الفصل الثالث والثلاثون

مساجلات

لقيني كاتب معروف يتشيع للبدع الحديثة حتى تقدم فيتركها ويتشيع لغيرها، فقال لي: إنك أنكرت «الوعي» الباطن في التصوير، وأخذت على غلاة المحدثين أنهم يعتمدونه في صورهم، مع أنك ترجع إليه في شعرك، وترسم بالقلم نظائر لما يرسمونه بالريشة.

قلت: مثل ماذا؟

قال: مثل قولك في وصف قبة الفضاء إحدى الليالي:

كأنها الهاوية المقلوبة
كأنها الجمجمة المنخوبة
تهمس فيها الذكر المحبوبة

وهذا من صور الوعي الباطن، وليس من صور العيان.

والذي قاله الكاتب المعروف يخالف الواقع، ولا يؤيد المدرسة الغالية من المصورين، أو مدرسة «السريالزم» على وجه من الوجوه.

فأنا — من جهة — لم أنكر الوعي الباطن ولا موجب لإنكاري إياه، وإنما أنكرت أن يكون وجود الوعي الباطن ملغيًا للوعي الظاهر، وللمشاهدات الحسية، والمرئيات العيانية، وأنكرت أن يكون الوعي الباطن ملغيًا لقواعد التصوير قديمها وحديثها، فلا تبقى للمصور مزية على الجاهل بفن التصوير؛ لأنهما على حد سواء يهملان التلوين والمشابهة، وأصول الرسم والتمثيل، وأبيت أن أعتقد كما يعتقد الواهمون أن «الوعي الباطن» شيء جديد في هذه الدنيا، وهو هو تلك الملكة الراسخة في قرارة النفوس قبل ظهور التصوير والمصورين، فلم يكن رسوخها هذا حائلًا بين المصورين الأقدمين، وبين رؤية الأشياء كما يمثلها العيان.

إن الوعي الباطن ليس من اختراعات هارتمان ولا فرويد، ولا من مصنوعات القرن العشرين، ولكنه ملكة إنسانية وجدت في مصوري رومة وهولندة وإسبانيا، كما توجد في المصورين المحدثين؛ فلماذا نلغي العيون اليوم ولا نرى الأشياء إلا بالتنجيم والتخمين؟ ومن الذي قال: إن حامل الريشة هو المتخصص في تنجيمات الوعي الباطن دون المعلم والمهندس والطبيب، والكاتب والشاعر وسائر المثقفين وغير المثقفين؟

هذا كلامي عن «الوعي الباطن» لا يدحضه الشعر الذي ذكره الكاتب المعروف، وأراد أن يسلكني به في عداد أولئك المنجمين.

على أن الشعر الذي ذكره الكاتب المعروف يعطي العيان حقه، ويعتمد على الحس، ولا ينسى المشاكلة ولا المشابهة من جانبها الظاهر ولا من جانبها الباطن أقل نسيان.

فالتجويف ملحوظ في قبة الفضاء وفي الجمجمة المنخوبة، وهمس الذكر يقترن بالرأس، ويقترن بالسماء في لياليها المرهوبة، وإذا تسربلت السماء بسربال الرهبة، فالشعور الذي توحيه إلى النفس أقرب شيء إلى شعور الإنسان أمام الرؤى التي أحاط بها عالم الفناء والأبدية.

فالمشابهة الحسية والمشابهة المعنوية متوافرتان هنا كل التوافر، وليس في «السريالزم» أثر للمشابهات، ولا للتوافق بين الرسم والتصوير.

على أننا نذهب مع الكاتب المعروف إلى أقصى مداه، ونفرض أن وصفي الفضاء في إحدى الليالي المرهوبة بالجمجمة وعيٌ باطن ليس فيه من الوعي الظاهر كثير ولا قليل.

