الفصل الخامس

شفوف السيد بانزنجتن

١

بينما كانت اللجنة الملكية المَعنيَّة بالطعام المُكبِّر تُعدُّ تقريرها، بدأت مادة الهرقليوفوربيا تثبت قُدرتها على التَّسَرُّب. كان التوقيت المُبكِّر لهذا التسريب الثاني هو أسوأ ما يمكن أن يحدُث من وجهة نظر كُوسَار؛ حيث كانت مُسوَّدة التقرير المُعدَّة تُشير إلى أنَّ اللجنة، تحت وصاية الدكتور ستيفن وينكلز، العضو الأكثر نفوذًا وأستاذ الطب البشري والحاصل على زمالة الجمعية الملكية وزمالة كلية الأطباء الملكية وغيرها الكثير من الألقاب، كانت قد أقرَّت بالفعل بأن حدوث مثل تلك التسريبات العَارِضة هو ضربٌ من الخيال يستحيل أن يحدث، وكانت قاب قوسين أو أدنى من التَّوصية بأن تُعهَد عملية تصنيع طعام العمالقة إلى لجنة ذات كفاءةٍ (تتكوَّن من الدكتور وينكلز بصورة رئيسية) تكون لها السلطة الكاملة على بيع المُنتج، الأمر الذي كان ليُطمئن جميع الاعتراضات المنطقية الرَّافضةِ لإتاحته مجانًا. كان من المُقرَّر لهذه اللجنة أن تحظى باحتكارٍ مُطلَق. وإنه لمن المفارقات المثيرة للسخرية أن تحدُث بَاكورة الموجة الثانية من التسريبات وأشدُّها إثارةً للفزع على بُعد خمسين ياردة من كوخ صغير في قرية كستون يُقيم فيه الدكتور وينكلز أثناء شهور الصيف.

لم يعد هناك الآن أيُّ مَدعاة للشك أنَّ رفض ريدوود لإطلاع الدكتور وينكلز على تفاصيل تركيبة هرقليوفوربيا ٤ قد أثار في نفسه رغبة مُلِحَّة لم يعهدها في خَوض بحور الكيمياء التحليلية. لم يكن الدكتور وينكلز يمتلك مهارات الكيميائي المُحنَّك، وربما لهذا رأى ألَّا يُجريَ تجاربه في أحد مختبرات لندن المُجهَّزة تجهيزًا فائقًا والتي كانت تحت تصرُّفه، بل حبَّذ العمل منفردًا في جوٍّ من السِّرية دون استشارة أحد بداخل معملٍ صغيرٍ مُتواضع ذي حديقة بمؤسسة كستون. ولمَّا لم يكن مُفعمًا بالحماس ولا بالمهارات اللازمة للوصول إلى مَسعاه، فيُمكن لأي شخص أن يستنتج أنَّ عزمه قد وهَن وتوقَّف عن جهوده البحثية بعد قُرابة شهرٍ من العمل المُتقطِّع.

كان المعمل ذو الحديقة الذي أجرى فيه تجاربه مُجهَّزًا تجهيزًا بسيطًا ومزوَّدًا بصنبور مياهٍ على رأس ماسورة رأسية تُصرَف فضلته إلى أنبوبٍ يَصبُّ في بركةٍ نَمَا العُشب على حوافها أسفل شجرةٍ من أشجار جَار الماء التي تقِفُ في ركنٍ منزوٍ من أرض الكلأِ خارج سياج الحديقة. كان بالأنبوب شرخٌ تسرَّبت منه بقايا طعام الآلهة إلى بِركَةٍ صغيرةٍ وسط أجمات كثيفة من العُشب في توقيتٍ موافقٍ تمامًا لمُستهل الربيع.

