الفصل الخامس

بناء المعرفة العلمي

(١) التفسير العلمي للحوادث

إننا، بنفوذنا دائرةَ المعرفة العلمية للحوادث، نَدْخُل عالَمًا جديدًا تامَّ الجِدَّة، ففيه ترى تَغَيُّر مناهج الدرس وتَغَيُّر التفسيرات والنتائج، وفيه ترى أن الإنسان — وقد خرج من نفسه في آخر الأمر — اكتسب سلطانًا عظيمًا على الطبيعة التي استعبدته استعبادًا وثيقًا في قرون طويلة.

وما دَرَسْناه آنفًا من يقينٍ دينيٍّ وفلسفيٍّ وخلقيٍّ فقد كان شخصيًّا، فذلك اليقينُ إذ كان لاصقًا بنا لم يَسْتَنِد إلى غير العناصر العاطفية والدينية، وذلك اليقين إذ كان تابعًا لآراء زمنٍ ما خَضَع لتقلبات هذه الآراء.

ومناهجُ العِلم قد اسْتَبْدَلَت بتلك الحقائقِ الشخصية حقائقَ غيرَ شخصيةٍ يمكن إثبات كلِّ واحدة منها على حِدَة فتكون في مَعْزِلٍ من الجَدَل، وأدَّى البحث العلميُّ إلى انتقال الروح البشرية من الباطنيِّ إلى الخارجيِّ.

وتفسيرُ الفلاسفة للحوادث كان، كالتفسير العلميِّ، خاصًّا بدائرة العقل، ولكن عقل الفلاسفة إذ كان يتناول وِجْهَاتِ النفس المستنبَطة من ملاحظاتٍ بعيدة من مراقبة التجرِبة ظَلَّت مبادئهم باطنيةً، والعِلمُ وحدَه هو الذي أدخل الإنسان إلى دائرة خارجيةٍ كان يَجْهَل علمُ اللَّاهوت والفلسفةُ وجودَها.

ولم تُرْسَم خطوط معرفة العالم الحقيقية إلَّا باكتساب مناهجَ وثيقةٍ للتَّرَصُّد والتجرِبة، وتُرَدُّ أوائل هذا التطور إلى عصر النهضة.

ونَجَم عن الدِّراسات العلمية الأولى طَعْنُ التفاسير اللاهوتية في الصميم، وذلك بإثباتها أن العالم خاضعٌ لسُنَنٍ ثابتة لا دخل فيها لَهَوى العزائم العلوَّية.

وأسفر توسيعُ مَدَى ذلك المبدأ بالتدريج عن بلوغ العلم مبادئَ جديدة، والإنسانُ، إذ عَدَل عن مطالبة آلهته بتفاسيرَ لم تُعْطِه إياها، وَلَّى وَجْهَه شَطْرَ العِلم الذي غدا لدى الكثيرين معبودًا يُؤْمَل منه كلُّ شيء.

ومع ذلك لا ينبغي أن يطالَب العِلْمُ بغير ما يستطيع أن يُعْطِيَه، فللعِلم وجهان مُحَيِّران في الحقيقة، فهو قادر على حلِّ مسائلَ هائلةٍ، وهو عاجزٌ تِجاه مسائلَ كثيرةِ البساطة في الظاهر، والعِلْم — وإن اكْتَشَف البخارَ والكهرباء وأخضع قُوَى الطبيعة لاحتياجاتنا — لم يَسْطِعْ أن يقول لنا السببَ في أن حَبَّة البَلُّوط تصبحُ سِنْدِيَانَة، وفي أن الحجر الذي يُرْمى في الهواء يَسْقُط، وفي أن قضيب الشمع الذي يُدْلَك يجتذب الأجسامَ الخفيفة، فالحقلُ العلميُّ حافلٌ بالمسائل التي تَظَلُّ بلا جواب.

ويزول ذلك التناقض بين مُنْتَهى القدرة ومنتهى العجزِ عند إدراكنا مناهجَ العِلم وغايَته وحدودَه، وإن شئت فَقُلْ جهازَ بناء المعرفة.

(٢) المعرفةُ الوَصْفِيَّةُ للحوادث

تَتَكَشَّف جميع الحوادث التي يَتَأَلَّف الكَوْن من مجموعها بما تُسْفِر عنه من الانطباعات على حواسِّنا، فالحواسُّ تَظَلُّ واسطةً بين الكَوْن الحقيقيِّ وبيننا.

