الفصل الرابع

الأطفال العمالقة

١

يجِب أن تغيب السلسلة المُمتدَّة من تبِعات حريق مزرعة التجارب عن سردِنا ولو لبُرهة على الأقل، وكيف تسللت هذه القوة المُعملِقة من هذا المركز الُمتفحِّم، لكن غير المُدمَّر تمامًا، لتصِل إلى الفطر والحشائش والأعشاب، ولا يمكن أن يتَّسع المجال هنا مهما طالت السطور لنصِف كيف تسنَّى لهاتَين الدجاجتَين الناجيتين أن تقضِيا ما تبقى من حياتهما عقيمتَين، رغم تمتُّعِهما بالشُّهرة. بالنسبة إلى القارئ المُتعطش للتفاصيل، فنردُّه إلى صحف تلك الفترة — التي تُعدُّ سجلات ضخمة وعشوائية لوقائع تلك الحقبة — أما تركيزنا فهو منصبٌّ على السيد بانزنجتن الذي يقع في مركز هذه الاضطرابات.

كان قد عاد إلى لندن ليجد نفسه رجلًا مشهورًا غاية الشهرة. تغيَّر العالم كله بالنسبة إليه بين عشيةٍ وضُحاها. لقد أدرك الجميع الأمر. ابنة العمِّ جين، على ما يبدو، عرفتْ كل شيء؛ والناس في الشوارع عرفوا كلَّ شيء؛ والصحف عرفت كل شيء وأكثر. كان لقاء ابنة العم جين مُروِّعًا بطبيعة الحال، لكن عندما انتهى الأمر لم يكن اللقاء فظيعًا للغاية على كلِّ حال؛ فالمرأة الصالحة أدركتْ أن سلطانها على الحقائق مُقيَّد بحدود، وكان من الواضح أنها قد حدَّثت نفسها وتقبَّلت طعام الآلهة باعتباره جزءًا من طبيعة الأشياء.

سلكت جين سبيل الطاعة الساخطة. كانت رافضةً بشدَّة ما حدث، كما كان واضحًا، لكنها لم تعتبِره مُحرمًا. ربما زلزلها هروب بانزنجتن، فهكذا اعتبرتْهُ بلا شك، وكان أسوأ ما في الأمر محاولتها بإصرارٍ مريرٍ مُعالجته من نزلة برْد لم تُصبه وإرهاق نسيَهُ منذ أمدٍ وإصرارها على أن تشتريَ له نوعًا جديدًا من الملابس الداخلية الصُّوفية النظيفة التي يُواجِه صعوبةً كبيرة في ارتدائها، صعوبة تُضاهي تلك التي يلقاها شخصٌ شارد الذهن مثله في سبيل الاندماج في مُجتمعه؛ لذا واصل بانزنجتن لفترة، وبقدر ما أتاح له هذا الوضع من الراحة، إسهامَه في إنتاج هذا الاختراع الذي يُشكِّل لبِنةً جديدة في صرح التاريخ البشري: طعام الآلهة.

كان العقل الجَمْعي، بقوانينه الانتقائية الغامضة، قد اختاره باعتباره المُخترِع والمروِّج الوحيد المسئول عن هذه العجيبة الجديدة؛ إذ لم يُسمَع شيءٌ عن ريدوود، وسمح ذلك لكُوسَار باتِّباع ميوله الطبيعية الجانحة إلى الغموض المُفرط. وقبل أن يدرك الاتجاه السائد في هذه الأمور، أصبحَ ذِكر السيد بانزنجتن منتشرًا على لوحات الإعلانات، وأضحى صلعه واحمرار بشرتِه الغريب ونظارته ذات الإطار الذهبي مِلكيَّةً وطنية، بل واحتلَّ شقَّته شبابٌ ذوو عزم وكاميرات غالية تُحيط بهم هالة من السلطة المُطلقة لفتراتٍ قصيرة ولكن مُثمرة، وملَئُوها بومضات الكاميرات حتى إنها أُترِعت لأيام ببخار كثيف لا يُحتمل، وعادوا إلى مقارِّ عملهم ليملئوا صفحات المجلات بما التقطوه من صورٍ رائعة للسيد بانزنجتن في هيئته الكاملة داخل منزله مُرتديًا ثاني أفضل سُترة لدَيه وحذاءه المشقوق. زارتْه مجموعة أخرى من الأشخاص أصحاب السَّمتِ الحازم من مُختلف الأعمار والأجناس وأخبروه أشياء عن الطعام المُكبِّر — لقد كانت صحيفة بانش أول من أطلق على المادة اسم «الطعام المُكبِّر» — وبعدها ردَّدوا ما سبق أن قالوه وكأنه ورد على لسانه هو أثناء المقابلات. صارت القضية هوسًا لدى برودبيم، الكوميديان الساخر المشهور. أدرك الرجل أن القضية ما هي إلا مسألة أُخرى تستعصي على فهمه فبذل قصارى جهده للتهكُّم عليها والاستهانة بها لمُواراة جهله بالتهكُّم والاستهزاء؛ فشوهد في الأندية بمظهره الأخرق ووجهه المُزعج مُحدِّثًا كل من استطاع الإمساك به قائلًا: «هؤلاء العلماء، كما تعلم، لا يتمتَّعون بروح الدعابة، كما تعلم. هذا العلم … يقتلها.» وتحوَّلت مزحةٌ عن بانزنجتن إلى تشهيرٍ خبيث …

أقدمتْ وكالةٌ إعلامية جريئة متخصصة في القصاصات الصحفية على إرسال مقالٍ طويل إلى بانزنجتن عن نفسه من صحيفة أسبوعية تُباع بستَّةِ قروش، يحمل عنوان «رُعب جديد» وعرضت إرسال مائةٍ من أمثاله مقابل جنيهٍ واحد، بل اتَّصلت به شابَّتان بالِغتا الجمال لا يعرفهما نهائيًّا وتناولتا الشاي معه — وهو ما أثار استياء ابنة العم جين وسُخطها الصامت — وبعدها طلبتا توقيعه على دفتر تهاني عيد ميلاديهما. سرعان ما اعتاد بانزنجتن على رؤية اسمه مُقترنًا بأكثر الأفكار تضاربًا في الصحافة العامَّة واكتشاف مقالات تدور حول طعام العمالقة وحولَه هو شخصيًّا كتبَها أشخاص بنبرةٍ حميمية تُوحي بأنهم من أقرب المُقرَّبين إليه، بينما هو لم يسمع عنهم قط. ومهما كانت الأوهام التي استولَتْ عليه وقتَ أن كان مغمورًا بشأن مسرَّات الشهرة فقد تبدَّدت تمامًا وإلى الأبد.

في البداية، بدا الرأي العام، باستثناء برودبيم، خاليًا تمامًا من أي نبرةٍ عدائية، ولم يخطُر للعقل الجمعي أنَّ المزيد من مادة الهرقليوفوربيا سيتسرَّب من جديد، ولم يخطُر ببال الجماهير أن تلك المجموعة الضئيلة من الأطفال الآخذين في النموِّ جرَّاء تناولهم لطعام الآلهة سرعان ما سينمون بمُعدَّلٍ يفُوق معدلات نموِّ أغلبنا. إنَّ ما أسعدَ العامَّة هو الرسوم الهزلية للساسة بعد إخضاعهم لبرنامجٍ غذائي مُعتمِد على الطعام المُكبِّر، وتمثيل هذه الفكرة على اللوحات الإعلانية، ومثل هذه المعروضات التثقيفية كالدبابير الميتة التي فرَّت من النيران والدجاجتَين المُتبقيتَين.

فيما عدا هذا لم يهتم العامة بإمعان النظر، إلى أن بُذِلت جهودٌ حثيثة للَفْتِ انتباههم إلى النتائج الأبعد أثرًا، وحتى حينئذٍ ظلَّ حماسُهم لاتخاذ تحرُّكٍ ما منقوصًا فترةً من الزمن، وراحَ العوام يُردِّدون: «هناك دائمًا شيءٌ جديد.» هؤلاء العوام الذين تشبَّعوا بالخرافات والغرائب حتى إن الدهشة لن تساورهم لو سمعوا أنَّ الأرض قد شُقَّت كما تُشقُّ ثمرة التفاح بل سيقولون: «مَنْ يعش طويلًا يرَ كثيرًا.»

لكن كان ثمَّة شخص أو اثنان بخلاف العامة، إن جاز التعبير، قد ألقى نظرةً أبعد على تبِعات هذا الأمر، وبدا خائفًا مما رأى. كان هناك كاترام الصغير، مثلًا، وهو ابن عمِّ إيرل بيترستون وواحد من أبرز الساسة الإنجليز الواعِدين، والذي كتبَ، مُخاطرًا بأن يُعتبَر من المُبتدِعين التافِهين، مقالًا طويلًا في صحيفة القرن التاسع عشر وما بعده ليقترح حظْر المادة كليًّا. وكان من بينهم بانزنجتن، في بعض حالاته المزاجية.

قال مُخاطبًا كُوسَار: «يبدو أنهم لا يدركون …»

«لا، إنهم لا يدركون.»