دَبَّت الحياة في كل ما كان في هذا الرُّكن الصغير المُغطَّى بالنفايات؛ بيوض الضفادع هَائمَة على سطح المُستنقع تضطرب بشراغِفِها التي تحاول شقَّ أغلفتها الهُلامِية، ومجموعة من حلزونات المياه العذبة تَشقُّ طريقها إلى الحياة ببطءٍ، وتحت السطح الأخضر لسيقان العشب كانت يرقاتُ خنفساء الماء تكافح لتَخرُج من أكياس بيضها. أشكُّ في أن القارئ يعرف أنَّ يرقات تلك الخُنفساء تُسمَّى، ولا أعلم لماذا، نمور الماء. إذا نظرتَ إليها تَراها كائناتٍ غريبةَ الهيئةِ ذوات مفاصل، قوية البِنية وسريعةً في حركاتِها وتسبح عادةً مُيمِّمةً رأسها إلى أسفل وذيلها خارج الماء. يبلغ طول اليرقة كطول أول فقرة من إبهام رجلٍ وزِدْ عليها بوصتين. وهذا طولُ تلك الكائنات التي لم يدخل طعام الآلهة في سلسلة غذائها بعد، ولها فَكَّان حادَّان أنبوبيَّان يلتقيان في مُقدَّم رأسها مُزوَّدان بأسنانٍ حادة تستعملهما عادةً لِمَصِّ الدم من ضحاياها …

كان أولُ ما حَظِي بتذوق حبيبات طعام الآلهة هو تلك الشَّراغِف الصغيرة وحلزونات المياه العذبة الصغيرة. ما إن ذَاقت تلك الشَّراغِف الصغيرة المُتمَعِّجة، على وجه الخصوص، الطعام حتى أقبلت على التهامه بنَهَمٍ شديد، ولكن ما إن نَمَا أحدُ هذه الشراغف وبرَزَ في عالَم الشَّراغِف الصغير هذا بمحاولته التهام أحد إخوانه الصغار كطعام مُساعِد بجانب حميته النباتية، حتى طعنَتْه إحدى يرقات الخنافس بشوكتها المعقوفة الماصَّة للدماء، فنفذت الشوكة إلى قلبه، ومع تدفق الدَّم عَبر اليرقة انتقلت مادة الهرقليوفوربيا ٤ في صورة محلولٍ إلى ثنايَا كائن جديد. بجانب تلك الوحوش، لم يكن لأي كائن فرصة لمُزاحمتها في حِصَّتها من طعام الآلهة سوى العُشب النَّامي على أطراف البركة والطحالب الخضراء المُخاطِية وبعض شَتلات العُشب وسط طِين القاع. سرعان ما حَمَلت فضلات تنظيف إحدى التجارب دفقة طازجة من الطعام إلى البركة التي فَاضت وأخذت تشقُّ طريقها نحو المستنقع القريب أسفل جذور شجرة جارِ الماءِ حاملةً معها كفاح هذه المخلوقات المشئوم في سبيل البقاء …

كان أول شخصٍ يكتشف ما يَدُور هو السيد لوكي كارِنجتن، مُدرس العلوم الخاصة بمجلس التعليم اللَّندني، ويعمل في وقت فراغِه خبيرًا في طحالب المياه العذبة. ولا شكَّ أنه لا يُحسَد على اكتشافه. أتى السيد كارِنجتن إلى مُتنزَّهِ كستون العامِّ ذاك اليوم ليملأ عددًا من أنابيب العينات ليفحصها في وقتٍ لاحق. أقبل كارِنجتن ومعه ما يقرب من اثني عشر أنبوبًا مسدودًا بقِطع الفِلِّين، تصطَكُّ معًا في جيبه مُصدِّرةً قعقعةً خافتة، واعتلى قمَّة التل الرملي مُتكئًا على عصًا مُدبَّبة، وانحدر باتجاه المُستنقع حيث لمحه بستانيٌّ شابٌّ، كان يعتَلِي سُلَّم مطبخٍ ويُقلِّم سِياج حديقة الدكتور وينكلز، وهو يَطرُق هذا الركن المهجور فرآه وما يفعله غامضًا ومُسلِّيًا في الوقت ذاته حتى إنه انشغل بمشاهدته عن كثَب.