والعقلُ، حين يُفَسِّر تلك الانطباعات، يأتينا بصورةٍ تُقْبَلُ على أنها صورةٌ صادقة للعالَم الخارجيَّ وإن لم تشابهه.

ولا تَفُوتُنا طبيعة الأشياء الحقيقية إلَّا لأننا نَعْرِف العالَمَ الخارجيَّ من خِلال حواسِّنا فقط، ولو افترضنا أن الحواسَّ تُرِينَا الكونَ الحقيقيَّ وأن الصوتَ ليس وليدَ أُذُننا وأن الضياء ليس نتيجةَ تركيب شَبَكةِ عيننا لظَلَّتْ معرفتُنا للأشياء ناقصة أيضًا، ما دامت حواسُّنا والأجهزةُ التي تُوَسِّع مداها لا تَكْشِف لنا عن غير أجزاءٍ قليلة من العالَم الحقيقيِّ، والعينُ، مثلًا، لا تُبْصِر سوى عُشْر الطَّيْفِ اللامع، والعينُ لو كانت قادرة على تمييز الإشْعَاعات التي تَصْدُر عن ذوات الحياة بسبب درجة حرارتها لأمكنها أن تَرَى ذوات الحياة هذه في الليل، والكائنُ الذي نُبْصِره هو شكلٌ وهميٌّ ناشئٌ عن حواسِّنا، فلو انتهينا إلى تأَمُّله كما هو في الحقيقة، أي مُحَاطًا ببخار الماء الذي يتصاعد منه وبالشُّعاع الذي ينشأ عن حرارته، لَبَدَا هذا الكائنُ لنا ذا منظرٍ سَحَابيٍّ مُتَبَدِّلِ الاستدارات.

وحواسُّنا إذ كانت لا تستخلص من الحقيقة غيرَ ما هو سهلُ الالتقاط كانت الصُّوَر التي تقتطعها حواسُّنا من الحقيقة مصنوعةً إلى الغاية بحكم الضرورة، ونحن لا نَرْسُم سوى الظواهر بجعلنا في المتصل منقطعًا وفي غير المحدود محدودًا، وإذا ما قيل إن استدارات الجسم الحقيقيةَ لا تَقِف إلا حيث ينقطع هذا الجسم عن الحركة وَجَب أن يقال إن هذا الاستداراتِ لا تَقِفُ أبدًا، فقطعةُ المَعْدِن في اليد تتحرك لتجاذبِها هي وأبعد الكواكب، وتبادلِهما الإشعاع، فلا تُوجَد، إذَنْ، في الفضاء حدودٌ غيرُ التي يَرْسُمها إحساسُ حواسِّنا أو أجهزتُنا، ونحن إذا ما ثَبَّتْنا هذه الحدودَ لم يكن ذلك حيث ينقطع الجسم عن الحركة، بل في المكان الذي يعود غيرَ مُؤَثِّر في حواسِّنا الناقصة.

إذَنْ، تُوجِد ذواتُ الحياة، أو تُحَدِّد، على وجهٍ مصنوع، عناصرَ الكَوْن بحسب إمْكانِيَّاتها الإحساسية.

ويكون لمخلوقاتٍ ذاتِ حواسَّ مختلفةٍ عن حواسِّنا رأيٌ في الكون غيرُ رأينا، ومن المحتمل أن يكون من شأن حواسِّ بعض الحيوانات شعورُ هذه الحيوانات بصِفَاتٍ مجهولة لدينا، فالحقُّ أن كثيرًا من الحيوانات يُرَى في الظَّلْماء، وأن حيواناتٍ أخرى ذاتُ حِسٍّ في معرفة الجهات، وأن بعضًا منها ذو إدراك للوقت قبل حلوله … إلخ، ولو كانت هذه الحيوانات من الذكاء بحيث تحاول تبليغَنا انطباعاتِها لعَجَزْنا عن فهم لغتها كعَجْز الأكمهِ١ عن فَهْم الألوان ما دامت هذه اللغةُ تُعَبِّر عن صفاتٍ غير معلومة عندنا.

