من حياته
وُلِد محمود سعيد بالإسكندرية في ٨ أبريل ۱۸۹۷م، ونشأ في بيت من تلك البيوت التي ساهمت في حفظ الثقافة والتراث، وكانت ملتقى تيارات أتاحت لبعض عناصر النبوغ أن تنبثق … كان والده المرحوم محمد سعيد باشا رئيسًا لحكومة مصر قبيل الحرب العالمية الكبرى وفي أعقابها، وقد تلقَّى محمود سعيد تعليمه في ظل توجيهه، وطاف بمعاهد مختلفة … فيكتوريا كوليج … ومدارس الجزويت … والمدرسة السعيدية … ومدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية … إلى أن نال البكالوريا المصرية سنة ١٩١٩م، ونال ليسانسيه مدرسة الحقوق الفرنسية سنة ١٩٢١م.
خلال هذا المجرى العادي لأحداث حياته كانت موهبته الفنية تلوح في شكل إشارات خافتة بدأت مع الخطوط التي كان يرسمها على السبورة مع توفيق أفندي — أحد المدرسين المتقاعدين الذين كان يستضيفهم قصر والده — وكان الصبي شغوفًا بمحاولات مُدرِّسه، ثم تلقَّى دروسه الجدية الأولى في الرسم بالمنزل على يدي مدام كازاناتو الفنانة الإيطالية التي استوطنت مصر، وملأت معارض القاهرة والإسكندرية حتى ختام شيخوختها بأعمالها الباهرة … غير أن هوايته الفنية لم تتخذ شكلًا واضحًا إلا حين بدأ يمارسها بمرسم الفنان زانييري مع مجموعة من الهواة؛ منهم: أحمد راسم، وشريف صبري، وحسين سعيد.
وفي سنة ١٩٢٢م عُيِّن مساعدًا للنيابة بالمحاكم المختلطة بالمنصورة، وارتبط بكرسي القضاء، فلم يبقَ له من الظلال الفنية الخاصة إلا إجازات العطلة القضائية، وخلال هذه الإجازات طاف بهولندا، وبلجيكا، وسويسرا، وإسبانيا، واختص إيطاليا بسياحات كثيرة بين متاحفها وكنائسها .
كانت هذه الرحلات حدثًا هامًّا في حياة محمود سعيد؛ توطدت خلالها الوشائج بينه وبين أعمال الإيطاليين الأُوَل وفن روبنز ولوحات رمبراندت.
غير أنه كان أكثر ميلًا إلى فان إيك ومملنج وفان دير فايدين، فاقترب منهم، وعلى أيديهم مرَّ فنُّه بمرحلة تحوُّل واضح … ومن خلال أعمالهم أدرك معنى تماسك التكوين، والعمق، والتوازن بين البناء والغناء في العمل الفني … وهمست له أعمالهم بوصاياها وأسرارها، وعرف من خلالها كيف يضحي بالتفاصيل في سبيل تحقيق التناسق الفني في أعماله.
غير أن ذلك لا يعني أن سعيدًا ظل تلميذًا لهؤلاء الأساتذة، وإنما هو استفاد لفنِّه من صياغة فنهم، وعاد فنانًا مصريًّا يُقدِّم صورة لمصر من خلال مضمون أعماله وأسلوبه، بعد أن طاف باتجاهات المدارس المعاصرة التي كانت تزحف على ميادين الفن خلال فترة تكوينه.
ولقد وجد هذه الاتجاهات بعيدة عن أن تتجاوب مع نفسه وفطرته الفنية؛ استوقفته النزعة التأثرية لحظةً، فأخرج بعض أعماله على غرارها، غير أنه لم يلبث أن هجرها إلى فترة كانت تسود فيها صور الأشخاص وبعض مناظر الطبيعة، وصور بعض الموضوعات الميثولوجية … كان ذلك خلال السنوات من ۱۹۲۱م إلى ١٩٢٦م، وكانت ذكرى «بلليني» والإيطاليين الأوَل ما زالت تطوف به، إلى جانب انطباعات من فناني الفلاندر، واستهواه المنطق المعماري في النزعة التكعيبية، وما يحققه للعمل الفني من توازن البناء، ولكنه اكتفى منها بالتنظيم الهندسي، دون أن يغرق في التجريد والتسطيح.
