الفصل الحادي عشر

القراءة في زمن الحرب

«هل للإقبال على القراءة في زمن الحرب أسباب حقيقية؟ وإن كانت لها أسباب حقيقية فما هي؟ وكيف يستفاد من هذا الإقبال خير فائدة؟»

•••

تلك بعض الأسئلة التي استخلصتها من خطاب مطول في هذا الموضوع، وأحسبه من أحق الموضوعات بالدراسة في الوقت الحاضر؛ لأنه موضوع القراءة الذي تنطوي فيه سائر الدراسات.

فأما أن الإقبال على القراءة له أسباب حقيقية، فذلك ما ليس فيه شك ولا يحتاج إلى بينة.

إذ كل شيء حاصل فله لا محالة أسبابه الحقيقية، وإلا لم يحصل ولم يكن له وجود، وإنما يجوز الخلاف في دوام هذه الأسباب وزوالها، أو في قوتها وضعفها، أو في خلوصها وما قد يشوبها من العوارض الغريبة عنها.

فأما أنها حقيقية، فذلك أمر لا محل فيه لخلاف.

والأسباب التي تدعو إلى الإقبال على القراءة في هذه الفترة كثيرة لا تنحصر في ناحية واحدة، وقد تنحصر في جملة الأسباب التالية:

فمنها أن البريد الأوروبي لا يحمل إلى مصر كل ما كان يحمله إليها من الكتب والصحف والمجلات من معظم البلدان.

فقد كان يرد إلى مصر بريدٌ حافل بهذه المطبوعات في كل أسبوع، وكان له قراء مثابرون على مطالعته كلما وصلت رسالة من رسالاته، فانقطع بعض الذي كان يصل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا، وقل وصول بعض الذي كان يصل من إنجلترا وأمريكا، وتحول قراؤه إلى مراجع أخرى يشغلون بها وقت القراءة، ومعظمها من المراجع العربية الحديثة أو القديمة.

ومن تلك الأسباب أن الصحف اليومية كانت منها صحف تصدر في أربع وعشرين صفحة أو عشرين، وصحف تصدر في ست عشرة صفحة ولا تقل عنها، وكانت إلى جانبها صحف أسبوعية تصدر في أربعين صفحة، وتزيد عليها في بعض الأسابيع.

فنقص كل ذلك نقصانًا بينًا بغير تدريج طويل، وأصبح الحد الأقصى للصحيفة اليومية في أكثر الأيام أربع صفحات، وعم النقص سائر الصحف والمجلات، فأوشكت أن تصدر في ثلث عدد صفحاتها قبل الحرب الحاضرة.

وكل هذا النقص تقابله زيادة في وقت القراءة عند من تعودوا مطالعة الصحف والمجلات في حجمها الأول، ولا بد لهذا الوقت من شاغل يناسبه ويجري في مجراه.

وإلى جانب النقص في الصفحات ألف الناس الأخبار التي لا يعرض لها كثير من التنويع والمفاجأة، وندرت المناقشات السياسية التي يشتد فيها الجذب والدفع والتأييد والتفنيد، وينشط القراء إلى متابعتها بحماسة التشيع، تارة إلى هذا وتارة إلى ذاك، فأصاب القراء شيء من الفتور إلى جانب النقص في المادة المقروءة لو أنهم نشطوا إليها.

•••

ومع هذا كله كثر الوقت الذي يتسع للقراءة لانصراف الناس عن السهر في خارج البيوت؛ إما لتقييد الإضاءة أو لقلة الجديد في دور الصور المتحركة ودور التمثيل.

ومع هذا وذاك كثرت النقود بين الأيدي، وتيسر شراء الكتب بالأثمان التي أوجبها غلاء الورق وغلاء تكاليف الطباعة، وقال الخبراء بشئون الاقتصاد: إن كثرة النقود في الآونة الحاضرة دليل على رخاء صحيح، وليست من عوارض التضخم التي تنشأ أحيانًا من شيوع العملة الورقية؛ إذ الناس يبيعون محصولاتهم، وتبقى معهم أثمانها في داخل البلاد، خلافًا لما كان يحدث قبل سنواتٍ من تصرف هذه الأثمان إلى خارج القطر بالسفر، أو باستجلاب البضائع الأجنبية، فهذه الأثمان المحفوظة في البلاد هي ثروة حقيقية مكسوبة من موارد حقيقية، وليست بالثروة المصطنعة التي تنشأ من شيوع الورق النقدي بغير مقابل معروف.

•••

وخلاصة ما تقدم أن الإقبال على قراءة الكتب العربية يرجع إلى تحول بعض القراء من مادة إلى مادة، وإلى اتساع وقت القراءة، وإلى تيسر الشراء، ويدوم ما دامت هذه الأسباب.

فإذا ضعفت طاقة الشراء، أو ضاق وقت القراءة، أو توافرت المادة الأولى التي كانت متوافرة قبل سنوات، فقد يتغير هذا الإقبال، وقد تثوب الحال إلى ما كانت عليه من قبل أو تتمخض عن حال جديد لم نعهده حتى الآن.

هذا الحال الجديد الذي لم نعهده حتى الآن قد يأتي من ناحية واحدة معلقة على تيسر الورق وتيسر الطباعة.

فإذا تيسر الورق وتيسرت الطباعة بقية أيام الحرب ثبتت في البلاد العربية عادة يصعب تغييرها، وإن عاد البريد الأوروبي إلى نظامه السابق، وعادت الصحف اليومية والأسبوعية إلى نطاقها الأول.

تلك عادة القراءة في الكتب وحسبانها من حاجات الحياة العصرية، ومطالب المجتمع المهذب، فإنها عادة قد تتأصل في مصر كما تأصلت في البلدان الأوروبية على كثرة الصحف فيها، واتساع صفحاتها، وتنوع موضوعاتها.