وليس للعلم، مع ذلك، أن يشتغل بالحقائق بعينها، أيْ بكُنْهها كما يَسْعَى إليه الفلاسفة، ولا أن يعارِضَ الظواهرَ بالحقائق، أي الحوادثَ التي تُوحِي بها حواسُّنا، ومن حواسِّنا هذه تتألف معادلاتٌ سَهْلَةُ المَدْخَلِ لأشياءَ ممتنعةِ المدخل، والانحرافاتُ التي هي وليدة حواسِّنا إذ كانت متشابهةً لدى جميع الموجودات التي هي من طِرازٍ واحد أمكن العِلْمَ أن يَعُدَّها حقائقَ وأن يَشيدَ صَرْحَه بها، ونحن، إذا لم نَبْلُغ الحقيقيَّ، نُدْرِكُ صورةً معادلة للموجودات المُرَكَّبَة مثلنا.

والعلمُ، في مباحثه، لا يكترث لهذه الملاحظات مع ذلك، فهو لا يبالي بكَوْن العالَم الذي نُبْصِره حقيقيًّا أو غيرَ حقيقيٍّ، والعلمُ يرضى بالعالَم كما يبدو فيسعى في ملاءَمته غيرَ باحثٍ عن رأي الحشرة فيه وعن حيازةِ ساكنِ الشِّعْرَى٢ أو أيِّ كائنٍ عالٍ لحواسَّ أخرى، فمعارفُنا على قَدَرِنا، ونحن لا نَهْتَمُّ بها إلَّا لأنها على هذا القَدَر، ونحن نعرف من الكون ما نصل إلى اكتشافه، ونحن، إذ نكتشف فيه كلَّ يومٍ أشياءَ أكثرَ من قبل ونُدْرِك هذه الأشياءَ بأدقَّ من قبل، نرى بُنْيانَ معرفتنا يَعْظُم على الدوام.

(٣) الانتقالُ من الكَيْفِيِّ إلى الكَمِّيِّ، قياسُ الصِّلات بين الحوادث

تُرَدُّ المعرفةُ الحقيقية للحوادث إلى الدَّوْر الذي اكتسب العلمُ فيه لغةً يُعَبَّر بها عن العلائق العَدَدِيَّة المستقلة عن كلِّ تقدير شخصيٍّ، والعلمُ قد وُفِّقَ لذلك بالانتقال من الكيْفِيِّ إلى الكَمِّيِّ.

ولا يكون علمٌ بغير ذلك التطور، وعلمُ النفس والتاريخُ إذ لم يَتَّفِق لهما ذلك ظَلَّا مبهميْن مذبذبَيْن عُرْضَتَيْن لتفسيرات متناقضة.

وتدُلُّ أبسط الملاحظات، في الحال، على الهُوَّة بين التقديرات الكيفية والكَمِّيَّة للحادثة الواحدة، ويَعْنِي القولُ بأن الجسم ثقيلٌ أو بارد أو حارٌّ انطباعًا يمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص أو بحسب حالة الشخص الفيزيولوجية، ويَعْنِي التعبيرُ عن ثِقَل الجسم أو درجةِ حرارته بالرَّقْم تخليصَ الملاحظة من كلِّ تفسير شخصيٍّ.

والعالِمُ يزيد عِرْفانًا بالعالَم، أو بعلاقاتِ الأشياء بعضِها ببعضٍ، بزيادة تلك القياسات، أو التعريفات المضبوطة التي تَعْدِل القياساتِ في العلوم البيولوجية بعضَ العدول، والعالِمُ يُبْصِر سَيْرَ الكواكب ويكتشفُ تركيبَها ويقرأ في بقايا الموجودات تاريخَها فيُوَسِّع دائرةَ تصوراتِه الذهنية التي كانت ضيقة كثيرًا لدى من ظهروا قبلنا.

وغايةُ العلم الأساسية، وهي التي يَسْعَى إليها بعنادٍ، هي، إذَنْ، إقامةُ صِلاتٍ كَمِّيَّةٍ بين الحوادث، والكَمِّيُّ إذا كان عُنْوَان دور الإحسان البرهانيِّ فإن الكيفيَّ هو عُنوانُ دَوْر الغريزة المبهمة، والكَمِّيُّ يسيطر على الكوْن فينطوي على إيضاحه.

