حسني علَّام

فريكيكو .. لا تلمني.

وجه البحر أسود محتقن بزُرقة. يتميَّز غيظًا. يكظم غيظه. تتلاطم أمواجه في اختناق. يغلي بغضبٍ أبديٍّ لا مُتنفَّس له.

ثورة. لِمَ لا؟ كي تُؤدِّبكم وتُفقركم وتُمرِّغ أنوفكم في التراب. يا سلالة الجواري، إني منكم وهو قضاء لا حيلة لي فيه. وقد عرفتني ذات العين الزرقاء بقولها: «غير مثقَّف، والمائة الفدَّان على كفِّ عفريت.» وقبعت تنتظر ثورًا آخر.

الكورنيش لا يُرى من شرفة سيسل. إن لم أنحنِ فوق السور فلا سبيل لرؤيته. البحر يمتدُّ مباشرة كأنما أراه من سفينة. وهو يترامى حتى قلعة قايتباي محصورًا بين سياج الكورنيش وذراعٍ حجريٍّ يضرب في الماء كالغول. بينهما يختنق البحر. يتلاطم موجه في تثاقل وهو كظيم. بوجه أسود ضارب للزُّرقة مُنذِر بالغضب. يضطرم بباطن محشوٍّ بأسرار الموت ونفاياته.

أمَّا الغرفة فتنطبع بسَحْنة كلاسيكيَّة. تُذكِّرني بسراي آل علَّام بطنطا؛ لذلك أضيق بها. وقد غرب مجد الريف وجاء عصر الشهادات يحملها أبناء السفلة. حسن، لتكن ثورة. ولتدكَّكم دكًّا. إني أتبرَّأ منكم. سأنشئ عملًا. أتبرَّأ منكم يا فُتات العصور البالية.

فريكيكو .. لا تلُمْني.

•••

ذات يوم — ومحمد النوبي يقدِّم لي الإفطار في الحجرة — خطر لي أن أقول له: كم أشعر بالضجر في فندقكم العظيم!

عادة قديمة لي أن أُقيم عَلاقاتٍ طيِّبةً مع خدم الفنادق التي أنزل بها، بالمؤانسة والسخاء، لحين الحاجة إليهم! وإذا بالرجل يسألني: هل تقيم في الإسكندرية مُدَّةً طويلة؟

– جدًّا!

– أليست الإقامة في بنسيون معقول أفضل لك في تلك الحال؟

نظرت إليه مستطلعًا، فقال: هناك بنسيون نظيف ومعقول. ستجد فيه تسلية أكثر ونفقات أقل، ولكن ليكن ذلك سرًّا بيننا.

ظريف ومفيد وخائن. يخدم في جهة ويعمل لحساب أخرى ككثيرين من مواطنيَّ الأعزَّاء. وحقٌّ أنَّ للبنسيون جوًّا عائليًّا حميمًا، وهو أنسب لمن يفكِّر في مشروع جديد. وهل ساقني إلى سيسل إلَّا عادة قديمة متأصِّلة وكبرياء لم يُخفَّف من غُلَوائه بعد!

•••

فُتحت شُرَّاعة الباب عن وجه جميل. أجمل ممَّا يليق بخادمة. أجمل ممَّا يليق بسيدة. يا لها من شابَّة مليحة. وسوف تعشقني من النظرة الأولى.

– نعم؟

فلَّاحة؟ عجبًا. ليُدفن سيسل في جوف الأمواج السوداء.

– من طرف محمد كامل بفندق سيسل.

أجلستني في المدخل ومضت إلى الداخل. جعلت أنظر إلى الصور كمقدِّمة لمعرفة أصحابها. مَن هذا الضابط الإنجليزي؟ ومَن الحسناء المتَّكِئة على ظهر الكرسي؟ جميلة ومثيرة. ولكنها قديمة، موضة الفستان تقطع بأنها كانت معاصرةً للعذراء.

وجاءت عجوز مضيئة مُذهَّبة. صاحبة البنسيون بلا ريب. الطراز الكامل لقوَّادة إفرنجيَّة متقاعدة. أو غير متقاعدة كما أرجو. وتلك صورتها قبل أن يخربها الزمن. ها هي الأمور تتَّضح. لقد ترجم محمد كامل شكواي من الضجر بلغته الخاصَّة. وخيرًا فَعَل. وكلما توفر الترفيه تهيَّأ الجوُّ للتفكير في المشروعات الجديدة.

– حجرة خالية يا مدام.

– كنت تقيم في سيسل؟

بهرها ذلك بلا شك. تمنَّيت أن ترجع إلى الوراء أربعين عامًا. وأجبت بالإيجاب، فسألت: كم يومًا؟

– على الأقل شهر، وقد يمتدُّ عامًا.

– إلَّا أشهر الصيف فلا بُدَّ من اتفاق خاص.

– ليكن …

– طالِب؟

– من الأعيان.

جاءت بالسجل وهي تسألني عن اسمي، فقلت: حسني علَّام.

غير مثقَّف وذو مائة فدَّان على كفِّ عِفْريت، وسعيد الحظ لأنه لم يعرف الحبَّ الذي يتغنَّى به المطربون.

•••

حجرة مقبولة بنفسجيَّة الجدران. ها هو البحر يترامى في زرقة صافية حتى الأفق. ونسائم الخريف تلاعب الستائر، وفي السماء قطعان مبعثرة من السحائب. التفتُّ نحو الفلَّاحة وهي تفرش السرير بالمُلاءات والأغطية. جسمها قوي رشيق مفصَّل المحاسن، وإن صدق ظنِّي فهي لم تحبَل، ولم تُجهِض بعد. على أي حال، من المستحسن أن أتأنَّى حتى أُحيط بأسرار المكان.

– اسمك يا حلوة؟

أجابت بوجه جاد: زهرة.

– عاش مَن سمَّى.

شكرتني برأسها وبلا ابتسامة.

– يوجد في البنسيون نزلاء آخرون؟

– رجلان وشاب مثل حضرتك.

– وأي اسم أختار لك للدلاعة؟

أجابت بأدب ودون تشجيع: اسمي زهرة.

جادة أكثر مما يليق. سوف تكون زينة أيِّ شقَّة أستأجرها في المستقبل. وهي أجمل من قريبتي الحمقاء التي قرَّرت أن تختار عريسها على ضوء الميثاق.

فريكيكو .. لا تلمني.

•••

– أأنت جادٌّ فيما تقول؟

– طبعًا يا عزيزتي.

– ولكنَّك في رأيي لا تعرف الحب.

– أريد أن أتزوَّج كما ترين.

– يُخيَّل إليَّ أنك لا يمكن أن تحبَّ.

– أريد أن أتزوَّج منكِ، ألا يعني هذا أنني أحبُّك؟

ثم قلت وأنا أراوغ الغيظ والغضب: وإني كُفء للزواج، أليس كذلك؟

بعد تردُّد قالت: ما قيمة الأرض الآن؟

حمَّلت نفسي مسئولية الموقف المهين ثم مضيت وأنا أقول: سأترككِ لتفكِّري في هدوء.

•••

على مائدة الإفطار تمَّ التعارف بيني وبين النزلاء الآخرين. عامر وجدي صحفي متقاعد في الثمانين على أقل تقدير، نحيل مع ميل إلى الطول، وذو صحة يُحسَد عليها، ووجهه المتجعِّد الغائر العينين البارز العظام لم يدع للموت شيئًا يلتهمه. كرهت منظره، وعجبت كيف يبقى حيًّا على حين تهلِك أجيال من الشباب كلَّ يوم.

طلبة مرزوق لم يكن بالغريب عليَّ. وقد عَلَّقَ عمِّي ذات يوم بعطف على وضعه تحت الحراسة، ولكني لم أشِرْ إلى ذلك بطبيعة الحال. كنَّا وما زلنا نتابع أخبار الحراسة بشغف شهواني مخيف كأفلام الرعب. وقد سألني: مِن آل علَّام بطنطا؟

أجبت بالإيجاب، وبسرور خفي، فقال: عرَفتُ والدك. كان مزارعًا ممتازًا.

ثم التفت إلى عامر وجدي — وكان يغادر المائدة — وقال ضاحكًا: ولم يقع — رحمه الله — طويلًا تحت تأثير المهرِّجين.

ولمَّا أدرك أنني لم أفهم ما يعنيه قال: أقصد الوفديِّين.