ويزيد هذه العادة تمكينًا أن يتيسر إخراج ورق الطباعة من مصانع وطنية توالي مصر وبلاد الشرق القريب بما هي في حاجة إليه، فإن رخص الورق يغري بطبع الكتب الرخيصة التي تقبل عليها جميع الطبقات، ولا سيما إذا اجتمع لها إغراء الرخص وإغراء الموضوعات.

•••

أما الاستفادة من الإقبال على القراءة في زمن الحرب خير فائدة مستطاعة، فذلك موقوف على معنى الفائدة التي نرمي إليها.

فإن كانت فائدة الربح، فسبيلها أن تعطي «جمهور القراء» ما يشتهيه من الموضوعات التي يحسبها جديرة بالقراءة، قمينة بالفائدة.

وإن كانت فائدة الثقافة، فسبيلها أن تعطي جمهور القراء ما هو في الواقع محتاج إلى علمه، وإن لم يخطر له ذلك.

ومما لا شك فيه أن جمهور القراء يحتاج إلى كثير، وإن كثيرًا مما يقرؤه لا حاجة به ولا غناء فيه، وإن الوقت قد حان لتزويده بما يحتاج إلى عرفانه من أحوال العالم اليوم، وأحوال العالم بعد نهاية الحرب، إلى زمن طويل.

فبين الموضوعات التي كانت مهملة أكبر إهمال يعاب على أبناء الحضارة في العصر الحاضر، موضوع المشاكل الاجتماعية والسياسية في قارة أوروبا، وفي البلاد الغربية على الإجمال.

فقل جدًّا في مصر وبلاد الشرق القريب من كان يتابع هذا الموضوع، ويعرف ما ينبغي عرفانه من أطوار الفكر وصراع الدخائل الاجتماعية في كل أمة من الأمم، وارتباط ذلك جميعه بمقاصد الحكومات، ومقاصد الزعماء الذين يقبضون على أعنة تلك الحكومات، أو على أعنة الهيئات السياسية.

فكم من المصريين المثقفين — ولا نقول: الجهلاء — كان يعرف ما ينبغي أن يعرف عن مسألة «التقسيم الجديد» في الولايات المتحدة؟

وكم منهم كان يعلم حقيقة العناصر التي أيدت هتلر في ميدان السياسة الألمانية؟ أو حقيقة العناصر التي أيدت فرانكو في ميدان السياسة الإسبانية؟ أو حقيقة الخلاف بين ستالين وتروتسكي، وما يتصل به من خطط روسيا وعلاقاتها بالشرقين الأقصى والأدنى؟

كم منهم كان يعلم ما وراء البضائع اليابانية المنشورة في أسواقنا من حبائل الاستعمار ومطامع الاستغلال؟

كم منهم كان يعرف زعماء الأمم على ما فطروا عليه، فيعرف ما يصنعونه وما يريدونه، وما ليس خليقًا أن يصنعوه أو يريدوه؟

إن الذين عرفوا ذلك لجد قليلين.

وإن الذي أصابنا من جهل ذلك لجد عظيم.

لأننا أخذنا بالحرب ولما نتبين من تياراتها كيف تتجه سفينة النجاة، وكيف تهب رياح الأخطار.

فإذا أحببنا ألا يفاجئنا السلم مثل هذه المفاجأة، فعلى الذين بأيديهم أمر القراءة والطباعة أن يملئوا الأذهان بالمعارف، والمعلومات التي تغني في استطلاع الأحوال والمقاصد بعد الحرب الحاضرة، إلى زمن طويل.

ما الذي تريده هذه الأمة أو تلك؟

ما الذي يريده هذا الزعيم أو ذاك؟

وما الذي يخلص فيه؟ وما الذي يُمَاذق فيه؟ وما الذي تواتيه عليه الأسباب الحاضرة؟ وما الذي يخشى أن يعرقله من الأسباب المنظورة؟

بعض ذلك غيب لا سبيل إلى استطلاعه.

وبعض ذلك عيان مشهود أو في حكم العيان المشهود من أخبار الأمم، ودراسات المفكرين، وسوابق التاريخ، وضرورات الاجتماع و«الاقتصاد».

ولا يزال في الوقت متسع لاستدراك ما فات، ولا يزال الباب مفتوحًا لمن يلج فيه، ولا تزال الحاجة كل يوم في إلحاح ومزيد من الإلحاح.

ومهما يكن من قصر الوقت الباقي من زمن الحرب، فانقضاء هذا الوقت في معرفة الحقائق والتأهب للطوارق، خير من قضائه في الإهمال والتسويف، وليكن إقبال الناس على القراءة حافزًا لمن يعنيهم أن يقرءوا ما يصلح للفهم في كل زمن، وما يصلح للفهم في الزمن الأخير من الحرب على التخصيص، وليس الكتاب وحدهم أصحاب الشأن في الكتابة؛ لأنهم لا يملكون زمام الأمر إلا القليل، فلو كنا على ما نود من توافر الأداة الثقافية لنهض بالأمر جمع قادر أولو جاهٍ ومال يقررون الموضوعات، ويوزعون الأبواب، وينفقون على ثقة من الكسب وعلى توقع للخسارة في وقت واحد، أو يراوحون بين ما يربح وما يحتمل الخسارة، فلا يهمهم أن يربحوا من كل شيء ما داموا لا يخسرون من كل شيء.

إننا لقادرون على ذلك لو أردناه.

إننا لمريدوه لو أدركنا دواعيه وأدركنا عقباه.

فهل ندركها؟

إن قلنا: «فيها قولان.» وكفى، فنحن متفائلون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