(٤) شأن التَّجْرِبَة والتَّرَصُّد

وَكيف يُوفَّق العلم لتعيين العلائق العددية بين الحوادث؟

هو يَصِلُ إلى ذلك بالترصد والتجرِبة؛ وذلك لأن الحوادث لا تُدْرَك إلا لظهورها حركَةً، أي تَغَيُّرَاتٍ، فما كانت الحرارة والكَهْرَبَة وجميعُ وجوه الطاقة لِتَبْدُوَ لنا إلَّا بفضل انتقالاتِ الأجسام، وتنشأ الصفات التي تُقَدَّر بحواسِّنا، في كلِّ وقت، عن التَّغَيُّرات المادية المَرْئيَّة أو الخَفِيَّة، وتدلُّ جميع آلات القياس، كميزان الحرارة ودليل التَّيَّار الكَهْرَبيِّ … إلخ، على مثل تلك الانتقالات، فيجب، لإدراك إحدى الحوادث جيدًا، إذَنْ، أن تَخْضَع هذه الحادثةُ لتَحَوُّلات مؤدية إلى حدوث حركاتٍ.

ومن الممكن، بل من الراجح، أن تشتمل الطبيعةُ على شيء آخَر غيرِ الحركة، ومما لا ريب فيه أن جميع الحوادث ليس من أصلٍ مُتَحَرِّكِ الأجزاء، بَيْدَ أن تركيب حواسِّنا أو تركيبَ الآلات التي تُكْمِلها يَمْنَعنا من معرفة الحوادث التي ليست من مثل ذلك الأصل المُتَحَرِّك الأجزاء.

إذَنْ، يقوم العلم التجرِبيُّ على قياسات، ومن الممتنع حيازةُ قياساتٍ دقيقة فلا نَعْرِف أيةَ جسامةٍ فيزياوية بضبط وَثِيق، ومن المتعذر، أيضًا، صُنعُ متريْن متساوييْن، فكلُّ ما يمكن صنعُه هو أن نُقدِّر، بعد عملٍ شاقٍّ، درجةَ اختلاف مترٍ عن متر آخرَ اتُّخِذَ نَمُوذَجًا، ووزنُ الكيلوغرام الصحيح يَظَلُّ أمرًا مجهولًا على الرغم من الجهود المُكَرَّرَة التي بذلَتْها عِدَّةُ أجيال من علماء الفيزياء منذ قرن.٣

إذَنْ، يَصْعُب بلوغ الضبط في المقاييس الذي هو من أهمِّ أهداف العلم، ولن يُوصَل إلى الضبط المُطْلَق؛ لأن القيمة الحقيقيةَ لأيةِ جسامةٍ فيزياوية أو كيماوية لا تُعْرَف بالضبط كما قيل آنفًا، وكلُّ ما نَعْرِفه بشيء من الضبط هو قياس درجة عدم ضبطنا، أي الدلالةُ على حدود الأغاليط.

ومهما يكن نَقْص هذه النتيجة فإِنها لم تُبْلَغ إلا بعناء كبير جدًّا، وفي هذا سِرُّ ما قضاه بعض العلوم الأساسية من طويلِ زمنٍ لتحقيق تَقَدُّمه كعلم الفلك والفيزياء والكيمياء.

وقَلَّتْ معرفة من هم غرباءُ عن العلم لأهَمِّيَّة تلك القياسات، ولا سيما فائدةَ الكُسُور العُشْريَّة غيرِ الثابتة التي يَبْذُل العلماء مجهوداتٍ كبيرةً في سبيلها، وهؤلاء العلماءُ، فقط، هم الذين يعلمون أن الكُسُور العُشْرية تنطوي على أسرار الأمور مع صعوبة بلوغ تلك الكُسور، فبفَضْل البحث العميق فيها اكْتُشف غازُ الأرغون وجميعُ الغازات الملازمة له، ويَتَّبع كلَّ تقدمٍ في القياسات تقَدُّمٌ مهمٌّ في العلم، حتى في الصِّناعة، فقد تَحَوَّلت المِدْفَعِيَّة الحديثة عندما أصبح عُشْر المليمتر قياسًا دارجًا في معامل البنادق والمدافع، ولو استطعنا، سابقًا، قياسَ جزءٍ من ألف جزء من ثانيةِ قوسِ الدائرة بدلًا من عُشْرها لكان علم الفلك قد تَغيَّر تَغيُّرًا تامًّا، ولكنا قد اكتشفنا قوانين حركات الكواكب البعيدة التي افْترَضَت القياساتُ القديمة سكونَها في الفضاء مع أنها تنتقل بسرعة عظيمة إلى الغاية، ولو أمكن الميزانُ أن يَكْشِف عن جزء من مائة ألف جزءٍ من أجزاء المليغرام لكان أمر تحويل المادة معروفًا منذ طويلِ زمنٍ.