فقلت بعدم اكتراث: مدى علمي أنه كان وفديًّا عندما كانت البلاد كلُّها وفديَّة.

أمَّن على قولي، ثم عاد يسألني: أظن لك إخوة وأخوات؟

– أخي قنصل بإيطاليا، وأختي زوجة لسفيرنا في الحبشة.

فتحرَّك شدقاه حركة راقصة ثم سألني: وأنت؟

كرهته في تلك اللحظة حتى ودِدْتُ له الموت غرقًا أو حرقًا، ولكنني أجبت باستهانة: لا شيء.

– ألا تزرع أرضك؟

– إنها مؤجَّرة كما تعلم ولكنِّي أفكِّر في إنشاء عمل جديد.

كان يتابعنا سرحان البحيري — النزيل الثالث ووكيل حسابات شركة الإسكندريَّة للغزل — وكذلك المدام العجوز. وسألني سرحان: أي عمل؟

– لم أستقرَّ على رأي بعد.

– أليس الأضمن أن تبحث لك عن وظيفة؟

كرهته في تلك اللحظة هو الآخر. به لهجة ريفيَّة خفيفة لصقت به كرائحة طعام في إناء لم يُحسَن غسلُه. وهو حيوان لا يَسَع مرفت أن تَصِمَه بأنه غير متعلِّم أو غير مثقَّف. وإذا سوَّلت له نفسه أن يسألَني عن شهادتي فسأقذفه بقدح الشاي.

•••

– من أين جاءك هذا الحماس للثورة؟

– هذا ما أعتقده يا عمي.

– لا أصدِّقك.

– بل صدِّقني بلا تردُّد.

ضحك ضحكة فاترة وقال: الظاهر أن اعتذار مرفت قد أطاح بعقلك.

فقلت باستياء: الزواج كان فكرة عابرة.

فقال باستياء أيضًا: رحِمَ الله والدك، أورثك عناده دون حكمته!

•••

وكم أغراني الغيظ بالهجوم على الثورة مُمثَّلةً في شخص سرحان المنتفعِ بها بلا شكٍّ، ولكني لم أستسلم للتهوُّر. وسألتني المدام العجوز: لمَ لا تحدثنا عن مشروعك؟

– لم أجده بعد.

– إذن فأنت غني؟

ابتسمتُ بثقة دون أن أجيب فراحت تنظر إليَّ باهتمام.

•••

غادرت البنسيون أنا وسرحان فحملَنا المصعد معًا. جعل ينظر إليَّ بعينين باسمتَين داعيتَين إلى مزيد من التعارف، فخفَّ سخطي عليه درجات. وقال وكأنه يصحِّح خطأه دون شعور منه: الوظيفة اليوم أضمن ممَّا عداها، ولكن العمل الحر إذا اختير بحكمة …

تركنا المصعد قبل أن يُتمَّ جملته ولكن لهجته المؤيِّدة أغنت عن الكلام. وافترقنا فمضى نحو محطَّة الترام، ومضيت نحو الجراج. مررت أمام مقهى الميرامار القائم أسفل العِمارة فتذكَّرت جلوسي به مع عمِّي في الأيام الخالية، وقبل وقوع الكارثة. كان يذهب إليه في الأصائل ليدخِّن النارَجيلة، فيجلس متلفِّعًا بعباءته الخفيفة كملك متنكِّر في ثياب العامَّة، يتوسط مجموعة من الشيوخ والنوَّاب والأعيان! أجل تلك أيام خلت، ولكنه يستحقُّ أكثرَ مما حاق به.

استقللت سيارتي الفورد بلا هدف معيَّن سوى رغبتي الأبديَّة في التَّجوال والسرعة. وقلت لنفسي إنه من المستحسن ألَّا أنبذ سرحان البحيري؛ فقد أجد نفعًا في خبرته ومعارفه بالمدينة. وانطلقت بالسيارة إلى الأزاريطة فالشاطبي فالإبراهيمية إلخ، في سرعة خاطفة استجابت لها أعصابي المتوثِّبة. اخترقت هواء نشيطًا لطيفًا مُنْعِشًا تحت سماء ظلَّلها الغمام. وبدا الكورنيش المحفوف بزُرقة البحر نظيفًا نقيًّا، قد تطهَّر من عرق المصيِّفين وصخبهم، وقلت بتصميم لن أعود إليك يا طنطا إلَّا لأقبض نقودًا أو لأبيع أرضًا، فلتذهبي بذكرياتك إلى الجحيم.

مِلت إلى مستعمرة السيوف ثم مرقت إلى شارع أبي قير، سيد الشوارع، فازددت سرعة وطربًا وتحدِّيًا. وتساءلتُ بأسًى: أين الأوروبيَّات .. أين الجمال .. أين سبائك الذهب؟ وحضرت الحفلة الصباحيَّة بسينما مترو. غازلت فتاة في الاستراحة أمام البوفية. تناولنا الغداء في عمر الخيَّام. نمنا القيلولة معًا في مسكنها بالإبراهيمية. عدت إلى البنسيون عصرًا وقد نسيتُ اسمها تمامًا. كان المدخل والصالة خاليَيْن فأخذت دُشًّا، وتحت الماء تذكَّرتُ الفلَّاحة المليحة. ولمَّا عدت إلى حجرتي طلبت قدح شاي لأراها من جديد. وقدَّمتُ لها قطعة شيكولاتة فتردَّدَت، ولكني ألححت عليها قائلًا: كيف لا ونحن أسرة واحدة!

وجعلتُ أنظر إليها بسرور وهي تنظر إليَّ بلا ارتباك أو تنظر إلى الأرض. خائفة؟ .. ماكرة؟

– زهرة، هل يوجد مثلك كثيرات في الريف؟

قالت متجاهِلةً مَقْصِدي: لا عدَّ لهنَّ ولا حَصْر.

– ولكن كم منهنَّ جميلة مثلك؟

فشكرت لي هدية الشيكولاتة وذهبت خائفة؟ ماكرة؟ على أيِّ حال، لستُ بحاجة إليها الآن. ومن حقِّها شيءٌ من التمنُّع والدلال. ومن حقِّها كذلك أن أعترفَ بأنها فائقة الجمال.

فريكيكو .. لا تلُمْني.

•••

نظرت طويلًا إلى صورة المدام القديمة حتى ضحكت متسائلة: تُعجبك؟

وقصَّت عليَّ قصة زواجها الأول، ثم الثاني.

– كيف تراني الآن؟

فقلت وأنا أرى عروق معصمها النافرة وبشرتها المتكاثفة كقشرة السمكة: جميلة كما كنت!

فقالت بتسليم: المرض كبَّرني قبل الأوان.

ثمَّ بلا تمهيد: ولكن هل من الحكمة أن تجازف بنقودك في مشروع جديد؟

– لا بأس بذلك أبدًا.

– وإذا استولت عليه الحكومة؟

– توجد أعمال مضمونة.

خمَّنْتُ أنها تتردَّد في زحزحة البلاطة فقلت معابثًا: ما أجمل أن نشترك معًا في عمل مثمر!

تظاهرت بالدهشة وقالت ضاحكة: أنا! .. أوه .. البنسيون لا يجيء إلا بالكفاف!

وانضمَّ إلى مجلسنا قلاوون الصحافة. جاء متدثِّرًا في روب سميك. ووجدته بشوشًا رغم شيخوخته الكريهة. وقال كمن يُعلِّق على حالي وحاله: الشباب يبحث عن المغامرة، الشيخوخة تنشد السلامة.

تمنيت له صحَّة طيِّبة فسألني: أجئت الإسكندريَّة من أجل المشروع؟

فأجبته بالإيجاب، فعاد يسأل: وهل أنت جادٌّ في سعيك؟

– لقد ضِقْتُ بالفراغ.

فردَّد قائلًا:

إنَّ الشَّبابَ والفراغَ والجِدَةْ
مَفْسَدةٌ للمرءِ أيُّ مَفْسَدةْ

ولكنِّي أكره الشعر كما أكره سيرة الشهادات. وشعرت باستعلاء فارس تُركماني يعيش بين رعاع. حق قد صقل الحظ بعضهم. نفس الحظِّ الذي ينفخ شمعتنا لتنطفئ. وقلت لنفسي إنَّ الثورة ظاهرة غريبة مثل الكوارث الطبيعية. وإنني كمن يستقلُّ سيارة فارغة البطاريَّة.

