محمود سعيد
-
وُلِد بالإسكندرية في ٨ أبريل سنة ۱۸۹۷م، وتُوفي بها في ٨ أبريل سنة ١٩٦٤م.
-
درس القانون … وتولى وظائف القضاء … ولكن مواهبه الفنية دفعته إلى دراسة فن التصوير بمرسم الفنان زانييري بالإسكندرية … وخلال سياحاته في الخارج انضم إلى القسم الحر بالكوخ الكبير الذي أنشأه المثَّال الفرنسي أنطوان بورديل، كما درس دراسة حرة بأكاديمية جوليان بباريس، غير أن دراساته الشخصية بمتاحف الفن كانت أبلغ أثرًا في تكوين شخصيته وأسلوبه.
-
اعتزل القضاء في سنة ١٩٤٧م، وتفرَّغ للفن.
-
عُرِضَت أعماله بمصر في مناسبات مختلفة، وأقام معرضًا شاملًا لإنتاجه في سراي الجزيرة سنة ١٩٥١م، كما نظَّم متحف الإسكندرية معرضًا شاملًا آخر له في سنة ١٩٦١م؛ بمناسبة فوزه بجائزة الدولة التقديرية للفنون سنة ١٩٦٠م.
-
على النطاق العالمي؛ عرض أعماله في نيويورك سنة ۱۹۳۷م، وفي المعرض الدولي للفنون والزخارف بباريس في نفس العام … وفي بينالي فينيسيا في السنوات: ١٩٣٨م، ١٩٤٨م، ١٩٥٠م، ١٩٥٢م.
-
كان أول فنان تشكيلي ينال جائزة الدولة التقديرية للفنون.
-
من تاريخ مصر، ومن موقعها الجغرافي، ومن ظروف نشأة نهضتها الحديثة، يتمثل بعض ما أحاط بميلاد الفن المصري المعاصر من مشكلات.
فَلِمصر ماضٍ عريق من الحضارة الفنية، ولها موقع جغرافي مميَّز يجمع بين منابع النيل الأفريقية ومَصَبِّه المُطِلِّ على مشارف البحر الأبيض، ولكن نشأة النهضة الحديثة بمصر في مطلع العشرينيات جاءت منقطعة الصِّلات بالماضي وبالفكر الفني في هذه البلاد، معتمدةً على ما قدَّمته من تجارب الغرب الأكاديمية لجيل الرواد، سواء في مدرسة الفنون الجميلة أو في مراسم الأجانب الذين ساهموا في تعليم الفنون.
ومن هنا يتمثل موقف هذا الجيل بين ماضي بلاده الفني وموقعها في ملتقى التيارات الحضارية، وبين المصادر التي تلقَّى عنها تعليمه الفني، وتتمثل أيضًا مشكلة الاختيار، والبحث عن صيغة ملائمة للتعبير الفني المعاصر.
وكان محمود سعيد من القلة التي استطاعت أن تحقق هذا الشيء النادر — الأسلوب والطابع — وتوصل إلى ذلك دون افتعال أو محاولة لاتباع تقليد بذاته من تقاليد مصر الفنية، أو احتذاء نزعة من نزعات الشرق … ومع ذلك فقد كان فكره موصولًا بروح هذه البلاد، وشيء من أعماق الشرق يسكن روحه.
فما لبث بعد دراساته الأوروبية أن ملك طريقه، واهتدى إلى نفسه، وصاغ فنًّا نرى في بنائه المكين وهندسته الصريحة منطق مصر التشكيلي، ونلمس روح الشرق كامنةً فيه، وسحرًا أخَّاذًا في ألوانه، وإبداعًا مُميَّزًا يحمل طابعًا شخصيًّا نتعرَّفه بين عديد الاتجاهات … ومن أجل هذا استحق محمود سعيد مكانه كرائد للتصوير المصري المعاصر.
•••
ولئن كانت حياة محمود سعيد تبدو في إطارها الخارجي هادئة السمات؛ إلا أن حياته الداخلية يشدُّها صراع عنيف بين تقاليد مجتمعه ورغبات ذاته … بين ما فرضته عليه الظروف من قيود، وبين تطلُّعه إلى التحرُّر والانطلاق؛ فهو من الفنانين الذين شاء قَدَرهم أن يجمعوا بين طريقين ومهنتين كان الوفاق بينهما عسيرًا.
