الفصل الثامن والثلاثون

الشعر والقصة

حين يقول القائل: إن الذهب أنفس من الحديد يقرر شيئًا واحدًا، وهو أن الحديد لا يدرك ثمن الذهب في سوق البيع والشراء، ولكنه لا يقرر إلغاء الحديد ولا استخدام الذهب في المصانع والبيوت بديلًا منه، ولا يعني أن الذهب يغني عن الحديد، أو عن غيره من المعادن في غرض من أغراضه.

كل ما يقرره شيء واحد، وهو أن سعر الذهب أغلى من سعر الحديد، ولا لوم عليه في ذلك، وإن قيل له: إن الحديد أنفع وأشيع من معادن الزينة والتجميل.

ونحن قد فضلنا الشعر على القصة في سياق الكلام عليهما من كتاب «في بيتي» … فكل ما قلناه إذن هو أن الشعر أنفس من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة.

فلا يقال لنا جوابًا على ذلك: إن القصة لازمة، وإن الشعر لا يغني عن القصة، وإن التطويل والتمهيد ضرورتان من ضرورات الشرح الذي لا حيلة فيه للرواة والقصاصين.

ويستطيع الأديب الأستاذ محمد قطب أن يقرر كما قرر في «الرسالة»: «أن القصة دراسة نفسية لا غنى عنها في فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغن عنها؛ لأنها في ذاتها أحد العناصر التي يحتاج إليها قارئ الحياة.»

يستطيع الأديب هذا، كما يستطيع أن يقول: «إن الحديد معدن نافع لا غنى عنه في تركيب الآلات وبناء البيوت، وليس الذهب أو الفضة أو الجوهر النفيس على اختلافه بمغن عنها؛ لأنه في ذاته أحد المعادن التي نحتاج إليها في الحرب والسلم، وفي الصناعة والتجارة.»

ولكنه بعد كل هذا يذهب إلى السوق ليشتري الحديد، فلا يبذل فيه ثمن الذهب والفضة، ولا ينكر على التاجر أن يزن له درهمًا من النقد برطل من الحديد المفيد.

وقد قلنا في كتاب «في بيتي»: إن القصاص قد يرجح الشاعر في الملكة الذهنية والقريحة الفنية، ولكننا لا نفضل القصة على الشعر من أجل ذلك كما لا نفضل الجميز على التفاح لأن الأرض التي أثمرت الجميز كانت في حالة من الحالات أخصب وأجود من الأرض التي أثمرت التفاح.

وينفعنا مثل الجماد هنا كما ينفعنا مثل النبات، فإن تاجر الحديد قد يكون أغنى وأقدر من تاجر الذهب، وقد يكون المنجم الذهبي أقل ربحًا ومحصولًا من المنجم الحديدي في حالة من الحالات، ولكن تقويم المعدنين لا يتوقف على تقويم التاجرين أو المنجمين؛ لأنهما لا يرجعان إلى نوع واحد من التقدير والحساب.

ويقول الأستاذ محمد قطب: «قرأت سارة وقرأت في الديوان ما يقابلها من شعر، وهو شعر جيد رفيع، ولكنني لا أستطيع مع ذلك أن أقول: إنني استغنيت به عن قراءة سارة، أو إن سارة ليس فيها جديد مفيد من الدراسات النفسية العميقة …»

فالذي نقوله: إن الأستاذ غير مطالب بأن يقول هذا في باب الموازنة بين الروايات والقصائد؛ لأن موافقته على رأينا في الشعر والقصة لا تقتضيه أن يمحو القصة، وأن يثبت الشعر وحده، وإنما يبقيهما ويبقي معهما الترجيح بينهما، ويقدم الشعر على القصة في هذا الترجيح.

ولا حاجة به إلى جهد طويل للتسليم بفضل الشعر على القصة في هذه الموازنة؛ لأنه ينتهي إلى هذه النتيجة إذا سأل نفسه: أيهما أوفر محصولًا من الشعور والثروة النفسية: ألف صفحة من الشعر المنتقى، أو ألف صفحة من الرواية المنتقاة؟

أما أنا فجوابي على ذلك جزمًا وتوكيدًا أن صفحات الشعر أوفر وأغنى، وأن معدن الشعر من أجل ذلك أنفس وأغلى من معدن الرواية.