وإذا بشابٍّ جديد يظهر من وراء البارفان متجهًا نحو الباب الخارجي فدعته المدام للجلوس وقدَّمته إلينا قائلة: مسيو منصور باهي.

مذيع في محطة الإسكندرية. شهادة عالية جديدة، ووجه وسيم دقيق، ولكنه خِلْوٌ من الرجولة. وهو أيضًا من الرعاع المصقولين. وفي تحفُّظه ما يُغري بلكمه. وقد سألت المدام بعد ذهابه: نزيل عابر أم مقيم؟

فقالت بتيهٍ: مُقيم يا عزيزي، أنا لا ينزل عندي العابرون.

ورجعت زهرة من الخارج بحافظة من البلاستيك مُثقَلة بالبقالة. تابعتها وهي تمضي بنهم. البلد مكتظَّة بالنسوان، ولكن البنت مثيرة لغرائزي.

فريكيكو .. لا تلمني.

•••

– أخيرًا وقعت في الحب؟

– طانط .. لا حب ولا هُيام .. لكنها فتاة ممتازة .. ومن لحمي ودمي .. وأنا أريد أن أتزوج.

– على أي حال فأنت شاب تتمناك أيُّ فتاة.

•••

ليلة أم كلثوم متوَّجة حتى في بنسيون ميرامار. أكلنا وشربنا وضحكنا. خُضنا في كلِّ موضوع حتى في السياسة. لكن الخمر نفسها لم تستطع أن تقهر عاطفة الخوف. صال عامر وجدي وجالَ فحكى على الربابة أساطير مجد لا شاهد عليها إلَّا ضميرُه. صمَّم الرجل الخرِب على إقناعنا بأنه بطل قديم، وإذن فلا يوجد إنسان عادي في هذه الدنيا اللعينة. كذلك لا يوجد فرد واحد غير متحمِّس للثورة. حتى طلبة مرزوق، حتى حضرتي. علينا بالحذر. سرحان منتفع ومنصور غالبًا مُرشد، حتى العجوز فمن يدري، والمدام نفسها لا يبعد أن تكلِّفها جهات الأمن بنوع من المراقبة. ولمَّا جاءتني زهرة بزجاجة صودا سألتها: وأنت يا زهرة .. تُحبِّين الثورة؟

فقالت المدام: أوه .. انظر إلى الصورة المعلَّقة في حجرتها!

هل أعتبر ذلك إذنًا بالتسلُّل إلى الحجرة؟ ورغم أن الويسكي صَهَرَنا في بوتقة أُلفة حميمة إلَّا أنني شعرت بأنها عابرة، وستظلُّ عابرة. لن تقوم صداقة حقيقية بيني وبين سرحان أو منصور. مودَّة عابرة ستمضي كما مضت البنت التي التقطتها من بوفيه مترو. وقلت لنفسي إنَّ عليَّ أن أجد عملًا أُفرغ فيه طاقتي وأملأ به وقتي، وإلَّا تعرَّضتُ لأن أرتكب حماقةً خرقاءَ أو جريمةَ قتلٍ تناسب المقام. ومن المُسلَّم به أنني سأبقى عازبًا إلى الأبد كي لا أرتطمَ بلفظة «لا» مرَّة أخرى، ولأنه لن توجد الفتاة الكفء لي في مجتمعنا النامي. يمكن بعد ذلك أن أعتبر جميع النساء حريمًا متنقِّلًا لمزاجي، إلى خادمة ممتازة لملء فراغ شقَّتي المستقبلة؛ خادمة مثل زهرة، بل هي زهرة بالذات. وسوف ترحِّب بذلك بكلِّ امتنان. ستمارس مهنة ست البيت مع الإعفاء من متاعب الحمل والولادة والتربية. وهي جميلة، وسوف تروِّضها حقارة أصلها على تحمُّل نزواتي وغرامياتي اللامتناهية. وإذن فالحياة مقبولة رغم كل شيء، وواعدة بمسرَّات لا بأسَ بها.

وبالغ سرحان في حَكْيِ النوادر حتى سقطت قلوبنا من الضحك. ومنصور قد ينفجر ضاحكًا ثم سرعان ما يتقهقر إلى قوقعته.

•••

اسمعوا … اقرءوا … هذا حكم بالإعدام … هل يقف الإنجليز مكتوفي الأيدي حتى تجتاحَنا الشيوعية!

•••

بدأ الغناء. بدأ السماع. كالعادة شملني توتُّر. أجل، إني أستطيع أن أتابع مقطعًا أو مقطعَين ثم يدركني التشتُّت والملل. ها هم يهيمون في الطَّرَب. وها أنا أغرق في وحدة. والذي أدهشني حقًّا أنَّ المدام تحبُّ أمَّ كلثوم كالآخرين. ولعلَّها لاحظت دهشتي فقالت: سمعتها عمرًا طويلًا.

وراح طلبة مرزوق يستمع بعمق، ثمَّ مال إلى أذني هامسًا: من نِعَم الله أنهم لم يصادروا أُذنيَّ!

أما قلاوون فقد أغمض عينيه وراح يسمع أو راح في سبات. استرقت النظر إلى زهرة فوق مقعدها عند البارفان. جميلة حقًّا ولكن هل تسمع؟ فيم تفكِّر؟ أي أمل يراودها؟ هل تحيِّرها الحياة كما تحيِّرنا؟ ومضت بغتة إلى الداخل والجميع بالطرب سكارى، فقمت إلى الحمَّام لألتقيَ بها في الطرقة، داعبت ضفيرها وهمست: لا شيء أجمل من الطَّرَب إلَّا وجهك.

جَفَلت في صلابة فتقدمتُ منها لأضمَّها إلى صدري، ولكني توقَّفت أمام نظرة باردة منذرة.

– طال انتظاري يا زهرة!

تراجعت بخفَّة ثم ذهبت إلى مقعدها. حسن. في سراي علَّام بطنطا عشرات من أمثالك، ألا تفهمين؟ أم ترين ثقافتي دون الكفاية يا روث الجاموسة؟ رجعت إلى مجلسي. وبتأوُّهاتٍ مُفتعِلةٍ إعجابًا بغناء لا أتابعه داريتُ غيظي. ثم وثبت بي رغبة مُلحَّة في الجهر برأيي لأكون صادقًا مع نفسي ولو مرَّة واحدة في السهرة الطويلة، ولكني لم أفعل. وفي الاستراحة انتهزت فرصة التفرُّق المؤقَّت للمجتمعين، فغادرت البنسيون.

انطلقت بالسيارة إلى كيلوباترا. كان الجوُّ باردًا عاصفًا ولكنني كنت مشتعلًا بحرارة الخمر. قصدت مسكن قوَّادة مالطيَّة كنت أتردَّد عليها في ليالي الصيف. وقد دهشت لحضوري بعد انتصاف الليل وفي ذلك الوقت الموحش المُقْفِر من العام. وقالت لي: لا أحد في البيت سواي، ولا أستطيع أن أدعوَ واحدة الآن.

وقفت أمامي في قميص النوم، في الخمسين أو أكثر، بدينة مترهِّلة، لا تخلو من مسحة أُنثويَّة، وثمَّة زَغَب يعلو شفتها كالشارب. دفعتها إلى حجرتها وهي تقول بدهشة: ما هذا! .. لست مستعدَّة.

فقلت ضاحكًا: لا أهمية لذلك، ولا أهمية لشيء.

ثم أمضينا ساعة أخرى في ثرثرة حتى سألتني عما جاء بي إلى الإسكندرية. ولما حدثتها عن هدفي قالت: إنهم الآن يُصفُّون أعمالهم ويذهبون.

فقلت لها وأنا أتثاءب: لن أنشئ شركة ولا مصنعًا.

– إذن فابحث عن خواجة مناسب لتحلَّ محلَّه.

– فكرة لا بأس بها ولكن عليَّ أن أدرس كل شيء.

وفي طريق العودة هطل المطر بشدَّة. رأيت طريقي بصعوبة رغم نشاط ماسحة المطر. وقلت لنفسي بغضب إن الوقت يتبدَّد سُدًى!

•••

جميلة .. رغم رائحة المطبخ، جميلة.

– قطعتان من السكر من فضلك.

دعوتها بذلك لإذابة السكر في الشاي، وللبقاء دقيقة.

– كنت جافَّةً معي يا زهرة.

– كلَّا، ولكنك جاوزت الحدود.

– أردت أن أُعرب لكِ عن مشاعري.

