الفصل السابع

بينما كان القصف يدكُّ الخندق في فوسالتا، استلقى متمددًا وهو يتعرَّق ويتضرَّع إلى يسوع المسيح قائلًا: يا يسوع المسيح، أخرجني من هنا. يا يسوع العزيز، أرجوك أن تُخرِجني. أرجوك أيها المسيح، أرجوك، أرجوك أيها المسيح. فقط إذا نجَّيتَني من القتل فقط، فسوف أفعل أي شيء تأمر به. إنني أُومِن بك، وسوف أخبر كلَّ مَن في العالم بأنك وحدك من يُهِم. أرجوك، أرجوك يا يسوع العزيز. انتقل القصف إلى نقطةٍ أبعدَ على خط النار. عدنا إلى العمل في الخندق، وأشرقت الشمس في الصباح، وكان اليوم حارًّا ورطبًا ومبهجًا وهادئًا. وفي الليلة التالية عند العودة إلى ميستري، لم يُخبر الفتاة التي صعد معها إلى الطابق العلوي في فيلا روسا عن يسوع. ولم يخبر أحدًا قط.

وطن جندي

ذهب كريبس إلى الحرب من كلية ميثودية في كانساس. ثمة صورةٌ يظهر فيها بين أصدقائه في الأخوية، وقد كانوا جميعًا يرتدون ياقة لها نفس الشكل والطول. انضم إلى قوات المارينز عام ١٩١٧، ولم يعد إلى الولايات المتحدة حتى عادت الفرقة الثانية من نهر الراين في صيف العام ١٩١٩.

ثمة صورة يظهر فيها على نهر الراين مع فتاتَين ألمانيتَين وعريف آخر. بدا كريبس والعريف أضخمَ من الزي العسكري الذي كانا يرتديانه. الفتاتان الألمانيتان ليستا جميلتَين. ونهر الراين لا يظهر في الصورة.

حين عاد كريبس إلى مدينته الأم في أوكلاهوما، كان استقبال الأبطال قد انتهى. لقد عاد متأخرًا للغاية. كان جميع رجال المدينة الذين أُرسِلوا إلى الحرب قد قُوبِلوا بالترحاب الشديد لدى عودتهم. لقد كان هناك قدرٌ كبير من الانفعال العاطفي. الآن قد هدأ رد الفعل. وبدا أنَّهم كانوا يظنون أنه من السخيف أن يعود كريبس في هذا الوقت المتأخر للغاية، بعد انتهاء الحرب بسنوات.

في بادئ الأمر، لم يرغب كريبس الذي شهد معاركَ بيلو وود وسواسون وشامبين وسان مييل وأرجون، في الحديث عن الحرب إطلاقًا. بعد ذلك شعر بالحاجة إلى الحديث، لكنَّ أحدًا لم يرغب في سماع شيء عنها. لقد سمع أهلُ مدينته الكثير والكثير من قصص الحرب الوحشية؛ فما كان من الممكن أن تُثيرهم الحقائق. وجد كريبس أنَّ عليه أن يكذب كي يجد آذانًا تستمع إليه أصلًا، وبعد أن فعل ذلك مرتَين، وجد أنه، هو أيضًا، لديه ردُّ فعل مُعادٍ للحرب ومُعادٍ للحديث عنها. كره كل ما حدث له في إطار الحرب بسبب الأكاذيب التي رواها. كل المرات التي كانت قادرة على منحه الشعور بالهدوء والصفاء من داخله حين كان يُفكِّر فيها — المرات البعيدة التي كان قد فعل فيها بسهولة وتلقائية، الشيء الوحيد؛ الشيء الوحيد الذي كان يمكن لرجل أن يفعله حين كان من الممكن أن يفعل شيئًا آخر — قد فقدت الآن روعتها وقيمتها الثمينة، ثم فُقِدت هي نفسها بعد ذلك.