نفرض أنني رجعت إلى «الوعي الباطن» في بيت أو بيتين، أو عشرة أبيات من عشرة آلاف بيت، فأين هذا من إلغاء الحس والعيان كل الإلغاء، وتطليق العيون والأسماع إلى آخر الزمان؟ إن تسلل الوعي الباطن مرة في كل ألف مرة لهو احتمال جائز موافق لطبيعة السوانح الباطنية، أما الوهم الذي لا يجوز ولا يوافق طبيعة من الطبائع، فهو أن نصبح كلنا وعيًا باطنًا، وأن تصبح الدنيا كلها موعية باطنة، لا تستخدم فيها عين ولا أذن كما يستخدمها خلق الله في المسكن والملبس والطعام والشراب والدرس والتخيل والتفكير.

هذا الذي ننكره وينكره كل ذي عينين وكل ذي وعي باطن مستقر في مكانه كما خلقه الله، أما المصورون الذين يقذفون بالألوان والرسوم إلى عرض الطريق ليحدثونا باسم «الوعي الباطن»، فأول ما ينبغي أن يسمعوه منا أنكم يا هؤلاء لستم بأصحاب الاختصاص في هذه الأسرار، فإذا فشلتم في حمل الريشة وخلط الألوان، فقد فشلتم في وظيفتكم المعترف بها، وادعيتم لأنفسكم وظيفة لا يعترف لكم بها إنسان، ولا حاجة بالناس إليها؛ لأنهم جميعًا أصحاب «وعي باطن» مثلكم وزيادة … فما حاجتهم إليكم وإلى غيركم من أدعياء هذه الكهانة المعروضة عليهم في ثوب التصوير؟

•••

ومن المساجلات التي نُبهت إليها: كلمة لأديب قال فيها عني في صدد الكلام على أبي العلاء ورسالة الغفران:

… والعقاد يبدأ فيؤكد — فيما يعلم — أن فكرة أبي العلاء في هذه الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبقه إليها أحد غير لوسيان في محاوراته في الأولمب والهاوية، وهذا قول عجيب يدخل في سلسلة تأكيدات الأستاذ العقاد التي لا حصر لها في كل ما كتب، والتي كثيرًا ما تدهشنا لجرأتها؛ ففكرة الرحلة إلى العالم الآخر قديمة قدم الإنسانية، عرفها اليونان قبل لوسيان، وعرفها العرب قبل أبي العلاء.

لا يا شيخ!

العالم الآخر قديم قبل لوسيان، والجنة والنار قديمتان قبل أبي العلاء!

سبحان الله! كنا نظن غير هذا … كنا نظن أن الجنة والنار خلقتا بعد المعري بثلاث، أربع سنوات! وأن لوسيان ظهر على الأرض فظهر معه الجحيم السفلي الذي تحدث به اليونان.

أما وصاحبنا المدهوش من جرأتنا يؤكد لنا أن الأمر على غير ذلك، فلنرجع إذن عن توكيداتنا الجريئة، ولنعلن التوبة بين يديه لنقول له: صحيح، صحيح والله … الجنة والنار كانتا معروفتين قبل أبي العلاء، والعالم السفلي كان معروفًا قبل لوسيان … ولندن … لندن نعم لأجل خاطرك كانت موجودة قبل رحلات المسافرين إليها، وكذلك والله باريس، وكذلك والله القاهرة، وكذلك والله الهند والصين وبلاد تركب الأفيال، أو بلاد تمشي على الأرض ولا تركب حتى النعال.

أفادك الله يا مولانا الذي يتربع على الكرسي العريض؛ لينكر على المساكين من أمثالنا توكيداتهم الجريئة، ويعلمهم كيف تكون التوكيدات من آخر طراز.

وأي توكيدات؟!

توكيداته التي لا جرأة فيها هي أننا نحن المساكين، أو أن أحدًا من خلق الله أجمعين، يجهل أن أبا العلاء قد تكلم عن شيء معروف حين تكلم عن الجنة والنار، وأن لوسيان لم يكن أول من سمع بالعالم السفلي بين قدماء اليونان.