فقالت بصراحة حادَّة: إني هنا للعمل وحده.

– هذا أمر مفروغ منه.

– الظاهر أنك لا تصدِّقه.

– أخطأتِ فَهْمي يا زهرة!

– إنك سيد طيِّب فكن طيِّبًا معي.

وذهبتْ فطاردها صوتي قائلًا: سأحبُّك إلى الأبد!

•••

هلمَّ معي إلى رحلة غريبة. يوم رهيب، زَجْر وتأنيب من أخي، تأنيب من عمِّي، المدرسة المدرسة، بنا إلى الطريق الزراعي، رحلة طويلة وغريبة، شمالًا وجنوبًا، ليلًا ونهارًا، عند كلِّ بلدة نتزود بالطعام والشراب، لم أعد قاصرًا.

•••

إني رأيتكما معًا.

في الطُّرقة أمام الحمَّام رأيتكما معًا. إذن فهو ذلك السرحان. قرص خدَّك بحنان. لم يرتفع رأسك في غضب. وجهك الجميل ابتسم وشعَّ منه نور أسمر. وتحرَّكت ضفيرتك في دلال كالحال في حقول الذرة. سبقني الفلَّاح بأيام. لا ضير من ذلك البتَّة إذا روعِيَتِ العدالة في التوزيع. ولو يكون لي يوم وله يومان.

•••

ضحكت طويلًا وأنا أستقلُّ الفورد. وهتفت: فريكيكو .. لا تلمني.

•••

أوصلت طلبة مرزوق بالسيارة إلى التربانون فدعاني للجلوس معه. مررنا في طريقنا إلى مجلسنا بسرحان البحيري وهو ينفرد بشخص آخر فتبادلنا التحية. سألني طلبة كيف أُمضي وقتي، فأجبته بأنني أتجوَّل بالسيارة وأفكِّر في المشروع الجديد. سألني: ألك خبرة في نشاط معيَّن؟

أجبت بالنفي، فقال: لا تُلقِ بنقودك في بئر.

– ولكنني مُصمِّم.

– تزوَّجْ لتتعلَّم الحكمة!

فقلت وأنا أكظم غيظي متورِّمًا: إنني مصمم على العزوبة والمشروع.

أشار صوب سرحان البحيري وقال: ولد ذكي.

فسألته باهتمام: أعرفت عنه شيئًا؟

– ثمَّة صديق قديم على صلة بالشركة، يصفونه هناك بأنه شابٌّ ثوريٌّ، وفي هذا الكفاية.

– أتظنُّه مخلصًا؟

– نحن نعيش في غابة يتعارك وحوشها على أسلابنا.

داخَلَني ارتياحٌ خفيٌّ فمضَى يقول: ما تحت البدلة إلَّا مجنون بالترف.

فقلت بتسليم وأنا مطمئنٌّ إلى وحدتنا: ولكن ثمة إصلاحات لا يمكن إنكارها.

حرَّك شدقَيه حركة غريبة وقال: قُصد بها أناس لم يرتقوا بعدُ إلى درجة الوعي. وهم — مثلنا — تحت رحمة البدل.

ولمَّا آن لي أن أرجع إلى البنسيون لَحِقَ بي سرحان في الخارج فأركبته معي في السيارة. كأنما خُلق اللعين لكي يَألف ويُؤلف. ورغم ازدرائي له فإني أُبقي عليه لعلِّي أنتفع به في وقت الحاجة. وقد لكزته بكوعي وأنا أقول ضاحكًا: حلال عليك يا عم.

نظر إليَّ باسمًا ومستطلعًا فقلت: زهرة!

رفع حاجبَيه الكثيفَين ولكنه أرخى عينيه في تسليم، فقلت: إنك فلَّاح كريم فلا تبخل عليَّ.

فقال بوجوم: الحقُّ أني لا أفهمك.

ضحكت ساخرًا وقلت: سأكون صريحًا معك كما يجدر بالأصحاب، أتعطيها نقودًا أم تعطي المدام؟

فقال بإنكار: لا .. لا .. ليس الأمر كما تتصور.

– إذن فكيف أتصوَّره على حقيقته؟

– إنها فلَّاحة طيِّبة، ليست … صدِّقني …

– ليكن. الظاهر أني استوقفت سيارة «ملاكي» بظن أنها تاكسي.

فريكيكو، لا تشغل بالك بأشياء تافهة. الخطأ أنني صادقت زمنًا عدوًّا وأنا أحسبه الصديق. ولكني سعيد بحريتي. لقد قذفت بي طبقتي إلى الماء والقارب يميل إلى الغرق، ولكني سعيد بحريتي. ولا ولاء عندك لشيء. سعادة عظمى ألَّا يكون لك ولاء لشيء. لا ولاء لطبقة أو وطن أو واجب. لا أعرف عن ديني إلَّا أن الله غفور رحيم.

فريكيكو .. لا تلمني.

•••

انفجرت في الخارج ضجة لا عهد للبنسيون بها.

كنت مستيقظًا لتوِّي من القيلولة فخرجت إلى الصالة. وَضَحَ لي أن ثمَّة معركة في المدخل. نظرت في فرجة البارفان فرأيت مشهدًا مُسلِّيًّا حقًّا. امرأة غريبة ممسكة بتلابيب صديقنا البحيري تنهال عليه ضربًا وسبًّا. وزهرة واقفة متوتِّرة الأعصاب تنطق بكلمات سريعة وتحاول التخليص بينهما. المرأة تنقضُّ على زهرة فجأة، ولكن زهرة أثبتت أنها مصارعة ذات جبروت. لكمتها مرَّتين، وفي كل مرة أطاحت بها حتى ألصقتها بالجدار. إنها جميلة ولكنها خفير ذو قبضة حديدية. لبِثت متواريًا لأتيح لنفسي أكبر قدر من تسلية فريدة حقًّا. ولكني عندما ترامى إليَّ صرير أبواب خرجت من مكمني، فأخذت المرأة الغريبة من معصمها، وذهبت بها خارجًا وليس عليَّ — عدا البيجاما — إلَّا الروب. دفعتها برقَّة أمامي، معلنًا لها عن أسفي، واضعًا نفسي في خدمتها. كانت تغلي بالغضب غليانًا، وتسبُّ وتلعن، ولم يبدُ عليها أنها أحسَّت بوجودي بعد. إنها امرأة لا بأس بها وقد أوقفتها عند بسطة السُّلَّم بالدَّوْر الثاني وأنا أقول: انتظري لحظة، يجب أن تُصلحي حالك قبل الخروج إلى الشارع.

سَوَّت شعرها، وشبكت طوق فستانها المُمزَّق بمشبك من شعرها، ثم أعطيتها منديلًا مُعطَّرًا لتمسح به وجهها.

– سيارتي أمام العمارة، سأوصلك إذا سمحتِ بها.

نظرت إليَّ لأول مرة. شكرتني بعجلة، ثم نزلنا معًا، جلست في السيارة إلى جانبي فسألتها عن المكان الذي تودُّ الذَّهاب إليه فتمتمت بصوت مبحوح: الأزاريطة.

سِرنا تحت سماء ملبَّدة بالغيوم وقد عاجلنا الظلام قبل أوانه. قلت مستدرجًا: لعنة الله على الغضب.

فهتفت: السافل الحقير!

– يبدو أنه فلَّاح طيِّب.

– سافل حقير.

تساءلتُ بسخرية خفيَّة: خطيبك؟

لكنها لم تُجب. ما زالت مشتعلة. وهي امرأة لا بأس بها، ومحترفة بطريقة ما على وجه اليقين. أوقفت السيارة أمام عمارة بشارع الليدو فقالت وهي تفتح الباب: أشكرك، إنك رجل كريم.

– لا أريد أن أتركك وحدك لأطمئنَّ عليكِ.

– أشكرك، إني على خير حال.

– إذن فهو الوداع؟

مدَّت يدًا لتصافحني ثم قالت: إني أشتغل في الجنفواز.

دُرت بالسيارة وأنا متحمس لمعرفة مزيد من المعلومات، بَيْدَ أنَّ تحمُّسي فَتَرَ قبل أن أبلغ العِمارة. الأمر واضح وتافه. عشق وهجر ثم معركة تقليدية. وها هو يلقى زهرة فيبدأ حكاية جديدة. والمرأة لا بأس بها وقد أحتاج إليها ذات ليلة. ولكن ما الذي دفعني إلى تكبُّد مشاقِّ هذه الرحلة السخيفة؟

فريكيكو .. لا تلمني.