كانت أكاذيبه هيِّنة إلى حد كبير، وقد تمثَّلَت في أنه كان يعزو لنفسه فعلَ أشياء قد رآها آخرون أو فعلوها أو سمعوا بها، وأنه كان يذكر أحداثًا مألوفة لجميع الجنود على أنها حقائق رغم أنها كان يُشك في صحتها. حتى أكاذيبه لم تكن مُثيرةً في قاعة البلياردو. إنَّ معارفه الذين سمعوا حكاياتٍ مفصلةً عن نساء ألمانيات كان يُعثَر عليهن مقيدات في المدافع الرشَّاشة في غابة أرجون، والذين لم يستطيعوا فَهْم إمكانية وجود رماة ألمان غير مقيَّدين في مدافعهم الرشاشة، أو منعهم حسهم الوطني من أن يهتموا بأمرهم؛ لم تُشوِّقهم قصصه.

صار كريبس يشعر بالتقزُّز تجاه التَّجارِب التي تنتج عن الكذب أو المبالغة، وحين كان يلتقي في بعض الأحيان برجل آخر كان جنديًّا بالفعل ويتحدثان لبضع دقائق في غرفة الملابس بإحدى حفلات الرقص، كان يتخذ مرة أخرى الوضعية البسيطة للجندي القديم بين الجنود الآخرين؛ وهي أنه يكون مرتعبًا للغاية وبشكلٍ مثيرٍ للغثيان طوال الوقت. وبهذه الحال، فقد كل شيء.

خلال هذا الوقت، كان الصيف في أواخره، وكان هو ينام في سريره حتى وقت متأخِّر، ثم يستيقظ ليذهب إلى وسط المدينة حيث المكتبةُ ليحضر كتابًا، ويتناول الغداء في المنزل، ثم يقرأ في الشُّرفة الأمامية إلى أن يمل ثم يسير عبر المدينة كي يقضي الساعاتِ الأشدَّ حرارة من اليوم في الظلام البارد في قاعة البلياردو. كان يُحب لعب البلياردو.

في المساء، كان يُمارس العزف على آلة الكلارينت الخاصة به، ويتمشى في وسط المدينة، ثم يقرأ ويذهب إلى النوم. كان ما يزال بطلًا في عيون أختَيه الصغيرتَين. وكانت أمه تُقدِّم له الإفطار في السرير لو أنه أراد ذلك. وكانت تأتي إليه كثيرًا وهو في السرير وتطلب منه أن يُحدِّثها عن الحرب، لكن انتباهها كان يتشتَّت دائمًا. أما والده، فكان لا يُبالي بشيء.

قبل أن يرحل كريبس إلى الحرب، لم يكن يُسمَح له إطلاقًا بقيادة سيارة الأسرة. كان والده يعمل في مجال العقارات، وكان يرغب في أن تكون السيارة متاحة له دائمًا حين يحتاج إليها ليصطحب الزبائن إلى الريف كي يعرض عليهم إحدى المزارع. كانت السيارة تقف دائمًا خارج مبنى فيرست ناشونال بانك، حيث كان والده يمتلك مكتبًا في الطابَق الثاني. والآن، بعد الحرب، كانت هي السيارة ذاتها.

لم يتغير شيءٌ في المدينة سوى أنَّ الفتيات الصغيرات قد كبرن. غير أنهنَّ كن يعشن في ذلك العالم المعقَّد من الصداقات المحددة بالفعل والعداوات المتغيرة، والذي لم يكن كريبس يمتلك الطاقة ولا الشجاعة لاقتحامه. كان يُحِب النظر إليهن بالرغم من ذلك. كان هناك الكثير جدًّا من الشابات الجميلات. وكانت الغالبية العظمى منهن قصيراتِ الشعر. حين رحل، كانت الفتياتُ الصغيرات أو المتمرِّدات فقط هن اللائي يُصفِّفن شعورهن بتلك الطريقة. كن جميعًا يرتدين السُّترات والقمصان النسائية ذات الياقات المستديرة الكبيرة. لقد كان ذلك نمطًا سائدًا. كان يُحِب النظر إليهن من الشرفة الأمامية وهن يَمشين على الجانب الآخر من الشارع. كان يُحِب النظر إليهن وهن يَسِرن تحت ظلال الأشجار. كان يحب الياقات المستديرة فوق ستراتهن. كان يُحِب جواربهن الحريرية وأحذيتهن المسطحة. كان يحب شعورهن القصيرة، وطريقة مِشيتهن.