«وهل نُدرك نحن؟ أحيانًا أفكِّر فيما يعنيه طفل ريدوود المسكين، وبالطبع أطفالك الثلاثة الذين بلغ طولهم أربعين قدمًا ربما! على كل حال، هل يجدُر بنا أن نُتابع ما بدأناه؟»

صاح كُوسَار: «تابِع العمل!» وقد انتفض بدهشةٍ غير لائقة وارتفعت نبرة صوته لأقصى درجاتها. «بالطبع ستُتابع العمل! ما الذي خُلِقتَ لأجله بظنِّك؟ ألِتتسكَّع فيما بين وجبات الطعام؟!»

وتابع صارخًا: «تبعاتٌ خطيرة … بالطبع! جسيمة. بديهي. هذا بديهي. يا رجل، إنها فرصتك الوحيدة لخلق تبعاتٍ خطيرة! وتريد أن تضيعها!» ثم توقَّف عن الحديث لبرهة في حنَقٍ صامت، وختم الحوار قائلًا: «ذلك شرٌّ محض … شر!»

لكن بانزنجتن صار يعمل في مُختبَره مدفوعًا بالعاطفة أكثر منه بالحماس. لم يعُد يستطيع أن يُميِّز ما إذا كان يرغب في وجود تبعاتٍ خطيرة في حياته أم لا؛ فقد كان رجلًا ذا ذَوق هادئ. كان اكتشافًا مُدهشًا بالطبع، مدهشًا للغاية، لكنه أصبح بالفعل مالكًا عددًا من الأفدنة المحروقة السيئة السُّمعة بالقُرب من هيكليبراو، يقارب سعر الفدان الواحد منها ٩٠ جنيهًا، وفي بعض الأحيان كان يميل إلى التفكير في هذه النتيجة باعتبارها أخطر تبعات الكيمياء التي قد يتمنَّاها أي رجل يعوزه الطموح. أضحى مشهورًا بالطبع، فاحِش الشهرة. وكانت الشهرة التي نالها أكثر مما تمنَّى، أكثر منه بكثير.

لكن عادة البحث العلمي كانت قوية بداخله.

كان بانزنجتن يجد أحيانًا، أحيانًا نادرة أثناء عمله في المُختبَر بصفة رئيسية، شيئًا أبعدَ من مجرَّد عادة البحث العلمي وحُجج كُوسَار يدفعه إلى عمله. كان هذا الرجل الضئيل ذو النظارة، الذي ربما يحفظ توازُنه بلفِّ رباط حذائه المشقوق حول ساقَي مقعده العالي، الحامل في يدِه مِلقاط أثقال ميزانه؛ تُراوِده ومضاتٌ من حلم مُراهقته، ويمرُّ به تصوُّر عابر أن تنتابه نظرة عابرة للتجلِّي الخالد لتلك البذرة التي زُرعت في جِنانه، أن يراها وقد بلغتْ عنان السماء من وراء كل الصور والأحداث العجيبة الراهنة، ذلك العالم الوشيك للعمالقة وسائر الأشياء الهائلة التي يُخبئها المُستقبل … بدا كل شيء كطَيفٍ غامض رائع، مثل قصرٍ متلألئ شُوهد فجأة تحت شعاع شمس عابر … لكن سرعان ما سيتبدَّل الحال وكأنَّ هذا المجد البعيد لم يطُف قطُّ بخياله، ولن يرى أمامه إلا ظلالًا مشئومة وظلامًا سحيقًا وفضاءات مُقفرة وأمورًا مروعةً باردةً موحشة.

٢

وسط هذه الأحداث المُعقَّدة والمُضطربة وتلك الآثار التي شكَّلت شُهرة بانزنجتن، سرعان ما برزتْ شخصيةٌ لامعة نشطة حتى كادت تصير في نظر السيد بانزنجتن مُتزعِّمة لهذه التبعات غير المُتوقعة لاختراعه الجديد؛ كانت هذه الشخصية هي الدكتور وينكلز، ذلك المُمارس العام الشاب صاحب مهارات الإقناع، والذي ظهر في قصتنا باعتباره الوسيط الذي استطاع من خلاله ريدوود أن يوصِّل طعام الآلهة إلى ابنه. كان من الواضح، حتى قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، أن المسحوق العجيب الذي أعطاه إيَّاه ريدوود قد أشعل جَذوة اهتمام الرجل كثيرًا. وما إن وصلت طلائع الدبابير حتى كان وينكلز يدرس المسألة ويحسم أمره بشأنها.

لقد كان طبيبًا أصدق ما يصِف سلوكياته وأخلاقه وأساليبه ومظهره هو وصف «صاعد». كان ضخم البِنية أشقر، ذا عينَين رماديَّتَين لهما نظرة حادَّة يقِظة وشَعْر فضي. بالنسبة إلى وجهه، فكان حليقًا ذا ملامح مُتناسبة قوية العضلات، أما بِنيته فكانت مُنتصبة. اتَّسمت حركاته بالنشاط وخطواته بالسرعة. اعتاد الدكتور وينكلز أن يرتدي معاطف طويلة وأربطة عنق حريرية سوداء وأزرارًا وسلاسل ذهبية للزينة وقُبَّعات حريرية مميزة الشكل والحواف؛ بحيث تجعله يبدو أشدَّ حكمةً وأكثر وسامةً من نُظرائه. لا يبدو عليه أثرٌ للسن، فلا هو بالشاب ولا هو بالكهل، وإنما هو بالغ ناضِج. بدأ الدكتور وينكلز، عقب الظهور الأول لهذا الاختراع الجديد، يتعامل مع بانزنجتن وريدوود وطعام الآلهة باعتباره أحد مالكي هذا الاختراع لدرجة أن بانزنجتن كان ينزِع أحيانًا إلى اعتباره المُبتكِر الأصلي للاختراع برمته، رغم إقرار الصحافة بنقيض ذلك.

عندما أشار بانزنجتن إلى مخاطر وقوع مزيد من حالات الهرب، أجابه وينكلز: «هذه الحوادث لا قيمة لها. لا قيمة لها. الاكتشاف هو كل شيء. لدينا شيء عجيب فعلًا في هذا الطعام الذي أُعد بعناية وجرى التعامل معه بشكل لائق والسيطرة عليه بصورة معقولة … يجب أن نوجه إليه تركيزنا … علينا ألَّا ندعه يفلت من سيطرتنا مجددًا، وعلينا ألَّا ندع الأمر يتوقف.»

بالتأكيد لم يكن وينكلز يريد لهذا الأمر أن يتوقف؛ لذا صار متواجدًا في شقة بانزنجتن بصفة شبه يومية، فإذا نظر الأخير عبر نافذته رأى المعدات المحكمة وهي تُنقل عبر شارع سلون ستريت يعقبها مباشرةً مقدم وينكلز إلى غرفة بانزنجتن في خطوات رشيقة قوية وتجوله في أنحائها عارضًا على بانزنجتن بعض الصحف ومُمدًّا إياه ببعض المعلومات ومبديًا بعض الملاحظات.

ثم يقول وهو يفرك يديه: «حسنًا، كيف يسير مشروعنا؟» وهكذا ينتقل إلى النقاشات الجارية حول الاختراع.

قال وينكلز ذات مرة: «أتعلم أن كاترام كان يتحدث عن اختراعنا أمام الجمعية الكنسية؟»

فرد بانزنجتن: «يا للهول! إنه ابن عم رئيس الوزراء، صحيح؟»

فأجاب وينكلز: «أجل، إنه شابٌّ كفء للغاية … كفء للغاية. إنه يفتقر تمامًا إلى سداد الرأي؛ فهو كما تعلم رجعي متعصب، لكنه كفء تمامًا. من الواضح أنه يميل إلى استغلال مسألة اختراعنا لصالحه. إنه يتخذ موقفًا حاسمًا حياله. ويتحدث عن اقتراحنا لاستخدام المادة في المدارس الابتدائية …»

«عن اقتراحنا لاستخدام المادة في المدارس الابتدائية!»

«قلت شيئًا عن ذلك منذ بضعة أيام — بطريقة عابرة تمامًا — في أحد معاهد العلوم التطبيقية. كنت أحاول التأكيد على أن المادة ذات فائدة كبيرة حقًّا، ولا تمثل أدنى خطورة، على الرغم من تلك الحوادث الأولى الثانوية، والتي لا يمكن أن تحدث مرة أخرى … أنت تعرف أنها ستكون مادة جيدة نوعًا ما، لكنه استغل الموقف وبالغ في تناول المسألة.»

«ماذا قلت؟»

«مجرد أشياء بديهية، ولكن كما تعلم … يتناول الموضوع بجدية تامة، ويتعامل مع القضية بأسلوب هجومي. قال إن هناك بالفعل إهدارًا كافيًا من المال العام في المدارس الابتدائية دون تقديم هذا الطعام، وراح يردِّد القصص القديمة حول دروس البيانو مرة أخرى — كما تعلم. إنه يقول إنَّه لا أحد يرغب في منع الأطفال من الطبقات الدنيا من الحصول على التعليم المناسب لحالتهم، ولكن منحهم غذاءً من هذا النوع سوف يدمر قدرتهم على تقدير الأمور. إنه يتوسع في مناقشة القضية، ويتساءل ما الخير المترتب على جعل الفقراء بطول ستٍّ وثلاثين قدمًا؟ إنه يعتقد حقًّا أنهم سيكونون بطول ستٍّ وثلاثين قدمًا.»