•••

السيارة تطير فوق أرض الشوارع السنجابية، المصابيح وأشجار الكافور تركض في الاتجاه المضاد. السرعة الانسيابية تُنعش القلب فتنفض عنه الخمول والمَلال. ويزمر الهواء ويرعش الأغصان فتتشتَّت في انتشارات جنونيَّة. أو ينهمر المطر فيغسل الزرع فتضيء الحقول بخضرة متألِّقة. من قايتباي إلى أبي قير، من بحري حتى السيوف، البطن والأطراف، وكل أرض ممهدة أهيم فوقها بسيارتي.

والوقت يمرُّ ولا خطوة جِدِّيَّة أخطوها لتحقيق المشروع.

وخطر لي أن أقوم بجولة استكشافية في مراكز الإشعاع الأصيلة. زُرت قوَّادة قديمة بالشاطبي فجاءتني بفتاة مقبولة للصبوح. وتناولت الغداء عند قوَّادة ثانية باسبورتنج فأمدَّتني بامرأة أرمنيَّة فوق المتوسط. أمَّا قوَّادة سيدي جابر فأهدت إليَّ فتاة رائعة من أمٍّ إيطاليَّة وأبٍ سوريٍّ، فأصررت على دعوتها إلى سيارتي. حذَّرتني من الغيوم المنذرة بالمطر، فقلت لها إني أتمنى أن يهطل المطر. وفي الطريق الزراعي إلى أبي قير هطل المطر واختفى البشر فأحكمتُ إغلاق النوافذ ورُحت أنظر إلى الماء المنسكب والأشجار الراقصة والخلاء النقي الذي لا نهاية له، وقد ذُعرت الجميلة وقالت إن هذا جنون، فقلت لها تصوري مخلوقَين مثلنا عاريَين تمامًا في سيارة وآمنَين رغم ذلك من أيِّ تطفُّل يتبادلان القُبَل على انفجارات الرعد ووميض البرق وانهلال المطر، فقالت إنه المُحال. فقلت ألا تودِّين أن تخرجي اللسان للدنيا ومَن عليها وأنتِ في حماية هذه الغضبة الكونية؟ فقالت مُحال .. مُحال. فقلت ولكنه سيتحقَّق بعد ثوانٍ وشربت من فوَّهة الزجاجة وكلما جعجع الرعد استحثثته على المزيد وتوسلت إلى السماء أن تُفرغ مدَّخرها من الماء. فقالت الجميلة قد تتعطل السيارة فقلت لها آمين .. فقالت: وقد يدركنا الظلام. فقلت وليدُمْ إلى الأبد. فقالت: إنك مجنون .. مجنون. فصِحت بأعلى صوتي: فريكيكو .. لا تلمني.

•••

على مائدة الإفطار بلغتني الأنباء العجيبة على القرار الذي اتخذته زهرة للتعلُّم. سمعت تعليقات شتى لم تَخلُ من مزاح، ولكن غلبت عليها روح تشجيع. حزَّ في نفسي الخبر فنكأ الجُرح القديم. لقد نشأتُ بلا رقيب حقيقي فاجتاحني اللهو. ما أسفت على شيء وقتذاك ولكنَّني أدركت متأخِّرًا أنَّ الزمن عدوٌّ وليس بالصديق الذي توهَّمته. وها هي الفلَّاحة تُقرِّر أن تتعلَّم. وقد شرحت لي المدام ظروفها ما بين القرية والإسكندرية. تؤكِّد لي أنها ليست من توابع المدام، ولعلَّها ما تزال عذراء إلَّا يكن سرحان ممَّن يضيقون بالعذارى، ولكنني قلت للمدام بخبث: ظننت زهرة …

وأشرت بيدي إشارة، فقالت: لا .. لا.

فتجاهلت الموضوع بغتة قائلًا: يجب أن تفكِّري في المشروع المشترك.

فتساءلت بدهاء قوَّادة: من أين لي بالمال؟

فهمست باهتمام مصطنَع: ماذا لو أردت أن أدعوَ صديقة إلى هنا؟

هزَّت رأسها آسفة وقالت: البنسيون مشغول كله، وإذا سمحت لواحد فكيف أرفض لآخر؟ ولكن يمكن أن أدُلَّك على مكان إذا أردت.

ولما صادفت زهرة في الصالة هنَّأتها على قرارها وقلت لها ضاحكًا: شدِّي حيلك، فعندما يتحقَّق مشروعي سأكون في حاجة إلى سكرتيرة.

فابتسمت في ابتهاج حتى أطلَّت آي الملاحة من قسماتها. الحقُّ أن رغبتي فيها لم تَمُتْ. ومع سابق علمي بأنني سأشبع منها في أسبوع إلَّا أنه أسبوع ضروري فيما بدا لي.

•••

راحت السيارة تجوب الشوارع والأحياء. في جو صافٍ هادئ معتدل لدرجة أثارت أعصابي. ولكي أستمتع بأكبر قدر من السرعة الجنونية بلا عائق اتجهت إلى الطريق الصحراوي، فانطلقت فيه بسرعة مائة وعشرين كم، مقدار ساعة، ثم رجعت بنفس السرعة. تناولت الغداء في «بام بام». والتقطتُ فتاة لدى مغادرتها لمحلِّ حلَّاق. ثم رجعت إلى البنسيون حوالي العصر. رأيت زهرة جالسة إلى فتاة بالمدخل فأدركت من النظرة الأولى أنها المُدرِّسة. جالست المدام واسترقت إلى المُدرِّسة النظر. لا بأس بها. ثمَّة احْدِيداب خفيف لا يكاد يُلحظ، وفَطَس بالأنف مقبول بل ومثير. من المؤسف أن فتاة مثلها لا تقبل ليلةَ حب عابرة. لا بُدَّ لأمثالها من عَلاقة وطيدة طويلة. وقد لا ترضى بذلك أيضًا فترمي بنظرها البعيد إلى الزواج متخطِّية دعوة الثورة إلى تحديد النسل.

تم التعارف عن طريق المدام. وقد قدَّمتني كعادتها بالكامل، أي بالمائة فدَّان والمشروع، فسُررتُ لذلك وحمدت لها لباقتها المستقاة من خبرة السنين. وركَّزت في جَوْلاتي على حيِّ محرم بك حيث تقع مدرستها. وأثمرت خطَّتي فرأيتها مرَّة قبيل العصر واقفة في محطة الباص. أوقفت السيارة ودعوتها إلى الركوب. تردَّدتُ قليلًا ولكن شجَّعها على قَبول دعوتي تلبُّد السماء بالغيوم. أوصلتها إلى عمارتنا وأنا أشكو لها وحدتي في الإسكندرية، وحاجتي إلى المشورة والرأي فيما يتعلَّق بمشروعي، وقلت لها وأنا أودِّعها: أظنُّني بحاجة إلى لقاء آخر.

فقالت بترحيب: تفضَّلْ بزيارتنا!

الحقُّ يا فريكيكو أنَّ سني وثروتي يرشِّحانني بمنطق حاسم للزواج. لذلك يتعذَّر عليَّ أن أُرافق مُدرِّسة أو طبيبة أو مذيعة أو موظَّفة. وعليَّ إن أردت توسيع مجالي الحيوي أن أخدع الأبصار بدبلة زواج وهمي.

ولم أجد ما أشغل به نفسي بقية اليوم إلَّا أن قصدت القوَّادة المالطية بكليوباطرة، فطلبت منها أن تدعو أكبر عدد ممكن من بناتها، وسهرت سهرة عجيبة معربدة وموشَّاة بأبهج الحماقات التي لم يعرف التاريخ لها مثيلًا منذ عهد خَلِيفتنا خالد الذكر هارون الرشيد.

– إنه لم يرَ أمَّه .. وتركه أبوه وهو في السادسة .. لذلك لا أقسو عليه.

كان يتكلَّم بهدوء أمَّا أخي فكان ينتفض من الغضب.

•••

حوصرت بالعجائز. الواقع أنني لا أحبُّ قلاوون الصحافة وهيهات أن أُوفَّق إلى خير ما دمت أُصبح على وجهه. وسألني طلبة مرزوق عن مدى تقدُّمي في مشروعي. وتشمَّمتُ في الجوِّ رائحة بخور فتساءلت عنها فضحك طلبة بك وقال: كان يجب أن ترى المدام وهي تطوف بالحجرات حاملة المبخرة.