أرادت له ظروف حياته أن يمضي في دراسة القانون، بينما كانت ميوله تشدُّه إلى دراسة الفن، ولكنه طوى في نفسه هذا الصراع، ومنعه حياؤه ومحبته لأسرته واحترامه لتقاليدها أن يعلن اختياره، ويثور على الطريق، كما ثار كثيرون غيره في تاريخ الفن، واستطاعوا أن يخلصوا في البدء من الصراع.
كذلك فإن صفات سعيد الذهنية واعتداده بنفسه وحرصه على كرامته، جعلته يعطي وظيفة القضاء من جهده قدرًا كبيرًا تَمثَّل في أحكامه وبحوثه القانونية التي عكف عليها خمسة وعشرين عامًا من حياته، حتى وصل إلى منصب المستشار، فتخلى عن منصبه، وأعطى للفن كل نفسه.
وخلال السنين الأولى من حياة محمود سعيد وجد طريقه إلى مراسم الفنانين الأجانب بالإسكندرية؛ التي كان يتردد عليها في أوقات فراغه، وفي رحلاته إلى متاحف الفن في أوروبا خلال العطلات القضائية.
وكانت متاحف الفن هي الأيدي الحقيقية التي قادت خطاه، وفتحت له الآفاق، وخلَّصته من تأثير أكاديمية المراسم الأجنبية واللمسات الانطباعية التي بدت في لوحاته الأولى؛ نلمحها في مناظر المكس والبحيرة المقدسة بالأقصر سنة ١٩١٨م، وصورة شقيقته وصورته الشخصية سنة ۱۹۱۹م، والغسيل في حدائق القبة سنة ۱۹۲۰م.
ولكنه لم يلبث أن تخلى عن تعاليم الأكاديمية والمذهب الانطباعي، ولاح أثر دراساته المتحفية وبحثه الشخصي في أعماله منذ سنة ۱۹۲۳م.
في هذه الحقبة كانت سياحات محمود سعيد إلى هولندا وإيطاليا وفرنسا قد قاربت بينه وبين الأعمال الكبرى في تاريخ الفنون، فلقي عند «ماساشيو» خصيصة الإحساس البنائي في اللوحة والتعبير عن الكتلة والحجم بواسطة النور، وأدرك معالجة «بلليني» لعنصر الضوء، ولمس عند «سيزان» مشكل التكوين وتحقيقه للتوازن بين الفراغ والأحجام، واستهواه كثير من أعمال فناني الفلاندر؛ حبكة الأداء في أعمال «مملنج» و«فان آيك»، والطاقة النابضة وراء المادة في فن «روبنز»، والأضواء السحرية للرؤى الداخلية العميقة في فن «رمبراندت»، بينما فتحت له رحلاته إلى إسبانيا آفاقًا أخرى في فن التصوير … وأطلعته دراساته في أكاديميات الفنون الحرة خلال سياحاته الصيفية على اتجاهات جديدة للفن في «الكوخ الكبير»، وفي أكاديمية «جوليان» بباريس.
خلال العشرينيات ظهرت ملامح شخصيته المميزة في لوحة «هاجر» سنة ۱۹۲۳م، و«الزنجية ذات الخلاخيل» سنة ۱۹۲٦م، و«نعيمة» سنة ۱۹۲۷م، ومجموعة لوحاته عن الدفن والمقابر؛ فقد كان الموت محورًا من محاور فنه، يقابله محور «الجنس» ومحور «العبادة».
تشير كثير من أعمال هذه الحقبة إلى التزام الفنان لقانون هندسي صارم يحكم بناء اللوحة، وصراع بين الطاقة المتمردة في داخله والنظام في الخارج يضفي على فنه توترًا حيويًّا، كما أنها تنم عن مزاج لوني يميل غالبًا إلى قتامة الزرقة، وما يُحدِثه إيقاعها مع الألوان البنية النحاسية.