قال بانزنجتن: «سيبلغون هذا الطول إن أعطيناهم طعامنا على نحو منتظم. ولكن لم يقل أحدٌ شيئًا …»

«لقد قلت.»

«ولكن، يا عزيزي وينكلز …»

قاطعه وينكلز قائلًا: «سوف يكونون أكبر، بطبيعة الحال.» قالها مثبطًا أفكار بانزنجتن القاسية بنبرة من يحيط بالأمر برمته، ثم أضاف: «أكبر بلا جدال، ولكن استمع إلى ما يقوله! هل سوف يجعلهم أكثر سعادة؟ هذا هو المهم. غريبٌ، أليس كذلك؟ هل سيجعلهم أفضل؟ وهل سيكونون أكثر احترامًا للسلطة الشرعية؟ هل سيكون ذلك عادلًا بالنسبة إلى الأطفال أنفسهم؟ غريب حرص أمثاله على العدالة فيما يتعلق بأي إجراءاتٍ مستقبلية. أشار إلى أنه حتى في الوقت الحاضر تفوق تكلفة تغذية الأطفال وملابسهم قدرة كثير من ذويهم، وإن كانت هذه المادة ستُتاح … ها؟

إنه، كما ترى، يجعل اقتراحي العابر طلبًا فعليًّا، ثم يحسب تكلفة السروال لفتى يافع طوله عشرون قدمًا أو نحو ذلك. يعتقد حقًّا أنه سيكلف عشرة جنيهات على أقل تقدير. غريبٌ كاترام هذا! ما أشدَّ اهتمامه بالتفاصيل المادية! وسيتعين على دافعي الضرائب الشرفاء المكافحين المساهمة في ذلك، كما يقول. يقول أيضًا إنه يتعين علينا أن ننظر في حقوق الآباء. كلُّ شيء في الصحيفة هنا. عمودان. كلُّ والد له الحق في ألَّا يتجاوز أطفاله طوله هو نفسه …

ثم تأتي مسألة تجهيز المدارس وتكلفة المقاعد المكبَّرة من أجل مدارسنا الحكومية المثقلة بما يفوق طاقاتها أصلًا. وفي سبيل ماذا؟ إنتاج طبقة عاملة من العمالقة الجوعى. ويختم مقاله بفقرة جد خطيرة، يقول فيها إنه حتى لو لم يسفر هذا الاقتراح الجامح بشأن المدارس عن شيء — ولم يكن اقتراحًا بل كان تصورًا عابرًا طرحتُه ساء تفسيره — فهذا لن ينهي المسألة؛ فهذا الغذاء غريب، غريب لدرجة تجعله يبدو لكاترام وكأنه مصدر للشرور. إنه يرى أنه قد انتشر بطريقة مستهترة وربما ينتشر مرة أخرى، وأنه بمجرد تناوله يصير سُمًّا ما لم تُواظِب على تعاطيه …»

قاطعه بانزنجتن: «هو كذلك.»

«وباختصار يقترح تشكيل جمعية وطنية للحفاظ على النسب السليمة للأشياء. غريب! صحيح؟ والناس متشبثون بالفكرة مثلما يتشبثون بأي شيء.»

«ولكن ما الذي يقترحون فعله؟»

هزَّ وينكلز كتفيه وألقى يديه، وقال: «تشكيل جمعية وإحداث لغط. إنهم يريدون تجريم تصنيع مادة الهرقليوفوربيا — أو نشر كيفية تصنيعها تحت أي ظرف. لقد كتبت القليل لإظهار أن فكرة كاترام عن المادة مبالغ فيها جدًّا … مبالغ فيها جدًّا بالفعل، ولكن يبدو أن هذا لم يضع حدًّا للأمر. من الغريب كيف انقلب الناس ضد الطعام. بالمناسبة، جمعية الاعتدال الوطنية قد أسست فرعًا لاعتدال النمو.»

قال بانزنجتن وهو يحك أنفه: «مم.»

«بعد كل ما حدث هناك لا بد أن تحدث مثل تلك الضجة. الأمر يبدو في ظاهره مخيفًا.»

جابَ وينكلز الغرفة لبرهة مترددًا ثم غادرها.

أصبح من الواضح أن هناك شيئًا يدور في خلفية عقله، شيئًا ذا أهمية بالغة بالنسبة إليه، وأنه ينتظر ليكشف عنه. يومًا ما، عندما كان ريدوود وبانزنجتن في الشقة معًا، أعطى لهما لمحة عن سره.

ابتدرهما قائلًا وهو يفرك كفيه: «كيف الحال؟»

«إننا نعد تقريرًا ما.»

«للجمعية الملكية؟»

«أجل.»

«هممم» قالها وينكلز بعمق شديد وسار إلى المدفأة. «همم، ولكن — النقطة هي: أينبغي عليكما؟»

«ينبغي علينا … ماذا؟»

«أينبغي عليكما أن تنشرا البحث؟»

«نحن لسنا في العصور الوسطى.»

«أعرف.»

«كما يقول كُوسَار، تبادل المعرفة — هذا هو المنهج العلمي الحقيقي.»

«في معظم الحالات، نعم بالتأكيد، ولكن … هذا أمر استثنائي.»

ردَّ عليه ريدوود: «سنضع الأمر برمته بين يدي الجمعية الملكية بالطريقة اللائقة.»

ناقض وينكلز هذا الموضوع في وقتٍ لاحق.

«إنه اكتشافٌ استثنائي من أوجه كثيرة.»

فقال ريدوود: «هذا لا يهم.»

«إنه نوعٌ من المعرفة يسهُل أن يكون عرضةً لسوء الاستغلال الجسيم — مخاطر جسيمة كما يقول كاترام.»

لم يقل ريدوود أي شيء.

«حتى الإهمال، كما تعرف …»

«إذا كنا سنشكِّل لجنة من الثقات للرقابة على تصنيع الطعام المكبِّر، الهرقليوفوربيا، فلعلنا …»

توقف عن الحديث، وتظاهر ريدوود، مع بعض الانزعاج الداخلي، بأنه لم يرَ أي نوع من الاستجواب.

في خارج محل سكن ريدوود وبانزنجتن، أصبح وينكلز، على الرغم من نقص معلوماته، مرجعًا بارزًا عن طعام العمالقة، بل وكتب رسائل تدافع عن استخدامه وقدَّم تعليقاتٍ ومقالاتٍ تشرح إمكانياته، وتطفَّل على اجتماعات الجمعيات العلمية والطبية للحديث عنه وصار اسمه مقترنًا به. علاوةً على كل ما سبق، نشر وينكلز كتيبًا بعنوان «حقيقة حول طعام العمالقة» قلَّل فيه من شأن ما حدث في هيكليبراو مشيرًا إلى أنه من السخف القول إن الطعام المكبِّر من شأنه أن يجعل الناس بطول سبع وثلاثين قدمًا، واصفًا هذا القول بأنه «مبالغة سافرة.» فالطعام سيجعلهم أكبر، بالطبع، ولكن هذا كل ما في الأمر.

كان من الواضح لكلا الصديقين الحميمين، ريدوود وبانزنجتن، أن وينكلز كان حريصًا كلَّ الحرص على المساعدة في صنع الهرقليوفوربيا وفي تصحيح براهين أي ورقة علمية يعدانها حول هذه المادة — والإسهام بأي شيء قد يؤدي به إلى المشاركة في تفاصيل إعداد الهرقليوفوربيا. كان يقول لهما باستمرار إنه يشعر أن هذا الاختراع أمرٌ جلل وأنه ينطوي على إمكانياتٍ هائلة، شريطة «حمايته بطريقة ما.» وفي يوم من الأيام طلب منهما صراحة أن يعرف كيفية تصنيع المادة.

أجابه ريدوود: «كنت أفكر فيما قلته.»

ردَّ وينكلز وقد تهلَّل وجهه: «حسنا، وما رأيك؟»

فقال ريدوود: «إنه نوعٌ من المعرفة يسهُل أن يكون عرضةً لسوء الاستغلال الجسيم.»

ردَّ وينكلز: «لكنني لا أرى كيف ينطبق ذلك عليَّ.»

فردَّ ريدوود: «بل ينطبق.»

فكر وينكلز في الأمر ليوم تقريبًا ثم جاء إلى ريدوود وقال إنه يشعر بالريبة من إعطاء ابن ريدوود الصغير مساحيق لا يعرف عنها شيئًا؛ بدا له أنه كان يتحمل مسئولية أمر يجهله. دفع هذا ريدوود إلى الاستغراق في التفكير.

