لوحات محمود سعيد

تصدير جبرائيل بقطر

إن لوحات محمود سعيد تبهر عيوننا بالجو الذي يشع منها، وهذا البذخ يتلألأ من ألوانها كأنه عطر من الشرق … ولوحاته هي هبة حياته التي قدَّمها للفن … ولقد كانت حواسه المرهفة وثقافته العالية في خدمة فنه على الدوام، فأتاحت له أن يعرف رسالته. ولكنه رغم هذه الثقافة العميقة لم يغضَّ النظر عن مشاهد الحياة اليومية والفولكلورية … ويبدو محمود سعيد في لوحاته شرقيًّا … ومصريًّا … بل أكاد أقول سكندريًّا.

وهو فنان حسي يُصور الأجسام النحاسية وأشعة الحرارة التي تنبعث منها؛ كأن شمسًا داخلية تضيئها، وهذه العيون المتفتحة للحب والشفاه المكتنزة.

وهذه الحسية تبدو في الأشكال وفي الألوان؛ فترى اللون في لوحاته صارخًا برَّاقًا؛ فالإناء النحاسي في يد بائع العرقسوس يتحول إلى إناء من ذهب … والألوان تظهر دائمًا في أروع حالات بريقها. ولكن محمود سعيد إذا كان ملونًا بفطرته الحسية، فإن هذه الفطرة تخضع لقواعد علم متين.

ولقد كان سعيد يردد: «إن التصوير الناجح يجب أن يكون زخرفيًّا.»

ولذا فإن اللون يقترن عنده بالتكوين الهندسي … وهو يحرص على الجمع بينهما في لوحاته، وعلى إخضاع اللوحة لإيقاع هندسي معين يتردد فيها.

انظر إلى لوحته «الزار» حين تشمل الحركة الصاخبة والنغم العنيف حركات النسوة، بينما يطل القط الذي تجسَّدت فيه روح الإلهة بوباستيس في سَكينة من نافذة تُشرف على سماء الليل.

إن القط هنا يُكمل الجوَّ النفسي للوحة المليء بالسحر.

تخضع اللوحة هنا لحركة معينة تتردد كالنغم، وتحمل أبصارنا في أرجائها، وهكذا يبرز عنصر التكوين في فن سعيد، يبرز في «الزار» كما في «الذِّكر»، وفي «حركة الدراويش»، ومرة يأخذ هذا التكوين الهندسي شكلًا هرميًّا يسود اللوحة كما في صورة «الأسرة»، ومرة أخرى يأخذ شكلًا دائريًّا كما يبدو في لوحة «الصيد السحري»، ويتكرر هذا النغم الهندسي في اللوحة، ويلتقي مع اللون في تناسق تشكيلي كما تراه في لوحة «صلاة»، وفي صور الأشخاص، وفي مشاهد الطبيعة.

وتجتمع هذه القيم التشكيلية في العمل الصغير، كما تجتمع في التصوير الكبير الذي طرقه سعيد بجرأة؛ انظر إلى لوحته «المدينة»؛ حيث ملتقى كثير من أعماله السابقة ورموزه المألوفة: «جميلات بحري»، و«المراكب ذات الشراع»، و«الحمار»، و«بائع العرقسوس»، و«الحمام»، و«المرأة والقلل»، و«الكلب الضال» في الطريق، و«القط المصري» … تلتقي هذه جميعًا في لوحة «المدينة» … وإذا وشائج وثيقة تجمع شتاتها، فتتحرك على نغم واحد يفرضه سعيد على اللوحة … نغم ينتقل من شراع المراكب إلى ثوب الغانيات، إلى هذا الوجه المصري القديم لراكب الحمار الذي يشبه ملامح إخناتون، ثم تنتهي عند بائع العرقسوس، ليدور النغم مرة أخرى من جديد في أنحاء اللوحة، وكأنه رباط سحري نسجته يد الفنان البارعة. وفي اللوحات الصاخبة بالحركة — كلوحة «الرقص» و«الدراويش» — نلمح هذه الرغبة في تنسيق عناصر الحركات المتضادَّة وإخضاعها لنظام ونسق متين.