نظرت إليها قائلًا: إذن فأنتِ تحبِّين أمَّ كلثوم وتؤمنين بالبَخور؟

ابتسمت ابتسامة عابرة لشدَّة متابعتها لأغنية يونانية. وقلت لطلبة بك: يجب أن أجد خواجة ممن ينوون الهجرة لأشتريَ عمله.

– فكرة حسنة، ما رأيك يا ماريانا؟

أجابت بعَجَلة حتى لا تنقطع عن الأغنية: نعم، انتظر، أظنُّ صاحب مقهى ميرامار يفكِّر في ذلك.

فسألتها: ماذا تعني الأغنية؟

أجابت بدلال: عن البنت في سن الزواج، ماما تسألها وهي تجيب مُعدِّدة المزايا التي تتطلَّبها في العريس.

نقلت بصري بين صورة الكابتن وصورة شبابها فغمغمت: كان من الممكن أن أبقى سيدة حتى اليوم.

– إنكِ سيدة تمامًا.

فقالت محتجَّة: أعني سيدة في قصر الإبراهيمية.

والتفت نحوي قلاوون الصحافة وقال: لا تدَعِ الوقت يمرُّ دون أن تفعل شيئًا.

لَعَنْتُه في سرِّي، كان الجوُّ قارصَ البرودة صامتًا. وكنت على موعد من الفتاة الإيطاسورية في سكن القوادَّة بسيدي جابر.

فريكيكو .. لا تلمني.

•••

علمت بزيارة شقيقة زهرة وزوجها على مائدة الإفطار.

– قرَّرت البقاء معنا بصفة نهائية.

قالت المدام ذلك بارتياح، فقلت: لنحمد الله على أنَّ المقابلة مرَّت بسلام، أعني دون شروع في القتل.

ثم قلت لسرحان البحيري ساخرًا: الظاهر أن البحيرة خرعة.

– خرعة؟!

– يقال إن قُربها من الإسكندرية قد أضعف من ضراوة تقاليدها الريفية.

فقال بصوته الرنَّان متباهيًا: ذاك يعني أنها أعظم تَمْدينًا من سائر الريف.

•••

ركب طلبة مرزوق معي لكي أوصلَه إلى فندق وندسور لمقابلة صديق قديم. إنه الشخص الوحيد الذي أُضمِر له حبًّا واحترامًا. وهو يقوم أمام عينيَّ كتمثالٍ أثريٍّ لملِك قديم دالت دولته وولَّى زمانه، ولكنه يحتفظ بكافة مزاياه الذاتية. قلت له والخبث يسيطر على أفكاري: ألم يكن الأجدر بالفلَّاحة أن تذهب مع أهلها؟

فقال ضاحكًا: كان الأجدر بها ألَّا تهرب من أول الأمر.

– أعني أن لديها من الأسباب ما يمنعها من العودة حتى لو تمنَّتها!

– تقصد الفتى البحيري؟

– ليس هذا بالضبط ما أعنيه، ولكنه يرجع إليه على أي حال.

ضحك الرجل وقال: محتمَل جدًّا، ومحتمَل أنه بريء مما تظن، وأن آخر كان وراء الدافع لهروبها في القرية.

وقد تضاعف سوء ظني عندما علمت — عقب ذلك بأيام — برفضها الزواج من محمود أبو العباس بياع الجرائد. وكان محمود قد شاورني في الأمر — كزبون قديم له — قبل أن يُقدم على الذَّهاب إلى المدام لطلب يد الفتاة. وعندما وقفت أمام معرضه في اليوم التالي لمسعاه الفاشل كنت واثقًا من مناقشته للموضوع ومتأهِّبًا له. كان يبدو ممتعضًا وحانقًا. تبادلنا نظرات تُغني عن قول الكثير، ثم قلت له مواسيًا: هاك عيِّنة من بنات اليوم.

فقال بغضب: هيهات أن تجد مثلي الحمقاء.

– سيعوِّضك الله بخير منها، وإن أردت الحق فليس البنسيون بالمكان المناسب لاختيار عروسك.

– ظننتها بنتًا طيبة.

– أنا لم أقل إنها ليست كذلك ولكن …

فسألني باهتمام: ولكن ماذا؟

– ماذا يهمُّك منها وقد انتهى أمرها بالنسبة إليك؟

– ليرتاح قلبي.

– أيرتاح قلبك لو قلت لك إنها تحب سرحان البحيري؟

– المجنونة! .. وهل سيتزوج الأستاذ سرحان منها؟

فقلت وأنا أودِّعه: تكلمت عن الحب لا الزواج!

كنت أكره سرحان من أول يوم. أجل، قد تهبط كراهيتي له لدرجة الصفر في الأوقات التي يفتح لي قلبه المطبوع على الأُلفة والمعاشرة ولكن سرعان ما يرجع الحال إلى أصله. ولا دخل لزهرة في هذه الكراهية فهي أتفه من أن تجعلني أكره أو أحب إنسانًا. ربما لصراحته العمياء أحيانًا، وربما لإصراره على الإشادة بالثورة لمناسبة ولغير ما مناسبة. لذلك فكثيرًا ما أرغمني على مجاراته ولو بالسكوت. وقد فاض بي الكيل مرَّة فقلت له: نحن مؤمنون بالثورة ولكن لم يكن ما سبقها فراغًا كله.

فقال بعناد مثير: بل كان فراغًا.

– كان الكورنيش موجودًا قبلها، كذلك جامعة الإسكندرية.

– لم يكن الكورنيش للشعب، ولا الجامعة.

ثم سألني ضاحكًا، وبلا حقد ظاهر: خبِّرْني لِمَ تملك وحدك مائة فدَّان على حين أن كل ما تملكه أسرتي عشرة فقط؟

فسألته وأنا أكظم غيظي: ولِمَ تملك عشرة على حين لا يملك ملايين من الفلَّاحين قيراطًا واحدًا؟

•••

– مهما تقل فلن أصدِّق كلمة واحدة مما تقول، إن رَفْض مرفت لك أطاح بعقلك، ولا تصدِّق ما يقال عن العدالة والاشتراكية، المسألة تتلخص في كلمة واحدة: القوة، إن من يملك القوة يملك كل شيء، ولا بأس بعد ذلك من أن يتغنَّى أمام الناس بالعدالة والاشتراكية، وإلَّا فخبِّرْني بالله، هل رأيت أحدًا منهم يسير في الأسواق شبه جائع مثل سيدنا عمر؟!

•••

على أي حال سرعان ما بَلَغَني الخبر اللذيذ عن القتال بين محمود أبو العباس وسرحان البحيري يا بصل! وتجاهلت الأمر احترامًا لصمته، بل انتهزت فرصة اجتماعي به في مدخل البنسيون فسألته الرأي عن المشروع، وإذا به يقول لي في اهتمام: اصرف النظر عن مشروع المقهى وما شاكل ذلك، إنك ابن ناس، وعليك أن تختار مشروعًا مناسبًا.

– مثل ماذا؟

– أنا أقول لك، مشروع تربية دواجن وعجول مثلًا، إنه يدرُّ ذهبًا.

ثم بعد تفكير قليل: ممكن أن نؤجِّر قطعة أرض في منطقة سموحة، وممكن أن أساعدك بما لي خبرة وأصدقاء وربما شاركتك إذا ما أسعفتني الظروف.

•••

ما أضيق الإسكندرية في عينَي سيارة مجنونة! إني أمرق فيها كالهواء، ولكنها انقلبت علبة سردين، الليل يتبع النهار في إصرار غبي ولكن لا شيء يحدث على الإطلاق. ورغم أن السماء تتزين كل يوم برداء. والطقس كالبهلوان لا يمكن التنبؤ بحركته التالية، والنساء يُقبلن في ألوان لا حصر لها، فلا شيء يحدث على الإطلاق. الكون في الحقيقة قد مات وما هذه الحركات إلا الانتفاضات الأخيرة التي تندُّ عن الجثة قبل السكون الأبدي.

وتذكَّرت الجنفواز.

إنه يقع على الكورنيش متحدِّيًا البحر والشتاء ولكن بابه يقع في شارع خلفي ضيق. له مسرح للغناء والرقص، وتتوسطه باحة للرقص المشترك، وينتشر اللون الأحمر الكابي في السقف والجدران والمصابيح كأنه مأوًى للجان، ومن نظرة إلى فتياته وزبائنه يتسرَّب إلى النفس إحساس محتوم بأنه ماخور.

