حول فنِّه

إذا كانت حياة محمود سعيد الخارجية تتحدد ببعض وقائع وتواريخ، وتبدو مستقرة في إطارها الاجتماعي؛ فإن حياته الداخلية تمثل ثورة عميقة على هذا الإطار.

حياة سعيد الخارجية تبدو هادئة وديعة كملامحه الخارجية، وحياته الداخلية ثائرة متطلعة بعيدة الأغوار؛ كصورته التي رسمها وأسماها «تحليل نفسي».

ومن هنا يبدو فن سعيد صورة مغايرة لشخصه … هو رغبة في الانطلاق من قضبان حياته في الوظيفة والمجتمع … وهو حين يخرج من هذه القيود يبدو حُرًّا طليقًا، وكأنه قد نسي وجه حياته الآخر.

وتبدو المشاهد والأشخاص خلال لوحاته في حياة أخرى غير حياتها الواقعية … حتى صور الأشخاص التي شغلت حيزًا ملحوظًا من فنه تلمح في عيونها الحلم البعيد العميق، والتطلع عبر عوالم أخرى غير عالمها المحيط، والنماذج التي اختارها من الحياة لا تعيش في لوحاته واقعها المحدود، وإنما تبدو وقد ارتفعت على فتات أيامها لتعيش في امتدادات بعيدة — كذلك يبدو بائع العرقسوس في لوحاته وجميلات بحري — ويلوح رجاله في رحلة «الصيد السحري»، وتبدو المستحمات وكأنهن على ضفاف بحر خيالي … ويخرج المنظر الطبيعي يحوطه غموض من نفس الفنان، ويغمره نور لا يرتبط بالواقع، وجو مشبع بالرمز.

وعناية سعيد بتصوير غريزة الجنس تمثل خطًّا آخر من خطوط فنِّه، وهي عنصر من عناصر محور ثلاثي كان يشغل الفنان، ويمثل سؤاله الدائم خلال رحلة شبابه … وعلى هذا المحور الثلاثي الذي يتمثل في: الغريزة، والعبادة، والموت وقف الفنان مرحلة من مراحل فنه.

ففي وجوه نسائه وعيونها المتطلعة «دعوة إلى السفر» نداء خفي يُشعُّ منها، ويحملها من عالمها المحدود إلى رحلة لا حدود لها … ويتكرر هذا الخروج من إطار الحياة المحدودة والرغبة في امتدادها في العبادة … إنها وسيلة الإنسان إلى التقرُّب من القوى الخالقة المطلقة وسُلَّم البشرية الفانية نحو عالمها الآخر، وهو يصوِّر هذا التطلع في وقاره الجليل من خلال لوحات الصلاة … ويصوره في ثورته الجامحة في لوحات «الذِّكر» و«الدراويش». وتُكمِل صورة الموت هذا المحور الثلاثي الذي شغله في فترة شبابه، فتراه يعاود معالجة موضوع «المقابر» و«ليلة الدفن» … حتى لوحة «نعيمة» التي صوَّرها سنة ١٩٢٤م تبدو جالسة وخلفها مدافن الموتى والمُشيِّعات لمواكبه.

وتختفي المقابر من الجو الخلفي للوحاته؛ ليحلَّ محلَّها المراكب والشراع؛ إنها تمثل رغبة الفنان في السفر من واقعه … وهو بما يضفيه عليها في رحلتها من جلال يستعيد إلى نفوسنا ذكرى رحيلها الرمزي القديم … ولا يختفي ذلك الجو الغامض في أعماله، ولا تهدأ هذه الثورة المضطرمة في فن سعيد … ويذهب الحلم العميق من لوحاته إلا في المرحلة الأخيرة من فنه … حين يهجر وظيفته، ويُخلِص لإنتاجه الفني … ويختفي هذا المناخ النفسي الذي كان يحوطه، والذي أبدع خلاله أروع أعماله.

ويتخذ الحيوان في لوحات سعيد مدلولًا رمزيًّا … وهو يختار من حيوانات البيئة تلك التي ارتبطت بمعنًى أو بأسطورة أو بتاريخ.

فالقط له قداسة مصرية قديمة، والحمام له مدلوله في الديانة المسيحية ورمزه العام … والحمار يرتبط بالأسطورة القديمة … وقد كشف توفيق الحكيم في حواره معه عن جوانب العمق والصفاء فيه، ووجد يحيى حقي سعادته معه، واختصَّه بصفحات طويلة من أدبه الرائع.