وإلى جانب هذا العالم الصاخب في فن محمود سعيد، تلوح رقة «نادية» في ردائها الأزرق بينما يغنِّي الكناري في قفصه … وتبدو في مرحلة أخرى من أعماله في صفاء وتفتُّح وهي تطل من النافذة على الحياة.

وفي هذا الجو الأليف أيضًا تُشرق بسمة «الفتاة ذات الحلي» وتطالعنا المرأة بعيونها المفعمة بالحنين … الحنين إلى الأمومة الذي يوحيه تعبير وجهها وجوُّ اللوحة … إنها «البشارة»، وإنه الهدوء بعد «العاصفة» في فن سعيد؛ فبعد هذه الألوان الفوسفورية المتلألئة، وبعد الحركات الصاخبة والتفاصيل القصصية يسود الهدوء الجليل لوحاته، وتبدأ نقطة التحول في فنه.

هذا التحول يبدو في صور الموضوعات والأشخاص، كما يبدو في صور المناظر؛ فبعد السماء ذات الألوان الصارخة التي تشع بها أعمال «فلامنك» بعد «عاصفة الكورنيش» تلوح «بيريه عند الفجر» في جلال هدوئها، وتبدو «ميناء بيروت» بيوتها ومآذنها وأشجارها يظلها الجبل.

وأمام «جبل التلك بحماطة» يُخيَّل إليك أن الفنان جرَّد المشهد من معالمه المكانية، وغمره بنور غير واقعي، فأبدع نوعًا من الجمال التجريدي في جو كالحلم.

وفي «النيل عند المنيا» يبدو أن الفنان قد توَّج أبحاثه التشكيلية بالوصول إلى المنابع الصافية للفن الفرعوني على صفحة النهر العظيم الذي أضفى عليه الخلود في تلك اللوحة الرائعة.

figure
محمد سعيد باشا «والد الفنان» (١٩٢٤–١٩٤٩) Portrait de Mohamed Saïd Pacha, père de l’artiste (1924–1949).

كل هذه المشاهد تسبح في ضوء ساحر … ولكنه ضوء لم تعُد فيه الإشعاعات الثائرة في رحلة الشباب، وإنما فيه وقار جليل، وفيه تلك البساطة التي تضفي ظلها على أعمال الفترة الأخيرة من فن سعيد، فتُذكِّرنا بكلمات كورو: «البساطة هي الطريق الوحيد الذي يقود إلى الحقيقة والجلال.»

ولكن أيقف سعيد عند هذه الأجواء التي حلَّق فيها، أم ما زالت أمامه رحلات أخرى سيقطعها؟

إن الفن كما يقول آندري ديران «هو سُلم متصل من الظواهر الخارقة».

وإذا كان محمود سعيد لا يكفُّ عن البحث في فنون الشرق والغرب، فقد يُحلِّق بعد هذا في أجواء أخرى … وسيظل فنه يرسل رحيقه في تربتنا الخالدة حاملًا إلينا حضارة كاملة … ذابت في ثناياه … حضارة البحر الأبيض المتوسط. وقصة تطوُّر مصر المعاصرة.