رآه البُستاني يَدنُو من حافة المُستنقع مُتشبثًا بجذر شجرة جارِ الماءِ المُعمِّرة ثم يُمعِن النظر في الماء، لكنه بالتأكيد لم يقدِّر دهشة السيد كارِنجتن وبهجته عندما حطَّ ناظريه على تلك الكتل والخيوط الكبيرة الغريبة المنظر للطحالب اللزِجة الجاثمة في القاع. لم يعُد هناك أي شَرَاغف باقية في ذلك الوقت — فكلها كانت قد قُتلت — وبدا أن السيد كارِنجتن لم يرَ أيَّ شيءٍ لم يعتده إلا تلك النباتات المُفرطة الحجم. شَمَّر عن ساعِده حتى المرفق ومال للأمام وغَمَس ساعِده في الماء يَنشُد عيِّنة من تلك الطحالب. غاصت يدُه للأسفل وإذا بشيءٍ ينبثِق فجأةً مُعكرًا صفو الظلِّ الظليلِ المُمتدِّ أسفل جذور الشجرة.

في لمح البصر، كان ذلك الشيء قد أنشبَ أنيابه في ذراع السيد كارِنجتن. كان مخلوقًا غريبًا، طوله قدَم أو يزيد، بُنِّيَّ اللون، ذا مفاصل، ويُشبه العقرب.

كان مظهره القبيح بجانب ألم عضَّتهِ الحادِّ المبرِّح كافيَين ليُخلَّا بتوازن السيد كارِنجتن الذي ما إن شعَرَ بأنه سيسقط حتى صاح صياحًا عاليًا، ولكن لم يلبث أن طَاح في المُستنقع على وجهه.

رآه الصَّبيُّ يختفي وسَمِعَ تلاطُم الماء من حوله بينما يحاول الإفلات من الموت. ظهر هذا الرجل التَّعيس مُجددًا في مرمى بصر الصبي، ولكن هذه المرة بدون قبَّعته وهو يصرُخ بينما يحمله تيَّار الماء!

لم يسمع هذا الصبيُّ رجلًا يصرخ قطُّ قبل ذلك.

بَدا هذا السيد الغريب كما لو أنه يُصارع شيئًا ما على جانب وجهه الذي كان مُلطَّخًا بالدماء. لَوَّح بيديه تَلويح قانطٍ ووَثَب في الهواء ككائنٍ مذعور ثم شَرَع يَعدو عَدْوَ من يخشى الهَلاك لمسافةٍ ما بين عشر إلى اثنتي عشرة ياردة، ثم سقط على الأرض وظَلَّ يتَدَحرَج حتى غاب عن نظر الفتى الذي نزل من فوق السُّلم ومَرَق من السياج في لمح البصر مُمسكًا، لحُسن الحظ، بمقصِّ العشب في يدَيه. قال إنه تحيَّر أثناء اندفاعه وسط شُجيرات الجَوْلَق الشوكية وكان على وشك أن يعود أدراجه مُتوجسًا من أن يكون ذلك الرجل مجنونًا، ولكن طمأنه مقصُّ العُشب الذي كان معه، وأوضح قائلًا: «كان يُمكنني أن أفقأ عينيه على أي حال.» رآه السيد كارِنجتن، ومن فوره عدَّل من سُلوكه ليبدو كرجلٍ عاقل ولكنه يائس. استجمع قُواه لينتصِب واقفًا على قدمَيه بعد عدة عثراتٍ، وقَدِمَ ليُقابل الصبي.

صرخ وقال: «انظر! لا أستطيع أن أنزِعها.»

وبنظراتٍ مُلئت رُعبًا تَطلَّع الصبي إلى هذا الشيء المُلتصق بوَجْنة السيد كارِنجتن وبذراعه العارية وبفخذه؛ ثلاثٌ من تلك اليَرقات الرَّهيبة تضرب بأجسادها البُنيَّة الرَّخوة القوية العضلات وتنهَل من دمه بفكُوكها الكبيرة الناشبة بعمق في جلده. كانت لفُكوكها قبضة كقبضة كلاب البُلدُج، ولم تؤدِّ مُحاولات السيد كارِنجتن لنزع تلك الوحوش عن وجهه إلا إلى تمزيق جلده الذي تشبَّثت به، وصبْغِ وجهه ورقبته ومعطفه بلون الدم القِرْمِزي.