حين كان في المدينة لم يكن إعجابه بهن قويًّا للغاية. لم يُعجَب بهنَّ حين رآهن في المتجر اليوناني للآيس كريم. لم يكن يرغب فيهن في حقيقة الأمر. كنَّ مُعقَّدات للغاية. كان ثمة شيء آخر. فعلى نحوٍ غامض، كان يرغب في أن يُصاحب فتاة، لكنه لم يكن يرغب في أن يُضطَر إلى السعي ليفوز بها. كان يحب أن تكون له فتاة، لكنه لم يكن يرغب في قضاء وقت طويل للحصول عليها. لم يكن يرغب في أن يدخل في مناورات ومؤامرات حتى يفوز بها. لم يكن يرغب في أن يُضطَر إلى مغازلتها على الإطلاق. لم يكن يرغب في ترديد المزيد من الأكاذيب. لم يكن الأمر يستحق.

لم يكن يرغب في أية عواقب. لم يكن يرغب في أية عواقب بعد ذلك على الإطلاق. كان يرغب في أن يعيش دون عواقب، ثم إنه لم يكن يحتاج إلى فتاة في حقيقة الأمر. لقد علمه الجيش ذلك. لم يكن هناك من بأس في أن تتظاهر بأنك تحتاج فعلًا إلى أن تكون لديك فتاة. كان الجميع تقريبًا يفعلون ذلك، لكنه لم يكن صحيحًا. إن المرء لا يحتاج إلى فتاة. إن ذلك هو الأمر الطريف. في البداية، يتباهى أحدهم بأنَّ الفتيات لا يعنين أي شيء له على الإطلاق، وبأنه لم يُفكِّر فيهنَّ قط، وبأنهنَّ لا يستطعن لمسه. وبعد ذلك، يتباهى بأنه لا يستطيع العيش دون الفتيات، وبأنه لا بد أن تكون له فتاة على الدوام، وبأنه لا يستطيع أن يخلد إلى النوم دون فتاة.

كل ذلك كذب. إنه كذب في الحالتَين. إنك لا تحتاج إلى فتاة ما لم تُفكِّر في الفتيات. لقد تعلَّم ذلك في الجيش. وعاجلًا أم آجلًا، سيكون لديك فتاة. وحين تكون مستعدًّا بالفعل لأن يكون لديك فتاة، ستعثر دائمًا على واحدة. أنت لا تحتاج إلى أن تفكر في الأمر. وعاجلًا أو آجلًا، سيتحقق الأمر. كان قد تعلم ذلك في الجيش.

الآن، كانت ستُعجبه أي فتاة إن أتت هي إليه ولم ترغب في الحديث، لكن هنا في الوطن، كان الأمر كله معقَّدًا للغاية. كان يعرف أنه لن يستطيع أن يخوض التجرِبة كلها مرة أخرى. لم يكن الأمر يستحق العناء. كانت تلك هي ميزة الفتيات الفرنسيات والألمانيات. لم يكن هناك كلُّ هذا الكلام. لم تكن تستطيع أن تتكلم كثيرًا ولم تكن تحتاج إلى الحديث. سوف تصبحان صديقين بمنتهى البساطة. راح يُفكِّر في فرنسا، ثم بدأ يفكِّر في ألمانيا. وعلى وجه العموم، كانت تُعجِبه ألمانيا أكثرَ. لم يكن يرغب في أن يُغادر ألمانيا. لم يكن يرغب في العودة إلى الوطن. بالرغم من ذلك، فقد عاد إلى الوطن. كان يجلس في الشرفة الأمامية.