رأيت فتاة البحيري ترقص رقصة فولكلورية مبتذلة. دعوتها إلى مائدتي فلم تعرفني بادئ الأمر ثم اعتذرت بحالها يوم التعارف. وسرعان ما قالت إنها انتظرت مَقْدَمي طويلًا فاعتذرت بضيق الوقت وكثرة المشاغل. عرفت أن اسمها صفيَّة بركات والله أعلم باسمها الحقيقي. وهي أجمل من المُدرِّسة ولكن يعيبها ميل إلى البدانة، وتستقرُّ في وجهها المليء نظرة محترفة. شربتُ كثيرًا حتى أوشكت أن أفقد الوعي ثم دعوتها إلى سيارتي ومضيت بها إلى شارع الليدو بالأزاريطة، ولمَّا هممت بمصاحبتها اعتذرت بعذر قهري فرجعت إلى البنسيون وأنا من السكر وسوء المآل في حال.

التقيت وأنا ذاهب إلى حجرتي بزهرة وهي راجعة من الحمَّام في قميص النوم. اعترضت سبيلها مفتوح الذراعين. توقَّفت متوثِّبة. اقتربت منها فقالت بحزم: ابعدْ.

أشرت بإصبعي إلى حجرتي فقالت متوعِّدة: ابعدْ واذهب لحالك.

انقضضت عليها بالرغبة والسكر فضربتني بقبضتها في صدري ضربة مذهلة أشعلتني بالغضب. جُنَّ جنوني فلطمتها بوحشية. وصمَّمتُ على الانقضاض حتى النهاية ولكن يدًا وُضِعت على كتفي وجاءني صوت سرحان اللاهث وهو يقول: حسني .. أجننت؟

دفعته بوحشية، ولكنه شدَّ على كتفي قائلًا: ادخل الحمَّام وضع إصبعك في فمك.

استدرت نحوه ولطمته بشدة على غرَّة منه. تراجع وهو يهدر ثم لطمني بقوة. وإذا بالمدام قادمة وهي تَحْبك حولها الروب متسائلة في جزع: ماذا يحدث؟!

ثم دخلتْ بيني وبين سرحان وهي تقول بغضب: لا، هذا تخريب، ولا يمكن أن أقبله.

•••

الملائكة تسبح أو ترقص في السقف. المطر يعزف فوق النوافذ وهدير الأمواج يصكُّ الأذنَين بانفجارات معركة محتدِمة. أغمضت عينيَّ مرَّة أخرى تحت لطمات الصداع. تأوَّهت ثم لعنت كل شيء. ثم اكتشفت أنني نمت بقية الليل بالبدلة والمِعْطَف والحذاء. وانهالت عليَّ ذكريات الليلة الماضية فلعنت كل شيء.

وجاءت المدام بعد أن أذنت لها بالدخول. وقفت تنظر إليَّ وأنا أتزحزح متثاقلًا متكاسلًا إلى الوراء لأجلس مستندًا إلى رأس الفراش، وقالت: تأخَّرت عن موعدك؟

ثم غاصت في المقعد الكبير وهي تقول في عتاب: ها هي عاقبة السكر الشديد!

تلاقت عينانا فابتسمت وقالت: إنك أعزُّ مَن عندي ولكن لا تَعُدْ للسكر.

رفعت عينيَّ إلى السقف المُزَركَش بصور الملائكة وتمتمت: إني آسف.

ثم بعد فترة صمت: يجب أن أعتذر لزهرة.

– حسن، ولكن عِدْني بأن تسلك السلوك اللائق بأسرتك.

– اعتذري عني لزهرة حتى أعتذر لها بنفسي.

وقد انقطع ما بيني وبين سرحان، أمَّا زهرة فصالحتها بعد إباء وتمنُّع. ولا أنكر أنَّ مخاصمة سرحان قد خلقت فراغًا في نفسي. الآخر — منصور باهي — لا أكاد أعرفه، ولا عَلاقة لي به سوى كلمات عابرة نتبادلها على مائدة الإفطار فلا يبقى منها في الذاكرة شيء. إننا نتبادل — بلا شك — كراهية صامتة. وإني أحتقر انطواءه وغروره وأنوثته وما يُحلِّي به نفسه من أدب ظاهري رخيص. وقد سمعته مرَّة في الراديو فهالني صوته — الكاذب مثله — الذي تحسبه صادرًا من فارس خطيب. ومن عَجَبٍ أنه لم تنشأ مودَّة بينه وبين أحد سوى قلاوون الصحافة ممَّا جعلني أقطع بأن العجوز الأعزب لوطي سابق!

يحسن بي ألا أغادر الحجرة! ولكن ثمَّة حادث سعيد يقع في الخارج. في حجرة البحيري؟! أجل، مناقرة .. بل مشاجرة .. بل معركة .. بين روميو البحيري وجولييت البحيرية .. ما معنى ذلك؟ هل طالبته بإصلاح غلطته؟ هل رام التملُّص والهرب كما فعل مع صفيَّة؟ إنه لأمرٌ بالغ اللذة، ولكن يحسن بي ألَّا أغادر الحجرة. أين كانت تختبئ جميع تلك المسرَّات؟ فريكيكو، انتبه جيدًا واستمتع باللحظة البديعة. وصاح الصوت الرنَّان: أنا حُرٌّ .. أتزوج بمن أشاء .. سأتزوج مِن عليَّة.

يا سيد يا بدوي! عليَّة! الأستاذة! هل لبَّى الدعوة لزيارة بيتها؟ هل تحوِّل من التلميذة إلى الأستاذة؟ اشهد يا فريكيكو. أي يوم بهيج يا إسكندرية لتحيا الثورة. ولتحيا قوانين يوليو. ها هو صوت المدام يرطُن بالعربية. وها هو صوت المذيع الهُمام بلحمه ودمه، أخيرًا تنازل بالاهتمام بشئون الرعيَّة. وسيجد ولا شكَّ حلًّا لهذه المشكلة الريفية. يا أهلًا بالمعارك. فريكيكو .. يجب أن تتحرك. احذر أن تسبقك الأحداث.

وقد سمعت القصة مرَّة أخرى على ربابة المدام. وقالت لي في الختام: لقد طردته، ما كان يجب أن يقيم بيننا يومًا واحدًا!

أثنيت على شهامتها، ثم سألت عن زهرة فقالت بأسف: معتكفة في حجرتها متوعِّكة.

أجل، القصة القديمة، المتجدِّدة مثل فصول السنة. وقد هنَّأ البحيري بالطرد. فاز بترقية إلى الدور الخامس. ولا يدري أحد أين ينتهي به الطريق.

وقالت المدام: إن صاحب الميرامار يفكِّر جِدِّيًّا في بيعها.

فقلت بثقة: إني على استعداد لمفاوضته.

وغادرت البنسيون مدفوعًا برغبة حامية في مسح الإسكندرية بالطول والعرض.

فريكيو .. لا تلُمْني.

•••

لأول مرَّة أراها مُنهزمة مُنسحقة. شحب لونها الخمري وفقدت عيناها العسليَّتان الرونق والبريق. صبَّت لي الشاي وهمَّت بالانصراف فرجوتها أن تبقى. كان الهواء يزأر في هبَّات متقطِّعة، وجوُّ الحجرة القاتم يَشِي بتجمُّع السُّحُب.

– زهرة .. الدنيا مليئة بالسَّفَالَات ولكنها لا تخلو من خير.

لم يبدُ عليها أنها تهتم بالإصغاء إليَّ أو أنها تهتم بأي شيء.

– انظري ماذا فعلت أنا، ضاق بي العيش بين أهلي في طنطا فهاجرت إلى الإسكندرية.

لم تنبِس ولا دبَّت فيها نسمة اهتمام.

– أقول لك إنه لا حزن يدوم ولا فرح، وإن على الإنسان أن يجد طريقه، وإذا ساقه الحظ إلى طريق مسدودة فعليه أن يتحوَّل إلى أخرى.

– كل شيء طيب، لست آسفةً على شيء.

– بل أنتِ حزينة، حزينة جدًّا يا زهرة، ولكِ حق، ولكن عليكِ أن تختاري النجاة، هذا الاختيار نصف النجاة إن لم يكن النجاة كلَّها.