صرخ الفتى: «اثبت يا سيدي؛ سأجُزُّهم جزًّا.»

وبعُنفوان الصِّبْية في مثل سِنِّه في مثل تلك المواقف، بدأ يجُزُّ تلك الكائنات واحدةً واحدة، فاصلًا رءوسها عن أجسادها. «أجل!» راح يردد الفتى مقطبًا كلما سقطت إحداها أمامه. رُغم ذلك، كانت قبضاتُ هذه المخلوقات من الشدَّة والثبات حتى إن الرءوس المقطوعة ظلت لبرهة عالقة تعضُّ بوحشية وتمصُّ غذاءها، والدم ينهمر خارجًا من رقابها المبتورة، لكن الصبيَّ أجهَز عليها ببضع ضرباتٍ بمقصِّه أصابت إحداها السيد كارِنجتن نفسه.

راح كارِنجتن يردِّد: «لم أستطع أن أنتزعها!» ووقفَ هنيهةً يترنَّح وينزف بغزارة. أراحَ يدَيه الواهِنتَين على جُروحه يتحسَّسها، ثم نظر إلى راحة يديه يستطلع ما حصل. خَرَّ على رُكبتيه ثم سقط مَغشيًّا عليه عند قدَمي الصبي ووسط أعدائه المدحورين الذين ما زالت تتراقص أجسادهم. لحُسن الحظ، لم يخطر ببال الصبي أن يمسح وجهه بالماء، فالمُستنقع كان ما يزال يَعجُّ بتلك الكائنات المُروِّعة أسفل جذور شجرة جار الماء، بل رجع إلى البُستان طلبًا للمساعدة، وهُناك قابَل سائقُ عربة البستانيَّ وأخبره بما حدث تفصيلًا.

وعندما رجعا إلى مكان السيد كارِنجتن، وجداه جالسًا مَشدُوهًا يبدو عليه الوَهَن، ولكن كان بمقدوره تحذيرهم من الخطر الموجود بالمستنقع.

٢

وسط تلك المُلابسات، تنبَّه العالَم لأول مرة إلى أن طعام الآلهة قد تسرَّب مُجددًا، وفي غُضُون أسبوع واحد، كان مُتنزَّه كستون العَامُّ في أوْج نشاطه؛ فقد كان، كما يُسمِّيه علماءُ التاريخ الطبيعي، مركز توزيع. هذه المرة كانت مختلفة؛ فلا دبابير ولا فئران ولا حشرات أبي مقص ولا حتَّى نباتات القُراص، ولكن كان هُناك ما لا يقلُّ عن ثلاثة من عناكب الماء، والعديد من يرقات اليعاسيب التي سرعان ما نضجت وصارت يعاسيب بالغة أبهَرتْ أنظار سُكان كِنت بأجسامها الحوَّامة ذات اللون الأزرق الياقوتي، وتلك الطحالب الهلامية اللزجة التي نَمَت حتى بَلَغت حافة المستنقع ومدَّت رُقعتها الخضراء اللزجة مُندفعةً باتجاه بيت الدكتور وينكلز حتى وصلتْ إلى منتصف ممرِّ بُستانه. هُناك بدأ العُشب ينمو إلى جانب نبات الكُنبَاث وجار النهر ولم تتوقَّف عملية النمو حتى جفَّت مياه المُستنقع.