قال وينكلز، مغيرًا الموضوع: «لقد رأيت أن جمعية المكافحة التامة لطعام العمالقة تدعي أن لديها عدة آلاف من الأعضاء. لقد أعدوا مشروع قانون. وولوا كاترام مهمة مناقشته، وهو متحمس للأمر بما يكفي. إنهم جادون. يشكِّلون لجانًا محلية للتأثير على المرشحين. إنهم يريدون تجريم إعداد هرقليوفوربيا وتخزينها دون ترخيص، وجعل إعطائها لأي شخص دون الحادية والعشرين من عمره جناية، وهي تهمة تستدعي السجن قطعًا. ولكن هناك جمعيات داعمة لهذا الموقف أيضًا. جمعيات تضم طوائف شتى. جمعية الحفاظ على القوانين القديمة ستضم السيد فريدريك هاريسون في المجلس، كما يقولون. أنت تعرف أنه كتب مقالًا عن الطعام المكبِّر؛ وصفه فيه بأنه مثيرٌ للاشمئزاز ومناقضٌ تمامًا لدين الإنسانية المنصوص عليه في تعاليم كونت، وأنه شيء لم يكن للقرن الثامن عشر أن يتمخض عنه تحت أسوأ الظروف، وأن فكرة هذا الطعام لم تخطر قط على بال كونتن وهو ما يظهر مدى خبث هذه الفكرة. وأضاف أنه ما من أحدٍ فَهِمَ تعاليمَ كونت حقًّا …»

فزع ريدوود وقال مزدريًا وينكلز: «لكنك لا تقصد أن تقول …»

قال وينكلز: «لن يفعلوا كل ذلك، لكن الرأي العام يظل هو الرأي العام، والأصوات هي الأصوات. الجميع يمكن أن يرى أنك تخطط لأمر مثير للقلق، والغريزة البشرية ضد إثارة القلق تمامًا، كما تعرف. لا يبدو أن أحدًا يصدق فكرة كاترام عن بلوغ الناس سبعًا وثلاثين قدمًا وعجزهم عن الدخول إلى الكنيسة أو مقار الاجتماعات أو أي مؤسسات اجتماعية أو إنسانية. وبالرغم من كل ذلك، فإن عقولهم غير مستسيغة تمامًا لهذا الاكتشاف. ويرون أن هناك شيئًا — شيئًا أبعد من مجرد اكتشاف عادي.»

فقال ريدوود معلقًا: «هناك شيءٌ كهذا في كل اكتشاف.»

«على أي حال، إنهم يزدادون اضطرابًا؛ فكاترام لا يكف عن الحديث عما قد يحدث إذا تسربت المادة من جديد. أقول مرارًا وتكرارًا: إن ذلك لن يحدث مجددًا، ولا يمكن أن يحدث. ولكن، هذا هو واقع الحال!»

تحرك في الغرفة لبعض الوقت كما لو كان يعتزم إعادة فتح موضوع السر، ثم أعاد النظر وغادر.

نظر العالمان أحدهما إلى الآخر. أمضيا برهة لا تتحدث إلا عيونهما.

قال ريدوود أخيرًا بنبرة هادئة مفعمة بالإصرار: «تحت أسوأ الظروف، سوف أعطي الطعام لابني تيدي بيدي.»

٣

بعد أيام قليلة من هذه الواقعة، فتح ريدوود صحيفته ليجد أن رئيس الوزراء قد وعد بإنشاء لجنة ملكية حول الطعام المكبِّر، وهو ما دفعه إلى زيارة شقة بانزنجتن حاملًا الصحيفة في يده.

«أعتقد أن وينكلز يفسد الأمر. إنه أداة في يد كاترام. لا يكف عن الحديث عن الطعام وتأثيره وعن إفزاع الناس. إذا استمر على المنوال نفسه، فإني أعتقد حقًّا أنه سوف يعوق أبحاثنا. وفي الوقت ذاته، هذه المشكلة المتعلقة بابني الصغير.»

تمنَّى بانزنجتن ألَّا يجلب لهم وينكلز المتاعب.

«هل تلاحظ كيف انساق إلى تسمية المادة الطعام المكبِّر؟»

ردَّ بانزنجتن وهو يرمقه من فوق نظارته: «لا أحبُّ ذلك الاسم.»

«لكن وينكلز لا يراه إلا كذلك.»

«لماذا لا يكف عن الحديث عنه؟ إنه ليس اختراعه!»

قال ريدوود «إنه نوعٌ من الفرقعة وتسليط الأضواء. لا أفهم. إن لم يكن الاختراع ملكه، فكيف يظن الجميع أنه كذلك، لكن ليس هذا ما يهم.»

قال بانزنجتن: «في حالة هذا الجاهل، يصير هذا اللغط السخيف خطرًا.»

قال ريدوود: «لا يستطيع طفلي الصغير الاستغناء عن المادة. لا أدري ما المَخرج الآن. إذا حدث الأسوأ …»

أعلنت ضجةٌ خفيفة عن قدوم وينكلز، وسرعان ما ظهر في منتصف الغرفة وهو يفرك يديه.

قال بانزنجتن وهو ينظر إليه بقسوة من فوق حواف نظارته المُذهَّبة: «ليتك طرقت الباب.»

اعتذر وينكلز ثم التفت إلى ريدوود قائلًا: «سعيدٌ أني وجدتك هنا. الحقيقة أن …»

قاطعه ريدوود: «هل عرفت بأمر هذه اللجنة الملكية؟»

أجاب وينكلز: «أجل، أجل.»

«ما رأيك فيها؟»

أجابَ وينكلز: «شيءٌ ممتاز. لا بد منها لوقف معظم هذا الصخب. سوف تناقش القضية علنًا، وتُسْكِت كاترام، ولكن ليس هذا ما جئت لأجله يا ريدوود. الحقيقة هي …»

قال بانزنجتن: «أنا لا أحبُّ هذه اللجنة الملكية.»

«أؤكِّد لكما أنَّ كلَّ شيء سيكون على ما يرام، اسمحا لي أن أقول — ولا أظنه انتهاكًا للثقة — إنه من المحتمَل جدًّا أن أكون ضمن اللجنة …»

هَمهَم ريدوود وهو ينظر إلى المدفأة: «أووم.»

«يمكنني أن أضع كلَّ شيء في نِصابه الصحيح. يمكنني أن أوضح، أولًا، أنَّ المادة يمكن السيطرة عليها، وثانيًا، أنه لا يمكن أن تتكرر كارثة هيكليبراو مرة أخرى اللَّهم إلا إذا وقعت معجزة. هذا هو المطلوب بالضبط، طمأنة من مصدرٍ مَحل ثقة. بالطبع، أستطيع أن أتحدَّث بثقةٍ أكبر إذا كنت أعرف، لكن في الوقت الحاضر هناك شيءٌ آخر، مسألةٌ صغيرة أخرى، أريد مشورتكما بشأنها. احِمْ. الحقيقة هي — حسنًا — أني واقعٌ في مأزق بسيط ويمكنكما مساعدتي.»

رفع ريدوود حاجبيه، وكان سعيدًا في قرارة نفسه.

«المسألة سريَّة للغاية.»

قال ريدوود: «تحدَّث. لا تقلق.»

«لقد عُهِدَ إليَّ مؤخرًا برعاية طفل؛ طفل قريب لشخصية رفيعة المستوى.»

سَعَل وينكلز.

قال ريدوود: «تابِع حديثك.»

«يجب أن أعترف أنَّ الفضل يعود في أغلبه إلى مسحوقك وإلى ما أحرزه نجاحي مع طفلك من شهرة. لا أستطيع أن أُخفي عنكما أنَّ ثَمَّ شعورًا قويًّا ضد استخدامه، ولكني أجدُّ بين مَن يحظون بنصيبٍ أوفر من الذكاء … يجب على المرء أن يخوض بحذر وهدوء في مثل هذه الأمور … شيئًا فشيئًا. ومع ذلك، ففي حالة سُموِّها … أعني مريضتي الجديدة الصغيرة. في الواقع … جاء الاقتراحُ من والدِها، وإلا لما وافقتُ البتة.»

قاطعه ريدوود مُحرِجًا إياه: «اعتقدتُ أنَّ لديك شكًّا في صحة استخدام هذه المساحيق.»

«كان مجرَّد شكٍّ عابِر.»

«أنت لا تقترح التوقف!»

«في حالة ولدِك الصغير؟ بالتأكيد لا!»

«أرى أن التوقف عن إعطائه هذا الطعام سيفضي إلى قتله.»

«لن أفعل ذلك مهما كان المقابل.»

قال ريدوود: «سأعطيك المساحيق.»

«أعتقد أنك لا تستطيع …»

قال ريدوود: «بالطبع لا. ليس هناك وصفة لإعدادها. لا فائدة من ذلك يا وينكلز، ولا تؤاخذني لصراحتي. سأعدُّ لك المساحيق بنفسي.»

قال وينكلز بعد لحظة من التحديق في ريدوود: «لا مشكلة، لا مشكلة.» ثم أردفَ: «أؤكِّد لك أن الأمر لا يزعجني على الإطلاق.»

٤

بعدما رحلَ وينكلز جاء بانزنجتن ووقف على سجادة الموقد ناظرًا إلى ريدوود.

استهل الحديث قائلًا: «صاحبة السمو!»

فكرَّر ريدوود متعجبًا: «صاحبة السمو!»