فنحن بعد الاستئذان في قليل من الجرأة التي يدهش لها صاحبنا نجترئ مرة أخرى، فنقول له: إننا لم نجهل معرفة الناس بالجنة والنار، وهبوط الملائكة وصعود الشياطين قبل أبي العلاء، وإن أحدًا من القارئين لم يجهل هذا، ولا يحسن بأحد أن يرمي أحدًا بجهله، فهذا تحصيل حاصل مفروغ منه، وليس أدعى إلى الدهشة من مجازف يجترئ على توكيده … ولكننا إذا تكلمنا عن الآثار الأدبية التي تتخذ من الرحلة بين الجنة والنار موضوعًا لها، فهذا كلام آخر يجمل به أن يصغي إليه؛ وإذا جمعنا بين المعري ولوسيان في هذا الصدد، فذلك مبحث يصح النظر فيه والاستفادة منه. أما أن يتربع متربع على كرسي الفتاوى ليحدث قراءه بوجود السماء والأرض والملائكة والشياطين قبل الكتابة عنهم والرحلة إليهم، أو بوجود لندن وبرلين قبل كتب السياحة والرحالين، فلا يستغرب أن يجترئ بعض القراء، ويا له من اجتراء، فيزحزح له كرسيه قليلًا إلى الوراء!

بل لا نظن أن القارئ يكتفي بزحزحة الكرسي قليلًا إلى الوراء إذا كان ممن يعلمون أن «العقاد» قد سبق إلى كتابة هذا، فقال قبل عشرين سنة عن رحلة أبي العلاء: «أي شيء من هذه الأشياء لم يكن من قبل هذا معروفًا موصوفًا؟ وأي خبر من أخبار الجنة المذكورة لم يكن في عصره معهودًا للناس مألوفًا؟ كل أولئك كان عندهم من حقائق الأخبار ووقائع العيان …»

ثم قال: «فهي رحلة قديمة كما قلنا، ولكنه أعادها علينا كأنه قد خطا خطواتها بقدميه، وروى لنا أحاديثها كأنما هو الذي ابتدعها أول مرة …»

ومن يدري؟ فقد يكون من اجتراء العقاد أنه اختلس هذه الحقيقة قبل عشرين سنة، ولم ينتظر الإذن قبل اجترائه على الاختلاس والادعاء!

•••

ولا شك أن «المندورين» في هذا البلد كثيرون مع اختلاف في الأسماء والعناوين … فمنهم ذلك الذي تسمى في إحدى المجلات باسم «مصطفى»؛ ليستر ما في مقاله من سوء النية وهو يتكلم عن النبي العربي، ويتميز غيظًا لأننا عرضنا لتعدد زوجات النبي في كتابنا «عبقرية محمد»، فرددنا أسبابه إلى مصلحة الدعوة الإسلامية، ولم نتخذ منه ذريعة لتلويث السمعة كما فعل المتعصبون من المبشرين والمستشرقين، وليس هذا بالعلم ولا بالمنطق في رأي أذناب الاشتراكية الرعناء … إنما العلم والمنطق أن تلوث كل عظيم في تاريخ بني الإنسان؛ لأن مقاصد الاشتراكية الرعناء لا تستقيم لأصحابها وفي الدنيا عظمة شريفة تستحق التبجيل والولاء، وكفى بحقارة مذهب لا يستقيم إلا بتلويث كل عظيم!

قال ذلك «المصطفى» المزعوم إننا دافعنا عن محمد فقلنا: «لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر الجنسية لأنه لم يتزوج قط؛ فلا ينبغي أن تصف محمدًا بأنه مفرط الجنسية لأنه تزوج بتسع نساء.»