على أن الثلاثينيات تُقبِل وقد ازداد فنه رسوخًا، وأصبح أكثر امتلاكًا لقدراته … مَلَكَ سِرَّ التحوير وسحر الإيقاع، وتأكد التوازن بين وعيه المادي وإدراكه الروحي للأشكال، فاكتسبت في لوحاته حجمًا وامتلاءً، وتدفَّق منها نور سحري كأنه قادم من أعماق بعيدة، وأصبح للون عنده سُمك ووزن وبريق يحيل الماء والسماء وكل العناصر الشفافة إلى مسطحات من الثراء اللوني، كأنها عطر عتيق من الشرق، وإننا لنذكر — إزاء سخاء هذه الألوان — كلمة المصور الروسي مارك شاجال: «ينبغي للون أن يكون كثيفًا سخيًّا؛ حتى لتحس أنك تسير على بساط سميك.»
من هذه الحقبة نشير إلى لوحاته: «حاملة القلل» – «الدعوة إلى السفر» – «ذات الجدائل الذهبية» – «الصيد العجيب» – «عقد المرجان» – «الصلاة» – «الذِّكر» – «المدينة» – «العائلة».
في «حاملة القلل» نلمح اهتداء سعيد إلى نموذج الأنثى الذي وجده في المرأة «بنت البلد» في احتفائها الخفي بالجنس، وإيمائها إليه في العيون التي يشعُّ منها النداء، وفي الشفاه والنهود المعبِّرة عن الخصوبة، وفي الجو الذي يلفُّه ضوء خاص يضيف إلى البعد المادي أبعادًا نفسية غامضة ومثقلة بالأسرار، وكذلك في اللون البنفسجي للرداء الذي يحمل دلالات رمزية إلى جانب بلاغته التشكيلية.
يتكرر هذا النموذج في فن محمود سعيد … يتعقب ملامحه المتعددة ولغاته المختلفة، تنطق بها العيون والملامح والأزياء … نراه في «فاتنات بحري» و«ذات العيون الخضراء» و«بدرية» و«ذات الحلق اللؤلؤي»؛ حيث عبيق الشذى الجنسي، وتفجُّر الطاقة الحسية العارمة، وإشارات الرمز تنبض في ثنايا المعمار الذي يحقق اتزان الصورة.
على أن هذا النموذج يصل عنده إلى ذروة يرتفع فيها عن الحسية العارمة في لوحة «ذات الحلي» سنة ١٩٤٣م؛ إذ نلمح في إشراق عيونها لمحة ذكاء وتطلُّع مُهذَّب إلى الحياة، كما أن في ابتسامتها وملامحها — رغم أنها من حاضرنا — سماتٍ تُذكِّرنا بوجه نفرتيتي الذي لم يكتمل.
أما «الدعوة إلى السفر» فهي من أروع رؤى الفنان الخاصة … وجه فتاة يُشرق بهذا الابتسام المصري القديم يواجهها فتًى قد تُنبئ ملامحه أنه من الريف، غير أنه لا يلبث أن يحملنا إلى عصور سحيقة في القِدَم تُحلِّق بنا في جو إخناتوني، وهذه إحدى مقدرات محمود سعيد؛ الجمع بين الواقع والرمز، وإضفاء هذا الوجود الغريب على أشخاصه، والتحليق بنا في رؤًى كالأساطير تربطنا بها أشعة مجهولة من الضياء، وألوان لها وقع ينبئ بليل جاثم على الأنفاس، وكلب ضال يخطر في خلفية اللوحة له دلالة الرمز الذي يستخدمه الفنان لبلوغ إيماء المعنى، كما استخدم القط والحمار والحمام في لوحات أخرى.
«الدعوة إلى السفر»؛ رغم ما فيها من إشارات إلى ملاذِّ الحياة؛ إلا أن جوَّها العام لا يلبث أن ينبئنا أن الدعوة تتجه إلى أبعاد سحيقة لا إلى شاطئ قريب … إنها من الأعمال الفنية النادرة التي تحمل المُشاهد إلى أغوار رؤًى عميقة، وتأخذ نفسه باستحواذ هو من خصائص الروائع الفنية حين تبلغ أغوار التعبير.