«إنها أميرة ويزر درايبرج!»

«حفيدة ابنة عمه.»

قال بانزنجتن: «ريدوود، أعلم أنه من الغريب أن أقول ذلك، ولكن، هل تعتقد أن وينكلز يفهم؟»

«ماذا؟»

«ما صنعناه.»

قال بانزنجتن خافضًا صوته ومديرًا بصره ناحية الباب: «هل يفهم حقًّا أن في الأسرة — أسرة مريضه الجديد.»

قال ريدوود: «أكمل.»

«مَنْ كانوا دائمًا أقل من؛ أقل من …»

«المتوسط؟»

«نعم. وها هو يعمل بهدوء ودون أن يشعر به أحدٌ على إنتاج شخصية ملكية — شخصية ملكية عملاقة. لست متأكدًا، يا ريدوود، من أن الأمر يخلو من شيء أقرب إلى … الخيانة.»

ونقل عينيه من الباب إلى ريدوود.

أشار ريدوود بسبابته للحظة إلى النار ثم قال: «يا إلهي! إنه لا يعرف!»

أردفَ ريدوود قائلًا: «هذا الرجل لا يعرف أي شيء. وكانت تلك أسوأ صفاته كطالِب. لا يعرف أي شيء. لقد اجتاز كل اختباراته، وحاز كلَّ الحقائق العلمية — كان يحمل قدرًا من المعرفة يُضاهي ما يحمله رفٌّ دوار يضمُّ موسوعة التايمز. والآن لا يعرف شيئًا. إنه وينكلز، عاجز عن استيعاب أيِّ شيء غير ذي علاقة مباشرة وفورية بذاته التافِهة. إنه مفتقرٌ تمامًا إلى الخيال؛ ومن ثمَّ غير قادر على تحصيل المعرفة. لا يمكن لأحدٍ أن يتخطى هذا الكم من الاختبارات ويظل مع ذلك أنيقَ الملابس، حسنَ المظهر، ناجحًا في مهنته كطبيب دون أن يتحلَّى بهذا القصور تحديدًا. هذا هو كلُّ ما في الأمر. وعلى الرغم من كل ما رأى وسمعَ وقيل له، ها هو ليس لديه أدنى فكرة عما هو بصدد فعله. لقد أحدث ضجة بشأن الطعام المكبِّر، وشخص ما قد سمح له بالوصول إلى هذه الطفلة الملكية، وهذا سيحدث ضجة أكبر! ولم تخطر بباله مسألة أن ويزر درايبرج سرعان ما سيضطر إلى التعامل مع المشكلة الجسيمة المتمثلة في أميرة يتجاوز طولها ثلاثين قدمًا، بل ولا يمكن أن تخطر بباله — لا يمكن!»

قال بانزنجتن: «سيكون هناك لغط مروِّع.»

«في غضون عام أو نحو ذلك.»

«بمجرد أن يروا أنها آخذة في النمو.»

«إلا إذا أخفوا الأمر كعادتهم.»

«الأمر أكبر من أن يُخفى.»

«بالفعل!»

«ماذا سيفعلون يا تُرى؟»

«إنهم لا يفعلون أي شيء؛ الأسلوب الملكي.»

«عليهم أن يفعلوا شيئًا.»

«ربما هي مَنْ سيفعل.»

«يا إلهي! أجل.»

«سيمنعونها. مثل هذه الأمور معروفة.»

انفجر ريدوود في ضحك يائس، ثم قال: «صاحبة السمو الملكي العملاقة — الطفلة المكتنزة ذات القناع الحديدي! سيكون عليهم وضعها في أطول برج في قلعة ويزر درايبرج القديمة، وإحداث ثقوب في الأسقف بينما تنمو متجاوزةً طابقًا تلو طابق! أنا واقع في الورطة ذاتها. وكُوسَار وأولاده الثلاثة، و… حسنًا، حسنًا.»

كرَّر بانزنجتن قوله دون أن يشارك ريدوود الضحك: «سيكون هناك لغط مروِّع؛ لغط مروِّع.»

ثم أضاف: «أعتقد أنك أمعنت التفكير في الأمر يا ريدوود. ألَا تظن أن من الأفضل تحذير وينكلز وفطام طفلك تدريجيًّا والاكتفاء بالانتصار النظري؟»

قال ريدوود بنبرة حانقة: «أتمنى لو تقضي نصف ساعة في حضانة الطفل عندما يتأخر الطعام قليلًا، ولا أظنُّك ستتحدث هكذا يا بانزنجتن. أضف إلى ذلك: تخيَّل لو أني حذَّرت وينكلز … لا! لقد جرفنا هذا الطوفان على حين غِرَّة؛ وليس أمامنا إلا السباحة، سواءٌ أكنا خائفين أم لا!»

قال بانزنجتن وهو يحدِّق في أصابع قدميه: «أعتقد ذلك. أجل. ليس أمامنا إلا السباحة. وسوف يكون على صَبيِّك أن يسبح، وأبناء كُوسَار — لقد أعطاه لأولاده الثلاثة. لا يعرف كُوسَار أنصاف الحلول — الكل أو لا شيء! وصاحبة السمو، وكل شيء. سنستمر في صنع الطعام. وكُوسَار أيضًا. نحن فقط في البداية، يا ريدوود. ومن المؤكَّد أن الكثير سوف يحدث تباعًا. الكثير من الأمور الجسام الرهيبة. ولكني لا أستطيع أن أتخيَّلها يا ريدوود. إلا …»

فحص بانزنجتن أظافره، ثم تطلع إلى ريدوود من خلال نظارته بنظراتٍ جامدة.

غامر بانزنجتن قائلًا: «أميلُ إلى الاعتقاد بأنَّ كاترام على حقٍّ في بعض الأحيان. هذا الاختراع سوف يدمر تناسب الأشياء. سيخل باستقرار كل شيء. ما الذي سيبقى على حاله؟»

أجابَ ريدوود: «أيًّا كان ما سيفعله، يجب أن يتناول طفلي الطعام.»

سمعا شخصًا يصعد الدرج بخطواتٍ سريعة، ثم رأيَا كُوسَار مطلًّا برأسه من الباب قائلًا: «مَرحبًا!» ثم دخل.

«حسنًا!»

أخبراه عن الأميرة.

عقَّب قائلًا: «مسألةٌ صعبة! ليس فيها شيء من الصعوبة. ستنمو. وسوف ينمو طفلك. وجميع الآخرين ممن أعطيناهم الطعام سينمون. كل شيء. كأي شيء. ما الصعوبة في ذلك؟ لا بأسَ في ذلك. يمكن لطفل أن يخبركما بذلك. أين المشكلة؟»

حاولا أن يوضِّحا له.

صاح: «توقَّفا! لكن ليس بأيديكما شيءٌ الآن. لقد خُلِقتما لهذا الأمر. وله خُلِق وينكلز. كل شيء على ما يرام. كثيرًا ما تساءلت لِمَ خُلِق وينكلز. الآن عرفت الإجابة. ما المشكلة؟

الفوضى؟ بالتأكيد. اضطراب الأشياء؟ فليضطرب كلُّ شيء. وأخيرًا: فلتضطرب كل شئون البشر. الأمر واضح وضوح الشمس. سيحاولون منعه، ولكن الأوان فات. هكذا هم دائمًا. واصلا عملكما كيفما بدا لكما. حمدًا لله أن أوجد لكما دورًا في هذه الحياة!»

ردَّ بانزنجتن: «لكن الصدامات! التوتر! لا أدري إن كنت قد تصورت …»

قاطعه كُوسَار: «كان يجب أن تكون نوعًا من الخضراوات، يا بانزنجتن. هذا ما كان يجب أن تكونه. شيء ينمو في حديقة صخرية. ها أنت ذا، خائفٌ ومذهول، وتعتقد أن دورك ينحصر في مجرد الجلوس وتناول الطعام. أتظنُّ أن هذا العالَم خُلِق للعجائز كي يتجولوا في أنحائه؟ حسنًا، على أية حال، لا يسعكما شيءٌ الآن؛ عليكما المضي قدمًا.»

قال ريدوود: «أعتقد أنه علينا ذلك. ببطء …»

أطلق كُوسَار صرخة هائلة وهو يقول: «لا! لا! اصنعا منه بقدر ما يمكن وبأسرع ما يمكن. انشراه في كل مكان!»

وخطر بباله أداء حركة ذكية، فقلَّدَ أحد منحنيات ريدوود بثني ذراعه إلى أعلى مشكلًا قوسًا واسعًا في الهواء.

وقال لريدوود وهو يشير إلى ما رسمه في الهواء: «ريدوود! اجعله مثل ذلك!»