سُرعان ما أدركت أذهان النَّاس أنه لا يُوجد هذه المرة مركز توزيعٍ واحدٍ فقط، بل عدة مراكز؛ فبدون أدنى شكٍّ، هناك مركز توزيع في إيلينج، ومنه أتتْ أسرابُ الذُّباب والعناكب الحمراء، وهُناك واحدٌ في سنْبِري، حيث ثعابين الماء الضَّارية والتي يمكن أن تصِل إلى الشاطئ وتقتُل الخراف، وآخرُ في بلومزبِري حيث كان هناك بيت قديم تسكنه أجناسٌ عدَّة من الكائنات البغيضة، كما انطلقت منه سلالةٌ جديدة ومُروِّعة من الصراصير لتغزو العالَم؛ العالَم الذي أصبح فجأةً في مواجهةٍ مع أحداث هيكليبراو مرة أخرى، ولكنه يُواجِه هذه المرة جميع أنواع المسُوخ العملاقة من الحيوانات والحشرات المعروفة بدلًا من عمالقة الدَّجاج والفئران والدبابير. فكلُّ مركزٍ نَضَح بما يُميزه من حيواناتٍ ونباتاتٍ محلية …

نحن نعرف الآن أنَّ كلَّ واحدٍ من تلك المراكز يرتبط بصلةٍ بأحد مَرضى الدكتور وينكلز، ولكن لم يكن هذا واضحًا على الإطلاق في ذلك الوقت. كان وينكلز هو آخر من وُجِّهت إليه أصابع الاتهام فيما يخصُّ هذا الأمر. كانت هناك موجة طبيعية من الذُّعر والهلع والسُّخط، لكن ليس تجاه الدكتور وينكلز، بل تجاه طعام الآلهة؛ لكن سُخط الناس لم يكن مُوجَّهًا نحو طعام الآلهة بقدْر ما هو موجه نحو بانزنجتن، الذي أصرت مُخيِّلة العامَّة منذ بداية الأمر على تحميله، مُنفردًا، المسئولية كاملة عن هذا الاختراع الجديد.

لَم تكن المُحاولة التي تَلتْ هذه الأحداث وَدَعت إلى قتله شنقًا دون مُحاكمة إلَّا واحدة من تلك الحوادث الرنانة التي تملأ صحف التاريخ بتفاصيلها، لكنها في الحقيقة أقلُّ الأحداث شأنًا وأهونها خطرًا.

إنَّ بداية تلك الانتفاضة هي أحد الألغاز المُحيِّرة، ولكن المؤكَّد هو أن نَوَاتها كانت أحد الاجتماعات المُعارضة للطعام المُكبِّر الذي عقده المتطرفون من حِزب كاترام في هايد بارك، ولكن ما من أحدٍ يُنسَب إليه طرحُ الفكرة أول مرة أو حتى التلميح بإطلاق مثل هذه الانتفاضة التي انضمَّ إليها نفرٌ كثيرٌ من الناس. إنها ظاهرة تُشكِّل مسألة عويصة أمام جوستاف لوبون: لغز سيكولوجية الجماهير. تُظهِر الحقائق أن جيشًا جرَّارًا وبغيضًا من الجماهير اللندنية تحرَّك، عصر يومٍ من أيام الآحاد قُرابة الساعة الثالثة، في هَرجٍ ومَرجٍ مالئين شارع ثرسداي ستريت ومُبَيِّتين نواياهم بقتل بانزنجتن ليصير عبرةً لغيره من الباحثين العلميِّين. دَنت الانتفاضة بجماهيرها من تحقيق مسعاها، في سابقةٍ لم تشهدها الشوارع اللندنية منذ انتفاضة سِياج هايد بارك التي اندلعت في مُنتصف الحقبة الفيكتورية السَّحيقة. دَنت الانتفاضة من هدفها دنوًّا شديدًا بالفعل حتى إنَّ مصير الرجل المسكين ظلَّ لساعة أو أكثر مرهونًا بكلمة تُطلقها هذه الحشود.