فإذا كان هذا رأيه فقد اتفقنا.

وإذا لم يكن رأيه ورأيي متفقين في ذلك، فهذا هو الجمل وهذا هو الجمَّال، كما يقولون في أمثالنا الوطنية. هات ألف صفحة من رواية أو عدة روايات، وخذ ألف صفحة من الشعر الرفيع، وارجع إلى حكم القراء فيما شعروا به بعد قراءة القصائد وقراءة الحكايات، أو قدر ما يشعرون به على سبيل الظن والتخمين، واحتفظ برأيك بعد ذلك كما تشاء.

إنني لم أكتب ما كتبته عن القصة لأبطلها وأحرم الكتابة فيها، أو لأنفي أنها عمل قيم يحسب للأديب إذا أجاد فيه.

ولكنني كتبته لأقول أولًا: إنني أستزيد من دواوين الشعر، ولا أستزيد من القصص في الكتب التي أقتنيها، وأقول ثانيًا: إن القصة ليست بالعمل الذي يحسب للأديب، وإنها ليست بأفضل الثمرات التي تثمرها القريحة الفنية، وإن اتخاذها معرضًا للتحليل النفسي أو للإصلاح الاجتماعي لا يفرضها ضربة لازب على كل كاتب، ولا يكون قصارى القول فيه إلا كقصارى القول في الذهب والحديد: الحديد نافع في المصانع والبيوت، ولكنه لا يشترى بثمن الذهب في سوق من الأسواق.

•••

وكتب العالم الفاضل الأستاذ علي العماري — المدرس بالأزهر — يعقب على المقياسين اللذين ذكرتهما في الكتاب للمفاضلة بين الشعر والقصة، وهما:
  • أولًا: أن القصة كثيرة الأداة قليلة المحصول.
  • وثانيًا: أن الطبقة التي تروج بينها القصة لا ترتقي في الثقافة والذوق والتمييز مرتقى الطبقة التي تفهم الشعر وتشعر بمعانيه.

وقد قال الأستاذ: «فالمقياس الأول تحدث عنه علماء البلاغة والنقد، فكانوا يرون أن خير الكلام وأبلغه ما جمع المعنى الكثير في اللفظ القليل، وهذا المقياس وإن صلح للمفاضلة بين عبارة وعبارة، أو بين بيتين من الشعر، أو قطعتين من النثر في موضوع واحد، فإنه لا يصلح للمفاضلة بين القصة والشعر؛ وذلك أن فائدة القصة ليست مقصورة على الغرض الأساسي الذي وضعت من أجله، ولم تكن خمسون صفحة في قصة ما، ولو بلغت الطبقة الدنيا في القصص، تمهيدًا لفائدة تقال في سطر أو أسطر، ولكن هناك التصوير الرائع والوصف الدقيق لحركات الأحياء ونوازع النفوس.»

والذي نقوله للأستاذ الفاضل: إن الموازنة بين الشعر والقصة لا تكون إلا بذلك الميزان الذي قال: إنه لا يصلح للمفاضلة بينهما.

لأنك إذا قلت: إن هذه القصيدة أبلغ من تلك لجمعها المعنى الكثير في اللفظ القليل، فإنك لا تفاضل بين فنين أحدهما قاصر بطبيعته عن مرتبة الفن الآخر، ولكنك تفاضل بين كلامين؛ أحدهما فاضل في الفن نفسه، والآخر مفضول فيه.

أما إذا قلت: إن الشعر أفضل من القصة؛ لأن الشعر من شأنه أن يجمع المعنى الكثير في اللفظ القليل، فتلك هي المفاضلة بين طبيعة الشعر وطبيعة القصة، وإن بلغت في بابها غاية الإتقان.

ونرجع إلى التمثيل بالذهب والحديد، فنقول: إن ترجيح ذهب على ذهب بخفة الوزن يدل على أن أحد الذهبين ذهب ناقص، وأن الذهب الآخر ذهب كامل، ولا يفيدنا شيئًا في الموازنة بين هذا المعدن وغيره من المعادن.