٥

يبدو أنَّ ثَمَّ حَدًّا لفخر الأمومة، وقد بَلَغَتْه السيدة ريدوود عندما أتمَّ ابنها الشهر السادس من عمره وكسَرَ عربته النقَّالة الفاخرة وأُحضِر إلى المنزل في عربة بائع اللبن اليدوية وهو يصرُخ. بلغ وزن الصغير في ذلك الوقت تسعة وخمسين رطلًا ونصف رطل، وطوله ثمانيًا وأربعين بوصة، وكاد يبلغ ستين رطلًا. كان يصعد على الدرج إلى حضانته محمولًا على أكتاف الطاهي والخادمة. عقب هذه الوقائع، لم يستغرق انتشار الخبر إلا بضعة أيام؛ رجع ريدوود بعد ظهر أحد الأيام إلى المنزل عائدًا من مختبره ليجد زوجته البائسة منغمسة في الاطلاع على صفحات كتاب «الذرة العملاقة» وما إن رأته حتى وضعت الكتاب جانبًا وهرولتْ نحوه منفجرةً في البكاء على كتفه.

قالت منتحبةً: «قل لي ماذا فعلتَ به. أخبرني ماذا فعلتَ به.»

أمسك ريدوود بيدِها وقادها إلى الأريكة، مُحاولًا التفكير في وسيلةٍ دفاعية ناجِعة.

«كلُّ شيءٍ على ما يرام، يا عزيزتي؛ كلُّ شيءٍ على ما يرام. أنتِ فقط متوترة قليلًا. إنها مجرد عربة رخيصة. لقد اتَّفقتُ مع نجَّار الكراسي المُتحرِّكة ليصنع شيئًا أقوى يوم غدٍ …»

نظرت إليه السيدة ريدوود بعينَين مُغرورِقَتَين بالدموع.

وقالت وهي تجهش بالبكاء: «طفلٌ في كرسي مُتحرك؟»

«حسنًا، ولِمَ لا؟»

«إنه كالمُقعدين.»

«إنه كعملاق صغير يا عزيزتي، وليس لديكِ أي سبب لتخجلي منه.»

ردَّت: «لقد فعلت شيئًا به يا داندي. أستطيع أن أرى ذلك في وجهك.»

قال ريدوود ببرود: «حسنًا، لم يتوقَّف نموُّه على أية حال.»

قالت السيدة ريدوود وقد كوَّرت منديلها في يدٍ واحدة: «عرفتُ ذلك.» صارت نظراتُها إلى زوجها حادَّةً فجأة: «ماذا فعلتَ بطفلنا يا داندي؟»

«ما مشكلته؟»

«إنه كبير جدًّا. إنه وحش.»

«هُراء. إنه طفل طبيعي كأيِّ طفلٍ أنجبتْهُ امرأة. ما مشكلته؟»

«انظر إلى حجمه.»

«لا بأس في ذلك. انظري إلى كلِّ الأطفال الضعيفة من حَولنا! إنه أفضل طفل …»

قالت السيدة ريدوود: «إنَّه جيدٌ بدرجةٍ زائدة عن الحَدِّ.»

فأجابها ريدوود مطمئنًا إيَّاها: «لن يستمرَّ ذلك. إنها مجرد بداية يمرُّ بها.»

لكنه كان يعلم جيدًا أنه سيستمرُّ في النمو. وقد كان؛ فببلوغ هذا الطفل اثني عشر شهرًا من عمره، كان طوله أقل من خمس أقدام ببوصة واحدة فقط ووزنه … لك أن تتخيَّل؛ كان في الواقع بحجم أحد تماثيل الملائكة التي تعلو كنيسة القدِّيس بُطرس في الفاتيكان، وصار تشبُّثه الحنون بشَعْر الزائرين ووجوههم حديث ويست كنزنجتون. أُعِدَّ له كرسي ككراسي المُقعَدين لحَملِه من حضانته وإليها، واختيرت له جليسة شابَّة مفتولة العضلات اعتادت اصطحابه في نُزهاته داخل عربة لتسلق المرتفعات من طراز بانهارد صُنعت خِصِّيصَى له. إنه لمن حُسن الحظ أنَّ ريدوود كان مُؤهَّلًا لأداء دور الشاهِد الخبير علاوةً على وظيفته كأستاذٍ جامعي.

بعد أن يتجاوز المرءُ الصدمة الأولى عند رؤية الحجم الهائل لصغير ريدوود، وهكذا كان بالفعل، يمكن أن يراه طفلًا وضيئًا جميلًا على نحو لافت للنظر. هكذا أخبرني من اعتادوا رؤيته بصفة شبه يومية وهو يتجول داخل عربته على مهل في أنحاء هايد بارك. كان نادرًا ما يبكي أو يحتاج إلى من يهدئ من روعه. اعتاد أن يُمسك بخرخاشة كبيرة وأحيانًا كان يمضي مُوجِّهًا التحية إلى سائقي الحافلات ورجال الشرطة مُناديًا «دادا!» و«بابا!» بطريقةٍ ودودة وحضارية.

اعتاد سائق الحافلة أن يهتف قائلًا: «ها هو طفل طعام العمالقة الضخم.»

فيعلِّق الراكب في المقعد الأمامي: «يبدو في صحة جيدة.»

فيرد سائق الحافلة موضحًا: «يتناول الطعام من زجاجة. يقولون إنها بسعة جالون كامل وأنها صُنعت خِصِّيصَى له.»

فيختتم الراكب في المقعد الأمامي المحادثة قائلًا: «طفل في صحة جيدة للغاية على أي حال.»

عندما أدركت السيدة ريدوود أن نمو طفلها كان يستمر بالفعل إلى أجل غير مُسمًّى وعلى نحو غير منطقي — وقد أدركت ذلك حقًّا لأول مرة عندما وصلت العربة المتحركة المُزوَّدة بمُحرك — غَلَبَها الحزنُ والأسى. وأعلنت أنها لا ترغب أبدًا في دخول حضانتها مرة أخرى، وتمنَّت لو أنها ماتت، ولو أنَّ الطفل قد مات، ولو أن الجميع قد ماتوا، بل وتمنَّت لو لم تتزوَّج ريدوود قط، ولو لم يتزوَّج أي رجل أي امرأة، ثم انزوت إلى غرفتها الخاصَّة، حيث ظلَّتْ لا تذُوق إلا مرَق الدجاج تقريبًا لمدَّة ثلاثةِ أيام. عندما جاء ريدوود ليُعاتبها، ضربت الوسائد ببعضها بعضًا وعقدت شعرَها.

قال ريدوود: «إنه على ما يُرام. من الأفضل أن يكون كبيرًا. لن تُحبِّيه وهو أصغر من الأطفال الآخرين.»

«أريده أن يكون مثل الأطفال الآخرين، لا أصغر ولا أكبر. أردته أن يكون صبيًّا صغيرًا لطيفًا، تمامًا مثلما جورجينا فيليس فتاة صغيرة لطيفة، وأردت أن أربيه كطفل لطيف بطريقة لطيفة، وها هو ذا.» ثم انقطع صوت المرأة المسكينة «يرتدي مقاس رقم أربعة في الأحذية كالبالغين ويُدفَع في عربة تعمل … بالبنزين!»

ثم بدأت السيدة ريدوود تنوح قائلةً: «لا أستطيع أبدًا أن أحبه، أبدًا! لا يمكنني تحمله! لا يمكن أن أكون أمًّا له، كما أردت أن أكون!»

ولكن في النهاية دبَّروا خطةً لإدخالها إلى الحضانة، حيث يتأرجح إدوارد مونسون ريدوود («بانتاجرويل» لم يكن إلا لقبًا لاحقًا) في كرسي هزَّاز مقوًّى خِصِّيصَى لأجله ويبتسم وهو يقول «جوو.» و«وااو.» فَلانَ قلبُ السيدة ريدوود تجاه طفلها من جديد، وأقبلت نحوه لتحتَضِنَه بين ذراعَيها وبكَت.

خاطبتْهُ وهي تجهش بالبكاء: «لقد فعلوا شيئا بك، وسوف تنمو وتنمو، يا عزيزي؛ ولكن أيًّا كان ما يُمكنني فعله لتربيتك تربيةً صحيحة فسأفعله لك، مهما قال والدك.»

أمَّا ريدوود، الذي ساعد على جلبها إلى الباب، فقد عبر الردهة شاعرًا بارتياحٍ كبير. (إيه! لكنه عملٌ مهين أن يكون المرء رجُلًا … وسط نساءٍ تلك طبيعتُهُنَّ!)

٦

قبل أن ينصرِم العامُ كان هناك، إضافةً إلى مَركبة ريدوود الرائدة، عددٌ كبير من العربات ذات المُحرك في شوارع غرب لندن. قيل لي إنَّ عددها وصلَ إلى إحدى عشرة عربة؛ ولكنَّ الاستقصاءات الأكثر دقَّةً تعطي أدلَّة جديرة بالثقة عن وجود ستٍّ فقط داخل مدينة لندن الكبرى. يبدو أن مفعول مادة هرقليوفوربيا كان مُختلفًا باختلاف البِنى الجسدية. لم تكن المادة في بادئ الأمر مهيأة للحقن، وما من شكٍّ أن نسبةً مُعتبَرة من البشر غير قادرين على امتصاص هذه المادة عن طريق مسار الهضم الطبيعي. فقد أُعطيَت، على سبيل المثال، إلى أصغر أبناء وينكلز، ولكن يبدو أنه كان عاجزًا عن النمو، لو كان ريدوود محقًّا، تمامًا كما كان والده عاجزًا عن الفهم. في المُقابل، تضرَّر آخرون، وفقًا لجمعية المكافحة التامَّة للطعام المُكبِّر، على نحوٍ غير مفهوم من هذه المادة وتدهورت حالتهم جراء الإصابة ببعض أمراض الأطفال. أمَّا أبناء كُوسَار فقد اعتادوا تناول الطعام المُكبِّر بنهمٍ مُذهل.