وجاء محمود سعيد فأضفى عليه لمحة الشفافية … إنه يبدو في لوحاته حيوانًا شاعرًا مرتفعًا عن الأرض؛ كما يبدو الحيوان في لوحات مارك شاجال … ويتكرر الحمار في لوحات سعيد؛ نراه في لوحة «الحمار» بالرغم من طيبته وسعادته، وكأنه يردِّد عبارة الحكيم توما: «متى ينصف الزمان فأركب؟ فأنا جاهل بسيط، أما صاحبي فجاهل مركب!» ويلوح في الجزيرة السعيدة يُكمل نغمها الشاعري، ثم تراه في حزنه العميق في لوحة «أمومة»، ويحتل مكانه في لوحة «المدينة» وعليه مسحة صفاء أكثر من الإنسان.

على أن هذه الخطوط إنما تمثل الأبعاد النفسية للوحاته، أما خصائصها التشكيلية فتبدو إذ نستعرض قطاعات مختلفة من إنتاجه.

•••

إن أداة سعيد في التعبير هي اللوحة الزيتية بمعناها الجديد الذي عرفه فن التصوير منذ جيوتو … لم يلجأ إلى التعبير عن طريق التصوير الحائطي «الفريسك»، ولم يستخدم وسائط أخرى كالألوان المائية أو الباستيل؛ لأنه وجد في اللوحة الزيتية أصدق تعبير عن نفسه ومزاجه الفني.

ولم يتجه سعيد إلى مبادئ فن التصوير عند المصريين القدامى، أو إلى التجريد الزخرفي عند الفنان الإسلامي … وإنما هو على عكس المصريين القدامى يعنى بالعمق والبُعد الثالث في لوحاته؛ فهو من هذه الناحية يأخذ بأساليب الفنان الغربي، وهو أيضًا يعبأ بقواعد المنظور، فتأخذ الأشياء عنده مكانها وفقًا لمواقعها، وهو يعنى برسم محيط الأشخاص والأشياء، على عكس الفنان المصري القديم الذي كان يضع أشكاله في مستوًى واحد، ولا يعنيه أن ينقل جوَّها المحيط في مسطحاته، وهو أيضًا على عكس الفنان الإسلامي يعنى بالتشخيص وينأى عن التجريد.

ولكن فنه رغم هذا يقدم صورة قومية التعبير؛ مبعثها حساسيته البصرية وعنايته بإبراز الأحجام والطراز النحتي والمنطق المعماري في لوحاته، واللانهائية التي تجعل المَشاهد والأشخاص تبدو ثابتة كأنها تعيش حياة غير حاضرها. وكذلك شغفه الشديد باللون كالفنان الإسلامي، وكل هذه خطوط أصيلة يلتقي فيها بتراث بلاده، وهي خصائص تؤكد مصرية فنه رغم اختلاف الأسلوب والصياغة.

بل إن اختيار سعيد خلال رحلة تكوينه الفني إنما صدر عن طبيعته المصرية؛ فاتجاهه إلى بعض فناني الفلاندر قد يكون للخصائص التي يلتقون فيها مع الفنان المصري القديم، رغم الاختلاف البعيد في المبادئ والأساليب … ففي أعمالهم يرتفع الإنسان من واقعه المحدود إلى امتدادات لا نهائية تضفي عليه الجلال والخلود الذي يضفيه الفنان المصري القديم على شخوصه … ولديهم القدرة على كمال الأداء والتنفيذ وتنسيق الأشكال والألوان، حتى لتبدو اللوحة عملًا مكتملًا متماسك البناء.

وحين آثر سعيد فنَّ سيزان وإنجر وكورو بنظرة من دراساته؛ إنما كان يؤثرهم لما أحسَّه في أعمالهم من صفات البناء المعماري الذي عني به في لوحاته، وتمثله كخاصية من خصائص فنه.

ولقد شغل فن تصوير الأشخاص Portrait مكانًا ملحوظًا من أعمال محمود سعيد، ولكنه تميَّز من خلال هذا الفن بأسلوب خاص يختلف عن زملائه من المصورين … كم غيره عني بهذا الاتجاه في أعماله، ولكنه يصوِّر من الشخص حاضره وملامحه وَجوَّه العابر، أما سعيد فيصوِّر في أشخاصه التطلُّع البعيد والعمق النفسي … إن شيئًا من سر القدامى الذي أضفى مسحة الخلود على العابرين قد استقرَّ في لوحاته، وحقق توازنًا رائعًا بين القيم النفسية والتشكيلية لنماذجه.