ولا يَكْشف ميزانُ الحرارة، المؤَسَّسُ لتعْيين تحولاتِ حَجْم المادة بحسب الحرارة، عن غير جزءٍ من مائةٍ من الدرجة، ويُؤدِّي مقياس الحرارة الكَهْرَبِيُّ، المؤسَّسُ على فكرة المقاومة الكَهْرَبِيَّة للمعادن تحت تأثير الجوِّ، إلى قياسِ جزء من مليونٍ من الدرجة، ويُعَلِّمُنَا أن الطَّيْفَ الشمسيَّ أوسعُ مما كان يُفْتَرَض، ولا رَيْبَ في أنه سيكون لهذه الملاحظة تأثيرٌ كبير في معارفنا في علم الجوِّ الذي لا يزال ابتدائيًّا.

ولكلِّ نظام للحوادث ردُّ فعلٍ يؤدي إلى تحقيقه وقياسِه، وجَعَل اكتشافُ رَدِّ فعلٍ محسوسٍ على مسافة كبيرة، ذاتِ أمواجٍ أَثِيرِيَّة ملازمة لكلِّ إطلاق كَهْرَبيٍّ، أمرَ البَرْقِ اللاسلكيِّ ممكنًا، أَجَلْ، إن قُوَى الطبيعة كثيرةٌ إلى الغاية على ما يحتمل، ولكن معرفتها تستلزم اكتشافَ رَدِّ فعلِها في بدء الأمر.

(٥) المناهجُ العلميةُ للبرهنة

لا يمكن أن يُؤْتَى بأية بَرْهَنَةٍ مفيدة من غير استناد إلى وقائعَ خياليةٍ أو حقيقية، ولا شيء يَحْدُث بالبرهنة الصِّرْفَة، فالفكرُ الذي يُؤَثِّرُ في نفسه غيرَ مستعينٍ بموادَّ تجيءُ من الخارج يَظَلُّ تأملًا فارغًا، والمبدأُ المُجَرَّد العاطل من مُعِينٍ مُعَيَّنٍ (محسوس) لا يمكن تَصَوُّرُه.

وتَنْفَع البرهنة، على الخصوص، في تفسير المشاهدات التي تأتي بها الحواسُّ والاستقراءُ والاستنتاج هما وجها البرهنة الأساسييْن، والاستقراءُ يُعَمِّم الأحوالَ الخاصَّة فيستخرج منها نتائجَ عامة، والاستنتاجُ يَسِير من العامِّ إلى الخاصِّ، وتَتَرَجَّح الروحُ البشرية بين الاستقراء والاستنتاج على الدوام.

والتعميمُ عمليةٌ ذهنية طبيعية تَحْدُث حتى عند الفِطْرِيِّين إلى الغاية، وتُفْضِي التصوراتُ النفسية للحال الواحدة إلى التعميم وإلى توليد النتائج، والنفسُ الدنيا في التعميم كالنفسِ العليا، وتختلف هذه عن الأولى في معرفتها تحقيقَ قيمةِ تعميماتها، فيمكن أن يقال عن التعميم، إذَنْ، إنه عنوانُ النفس العليا أو النفس الدنيا بحسب الوجه الذي يُتَّخَذ.

ومهما تكن مناهج البرهنة فإن اقتباساتِنا تَسِير من المعلوم إلى المجهول على الدوام، والمجهولُ نَفْسُه لا يُدْرَك إلا من خِلال المعلوم.

وجميعُ حوادث الطبيعة تابعٌ بعضُه لبعضٍ اتباعًا متقابلًا وثيقًا، وكثيرٌ من العوامل يمكن أن يساعد على إحداث كلِّ واحدة من تلك الحوادث، والواقعُ أن من المُهِمِّ أن يُعْرَف تعيينُ الشأن الحقيقيِّ أو الظاهر لتلك العوامل، ولا سيما درجةَ أهميتها، وهذا ما يُؤَدِّي إليه المِنهاج القياسيُّ الذي استعمله كلود برنار في مباحثه استعمالًا مُوَفَّقًا، ويقوم هذا المِنهاج على تكرار التجرِبة عندما تلوح هذه التجرِبةُ تابعةً لأحوال كثيرة، وذلك مع تغييرِ واحدةٍ من هذه الأحوال دفعةً واحدة، ومِنهاجٌ خصيبٌ إلى الغاية كهذا المِنهاج، مع نسيانه كثيرًا، يُطَبَّق على المسائل الصِّناعية مثلَ تطبيقه على المسائل العلمية، فقد حَوَّل المهندسُ العالِم الأمريكيُّ تِيلَرُ صِناعة الفولاذ بتخصيصه خمسًا وعشرين سنةً للبحث في تعيين عَمَلِ مختلف العوامل التي يمكن أن تُؤَثِّر في صنع المعادن، وَتِيلَرُ هذا، بعد أن اكتشف بضعَ عشراتٍ من التحولات المستقلة لم يُغَيِّر سوى واحدٍ منها دفعةً واحدةً في كلِّ تجرِبة.

