الفصل العاشر

ضربوا الحصان الأبيض على سيقانه، حتى استند على ركبتَيه ونهض. أدار البيكادور رِكاب الحصان وجذبه وتسلَّق إلى السرج. تدلَّت أحشاء الحصان في كتلة زرقاء وراحت تتأرجح إلى الأمام والخلف عندما بدأ الحصان في الخبب، وراح مساعدو البيكادور يضربونه على الجانب الخلفي من سيقانه بالعصي. راح يُخبِّب مرتعشًا على طول الحاجز الخشبي لحلقة مصارعة الثيران. توقف متصلبًا فأمسك أحد مساعدي البيكادور بلجامه وسار به إلى الأمام. ضربه البيكادور بمِهْمازَيه، ومال إلى الأمام ووجه رمحه إلى الثور. راح الدم يندفع بانتظام من بين ساقَيِ الحصان الأماميتَين. كان يرتجف بعصبية. لم يستطع الثور أن يتخذ قراره بالهجوم من عدمه.

قطة تحت المطر

لم يكن هناك سوى أمريكيَّين يُقيمان بالفندق. لم يعرفا أيًّا من الأشخاص الذين مرا بهما على الدرج في طريق ذَهابهما من غرفتهما وإليها. كانت غرفتهما بالطابق الثاني وتُطِل على البحر. وكانت تُطِل أيضًا على الحديقة العامة والنُّصب التذكاري للحرب. كان بالحديقة العامة أشجارُ نخيل كبيرةٌ ومقاعدُ خضراء. في الطقس الجيد، كان يوجد هناك دائمًا فنان ومعه مِسند لوحاته. أحب الفنانون طريقة نمو النخيل، وكذلك الألوان الزاهية للفنادق المواجهة للحدائق والبحر. كان الإيطاليون يأتون من مناطق بعيدة كي يتطلعوا إلى النصب التذكاري للحرب. كان مصنوعًا من البرونز، وكان يتلألأ في المطر. كانت تمطر. كان المطر يتساقط من أشجار النخيل. وتجمعت المياه في برك على ممرات من الحصى. تولدت من البحر موجة طويلة في المطر، ثم انحسرَت عن الشاطئ لتتولد مرة أخرى موجةٌ طويلة في المطر. كانت السيارات قد اختفَت من الميدان المجاور للنصب التذكاري للحرب. وعلى الجهة المقابلة من الميدان عند مدخل المقهى، وقف نادلٌ وأخذ يتطلع إلى الميدان الفارغ.

وقفت الزوجة الأمريكية في النافذة تنظر منها إلى الخارج. وفي الخارج تحت نافذتهما تمامًا، ربضت قطة تحت إحدى الطاولات الخضراء التي يقطر منها الماء. كانت القطة تُحاول أن تنكمش بأكبر درجة ممكنة كي لا يصيبها ماء المطر.

قالت الزوجة الأمريكية: «سأنزل وأُحضر تلك القطة الصغيرة.»

عرَض الزوج من مكانه على السرير المساعدة قائلًا: «سأقوم أنا بذلك.»

«كلا، سأُحضرها أنا. القطة المسكينة تُحاول أن تحتميَ من الماء تحت طاولة.»

تابع الزوج القراءة وهو يستلقي مستندًا على الوسادتَين الموضوعتَين على الطرف السفلي من السرير.

تحدث قائلًا: «لا تُبلِّلي نفسك.»

نزلت الزوجة إلى الطابق السفلي ونهض مالك الفندق وانحنى لها عندما مرت بمكتبه. كان مكتبه يقع في أقصى طرف من الغرفة. كان رجلًا عجوزًا وطويلًا للغاية.

قالت الزوجة بالإيطالية: «إنها تُمطر.» كانت تُكنُّ الإعجاب لمالك الفندق.

هو أيضًا علَّق على حديثها بالإيطالية قائلًا: «أجل، أجل، يا سيدتي. الطقس سيئ.» ثم تابع: «الطقس سيئ للغاية.»

وقف خلف مكتبه في أقصى طرف من الغرفة المعتمة. كانت الزوجة تُكِن له الإعجاب. كانت تُعجبها جديته البالغة عند تلقي أية شكاوى. كان يعجبها وقاره. كانت تُعجِبها رغبته في خدمتها. كان يُعجبها شغفه بعمله. كان يُعجبها وجهه الجادُّ العجوز ويداه الكبيرتان.

فتحت الباب وتطلعَت إلى الخارج وهي لا تزال تُكنُّ له الإعجاب. كان المطر قد اشتد. وكان هناك رجل يرتدي رداءً من المطاط يعبر الميدان الخاليَ متجهًا إلى المقهى. ستكون القطة إلى جهة اليمين. ربما ستستطيع أن تسير تحت الأفاريز. وبينما كانت تقف على عتبة الباب، فُتِحت مِظلة من خلفها. لقد كانت الخادمة التي تعتني بغرفتهما.

ابتسمت وقالت بالإيطالية: «لا ينبغي أن تَبتلِّي.» لقد أرسلها مالك الفندق بالطبع.