كان أولُ ما أدرك بانزنجتن من نُذُر تلك الانتفاضة هي جَلَبة النَّاس وضجَّتهم خارج منزله، فسَارَع إلى النَّافذة يستطلع الأمر جاهلًا بما هو على وشك الوقوع. لعلَّه أمضى وهلةً يُرَاقِب تلك الجماهير المُجتمعة عند مدخل المنزل وهم يُحاولون المرور من بين نفرٍ من رجال الشرطة حاولوا سدَّ طريقهم بلا جدوى، قبل أن يُدرك تمامًا دوره الهام في تلك الانتفاضة. سُرعان ما تنبَّه في لحظةٍ خاطفةٍ إلى أن هذه الحشود الهادرة الهائجة إنما تريده هو. كان بمفرده في الشقة حينها — ربما لحُسن حظه — فقد ذهبت ابنة عمِّه جين لاحتِساء الشَّاي مع إحدى قريباتها من جِهة أمِّها، وكان تصوُّره عن كيفية التصرُّف في ظلِّ هذه الظروف لا يفُوق معرفته بآداب يوم القيامة. أخذ يقطع الشقة جيئةً وذهابًا يستنصِحُ أثَاثَها عمَّا يفعله، تَارةً يُعمِل مفاتِحه في الأقفال فيُوصِدها ثم يُعمِلها تَارةً أخرى فيفتحُها؛ وتارةً يُهرع مسرعًا نحو الباب ثم يندفع باتجاه النافذة ثم يَدلف إلى غُرفة النَّوم وهكذا حتَّى أتاه بَوَّابُ الطابق.

ابتدره قائلًا: «أسرِع يا سيدي! عرفوا رقم شقتك من اللوحة في الرُّواق! وهم صعودٌ إليك الآن!»

قَاد البوَّابُ السيد بانزنجتن إلى الممر، الذي كان يُسمَع خلاله دويٌّ لضجيج آتٍ من الدَّرَج الرئيسي ويقترب شيئًا فشيئًا، وأغلقا الباب خلفهما وهُرِعا إلى الشقة المُقابلة التي فتحها البوَّاب بمفتاحٍ احتياطيٍّ يملكه، وقال:

«هذه هي فرصتنا الوحيدة.»

ثم دَفع إحدى النوافذ بعنفٍ فكشفت عن إحدى فتحات التهوية وأظهرت الجِدار الذي ثُبِّتَت فيه دعاماتٌ حديدية كوَّنت سُلَّمًا هو أخطر السلالم الجدارية وأشدُّها بدائية، ليستخدمه سكان الطوابق العُليا كمخرج في حالات الطوارئ. دَفع البَّوابُ السيد بانزنجتن خارج النافذة وأراه كيف يتشبَّث بالسُّلَّم ثم تَبِعه متسلقًا إلى أعلى. كان يستحثُّه وينكز قدميه بحلقة مفاتيح كلَّما تباطأ وكفَّ عن التسلق. بَدا لبانزنجتن كأن عليه أن يتسلق هذا السُّلَّم العمودي للأبد. نظر أعلى رأسه فرأى سور السطح بعيدًا جدًّا كأنه على بُعد ميل، أما أسفله … فلم يشغل باله بما هو أسفله.

قال البوَّاب بصوتٍ عالٍ: «على رِسْلك!» وأمسك بكاحل السيد بانزنجتن مسكةً أفزعتْه وجعلته يُحكِم قبضته على الدعامة الحديدية من فوقه متعلقًا بها تعلُّق غريقٍ، وصاح صيحة المفزوع.

بَات جليًّا أن البَّوابَ قد كسر إحدى النوافذ وبدا أنه وَثَبَ مسافةً عظيمة جانبيًّا، ثم صَدَر صوتُ نافذةٍ تنزلق لأعلى في إطارها. كان يُعامل الأشياءَ بعنفٍ.

حرَّك السيد بانزنجتن رأسَه مُستديرًا بحرصٍ حتى تمكَّن من رؤية البوَّاب الذي أمره قائلًا: «انزل سِتَّ درجات.»

بَدت تلك التنقُّلات ضربًا من الحماقة، ولكن على الرغم من ذلك أنزل السيد بانزنجتن قدمه ببطءٍ وحرصٍ شديدَين.

وعندما هَمَّ البوَّاب أن يُساعده من داخل النَّافذة المفتوحة، صرخ بانزنجتن: «لا تجذبني!»