والصِّلاتُ التي تَجْمَع بين الأمور إذ كانت كثيرةً جدًّا لم تَسْطِع ملاحظاتُنا وتفاسيرنا للحوادث أن تكون تامَّةً، ومن ذلك أن الكوكب لا يَتَّبِع السَّيْرَ الذي تُقَدِّره النظرية له، وأن الجسم لا يَسْقُط عموديًّا، فيبقى من كلِّ إيضاحٍ، إذَنْ، بعضُ الرواسب التي يجب على العلم الراقي أن يبحث عن أصلها، ويُؤَدِّي تفسير هذه الرواسب إلى بعض الاكتشافات على الدوام، شأنُ لُوڨِيرْيه الذي دَرَسَ علل الاختلالاتِ الصغيرة، التي لم توضح، في حركة إحدى السيارات فأسفر درسه هذا عن اكتشاف كوكب نِپْتُون الذي كان مجهولًا، وشأنُ رامْزِي المشهورِ الذي بحث عن مصادر الاختلافات الجزئية المُشاهَدَةِ في تركيب الهواء فحَقَّق وجودَ ما كان مجهولًا قبله من غاز الأرغون والغازات الكثيرة في غُضُون الجَوِّ.

ومن الملاحظات السابقة تَرَى التفسيرَ أصعبَ من التَّرَصُّد إذَنْ، والتفسيرُ ليس وليدَ المصادفة أبدًا، بل وليدُ التأملات الطويلة، ومن الحوادث العلمية عددٌ كبير ظَلَّ تفسيره مجهولًا فغدا خصيبًا إلى الغاية بعد أن أدْرِك معناه، ومن ذلك أن إطلاق الجسم المُكَهْرَب باللَّهَب ظَلَّ معروفًا مدة قرن تقريبًا من غير أن يدور في خَلَدِ أحدٍ أن تفسيرَ هذه الظاهرة يمكن، كما أثبتُّ في كتاب آخر، أن يُؤَدِّيَ إلى نظرية تلاشي المادة التي كان يُعْتَقَد خلودُها فيما مضى.

وجميعُ معارفنا إذ كانت قائمة على تَبَيُّن العلاقات بالمقايسات، كانت المقايسةُ دليلًا ثمينًا في البحث، والمقايسةُ تُؤَدِّي إلى تقريب الحوادث المتشابهةِ بعضِها إلى بعض، والبحثِ في مشابهاتها واختلافاتها، ومعرفةُ المتشابهات الخَفِيَّة وحذفُ المتشابهاتِ الخادعة أمرٌ صَعْب إلى الغاية.

ولَمَّا اكتشف فُورْيه قوانينَ انتشار الحرارة من خِلال جدارٍ وبَيَّن أن كَمِّيَّة الحرارة التي تخترقه هي بنسبة اختلاف الجَوِّ وبنسبةٍ معكوسة من مسافةِ وجوهِ الجِدار لم يَبْقَ غيرُ استبدالِ كلمةِ التَّوَتُّر بكلمة الجوِّ وكلمةِ السِّلْكِ بكلمة الجِدار وصُولًا إلى قانون انتشار التَّيَّار الكَهْرَبِيِّ، وكان إدراك هذا القياس، مع ذلك، كثيرَ الصعوبة عندما اكتشفه أُوهْم فقضى عشرَ سنواتٍ في حَمْل الناس على الاعتراف بصحته، وكذلك خَفِيَ على الأنظار عندما أُبْدِيَ مبدأُ كارْنُو القائمُ على مقايسة سقوط الحرارة بسقوط الماء والذي أسفر عن تحويل الفيزياء الحديثة، فقضى علماء الفيزياء، الذين شاهدوا أهميته، خمسًا وعشرين سنة قبل أن يُدْرِكوا أنه يُطَبَّق على جميع وجوه القوة، لا على الحرارة وحدَها، وهنا، أيضًا، كان إدراك هذا القياس أمرًا صَعْبًا في بدء الأمر فأصبح بديهيًّا في هذه الأيام.