و«ذات الجدائل الذهبية» (وهي أيضًا من حصاد الثلاثينيات)، تمثل عالمًا من رؤى الفنان الخاصة … هي ليست ﻛ «حاملة القلل» أو «ذات الحلي» تمثل وجودًا حاضرًا للمرأة الأنثى، وإنما هي تمثل عالمًا من الوجود الغريب … كيانًا ماديًّا لابسته روح شيطانية، وأنوثة وحشية تقترب من عالم «بول دلفو» الغامض … واللون في اللوحة ليس فيه الشجى الساحر الذي يشعُّ من كثير من أعمال سعيد، ولكنه ينفجر بالقوة العارمة الغامضة التي يتميز بها الفن السيريالي.
لا يلبث هذا الجو الذي لازم الفنان في هذه الفترة أن يعاود ظهوره في لوحة «عقد المرجان»، وما يحوم فيها من عالم غريب، ثم يعود فيتكرر في لوحة «السابحات»؛ الأجساد النحاسية الذهبية ليست كسابحات «رينوار» التي تعيش في فردوسه الأرضي، ولا هي من عالم «فراجونار» الذي يجمع سمات من الرشاقة والزخرف والجمال، ولا من عالم «بوتتشيلي» الذي تلوح فيه المرأة كملاك من اللؤلؤ في عالم خيالي … إن سابحات سعيد تُذكرنا بجنِّيات الأرض، وينبئنا جوُّها العام بأننا نرتاد عالمًا من صنع الفنان ومن دخيلة نفسه … وهذا هو سر التحويل عند محمود سعيد؛ استطاع أن يمزج الواقع بالرمز، وأن يُضفي على المَشاهد والأشخاص جَوَّه الأسطوري الخاص.
في إنتاج هذه المرحلة أيضًا تتمثل مقدرة محمود سعيد على التصميم والبناء؛ نستعرضها من خلال لوحاته «الصيد العجيب» – «الذِّكر» – «الصلاة» – «العائلة» – «المدينة».
في «الصيد العجيب» اختار الفنان التكوين الدائري، وأقام عليه بناء اللوحة … هي ليست تسجيلًا للصيد كعمل؛ بقدر ما هي استحواذ على المحتوى النفسي للموضوع، وهو من الموضوعات التي شغلت رؤى الفنان، وظهرت في مراحل مختلفة من إنتاجه؛ قد يرجع ذلك لقرب الموضوع من منابع وحيه في الإسكندرية ورشيد، ولكن يغلب أن يكون الأمر متعلقًا بمضمونه الداخلي، وباتصال الموضوع بمعنى المجهول والمصير وكفاح الإنسان أمام قوى الطبيعة الغامضة، وهذه الأبعاد النفسية يضيفها الفنان إلى البعد المادي المنظور بما يختاره للدلالة عليه من تكوين وحركة ولون … أما الملامح فتبدو وكأنها وجوه بزنطية، أو وجوه قديسين وشهداء خرجت من المتحف القبطي … وأما الحركة فلم تعد تسجيلًا دنيويًّا عابرًا، وإنما هي حركة في دوام … في أبد صغير تعيش فيه رحلة الصيد.
وفي لوحة «الذِّكر» نرى البناء التشكيلي للوحة يقوم على خط ديناميكي يربط حلقة الذِّكر، ويشد أبصارنا إليها، فتجول في أرجاء اللوحة مع خطِّها المحرك وإيقاعاته الترديدية في حركات الأجسام والملابس … أما النور فيسقط على الجباه، ويمتد إلى الأرض فيأخذ الأبصار، ويوغل بالرؤيا إلى ما وراء الحركة. في حين يختلف الإيقاع في لوحة «الصلاة»، ويضفي معمار اللوحة على الجو هدوءًا واستقرارًا؛ انحناءات الأقواس مع انحناءات الأجسام، والترديد الرأسي يتلاقى مع الترديد الأفقي … وللنور روحانية تسقط على صفوف الأعمدة وصفوف الناس في وقار يختلف عن تدفق النور العارم في لوحة «الذِّكر».