أعجبته الفتيات اللائي كن يَسِرن على الجانب الآخر من الشارع. أعجبه شكلهن بدرجة أكبر كثيرًا من إعجابه بشكل الفرنسيات أو الألمانيات. غير أنَّ العالم اللائي كنَّ يَعِشن فيه، لم يكن هو العالمَ الذي كان يعيش فيه. كان لِيرغب في أن يصاحب فتاة منهن، لكنَّ الأمر لم يكن يستحق. لقد كن يُمثِّلن نمطًا جميلًا. أعجبه النمط. كان مثيرًا، لكنه لم يكن ليخوض كل هذا الحديث. لم يكن يحتاج إلى فتاة بالدرجة التي تدفعه إلى ذلك. غير أنه كان يحب أن ينظر إليهن جميعًا. لم يكن الأمر يستحق. ليس الآن وقد بدأت الأمور تتحسَّن ثانية.

جلس هناك في الشرفة يقرأ كتابًا عن الحرب. كان كتابًا في التاريخ وكان يقرأ عن جميع الاشتباكات التي اشترك فيها. كانت تلك تجربة القراءة الأكثر إثارة بالنسبة إليه على الإطلاق. وتمنى لو أنه كان هناك المزيدُ من الخرائط. كان يتطلع بشدةٍ لقراءة جميع كتب التاريخ الجيدة حين تتوفر بها خرائطُ مفصَّلة رائعة. الآن، كان يتعرف على حقائق الحرب حقًّا. فقد كان جنديًّا جيدًا. وقد شكَّل ذلك فرقًا.

ذات صباح بعد شهر من عودته إلى البيت، دخلت أمه إلى غرفة نومه وجلست على السرير. ثم سوَّت مئزرها.

وقالت: «لقد تحدثت مع أبيك الليلة الماضية يا هارولد، وهو يُوافق على أن تخرج بالسيارة في المساء.»

قال كريبس الذي لم يكن قد استفاق بالكامل بعدُ: «حقًّا؟ أخرج بالسيارة؟ حقًّا؟»

«أجل. يرى أبوك منذ فترة أنه ينبغي لك أن تتمكن من الخروج بالسيارة في المساء متى رغبت، لكننا لم نتحدث في الأمر سوى الليلة الماضية.»

قال كريبس: «أراهن أنكِ قد دفعتِه إلى ذلك.»

«كلا، لقد كان أبوك هو مَن اقترح أن نتحدث في الأمر.»

جلس كريبس في السرير وقال: «أجل، أُراهن أنكِ قد دفعته إلى ذلك.»

سألت أمُّه: «هل ستنزل لتناول الإفطار يا هارولد؟»

قال كريبس: «حالما أرتدي ملابسي.»

خرجت أمُّه من الغرفة وكان بإمكانه أن يسمع أنها كانت تقلي شيئًا في الطابق السفلي، بينما اغتسل هو وحلق وارتدى ملابسه لكي ينزل إلى غرفة الطعام لتناول الإفطار. وبينما كان يأكل، أحضرت أخته البريد.

تحدثت إليه قائلة: «حسنًا يا هير. أيها الناعس العجوز. لمَ تستيقظ أصلًا؟»

نظر كريبس إليها. كان يحبها. لقد كانت أخته الأقرب إليه.

سألها: «هل أحضرتِ الجريدة؟»

أعطته جريدة «ذا كانساس سيتي ستار»، ونزع هو عنها الغلاف البنيَّ وفتحها على صفحة الرياضة. طوى الجريدة وهي مفتوحة وأسندها إلى إبريق الماء، ثم ثبَّتها بطبق حبوب الإفطار حتى يستطيع أن يقرأ وهو يتناول الطعام.

تحدثت إليه أمه وهي تقف على عتبة المطبخ: «هارولد، من فضلك يا هارولد لا تُفسِد ترتيب الجريدة. إنَّ والدك لا يستطيع أن يقرأ الجريدة إن لم تكن مُرتَّبة.»

قال كريبس: «حسنًا، لن أُفسِد ترتيبها.»