وفي مناظر الطبيعة التي حفل بها فن سعيد — حتى في صور الأشخاص — لا نراه وبصفة خاصة في المرحلة الوسطى من إنتاجه معنيًّا بقيم النور والظلال الطبيعية قدر عنايته بتضادِّ الألوان وتلاقيها، وبريقها الذي يحقق في اللوحة تلك الهزة الشعرية التي تنبع من أصالة العمل الفني. إن الطبيعة تمر عبر نفسه بتحوير في التكوين وتحوير في اللون يتحقق بهما إيقاع الشعر في فنه … فالجزيرة السعيدة ليست قرية بذاتها وإنما هي شعر الفنان لحياة الريف … هي السيمفونية الريفية في أعماله، وشواطئ الإسكندرية في لوحة المدينة وفي لوحة الصيد والنيل عند رشيد والمنصورة … كل ذلك لا يمثل مكانًا وزمنًا بذاته، وإنما هو نقل شعري للطبيعة … هو استخلاص لما في الزمان والمكان المحدود من غنائية وسحر وخلود … هو محاولة لنقل غير المحسوس إلى المحسوس كما يقول فرومنتان … والنور والضوء في تلك اللوحات ليس ضوءًا محددًا بوقت معين … إنه نور ما فوق الواقع … فوق الساعة والزمن.

وعني سعيد بالموضوع؛ فصوَّر «الذِّكْر» و«الصلاة» و«الدراويش» و«الصيد» … ولكنا ننسى ذاتية الموضوع وجانبه التسجيلي، ونرى الفنان يدفعنا إلى استقصاء القيم التشكيلية والتحوير الفني الذي يجري في اللوحة؛ لدعم البناء وربط الوحدات وتنسيق الصلة بين عناصرها المختلفة … إلى البناء المعماري في اللون والتكوين … إلى التكرار الإيقاعي الذي يتردد في أنحاء اللوحة، فيستخلص من التصوير أقصى ممكناته الموسيقية والنفسية.

وخطوة جريئة تميَّز بها فن سعيد هي الصورة العارية؛ فبعد أن توارت المرأة في الأيقونة القبطية، ولم يعُدْ يبدو منها في الفن الإسلامي غير لمحات شبه تجريدية على الأواني ومن خلال النقوش … ونكاد نحصي صورها الصريحة في قصور العصر الطولوني وحمامات العصر الفاطمي … بعد هذا الاحتجاب الطويل جاء محمود سعيد ليُشبع نظرنا بعد هذا الصوم عن المرئيات … غير أن عرايا سعيد يبدون وقد جلسن في وضع مقصود أمام المصوِّر … وتكاد تلمح يده وهي تحدد الجلسة، وتضع زهرة هنا، وإطار لوحة هناك … ووسادة على مقربة من الجسد … الصورة العارية عند سعيد تصميم بنائي.

وهو في هذا يبدو نقيضًا لفنان مثل ديجا تلوح عراياه في ألفة داخلية طبيعية لا تكاد تلمح خلالها عمد المصور وترتيبه السابق … كأنه يلتقط صورهن خلسة من خلال فتحة الباب … وينقلها محوطة بكل دقائق لحظتها التي التقطها فيها.

ولقد قدَّم «محمود سعيد» بمجموعة أعماله بناءً فنيًّا شامخًا لمصر تتمثَّل فيه بوقارها الجليل حين تتعبَّد وتسجد للصلاة … وتبدو في أحزانها العميقة حين تنحني على أعزَّائها الراقدين في المقابر … وتُطل عليك بلادك في سحرها العميق حين تغنِّي الشواديف وتترنَّم الحياة في الجزيرة السعيدة … ويلتقي الناس والخيل والشِّراع على ضفة النيل الساحرة … كما عكس صورًا أخرى من البيئة من خلال صيحات «الذِّكْر» ودقات «الزار» وموسيقى «الرقص» ووقع أقدام جميلات بحري حين يمضين إلى النزهة … ولكن هذه الصور لا تقدم تسجيلًا لمصر من خلال واقع تقريري مألوف … وإنما هي تقدم تعبيرًا ذاتيًّا عنها من خلال تفسير خاص لرؤيا فنان تعمَّق روح بلاده من الوادي إلى الجبل إلى البحر، وتوغَّل في تعبير وجوه سكانها، وقدَّم من خلال ذلك مضمونًا وأسلوبًا جديدًا بعيدًا عن سطحية أسلوب الفنانين المستشرقين ونظرتهم المألوفة لمصر من خلال صور القلعة والأهرام وجواري الحريم.

وكل لوحة من لوحات سعيد تحمل في ثناياها من طاقة الشعر ما يدفع النفس إلى الاندماج معها في حوار داخلي عميق … وتلك هي قمة العمل الفني الكبير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