ولكننا إذا قلنا: إن قليل الذهب أغلى من كثير الحديد، فلا يلزم من ذلك أن الحديد ناقص في صفاته المعدنية؛ لأنه قد يكون في بابه على غاية من الجودة والمتانة، وإنما يلزم منه أن معدن الذهب أغلى من معدن الحديد.

وهذا بعينه الذي قصدنا إليه حين قلنا: إن قليل الشعر يحتوي من الثروة الشعورية ما ليست تحتويه الصفحات المطولات من الروايات، فإن احتياج القصة إلى التطويل لبلوغ أثر الشعر الموجز هو وحده الذي يبين لنا أن قنطارًا من القصة يساوي درهمًا من الشعر، وأن القصة في معدنها دون الشعر في معدنه؛ لأن النفاسة هي أن يساوي الشيء القليل ما يساويه الشيء الكثير.

أيقول الأستاذ: إن خمسين صفحة من القصة لازمة للتصوير والحوار الذي يتحقق به سياق القصة؟

حسن، فهذا اللزوم نفسه هو الذي ينزل بها دون منزلة الشعر في متعة الذهن والخيال؛ لأن الشعر بغير حوار وبغير تمهيد من أمثال تلك التمهيدات القصصية يعطينا في خمسين صفحة أضعاف ما نعطاه في تلك الصفحات، بل هي لا تعطينا في القصة شيئًا إلا إذا وصلت بعد التمهيد والحوار إلى مادة الشعر في لبابها، وهي التصوير والخيال.

وقال الأستاذ عن المقياس الثاني: «أما المقياس الثاني فأحسبه ليس كذلك فاصلًا، فالطبقات الدنيا في الثقافة أو في الأخلاق لا تروج عندها إلا أنواع خاصة من القصص ليست هي التي يفاضل بينها الكاتب وبين الشعر، وكما يروج عندهم نوع من القصص رخيص كذلك يروج عندهم أنواع من الشعر رخيصة، على أننا نجد أن ميل العامة ليس دائمًا إلى القصص، فهناك من الأمم ما يميل عامتها وخاصتها إلى الشعر ويروج عندهم …»

ونقول نحن: إن ميل بعض العامة إلى الشعر صحيح، ولكن حين يكون الشعر قصة، وحين يكون الشعر من قبيل ملاحم الهلالي والزير سالم، أما حين يكون الشعر وصفًا كوصف ابن الرومي أو البحتري، وحكمة كحكمة أبي الطيب وأبي العلاء، وفخرًا كفخر الشريف وأبي فراس، فالعامة لا تفضله على القصص التي تفهمها، وإن أسفت غاية الإسفاف.

ومما لا شك فيه أن عدد النسخ التي تصدر من ديوان المتنبي في الطبعة الواحدة أقل من عدد النسخ التي تصدر من ألف ليلة وليلة، أو من الروايات العصرية التي تتداولها الأيدي مرة في كل شهر أو مرة في كل أسبوع، وهذا مع إقبال القراء على ديوان المتنبي لغرض غير لذة المطالعة، وهو غرض الدرس أو المحاكاة، ومهما يكن من طبقة القراء الذين يقبلون على تلك الدواوين وتلك الروايات، فلا نزاع في أن الروايات إنما تروج لأن تحصيل لذتها أسهل وأقرب من تحصيل لذة الدواوين، وليس لارتفاعها عليها في طبقة الفن وملكة التأليف.

وقد يأكل الفقير اللحوم ويأكل الغني البقول، ولكننا لا نستطيع أن نقول من أجل ذلك: إن البقول طعام الأغنياء، وإن اللحوم طعام الفقراء.

وكذلك قد يوجد من العامة من يقرأ الشعر حتى الرفيع منه، كما يوجد من الخاصة من يقرأ القصة حتى الوضيع منها، ولكننا لا نستطيع أن نقول من أجل ذلك: إن الشعر هو قراءة الجهلاء، وإن القصة هي قراءة المثقفين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