وتلا ذلك مرحلة اهتدى فيها إلى أسلوبه الخاص؛ مرحلة تبدأ بميلاد «الجزيرة السعيدة» سنة ۱۹۲٧م، وتبدو أبرز معالمها في «الزنجية» و«الصلاة» و«المقابر» سنة ۱۹۲۷م … و«حمام الخيل بالمنصورة» و«المرأة والقلل» سنة ۱۹۳۰م … و«الدعوة إلى السفر» سنة ١٩٣٢م … و«ذات الجدائل الذهبية»، و«الصيد السحري»، و«فاطمة» سنة ١٩٣٣م … و«الشواديف والمستحمَّات» سنة ١٩٣٤م … و«جميلات بحري»، و«الأسرة» سنة ١٩٣٥م … و«المدينة والقط الأبيض» سنة ۱۹۳۷م، ثم نماذج الوجوه التي التقطها من الأحياء الشعبية وصوَّر أعماقها النفسية؛ «فاطمة» و«هاجر» و«حياة».
في هذه السنوات العشر يتمثل ثلث إنتاج محمود سعيد، ولكن فيها أيضًا الأسلوب الذي قرَّر شخصيته الفنية، والطابع الخاص للموضوعات التي انفرد بها بين آثار التصوير المصري المعاصر.
وتعقب هذه السنوات مرحلة أعوام عشرة أخرى بين سنة ١٩٣٧م، وسنة ١٩٤٧م؛ كانت تبدو خلالها في أعماله معالم ميلاد اتجاه جديد في الأسلوب والموضوع. أخذت الرؤيا التصويرية تستقر عند الفنان، وانحسر الضوء السحري، وانتقل الفنان من الرمز إلى التعبير المباشر … حتى موضوعات تلك الفترة كان العنصر السائد فيها الأشخاص والمنظر الطبيعي.
غير أن تحديد مراحله المختلفة بالسنوات لا يعدو أن يكون — في واقع الأمر — علامات على طريق إنتاجه؛ فإنتاج الفنان سير مُتصل تُمهِّد كل خطوة منه لما يليها … ومن العسير أن نضع فواصل حاسمة تحدد انتهاء مرحلة وميلاد أخرى.
ولكن سنة ١٩٤٧م تُمثل في حياة الفنان مرحلة تحول هام؛ إذ اعتزل كرسي القضاء، وفرغ تمامًا لفنِّه، وخفتت في نفسه حدة هذا الصراع الذي ظل قائمًا أكثر من ربع قرن، الصراع بين أوضاع رجل القضاء والالتزامات التي كان يمليها عليه مركزه الاجتماعي، وبين حياة الفنان الرحبة الطليقة التي كان يأوي إليها.
وفي سنة ١٩٥١م عرض محمود سعيد في سراي الجزيرة إنتاج ثلاثين عامًا من حياته الفنية يتمثل في ١٤٥ لوحة … ومن خلال هذه الأعمال يبدو الخط العميق الذي رسمه محمود سعيد كرائد للتصوير المصري المعاصر، ومن قبلُ خرج الفنان إلى المجال العالمي؛ إذ عرض في نيويورك سنة ١٩٣٧م، وفي المعرض الدولي للفنون والزخارف بباريس في نفس العام … وفي بينالي فينسيا في السنوات: ۱۹۳۸م، ۱۹٤۸م، ۱۹٥۰م، ١٩٥٢م، كما شهدت معارض القاهرة السنوية إنتاجه الفني يُعرَض بين جدرانها، فضلًا عن مشاركته في معارض المجموعات الحديثة مع الجيل الذي تبعه وتأثر به وعرف معنى الشخصية الفنية والتحرُّر من خلال أعماله.
ولقد صمت سعيد واحتجب عن معارض القاهرة منذ سنوات … ومن يعرف عناء الخلْق الفني والطاقة التي يبذلها الفنان في عمله يُقدِّر دواعي سكينة الرجل وصمته، غير أن الفنان قد تعتريه فترات صمت يعود بعدها وقد شُحِنَت طاقته وتجددت نفسه؛ بعد أن تأمل من بعيدٍ الطريق الذي قطعه، وعرف اتجاهه القادم … وهذا هو ما نرتقبه من فنان أصيل مثل محمود سعيد.