أَجَلْ، إن تلك المقايساتِ البعيدةَ تُؤَدِّي إلى اكتشافات عظيمة، ولكنها تتطلب زمنًا كبيرًا، فقد انتظر الناس ألوفَ السنين حتى ظهر علماء الطبيعة الذين استطاعوا أن يَعْرِفوا أن الجمجمة هي فَقْرَةٌ مُحَوَّلة، وأن الجَنينَ يُكَرِّر بعضَ الأطوار الموروثة للأنواع التي يُشْتَقُّ منها.

وإذا كان من العسير اكتشاف المقايسات الخَفِيَّة تحت المختلفات فإنه يَعْسُر حَمْل الناس على قبولها أكثر من ذلك في بعض الأحيان، فنحن نَعِيش في جَوٍّ من الأفكار المُقَرَّرة فَنَعُدُّ من يُكْرِهنا على تغييرها عَدُوًّا، ولذا كان، في الغالب، ما نَعْلَم من طِيلَة تفسير الوقائع الواضحة جدًّا، ومن ذلك أن مَضَتْ عِدَّةُ قرونٍ لإثبات وجود جنسٍ للنباتات، وأن مَنَح مَجْمَع أمستردام العلميُّ، في سنة ١٨٥٠، جائزةً لعالِمٍ طبيعيٍّ ألمانيٍّ منكر لجنسية الأزهار، والعلمُ لم يستقرَّ حَوْل مسألة التفسير هذه التي غَدَت اليوم ابتدائيةً إلَّا منذ زمن قريب إلى الغاية.٤

وتُعَدُّ الوقائع، على العموم، حوادثَ بسيطةً لا تبديل لها، مع أن الأمرَ غيرُ هذا، فالحادثةُ، هي، كالإحساس وكالفكر، مجموعةُ عناصرَ كثيرةٍ على الدوام، ونحن نُهْمِل العناصرَ الثانوية عن تجريدٍ أو جهل، ومما يَعُدُّه الجاهلُ أمرًا ابتدائيًّا، هو أن الجسم السريع الالتهاب يحترق إذا ما جُعِل في لَهَب، وهذا الجسمُ، مع ذلك، مركَّبٌ مُعَقَّد ظَلَّ أمرُه غيرَ مُدْرَكٍ عِدَّةَ قرون، أي إلى أن اهتدى لاڨوازيه، بعبقريته، إلى بعض عناصره التي ترانا بعيدين عن معرفتها جميعها حتى اليوم.

والأمرُ المُحَقَّق هو، إذَنْ، عُنْوانُ عملٍ تَدَخَّل فيه تجريدٌ لا إراديٌّ أو مقصودٌ.

ولا تَجِد وقائعَ بسيطةً ما دمتَ لا ترى في الطبيعة حادثةً يمكن عزلُها تمامًا، ونحن نُحْدِث بساطتَها بما نأتيه من تجريد نَعْزِلُها به من كلِّ ما هو مرتبطٌ فيها، فالأمر المعزول يُعْرَض مُشَوَّهًا إذَنْ.

ويجب أن ننظر إلى أكثر ما نعرفه من الحوادث، كَعَمُودِيَّة سقوط الحجر مثلًا، لنرى كثرةَ العناصر التي تُغْفَل في أثناء تَرَصُّدِها، فإذا ما قلنا إن الجسم المتروك لنفسه يَسْقُط عَمُودِيًّا نكون قد أبدينا ملاحظةً بسيطة جدًّا كما يُفْتَرَض، وليس الأمر كذلك مع ذلك؛ وذلك لأن وسائلَنا في القياس لا تُؤَدِّي إلى تسجيل جميع العوامل كحركة دوران الأرض وجاذبية القمر والشمس … إلخ، اللتين يَفْرِضُ تأثيرُهما في الجسم، وهو يسقط، خَطَّ سَيْرٍ قريبًا من الخطِّ العَمُودِيِّ، ولكن من غير أن يكون عَمُودِيًّا.