أما لوحة «المدينة» فيغلب على بنائها حساب دقيق لخطوطها الرأسية والمقوسة، في إيقاع يعقد العُرى بين مجموعة من رموز الفنان ونماذجه المألوفة: «فاتنات بحري» و«المراكب ذات الشراع» و«بائع العرقسوس» و«المرأة والقلل» والكلب والحمار والحمام والقط … وهي — برغم ضخامتها وتعدُّد مشاهدها وأشخاصها — راسخة البناء؛ تشير إلى ما كان يمكن أن يخلفه محمود سعيد في التصوير الكبير.
يستخدم الفنان إيقاعًا معينًا يتردد في مقاطع اللوحة كالقافية في الشعر، وكأنه نغم تصويري ينتقل من شراع المراكب إلى ثوب فاتنات بحري إلى وجه راكب الحمار، ثم ينتهي عند بائع العرقسوس، ويعود مرة أخرى يتردد في ثنايا اللوحة كرباط سحري نسجته يد الفنان البارعة.
والألوان في اللوحة كالأعمدة في البناء يحمل بعضها بعضًا؛ فاللون عند سعيد عنصر معماري، ولكنه يحمل ما في الغناء من شجًى.
والنور في اللوحة يرف في كل مكان … في البيوت والعيون والحلي وعلى جبهة الحيوان، وله لألاء يلفُّ المادة في غلالة روحانية، نور السماء الداخلي الساطع الذي يحمله محمود سعيد في أعماقه، ويتدفق منها، فيضفي على لوحات تلك الحقبة جوًّا من السحر.
ويلتقي الواقع والرمز مرة أخرى في لوحة «العائلة»؛ فالبناء الهرمي الذي اختاره لها يلفُّه جوٌّ من القداسة أحاط بأسرة تبدو — رغم مسحتها الريفية ووجودها الحاضر — وكأنها قادمة من زمن سحيق إلى أرض غريبة انبثق فيها النخيل، بينما يسكب الضوء النحاسي في مشاعر الرائي أحاسيس مبهمة، ويؤكد معنى الرمز.
قد يكون من العسير وضع علامات فاصلة مميزة بين حقبة وأخرى؛ فإنتاج الفنان مسار متصل يمهد كل خطوة منه لما يليها.
ولكن إذا كانت هذه الفواصل مجرد علامات على الطريق كلما بدا تحوُّل مميز في أعمال الفنان، فإننا نستطيع أن نقول إن حقبة الثلاثينيات في فن محمود سعيد امتدَّت بخصائصها حتى قرابة نهاية الأربعينيات.
وهي حقبة زاخرة أيضًا بعديد من الصور الشخصية؛ فقد شغل فن تصوير الأشخاص مكانًا ملحوظًا من أعمال محمود سعيد … وكثير من مصوري الأشخاص يعنيهم إبراز الشبه والشخصية، ولكن محمود سعيد — مع امتلاكه هذه القدرة — يعنيه أيضًا عنصر البناء والتكوين، والترابط بين صورة نموذجه وبين الجو العام الذي يحيط بمن يُصوره، كما أنه لا يقف عند ملامح الشخص، وإنما يُصور العمق النفسي والتطلُّع البعيد … ووجوه أشخاصه تتطلع إلى أمام تُواجه الرائي، بينما تذهب نظراتها إلى ما وراء … وفي عيونها وشفاهها — وهما عنصران يركز فيهما طاقته التعبيرية — شيء يربطنا بالوجوه المصرية القديمة.
كما تتميز هذه الحقبة أيضًا بلوحات «العاريات»، وهو موضوع يمثل خطوة من خُطاه الجريئة في فن التصوير المصري؛ فبعد أن توارت المرأة في الأيقونة القبطية، ولم يعُدْ يبدو منها في الفن الإسلامي غير لمحات شبه تجريدية على الأواني ومن خلال النقوش، ونكاد نحصي صورها الصريحة في قصور العصر الطولوني وحمامات العصر الفاطمي … بعد هذا الاحتجاب الطويل جاء محمود سعيد ليُشبع نظرنا بعد صوم عن المرئيات.