figure
زوجة الفنان (١٩٢٤) Portrait de la femme de l’artiste (1924).
figure
محمد الصغير (۱۹۲۳) (مجموعة حسين سري) Le Petit Mohamed (1923) (Collection Hussein Sirry) (Photo Masraff).
figure
الحمار (۱۹۲۷) (مجموعة عزيز عماد) L’Ane (1927) (Collection Aziz Amad).
figure
الجزيرة السعيدة (١٩٢٧) (مجموعة جان نيقولا بيدس) L’Ile Heureuse (1927) (Collection Jean Nicolaïdis).
figure
الدراويش - «دراسة» (۱۹۲۸) (مجموعة أحمد مظلوم) Esquisse pour les Derviches Tourneurs (1928) (Collection Ahmed Mazloum) (Photo Hassia).
figure
تحليل نفسي (١٩٣٠) (رسم بالقلم) Introspection (1930) Dessin au crayon.
figure
أمومة (۱۹۳۱) (مجموعة فردوس هانم ذو الفقار) Maternité (1931) (Collection Mme. Ferdos Zulficar).
figure
بائع العرقسوس (۱۹۳۱) (مجموعة الأميرة ماهوش فاضل) Le Vendeur d’Arguissouss (1931) (Collection Princesse Mahivèche Fazil).
figure
ذات الجدائل الذهبية (١٩٣٣) La femme aux boucles d’or (1933).
figure
نادية والكنار (۱۹۳۳) Nadia au canari (1933).
figure
عاصفة على الكورنيش (متحف الفن الحديث بالقاهرة) Orage sur la Corniche (Musée d’Art Moderne du Caire).
figure
القط الأبيض (۱۹۳۷) (مجموعة شفيق جبر) Le Chat Blanc (1937) (Collection Chafik Gabr).
figure
المدينة (١٩٣٧) (متحف الفن الحديث بالقاهرة) مُعارة إلى متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية La Ville (1937) (Musée d’Art Moderne du Caire) prêté au Musée des Beaux-Arts d’Alexandrie.
figure
الزار (١٩٣٩) (متحف الفن الحديث بالقاهرة) Le Zar (1939) (Musée d’Art Moderne du Caire).
figure
امرأة في النافذة (١٩٤٠) (مجموعة الدكتور حسن الخادم) Femme à la fenêtre (1940) (Collection Dr. Hassan El Khadem).
figure
صلاة (١٩٤١) (مجموعة سمو الأميرة فائقة) Cheikh en prière (1941) (Collection S.A.R. la Princesse Faïka) (Photo Hassia).
figure
الهجرة (١٩٤١) (متحف الفن الحديث بالقاهرة) L’Exode (1941) (Musée d’Art Moderne du Caire).
figure
نادية في النافذة (١٩٤٢) Nadia à la fenêtre (1942) (Photo Apkar).
figure
الفتاة ذات الحلي (١٩٤٣) (مجموعة الدكتور حسن الخادم) La Fille aux bijoux (1943) (Collection Dr. Hassan El Khadem).
figure
على الوسائد (١٩٤٤) (مجموعة الدكتور حسن الخادم) Nu aux coussins (1944) (Collection Dr. Hassan El Khadem) (Photo Apkar).
figure
فتاة من أسيوط (١٩٤٥) (مجموعة مراد وهبة) Fillette d’Assiout (1945) (Collection Mourad Wahba).
figure
ذات الأساور الذهبية (١٩٤٦) (مجموعة أبو بكر خيرت) Nu aux bracelets d’or (1946) (Collection Abou Bakr Khaïrat).
figure
حرم محمود يونس (١٩٤٧) (مجموعة محمود يونس) Portrait de Madame Mahmoud Younès (1947) (Collection Mahmoud Younès).
figure
راقصة وتخت (١٩٤٩) (مجموعة سمو الأميرة فائقة) Danseuse au takht (1949) (Collection de S.A.R. la Princesse Faïka).
figure
ميناء بيريه عند الفجر (١٩٤٩) (مجموعة لطفية هانم العبد) Le Pirée à l’aube (1949) (Coll. Loutfia El Abd) (Photo Racine).
figure
حمام الخيل قرب رشيد (۱۹٥۰) (مجموعة الكونت ميشيل دي زوغيب) Bain des Chevaux vers Rosette (1950) (Coll. Comte Michel de Zogheb).
figure
مسجد مرسى مطروح (۱۹٥۰) (مجموعة الدكتور حسن الخادم) Mosquée à Mersa-Matrouh (1950) (Collection Dr. Hassan El Khadem).
figure
البشارة (١٩٥٠) (مجموعة مينا صاروفيم) L’Annonciation (1950) (Collection Mina Saroufim).
figure
محجر التلك بحماطة (١٩٥٠) Carrière de talc à Hamata Mer Rouge (1950).
figure
ميناء بيروت (١٩٥١) Le Port de Beyrouth (1951).
figure
النيل عند المنيا (١٩٥٢) Le Nil à Minieh (1952) (Photo Masraff).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