ويحاول الرياضيون إدخالَ تلك المُؤَثِّرَات الأجنبية إلى حساباتهم، وذلك بإضافتهم إلى الدستور العامِّ لكلِّ حادثةٍ تصحيحاتٍ متتابعةً مُعَدَّةً لإبداء ما يَنْجُم عن العِلَل الثانوية من الشَّوَاذِّ، ولا حَدَّ لهذه التصحيحات إذا ما أريدت الصحةُ المطلقة التي يتعذر بلوغها مع ذلك، فالعِلْم لا يكون إلا تقريبيًّا إذَنْ.

وجميعُ الحوادث إذ كانت متشابكةً تُؤَدِّي معرفة إحداها إلى اكتشافِ حوادثَ أخرى كثيرةٍ في الغالب، قال كوڨيه:

يوحي أثرُ رِجْلِ ذي الظِّلْفِ إلى الناظر بشكل أسنان الحيوان الذي مَرَّ وشكلِ فَكَّيهِ وشَكلِ فِقَرَاته وشكلِ عِظامِ ساقَيْهِ وفَخذَيْه وكَتِفَيْه وحَرْقَفَتِه.

وبفضل تشابك الحوادث نَقْدِر، في الغالب، على تَمَثُّلها من غير أن نُدْركها ومن غير أن يَدُورَ جهازُها في خَلَدِنا، قال بِرْتِلُو:

قدرتُنا أبعدُ مدًى من معرفتنا، وبعضُ شروط الحادثة الواحدة إذ كان معروفًا لدينا معرفةً ناقصة يكفي تحقيق هذه الشروط الناقصة، في الغالب، حتى تَبْدُوَ الحادثة على مجال واسع، وما فَتِئَ تَقَلُّبُ السُّنَن الطبيعية يَنْمُو ويُتِمُّ نتائجَه على أن يقع على وجه ملائم … والقُوَى، بعد أن تبدأ بالسَّيْر، إذا كانت لا تتبع بنفسها ما بَدَأَتْ به من عملٍ فإنه يتعذر علينا تقليدُ أيةِ حادثةٍ طبيعية واستحصالُها على وجه مصنوع؛ وذلك لعدم معرفتنا أيةَ حادثةٍ معرفةً كاملة؛ وذلك لأن معرفة كلِّ حادثة معرفةً كاملة يتطلب معرفةَ قوانين جميع القُوَى التي تتضافر على إحداثها، أي على معرفة الكَوْن معرفةً تامَّةً.

هوامش

(١) الأكمه: الأعمى المولود أعمى.
(٢) الشعرى: الكوكب الذي يطلع في الجوزاء وطلوعه في شدة الحر.
(٣) وإليك الأرقام التي انتهى إليها أهم علماء الفيزياء الذين حاولوا توطيد وزن كيلوغرام واحد، أي وزن عشر متر مكعب من الماء كما ذكر كولسون: ٩٩٩ غرامًا و٨٤٧، ٩٩٩ غرامًا و٨٩٠، ٩٩٩ غرامًا و٩٧٨، ٩٩٩ غرامًا و٩٥٥. فإذا ما قابلنا بين أعلى تلك الأرقام وأقلها كان عدم الضبط مقدار ديسيغرام.
(٤) يمكننا أن نقول على العموم إن الحوادث كلما صعب ترصدها وتفسيرها سهل إيجاد إيضاح لها، ومما أشرت إليه في ذلك مؤلفات القرن السابع عشر العلمية حيث تبدو الإيضاحات مخالفة للصواب في الطب، وذلك كما يتجلى في رأي أحد الأطباء المشهورين في ذلك العصر غينول حول مرض پسكال، فقد جاء فيه:

إن پسكال يشكو من ارتباك في الأمعاء مصدره سائل سوداوي، فهذا السائل حينما يختمر يحدث أبخرة تنشأ عنها أعراض تختلف باختلاف أقسام الجسم التي تصيبها، وذلك السائل يختمر لأنه يغلي، والحرارة هي مصدر هذا الغليان، فيجب فصد المريض في ذراعيه ثم تنظيف جسمه بمسهل إذن.

أعطي هذا الرجل الكبير مسهلًا وفصد، ثم فصد ثانية، ثم أعطي مسهلًا فلم يقف «غليان الأبخرة» فعولج بالإثمد (الأنتيموان) على مقياس واسع فمات من فوره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