وهو في عارياته يُمثل نماذج الأنثى العارمة في بناء معماري مكين، والجسم في لوحاته ذريعة لمعالجة التقاء النور والظل على الأحجام، كما أنه يُحقق فيها خاصية من خواصه؛ هي التوازن الأخَّاذ بين الحجم والفراغ في اللوحة.
ولْنأخذ لوحة «على الأريكة الخضراء» نموذجًا للدلالة على ذلك، ولْنلمح النور يساهم في تشكيل الأحجام وإبراز استدارتها بأسلوب يتسم بالكثافة النحتية.
صحبت الخمسينيات تحوُّل رؤى الفنان … هدأت في نفسه حدة الصراع الداخلي بعد أن ترك كرسي القضاء وفرغ لِفنِّه، وازداد ارتباطًا بالعالم الخارجي … لم يعُد للمنظر عنده محتواه ودلالاته الرمزية.
انقضى عهد «الجزيرة السعيدة» وعواصف الكورنيش والسحر الخفي ﻟ «المدينة» … تلك العوالم التي كانت نقلًا شعريًّا واستخدامًا رمزيًّا للطبيعة، وبدأت سياحات الفنان بين رشيد، وأسوان، ومرسى مطروح، والمنيا، ولبنان، والبحر الأحمر … وانبهر بضوء ساطع هو أقرب إلى نور النهار، وزاد ارتباطه بالمنظر الطبيعي بأسلوب اكتملت له أدوات المعرفة التشكيلية واللمحة الشاعرية … وفي هذه الأعمال قمم نلمحها في مناظر الجبل بظهور الشوير، وفي لوحة «محجر التلك» بالبحر الأحمر؛ حيث نحس أن الفنان قد حلَّق فوق المكان بحلمه الداخلي، وملك سر التحوير حتى كاد المشهد يرتفع عنده فوق الزمن والمكان، ويستحيل إلى رؤًى بين الأحلام … كذلك نرى تعبير الانتصار على الزمن في لوحة «النيل عند المنيا» و«بيريه عند الفجر»، وكأن الفنان قد حبس في أبعاد لوحته الزمن عن الحركة، حتى لَيُخيَّل إليك أن الضحى لن يدرك بيريه أبدًا، وأنها ستعيش دائمًا فجرها الخالد.
يسيطر توقيت الحياة وحركة الزمن على الفنان … وغالبًا ما تكون صورة الطور الأخير من إبداعه مغايرة لأطواره السابقة؛ متميزة بالمهابة والتأمل وتجريد الأشياء من تفصيلاتها العابرة.
وهذا هو ما نلمحه في آثار الستينيات من رحلات محمود سعيد إلى جزر اليونان … كانت روح الفنان تهفو إلى صمت تلك الجزر، ونورها الخالد، وبيوتها البيضاء المجردة من الألوان.
ومن هذا الجو الأخاذ الذي سكنت إليه روحه صاغ لوحاته الأخيرة في جلالها المهيب وضوئها الناصع وصمتها العجيب.
لم يعد في لوحاته تدفُّق النور، ولا سحر اللون الشرقي البراق … وغابت عنها الحركة المتأججة والشعور العارم بالطاقة … وبقي الفكر والتأمل، وصمت الشعر الجليل، حتى الإنسان قد غاب عن هذه الجزر، ولم تبقَ إلا بيوت السكينة وقوارب الصيد والمراكب بلا حراك.
على إيقاع هذه الظلال والأضواء كان ختام الصرح الشامخ الذي أقامه محمود سعيد، والأعمال المتعددة التي أبدعتها مخيلته، ففتحت لفن التصوير في مصر آفاقًا وأبعادًا.
تم بحمد الله.
من مرسى مطروح أبدع الفنان أروع لوحاته للمنظر الطبيعي … ولئن تخلى عن هذه الأعمال سحر النور الداخلي الخاص، فإن نور النهار الذي يغمرها وامتلاك الفنان للقيم اللونية التي أثرى بها فن المناظر الطبيعية يمنحنا سمتًا آخر من سماته.