وبينما كانت الخادمة تُمسِك بالمظلة فوق رأسها، سارت على ممرِّ الحصى إلى أن وصلت تحت نافذتِهما. كانت الطاولة موجودة، وقد غسلَها المطر فبدَت خضراءَ لامعة، لكن القطة قد اختفَت. أصابها الإحباطُ فجأة. تطلعَت إليها الخادمة.

وقالت بالإيطالية: «أفقَدتِ شيئًا يا سيدتي؟»

قالت الفتاة الأمريكية: «كانت هنا قطة.»

«قطة؟»

أجابتها بالإيطالية: «أجل، قطة.»

ضحكت الخادمة وقالت: «قطة؟ قطة تحت المطر؟»

أجابت قائلة: «أجل، تحت الطاولة.» ثم تابعت: «أوه، كم كنت أريدها! كنتُ أريد قطة صغيرة.»

حين تحدثت بالإنجليزية، انقبض وجه الخادمة.

تحدثت قائلة: «هيا يا سيدتي، يجب أن نعود إلى الداخل. سيُبلِّلك المطر.»

قالت الفتاة الأمريكية: «أظن ذلك.»

عادا سائرَين على ممر الحصى، ومرَّا من الباب. ظلت الخادمة بالخارج لكي تُغلِق المظلة. وبينما مرَّت الفتاة الأمريكية بغرفة المكتب، انحنى مالك الفندق من مكتبه. شعرت الفتاة بشيء صغير للغاية ينقبض بداخلها. لقد أشعرها مالكُ الفندق بأنها صغيرة للغاية، ومهمة للغاية في الوقت ذاته. انتابها شعورٌ لحظي بالأهمية الفائقة. صعدت على الدرج لأعلى. فتحت باب الغرفة. كان جورج يقرأ على السرير.

سألها وهو يضع الكتاب من يده: «هل أحضرت القطة؟»

«وجدتها قد ذهبت.»

تحدث وهو يُريح عينَيه من القراءة قائلًا: «عجبًا! أين عساها أن تكون قد ذهبت؟»

جلست على السرير.

ثم قالت: «لقد كنت أريدها بشدة. إنني لا أدري ما السبب في أنني كنت أرغب فيها بهذا القدر. كنت أريد تلك القطة الصغيرة المسكينة. ليس من الجيد أبدًا أن تكون مثل هذه القطة المسكينة في الخارج تحت المطر.» استأنف جورج القراءة.

نهضت عن السرير وجلست أمام مِرآة طاولة الزينة، وراحت تنظر إلى نفسها في مرآة اليد. فحصت منظرها الجانبي، جانبًا ثم الآخر. بعد ذلك فحصت خلف رأسها ورقبتها.

سألت وهي تُعيد النظر إلى منظرها الجانبي: «ألا تعتقد أنها ستكون فكرة جيدة إذا تركت شعري ينمو كي يصير طويلًا؟»

تطلع جورج إليها ببصره ورأى ظهر رقبتها وكان شعرها مقصوصًا كشعر صبي.

«إنه يُعجبني على هذه الحال.»

قالت: «لقد مللت منه بشدة. لقد مللت من أن أبدو كصبي.»

غيَّر جورج وضعيَّته على السرير. لم يكن قد حوَّل نظره عنها منذ أن بدأت في الحديث.

تحدث قائلًا: «إنك تبدين جميلة للغاية.»

وضعت المرآة على منضدة الزينة وسارت إلى النافذة وأطلت منها. كان الظلام قد بدأ في الحلول.

قالت: «أريد أن أضم شعري إلى الخلف مستويًا ومُحكَمًا في ربطة كبيرة أشعر بها على ظهري. أريد أن يكون لي قطة صغيرة تجلس على حجري وتموء حين أُملِّس فراءها.»

تحدث جورج من السرير قائلًا: «حقًّا؟»

«وأريد أن آكل على طاولة عليها أدواتي الفضية وأريد شموعًا. وأريد أن يحل الربيع وأريد أن أُصفِّف شعري بالفرشاة أمام المرآة وأريد قطة صغيرة وأريد ثيابًا جديدة.»

قال جورج: «يا إلهي! توقَّفي عن الحديث وابحثي عن شيء تقرئينه.» وعاد للقراءة ثانية.

كانت زوجته تطل من النافذة. كان الظلام قد حل بالفعل وكان المطر لا يزال يتساقط على أشجار النخيل.

تحدثت قائلة: «على أية حال، أنا أريد قطة. أريد قطة. أريد قطة الآن. إذا لم يكن باستطاعتي أن أحظى بشعر طويل أو بأي متعة، فيُمكنني أن أحظى بقطة.»

لم يكن جورج يستمع إليها. كان يقرأ كتابه. نظرَت زوجته من النافذة حيث أضاءت الأنوار في الميدان.

طرق شخصٌ على الباب.

قال جورج بالإيطالية: «ادخل.» ورفع بصره من الكتاب.

على عتبة الغرفة، وقفت الخادمة. كانت تحمل قطة كبيرة مُرقَّشًا فِراؤها بلون درع السلحفاة. كانت تضمُّها إليها وقد تدلَّت أمام جسدها.

قالت: «معذرة، لقد طلب مني مالك الفندق أن أحضر هذه القطة إليكِ سيدتي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١