جلست أخته على الطاولة وراحت تُشاهده وهو يقرأ.

تحدثت قائلة: «سوف نلعب البيسبول في المدرسة هذا العصر. وأنا سوف أرمي الكرة.»

قال كريبس: «حسنًا، كيف حال الجناح القديم؟»

«إنني أستطيع الرمي أفضل من معظم الصبيان. إنني أخبرهم جميعًا أنك علمتني. الفتيات الأخريات لسن بارعاتٍ مثلي.»

قال كريبس: «حقًّا؟»

«إنني أخبرهم جميعًا أنك حبيبي. ألست حبيبي، يا هير؟»

«بالتأكيد.»

«ألا يمكن أن يكون أخي هو حبيبي أيضًا فقط لأنه أخي؟»

«لا أعرف.»

«أنت بالطبع تعرف. ألا يمكن أن تكون حبيبي يا هير إذا كنت كبيرة بما يكفي، وإذا رغبت أنت؟»

«بالتأكيد. أنت فتاتي الآن.»

«هل أنا فتاتك حقًّا؟»

«بالتأكيد.»

«أتحبني؟»

«أجل.»

«هل ستُحبُّني دومًا؟»

«بالتأكيد.»

«أتأتي لكي تُشاهدني وأنا ألعب البيسبول؟»

«ربما.»

«أف يا هير. إنك لا تُحبني. إذا كنت تحبني حقًّا، كنت سترغب في أن تأتي لكي تُشاهدني وأنا ألعب البيسبول.»

أتت والدة كريبس إلى غرفة الطعام من المطبخ. كانت تحمل طبقًا به بيضتان مقليتان وبعض اللحم المقدَّد المقرمش، وطبقًا به بعض الكعك المصنوع من الحنطة السوداء.

قالت: «اذهبي أنتِ الآن يا هيلين. أريد أن أتحدث إلى هارولد.»

وضعت طبق البيض واللحم المقدد أمامه، وأحضرت إبريقًا من شراب القيقب من أجل كعك الحنطة السوداء، ثم جلست على الطاولة أمام كريبس.

قالت: «أرجو أن تترك الجريدة لدقيقة يا هارولد.»

أنزل هارولد الجريدة وطواها.

سألته أمه وهي تخلع نظارتها: «هل قرَّرت ماذا ستفعل بعد ذلك يا هارولد؟»

أجاب كريبس: «كلا.»

«ألا تظن أنَّ الوقت قد حان لذلك؟» لم تقل أمه ذلك بطريقة خبيثة، بل بدت قلقة.

قال كريبس: «لم أُفكِّر في الأمر.»

قالت أمه: «إنَّ الرب يُخصِّص لكل فرد عملًا. ما من يد عاطلة في مُلكه.»

قال كريبس: «لست في مُلكه.»

«إننا جميعًا في مُلكه.»

شعر كريبس بالحرج والحنَق مثلما يشعر على الدوام.

تابعَت أمُّه حديثها: «لقد كنت أشعر ببالغ القلق عليك يا هارولد. أعرف الإغراءات التي لا بد أنك قد تعرَّضت لها. وأعرف مدى ضعف الرجال. أعرف ما قاله جدُّك العزيز، والدي، عن الحرب الأهلية، وقد كنت أصلي لأجلك. إنني أُصلي لأجلك طوال اليوم يا هارولد.»

نظر كريبس إلى دهن اللحم المقدَّد المتصلِّب على طبقه.

تابعت أمه حديثها: «إنَّ أباك قلق أيضًا. إنه يظن أنك قد فقدت طموحك، وأنه لم يعد لك هدف محدَّد في الحياة. تشارلي سيمونز الذي يُضاهيك سنًّا لديه وظيفة جيدة وسوف يتزوج. لقد استقر جميع الفتيان، وخطَّطوا لتحقيق هدفٍ معيَّن، يُمكن للمرء أن يرى أنَّ شبابًا مثل تشارلي سيمونز في طريقهم لأن يكونوا حقًّا فخرًا للمجتمع.»

