الدليل على أن قومية الفن لا تقف عند قوالب معينة، وأن أسلوبَي الشرق والغرب يمكن أن يلتقيا، ويحققا ما عجزت مدرسة الإسكندرية في عصرها الهلينستي عن أن تقوم به.

١  المازني، حصاد الهشيم، الأخبار ۱۷ مايو ۱۹۲۲م.
٢  السياسة الأسبوعية، ۱۷ ديسمبر، ۱۹۲۷م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