لا شكَّ أن اختراعًا من هذا القبيل لا يُمكِن تطبيقُه ببساطةٍ تامَّة في حياة البشر؛ فالنموُّ بوجهٍ خاصٍّ عملية مُعقدة ولا بدَّ أن يعتري التعميمات بعضٌ من انعدام الدقَّة، لكن يبدو أن القانون العام للطعام المكبِّر هو كالتالي: عند إدخاله بأيِّ طريقةٍ إلى جِسم الإنسان فإنه يُحفِّزه بالدرجة ذاتها تقريبًا في جميع الحالات. يزيد هذا الطعام من نسبة النموِّ بمقدار ستِّ إلى سبعِ مرَّات، ولم تزْدَد النسبة عن ذلك، مهما زادت كميَّة الطعام المُتناوَلَة. تبيَّن أن تناوُل مادة الهرقليوفوربيا بكمياتٍ تفُوق الحدَّ الأدنى اللازم أدَّى إلى اضطراباتٍ مَرضيَّة ذات صلة بالتغذية وتكوُّن العظام بالإضافة إلى الإصابة بالسرطان والأورام وما شابَه، كما سرعان ما اتَّضح أنه ما إن يبدأ النموُّ بهذه النسبة الكبيرة حتى يستمر بتلك النسبة، وأنَّ التعاطي المستمِرَّ للمادة في جرعاتٍ صغيرة لكن كافية أمرٌ حَتْمي.

في حال التوقف عن تناول الطعام أثناء استمرار النمو، فإن الكائن يتملكه أولًا إحساسٌ غامضٌ بالارتباك والقلق ثم يمرُّ بفترة من الشراهة — كما هو الحال بالنسبة إلى الفئران الصغيرة في هانكي — يُعاني بعدها نوعًا من فقر الدم الشديد ثم يمرض ويموت. عانت النباتات بطريقةٍ مُشابهة. غير أنَّ هذا لم ينطبق إلا على فترة النمو فقط؛ فبُمجرَّد أن يبلغ الكائن مرحلة البلوغ — تَمثَّل هذا في النباتات بتشكُّل أول براعم الزهور — تتراجع الحاجة والشهيَّة للهرقليوفوربيا، وما إن يصير النبات أو الحيوان بالغًا تمامًا حتى يُصبح في استغناءٍ كامل عن أي جرعاتٍ إضافية من هذه المادة. إن الكائن يُضحَى كما لو كان قد خُلِق خلقًا جديدًا بهذه المقاييس الجديدة. هذا ما أثبتتْه الأشواك المُحيطة بهيكليبراو والحشائش النامية على المنحدر؛ فقد أنتجت بذرةُ كلٍّ منها براعمَ عملاقة.

سرعان ما بدأ ريدوود الصغير، طليعة هذا النوع الجديد وأولُ طفلٍ على الإطلاق يتناول الطعام المُكبِّر، في الزحف في أنحاء حضانته وتحطيم الأثاث والعضِّ كالحصان والقرْص كالكلَّابات والصياح بكلماتٍ طفولية عملاقة مُخاطبًا بها مُربيته ووالدته ووالدَه المُروَّع الفَزِع والذي كان مصدر هذا البلاء.

كان الطفلُ مُحمَّلًا بالنوايا الحسنة؛ فقد اعتاد أن يُردِّد «بادا كن مُهذَّبًا، كن مُهذَّبًا.» بينما الأشياء تتطاير من حوله، كان «بادا» هو نطقُه لاسم بانتاجرويل، وهو اللقب الذي أطلقه عليه ريدوود. نجح كُوسَار، مُتجاهلًا قانون الأضواء القديمة الذي سرعان ما أدَّى إلى بعض المتاعب، في إنشاء مبنى يقع فوق قطعة أرض فضاء متاخمة لمنزل ريدوود، وذلك بعد خوضه صراعًا مع لوائح المباني المحلية. تكوَّن هذا المبنى من غرفة للألعاب والدراسة والنوم من أجل أبنائهم الأربعة. كانت هذه الغرفة مُريحة وجيدة الإضاءة وتقارب مساحتها ستِّين قدمًا مربعًا ويبلغ ارتفاع سقفها أربعين قدمًا.

افتُتن ريدوود بتلك الحضانة العملاقة بينما انهمك في بنائها مع كُوسَار، وسرعان ما تلاشى شغَفُه بالمنحنيات أمام احتياجات ابنه المُلحَّة، وهو الذي لم يتخيَّل قطُّ أنه سيكفُّ عن وَلَعِه بها. قال ريدوود لكُوسَار ذات مرة: «إنَّ إعداد حضانةٍ يتضمَّن كثيرًا من التفاصيل. الكثير؛ جُدرانها وكل الأشياء داخلها سوف تُخاطب تلك العقول الجديدة وتُعلِّمها آلافَ الأشياء.»

ردَّ كُوسَار وهو يسارع بالتقاط قُبعته: «بالتأكيد.»

تعاوَنَ الرجُلان في انسجام، لكن ريدوود ساهم بأغلب النظريات التعليمية والتربوية المطلوبة …

حَرَصا على تلوين الجدران والألعاب الخشبية بألوانٍ زاهية؛ غلب اللون الأبيض المُريح على الغرفة، لكن كانت هناك أيضًا درجاتٌ من الألوان الزاهية لدعم خطوط الإنشاء البسيطة؛ فقد قال ريدوود: «لا بدَّ أن تكون الألوان زاهية.» فأضافا في موضعٍ من الغرفة حلقةً من المربعات ذات الألوان القرمزية والبنفسجية والبرتقالية والفسفورية والزرقاء والخضراء، من مُختلف الدرجات والظلال، وكان على هؤلاء الأطفال العمالقة ترتيب هذه المربعات وإعادة ترتيبها كيفما يشاءون. أضافَ ريدوود: «يجب أن تتبع الديكورات المنوالَ نفسه. دعهم يتعرَّضون في البداية لشتَّى تدرُّجات الألوان. لا أجدُ سببًا يجعلنا ندفعهم إلى تفضيل لونٍ أو تصميمٍ مُعين.»

ثم «إنَّ المكان يجب أن يكون مفعمًا بالتسلية؛ فالتسلية بمنزلة الغذاء للأطفال، أما الفراغ فهو من ضروب التعذيب والتجويع. يجِب أن يكون حول الأطفال كميةٌ هائلة من الصور والرسوم.» بالرغم من ذلك، لم تحمِل الجدران أيَّ صورٍ بصفة مستمرة، لكنهما زوَّدا الأطفال بإطاراتٍ فارغة توضَع فيها صور جديدة ثم تُنقَل إلى ملفٍّ متى زال شغفُهم بها. احتوت الحضانة على نافذةٍ واحدة تطلُّ على الشارع، وفي سبيل مزيدٍ من التسلية، أنشأ ريدوود فوق سطحها قُمرة مُظلمة تطلُّ على شارع كنزنجتون الرئيسي وجزء غير قليل من حدائقه.

في إحدى زوايا الحضانة كانت تقبع الأداة الأهم، إطار العَدِّ، وهو قطعة معدنية متينة ذات زوايا مُدوَّرة تبلغ مساحتها أربع أقدام مربعة، في انتظار شحذِ المهارات الحسابية الناشئة لدى الأطفال العمالقة. تضمَّنت الحضانة أيضًا القليل من مُجسَّمات الخِراف الصوفية وما شابهها من تلك الدُّمى، لكن كُوسَار فاجأ ريدوود يومًا ما، ودون تفسير، بإحضار عددٍ كبير جدًّا من الدُّمى (كانت جميعها ذات حجم كبير للغاية بحيث لا يمكن للأطفال ابتلاعُها) داخل ثلاث عرباتٍ، بحيث يمكن تكديسها فوقَ بعضها البعض ورصُّها في صفوفٍ ودحرجتُها وعضُّها وهزُّها وخشخشتُها وضربُها ببعضها البعض والسقوطُ فوقَها وشدُّها وفَتْحُها وإغلاقُها وتجربتُها إلى ما لا نهاية. إلى جانب ذلك، تضمَّنَت الحضانة الكثيرَ من القوالب الخشبية المستطيلة الشكل المتنوعة الألوان وقوالب من الخزف المصقول وقوالب من الزجاج الشفاف وقوالب من المطاط الطبيعي، وألواحًا للكتابة، ومخاريط عادية ومخاريط مقطوعة وأسطوانات، وأشكالًا كروية مفلطحة ومتطاولة، وكرات مصنوعة من شتَّى الخامات، مُصمتة ومجوَّفة، والكثير من الصناديق المختلفة الأحجام والأشكال، ذات أغطية بمُفصَّلاتٍ وأغطية دوَّارة وأغطية بالكبس، وأطواقًا من المطاط والجلد، وعددًا من القطع الخشنة القوية التي تُضَم إلى بعضها البعض فتُشكِّل هيئة إنسان. قال كُوسَار لريدوود: «أعطِهم هذه القطع. واحدةً تِلوَ الأخرى.»