لم يقل كريبس شيئًا.

قالت أمه: «لا تنظر تلك النظرةَ يا هارولد. إنك تعرف أننا نُحبُّك وأنا أريد أن أخبرك بحقيقة الوضع لصالحك. لا يريد أبوك أن يُقيِّد حريتك. هو يرى أنه يجب السماح لك بقيادة السيارة. إذا كنت ترغب في أن تصطحب فيها بعض الفتيات الجميلات، فسوف يسرنا ذلك للغاية. إننا نريدك أن تستمتع بوقتك، لكن ينبغي عليك أن تستقرَّ في عمل يا هارولد. أبوك لا يهتمُّ من أي درجة تبدأ. العمل كله شريف مثلما يقول، لكن عليك أن تبدأ في عملٍ ما. لقد طلب مني أن أُحدِّثك هذا الصباح، ويُمكِنك بعد ذلك أن تمر عليه في المكتب للقائه.»

قال كريبس: «أذلك كل شيء؟»

«أجل. ألا تُحِب أمك يا ولدي العزيز؟»

قال كريبس: «لا.»

نظرت أمه إليه عبر الطاولة. كانت عيناها تلتمعان. وقد بدأت في البكاء.

قال كريبس: «أنا لا أحب أحدًا.»

لم يكن هناك من فائدة. لم يستطع أن يُخبِرها، ولم يستطع أن يجعلها تفهم. لقد كان من السُّخف أن يقول ذلك. لم يفعل شيئًا سوى أنه جرحها. ذهب إليها وأمسك بذراعها. كانت تبكي وهي تدفن رأسها في يدَيها.

تحدث إليها قائلًا: «لم أكن أعني ذلك. كنت غاضبًا فقط من شيء ما. لم أعنِ أنني لا أحبك.»

استمرَّت أمه في البكاء. وضع كريبس يده على كتفها.

وقال: «ألا تُصدِّقينني يا أمي؟»

هزت أمه رأسها.

«أرجوكِ، أرجوكِ يا أمي. أرجوكِ أن تُصدِّقيني.»

تحدثت أمه بصوتٍ مختنق: «حسنًا.» تطلَّعَت إليه بوجهها وقالت: «أُصدِّقك يا هارولد.»

طبع كريبس قُبلة على شعرها. ورفعت هي وجهها إليه.

تحدَّثت إليه قائلة: «إنني أمك. لقد حملتك بجوار قلبي وأنت طفل صغير للغاية.»

شعر كريبس بالاشمئزاز والغثيان على نحو غامض.

قال: «أعرف يا أمي. سأُحاول أن أكون ولدًا صالحًا من أجلك.»

سألته أمه: «هلا ركعت وصلَّيت معي يا هارولد؟»

ركعا بجوار طاولة غرفة الطعام، وصلت أم كريبس.

قالت: «والآن، فلتُصلِّ أنت يا هارولد.»

قال كريبس: «لا أستطيع.»

«حاول يا هارولد.»

«لا أستطيع.»

«أتُريدني أن أُصلِّي من أجلك؟»

«أجل.»

صلَّت أمه من أجله، ثم وقفا وقبَّل كريبس أمه وخرج من المنزل. لقد حاول بقوة أن يُبقِيَ حياته خاليةً من التعقيد. وحتى الآن، لم يَمسَّه شيء منه. لقد شعر بالأسى تجاه أمه وقد دفعَته إلى الكذب. كان سيذهب إلى مدينة كانساس ويحصل على وظيفة، وستكون هي راضيةً عن ذلك. كانت ستَحدث جلَبةٌ أخرى على الأرجح قبل أن يرحل. لن يذهب إلى مكتب أبيه. سيتجاهل الأمر هذه المرة. كان يريد لحياته أن تسير بسلاسة. وكانت قد بدأت للتوِّ تسير بتلك السلاسة. حسنًا، كان كل ذلك قد انتهى الآن على أية حال. كان سيذهب إلى فناء المدرسة ويُشاهد هيلين وهي تلعب البيسبول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