قاومت التأثُّر بإرادة جبَّارة طبعت وجهها بطابع دميم عابر، فقلت: أصغى إليَّ، إليكِ اقتراحًا، لا تبتِّي فيه برأي الآن، ولكن فكِّري فيه على مهل.

وتريَّثت لحظات ثم قلت: عما قريب سيكون لديَّ عمل.

تململت، فقلت: ستجدين عندي إذا شئت وظيفة محترمة.

ارتسم سوء الظن في عينيها فقلت: هذا المكان لا يصلح لكِ .. بنت محترمة بين أشكال وألوان من مريدي اللهو والتسلية، مَن يقرُّ ذلك؟

لم تأخذ كلمة من قولي مأخذَ الجِدِّ، ذلك واضح جدًّا، فقلت: ستكونين عندي في حصن .. عمل شريف وحياة ممتازة.

غمغمت بما لم أسمع ثم حملت الصينية وذهبت.

غضبتُ عليها وعلى نفسي، غضبت لحدِّ المقت. شهوات المحرومين أعمتها عن حقارتها. ملعونة الأرض التي أنبتتكِ في طينها. وقلت بذلَّة ومرارة: فريكيكو .. لا تلُمْني.

•••

سهرت بين الجدران الحمراء الكابية في الجنفواز، دعتني صفيَّة إلى المبيت في بيتها فلبَّيت. عرضت همومي للمناقشة وأنا سكران تمامًا. ولمَّا جاء ذكر المشروع وثب صوتها قائلًا: جاء الفَرَج!

ثم قالت وهي تشعل سيجارة: الجنفواز .. صاحبه يرغب في بيعه.

فقلت بلسان مخمور: ولكنه حقير كئيب.

– فكِّرْ في موقعه الممتاز .. ممكن أن يصير ملهًى ومطعمًا ممتازًا! وأكدت أنه يدرُّ ربحًا كثيرًا وهو بحالته الراهنة وتنبأت له بمزيد من النجاح إذا جُدِّد. قالت: أنت ابن ناس، وسيضع البوليس ذلك في اعتباره، وعندي خبرة لا حدَّ لها، الصيف مضمون، وبقية العام مضمونة كذلك بفضل الليبيين الذين يفدون علينا مُحمَّلين بنقود البترول.

قلت وكأني في حلم: رتِّبي لي مقابلة مع الخواجة.

– في أقرب فرصة وسوف أختص أنا بالجانب النسائي.

– اتفقنا.

قَبَّلَتني وهي تتساءل: لِمَ لا تجيء للإقامة معي؟

– فكرة، ولكن يجب أن تعرفيني على حقيقتي من أجل تعاون دائم، أنا لا أعرف ذلك الشيء الذي تسمُّونه الحب.

•••

حوالي العاشرة صباحًا عدت إلى البنسيون. التقيت بسرحان البحيري، في مدخل العمارة، تجاهلته كما تجاهلني ووقفنا ننتظر هبوط المصعد وأنا أقول لنفسي لعله جاء لزيارة آل عروسه، وفجأة التفت نحوي وقال: إنك كنت السبب فيما بيني وبين محمود أبو العباس.

تجاهلته تمامًا كأنني لم أسمع صوتًا، فاستمرَّ يقول: لقد اعترف لي بذلك.

ولمَّا أصررت على تجاهله في احتقار وبرود قال بعصبيَّة: على أيِّ حال، فقد خلا سلوكك من شهامة الرجال.

تحوَّلت إليه بغضب صائحًا: اخرس يا ابن الكلب!

وسرعان ما تبادلنا الضربات حتى جاء البوَّاب ورِفاق له فخلَّصوا بيننا، توقَّف الضرب وبدأ السِّباب. حتى هتف: سأؤدبك .. انتظرني.

فهتفت بدوري: تعالَ لأريحك من حياتك القذرة.

•••

في مجلس الأصيل حول الراديو وجدت المدام وطلبة بك، فقالت لي المدام: اشترك معنا في التفكير، كيف نقضي ليلة رأس السنة؟

ثم أشارت إلى طلبة بك وقالت: من رأيه أن نسهر في المونسنيير ولكن عامر بك يفضِّل البقاء هنا.

– أين عامر بك؟

– إنه معتكف، عنده برد.

– دعيه في اعتكافه، ولنذهب إلى المونسنيير، يجب أن نلهوَ بعنف حتى الصباح.

وبعد صمت قليل قلت لها: أخيرًا تحقق المشروع.

وقصصت عليها الخبر حتى عكس وجهها خيبة أمل واضحة، ثم قالت: لا تتسرَّع .. يجب أن تفكِّر.

– كفاني تفكير.

ثم صرَّحَت قائلة بعد تردُّد: مقهى الميرامار أفضل .. وإني أفكِّر جِديًّا في مشاركتك.

فقلت ضاحكًا: ربما فكرت في التوسُّع مستقبلًا.

وانبعثت في أعماقي رغبة جامحة في الاستمتاع لأقصى حدٍّ بليلة رأس السنة الجديدة.

•••

وقد تعرَّفت بصاحب «الجنفواز» في نفس الليلة في حجرة مكتبه بالملهى. وتم الاتفاق على البيع من حيث المبدأ، ثم دعاني إلى سهرة في مسكنه بكامب شيزار بعد موعد الإغلاق. وشهِدت صفيَّة السهرة واشتركت في مناقشة التفاصيل. وجاء ذِكر لليلة رأس السنة فاتفقنا أيضًا على الاحتفال بها معًا في «الجنفواز» على أن نُكمل السهرة في بيت الخواجة أو في أي مكان آخر، فهنَّأت نفسي على الخلاص من سهرة العجائز.

وفي صباح اليوم التالي لاحظت أن حجرة الإفطار تطالعني بوجه غريب. أجل كان قلاوون الصحافة معتكفًا في حجرته ما يزال، ولكن منصور باهي لم يفارق حجرته أيضًا، ولم أرَ أثرًا لزهرة. وقرأت في وجهَي المدام وطلبة بك وجُومًا ينذر بالشر، وإذا بالرجل يقول: أما علمت بالخبر؟

رمقته بنظرة متسائلة فقال: لقد عُثر على سرحان البحيري جثة هامدة في طريق البالما.

لبثت لحظات ذاهلًا قبل أن يستقرَّ الخبر في وعيي وإدراكي. واكتسحني شعور من الانزعاج والإشفاق والقلق حيال طبيعة الموت الغامضة المقتحمة. وسألت: ميتًا؟

– بل قتيلًا.

– ولكن …

فقاطعتني المدام: اقرأ الجريدة، إنه خبر مزعج، وقلبي يحدثني بمتاعب كثيرة.

تذكَّرت المعركة الأخيرة أمام المصعد فامتعضت نفسي. وخشيت أن تمتد إليَّ المتاعب التي تنبَّأت بها المدام. وسألت وأنا أُدرك سخف السؤال وعمقه: تُرى مَن يكون القاتل؟

فقالت المدام: هذا هو السؤال طبعًا.

وقال طلبة مرزوق: وعندما يسألون عن أعدائه …

أجبت وقد استعدت شيئًا من روح السخرية: في الحق لم يكن له صديق بيننا!

فقال طلبة مرزوق: وهل يكون له أعداء آخرون؟

– سَتُعرف الحقيقة عاجلًا أو آجلًا.

وسألت عن زهرة فأجابت المدام: في حجرتها على أسوأ حال.

أفقت من وقع الخبر فردَّدت قائلًا: لتكن مشيئة الله.

كان في نيتي أن أُخبر المدام بما استقرَّ عليه رأيي من الانتقال من البنسيون ولكني أجلت ذلك إلى وقت آخر. ولما هممت بالخروج قال لي طلبة بك: محتمَل أن نُدعى جميعًا لسماع أقوالنا.

فقلتُ وأنا أمضي: فليدعُنا مَن يشاء.

صمَّمت على غسل رأسي بجولة من جَوْلاتي الانطلاقية في أنحاء الإسكندرية. كانت السُّحب البيضاء دانية يقطر منها لون رائق، والهواء خفيفًا سريعًا لاذعًا.

إنه آخر يوم في السنة وقد تضاعفت رغبتي في إحياء ليلة جنونية حتى الصباح.

ولقد وَضَحَت لي معالم الطريق، فليمت من يموت وليعش من يعيش.

دفعت السيارة وأنا أقول لصورتي في المرآة الصغيرة:

فريكيكو .. لا تلُمْني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