ثم قال ذلك المصطفى المزعوم معقبًا على كلامنا: «ولكن ما رأي العقاد لو قال الناقد: إني أرى المسيح قاصر الجنسية وما أنفي عنه هذه الصفة.»

ورأي العقاد أن الناقد لن يقول ذلك؛ لأنه كان من أساطين المبشرين، فإن أعْدته الاشتراكية الرعناء بسوء أدبها فجوابه إذن أن نرده إلى تاريخ النبي، كما فعلنا فنريه بما يفقأ عينه أن الرجل الشهوان يجمع بين تسع زوجات من الأبكار الحسان، وهو قادر على ذلك كل القدرة، ولا يختار زوجاته كما صنع النبي من المسنات المتأيمات اللائي لم يشتهرن بالجمال، ثم البكر الوحيدة منهن بنت أبي بكر الصديق، التي يرجع التزوج بها إلى أسباب المصلحة الإسلامية قبل كل اعتبار.

فهل «تنبسط» الاشتراكية بهذا الجواب، أو يملؤها سم البغضاء وصديده؛ لأن في العالم الإنساني رجلًا باقيًا بغير تلويث؟!

وقال ذلك المصطفى المزعوم: إن العقاد «يقيم الحجة على نبوة محمد باضطراب الأحوال وقت نشوئه في بلاد العرب … ترى أين يكون اقتناع العقاد لو انبرى مسلم — قبل أن يتصدى من لا يدين بالإسلام — وقال: إن الأحوال الحاضرة أشد قساوة مما مضى في عهود الإنسانية جميعًا … وإذن فالحال المعاصرة تستلزم نبيًّا ينشر الخير والعدل، فأين هذا النبي ممن عرفهم العالم حاليًّا …؟»

والعجيب أن يسألني هذا المصطفى المزعوم عن رأيي وقد بينته صريحًا في الكتاب نفسه حين قلت: إن العالم حائر في طلب العقيدة أو طلب المسوغ للوجود؛ لأن الوجود وحده لا يكفي الإنسان إلا أن يكون على طبقة مع الحيوان، فالإيمان للمستقبل، وعسى أن يكون المستقبل للإيمان …

قلت ذلك في ختام الكتاب وجعلته خلاصة الرأي فيه وموضع العبرة منه، ولا أزال أقول كما قلت دائمًا: إن خلاص العالم مرهون بالإيمان، وإن حياة الناس بغير عقيدة نبيلة هي حياة حشرات.

ولكن الإيمان الذي يحتاج إليه العالم لن يكون إيمان المعدات والأمعاء؛ لأن الإنسانية لن تحتاج إلى رسل وحكماء ليعلموها عبادة الطعام والشراب، وإن أحقر حصان معلق في مركبة نقل ليعلم من هذه الفلسفة ما يعلمه كارل ماركس ولنين وإخوان هذه العصبة أجمعين.

إنما يحتاج العالم إلى إيمان يليق بأبناء آدم، ولا يحتاج إلى إيمان يزعم أنه يخلصه من ضرورات المعدة بعبادة هذه المعدة في الصباح والمساء، وفي ساعة العمل وساعة الرياضة، وفيما يدير عليه تجارب العلم ومطالب الفن، وأشواق النفس وعقائد الضمير.

قبِّحت عقيدةٌ كهذه العقيدة إن قضى بها النحس على أمة من الأمم، فهي عقيدة لن تخلص الناس من ضرورات المعدة وخسائسها، بل تفرض عليهم عبادتها وتسجل عليهم الخضوع لرهبة الرجوع إلى آخر الزمان، وقُبِّح من رسل أولئك الذين لا جديد عندهم يعلمونه الناس وراء ما علمته الحشرات قبل ملايين السنين، وأبى الله أن «تنبسط» الاشتراكية الرعناء إن كان تحقير عظماء الإنسانية وتحقير الإنسانية كلها فرضًا لزامًا لمن يسترون شرورهم بأمثال هذه الدعوات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