رتَّب ريدوود هذه الأشياء داخل خزانة قائمة في إحدى الزوايا. حمل أحد جدران الغرفة سبورةً مُثبَّتة على ارتفاعٍ مناسب لطفل يتراوح طوله من ست إلى ثماني أقدام، بحيث يتسنَّى للأطفال الكتابة عليها بالطباشير الأبيض والمُلوَّن، وإلى جوارها دفتر للرسم مُتعدِّد الأوراق يمكن أن يرسموا عليها بأقلام الفحم، ومكتب صغير مُزوَّد بأقلام رصاص وكمية كبيرة من الأوراق ليتعلَّم عليها الأطفالُ الرسمَ. علاوةً على كل ما سبق، طلب ريدوود، وكان واسع الخيال، شحنةً من الأنابيب الضخمة لحَمْل الألوان السائلة وصناديق من ألوان الباستيل بحيث تصل على وجه السرعة وتكون جاهزةً متى دعَت الحاجة إليها. لم يَفُتْ ريدوود أن يضع صندوقًا أو نحو ذلك من مادة البلاستيسين والصلصال، واقترح قائلًا: «في البداية، سوف يُساعده مُعلمه على صُنع الأشكال، وعندما يزداد مهارةً سوف يُقلِّد نماذج الحيوانات. هذا يُذكِّرني بأنه كان عليَّ أن أعدَّ له صندوقًا للعُدَّة!

أما بالنسبة إلى الكتب، فلا بدَّ أن أتخيَّر له عددًا كبيرًا من الكتب ليُطالعها، ويجب أن تكون كبيرة الحجم. ما نوعية الكتب التي سيحتاجها؟ يجب أن تُغذي خياله وتُنمِّيه؛ فالخيالُ هو تاج كل عملية تعليمية، والعادات العقلية والسلوكية السديدة عرشها. إنَّ الإنسان العديم الخيال لهوَ أقرب إلى الهمجية، وصاحب الخيال الوضيع هو مثال للشهوانية والجُبن. أما ذو الخيال النبيل فهو مسيح يسير على الأرض من جديد. لا بدَّ أن يحلم، في الوقت المناسب، بعوالم سحرية بهيجة وغيرها من أحلام الطفولة الغريبة الماتعة، لكن ينبغي أن يستمدَّ غذاءه العقلي بصورةٍ أساسية من الواقع البديع. سوف أجلب له قصصًا عن أسفار الإنسان ومُغامراته حول العالم وكيف غزا هذا الكوكب، وقصصًا عن الحيوانات، وكُتبًا عملاقة ذات صورٍ رائعة وواضحة للحيوانات والطيور والنباتات والمخلوقات العجيبة، وكتبًا عملاقة عن أعماق البحار وأسرار السماوات؛ ولن يفوتني أن أمدَّه بكتبٍ عن تاريخ جميع إمبراطوريات العالم وجغرافيتها وأن أطلعه على صور وحكايات جميع القبائل البشرية وعادات البشر وتقاليدهم. لا بدَّ أن يقتني كتبًا وصورًا تشحذ حسه الجمالي؛ صورًا يابانية رقيقة تزرع في قلبه حبَّ محاسن الطير ومحاليق النباتات والأزهار المتساقطة، وصورًا من الثقافة الغربية أيضًا لرجال لَبِقِين ونساء أنيقات وتجمُّعات لطيفة ورحاب البحار واليابسة الفسيحة. أضِفْ إلى ما سبق الكتبَ التي تتناول مِعمار البيوت والقصور؛ فلسوف يصمِّم غرفًا ويبتكر مُدنًا.

أظنُّ أن عليَّ أن أعرِّفه على قليلٍ من الفنون المسرحية.

ثم إن هناك فنَّ الموسيقى!»

أمعن ريدوود التفكير في الأمر ثم قرَّر أنه ربما من الأفضل لابنه أن يبدأ بالعزف على آلة هارمونيكا عذبة الصوت ذات جوابٍ واحد، على أن يزيد من عدد الجوابات فيما بعد. قال مُتحدثًا إلى نفسه ذات يوم: «سوف يعزف على هذه أولًا ويتعلم الغناء وأسماء النغمات، ثم بعد ذلك …؟»

تطلَّع إلى حافة النافذة فوق رأسه وحاول أن يقيس بعينِه حجم الغرفة.

ثم قال: «سوف يكون عليهم بناء البيانو الخاص به هنا. سيُحضرونه قِطَعًا منفصلة.»

راحَ ريدوود يتنقَّل هنا وهناك وسط هذه الترتيبات، مثل طيفٍ صغير قاتم مُغرقٍ في التأمُّل. لو كان بوسعكم رؤيته هناك لبدا لكم كرجلٍ لا يتجاوز طوله عشر بوصات وسط أغراض الحضانة المُعتادة. فوق أرض الحضانة وُضِعَ بساط ضخم — كان في الواقع سجادة تركية — بلغت مساحته أربعمائة قدم مربع ليَحبُوَ فوقه ريدوود الصغير — وقد امتد حتى وصل إلى المُشعِّ الكهربائي المحوط بشبكة أمانٍ والمُعد لتدفئة المكان كاملًا. استعان كُوسَار بأحد رجاله لتثبيت الإطار العملاق الذي من المُقرر أن يحمل الصور التي تتبدَّل. استند إلى الحائط كتابٌ ضخم بحجم باب المنزل يضمُّ صفحاتٍ سميكة لتثبيت عينات النباتات عليها، وتبرُز من هذا الكتاب ساقُ أحد النباتات وحافة إحدى أوراقه وإحدى أزهار حشيشة القزاز. تتميَّز جميعها بالحجم العملاق الذي سرعان ما سيجعل شُهرة آرشوت تطبق آفاق عالَم النباتات …

ساور ريدوود شيءٌ من الرِّيبة بينما هو واقفٌ وسط كل هذه الأشياء.

قال ريدوود وهو يُحدِّق في السقف البعيد: «إذا استمرَّ الأمرُ بالفعل …»

نما إلى سَمعه من بعيدٍ صوتٌ يُشبِه خوار ثَور صاخِب، وكأنه يُجيبه.

أتمَّ ريدوود قوله: «فسوف يستمرُّ كما ينبغي. أمرٌ بديهي.»

تَبِعَ ذلك طرقاتٌ رنَّانة فوق طاولة، تلاها صرخةٌ مجلجِلة: «جوولوو! بووزوو! بزز …»

تبلورت فكرة مختلفة في ذِهنه عبَّر عنها قائلًا: «أفضل ما يُمكنني فِعله هو أن أعلِّمه بنفسي.»

ازداد ذلك الطرْق إصرارًا. خُيِّل إلى ريدوود لوهلة وكأنَّ هذا الصوت يُشبه في إيقاعه اضطراب مُحركٍ ما — مُحرك تخيَّله لقطار الخطوب التي تتوالى عليه. قطع هذه الخيالات صوتُ طرقاتٍ حادَّة تكررَتْ على الباب.

أدرك ريدوود أنَّ شخصًا كان يقرَع الباب، فصاح قائلًا: «تفضَّل.» فانفتح الباب، الذي كان بضخامة أبواب الكاتدرائيات، قليلًا ببطء. انقطع صرير الباب وظهر بانزنجتن من الفُرجَة وعليه سَمْت ودود يُطلُّ من تحت صلعته البارزة ونظارته.

همس بانزنجتن وكأنه يَشِي بِسِرٍّ: «لقد غامرتُ بالمجيء لأستطلِع المكان.»

فأجابه ريدوود: «أقبِل.» فاستجاب بانزنجتن مُغلقًا الباب من خلفه.

أقبَلَ بانزنجتن عاقدًا يدَيه خلفَ ظهره. تقدَّم خطواتٍ معدودة مُتلفتًا مثل الطيور ومُحدِّقًا فيما حولَه من أبعاد، ثم حكَّ ذقنه مُتأمِّلًا.

بادر بانزنجتن قائلًا بصوتٍ خافت: «كلما جئتُ إلى هذا المكان، أدهشني بضخامته.»

ردَّ ريدوود وهو يدير نظره في المكان أيضًا وكأنه يحاول ألَّا يفلت هذا الانطباع البادي: «أجل. فسوف يكونون ضخامًا كذلك، كما تعلم.»

علَّق بانزنجتن بنبرة يشوبُها الخوف: «أعلم. ضخامًا جدًّا.»

تبادلا نظراتٍ تكاد تنطق بالقلق.

ثم أضافَ بانزنجتن وهو يفرُك أرنبة أنفه ويرمُق ريدوود بنظرة مُرتابة وكأنه يطلبُ تأكيدًا: «ضخامًا جدًّا بالفعل. جميعهم كما تعلم سيكونون ضخامًا على نحوٍ مُخيف. لا يَسعُني أن أتخيَّل — حتى وسط هذه الحضانة العملاقة — مدى ما سيكونون عليه من الضخامة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