خُيِّل إليه أنَّ الوصول إلى النَّافذة من مكانه على السُّلَّم سيكون عملًا بطوليًّا بالنسبة إلى ثعلبٍ طائر. في النهاية، لم يكن رجاؤه في أن ينجح الأمر هو ما شجَّعه على أن يخطو تلك الخطوة، بل ما جَال بخاطره أنه لو كان ليقتل نفسه مُنتحرًا فليكن انتحارًا لائقًا. جذبه البوَّاب إلى الداخل بقسوةٍ وقال: «يجِب أن تنتظر هنا! فلن تُجدِي مفاتيحي نفعًا؛ فهذا قفلٌ أمريكي. سأخرج وأُغلق البابَ خلفي لأبحث عن بوَّاب هذا الطابق؛ لذلك ستُحبَس هنا. لا تقترب من النَّافذة، هذا كل ما لديَّ لأقوله لك. هذا أشرس حشدٍ شهدتُه في حياتي. حتى إذا أيقنوا أنك قد هربت، فسيُطفئون غضبهم بتدمير أشيائك …»

قال بانزنجتن: «لكن اللوحة في الرُّواق أخبرتهم أنني موجود.»

ردَّ عليه البوَّاب: «نعم، لسُوء حظك! حسنًا على أي حال، الأفضل ألَّا يجدوني.»

واختفى بعدما صفَق البابَ خلفه.

ومرةً أخرى تُرِك بانزنجتن ليتصرَّف بمفرده.

قاده تفكيره إلى الاختباء تحت السرير.

وهناك، سرعان ما وجده كُوسَار.

كاد بانزنجتن يُغشى عليه فزعًا عندما وجده كُوسَار؛ فقد هَجَم على الباب بكتِفِه كاسِرًا له بعد أن اندفع بعُرْض الممر.

قال كُوسَار: «اخرج يا بانزنجتن! لا بأس عليك، إنه أنا! علينا أن نُسرع خارجين من هُنا؛ سيُضرِمون النَّار في المكان، والبوَّابون يُخلون المبنى من السُّكان وقد رحل الخَدَم. يا له من حظٍّ أني وجدتُ الرجل الذي يعرف مكانك!»

ثم قال: «انظر هنا!»

نظر بانزنجتن من تحت السرير ورأى بعض الملابس الغريبة تحمِلها ذراع كُوسَار، ومن بينها لَمَح قَلنْسُوة سوداء نسائية في يده!

قال كُوسَار: «إنهم يُخلون المكان. إن لم يُضرموا النَّار فيه، فسيأتون إلى هنا. ربما لن تصل قوات النجدة قبل ساعةٍ من الآن. هذا وارد بنسبة خمسين بالمائة. في هذه الحشود مُثيرو شَغب، وكلما حَسُنَ أثاث الشقق التي يدهمونها، راق لهم سلبُها. من الواضح أنَّهم ينوون إخلاء المكان. هيَّا يا بانزنجتن! ارتدِ هذه التَّنورة واعتمر تلك القَلنسوة واخرج معي من هُنا.»

ردَّ عليه بانزنجتن: «أتقصد …؟!» رافعًا رأسه في تعجُّب كسلحفاة.

قال كُوسَار: «أنا أعني ما قُلته بالضبط. ارتدِ التَّنورة واعتمر القلنسوة وهيَّا بنا!» ثم سَحَب بانزنجتن فجأة بعنفٍ من تحت السرير وبدأ يُلبِسه لِبَاس شخصيته الجديدة كامرأةٍ عجوز من عامَّة الشَّعب.

شمر كُوسَار سروال بانزنجتن وجعله يخلع نعليه ثم خَلع ياقته فربطة عنقه فمِعطفه ثم صدريَّته، وأسْدل تنُّورة سوداء من أعلى رأسه ثم ألبسه صدريةً نسائية حمراء من الصُّوف تبعها بثوبٍ فوقها. أمره بخلع نظارته المُمَيِّزة لشخصيته، ثم وضع القَلنسوة على رأسه وقال وهو يُحكم شدَّ خيوط القلنسوة: «رُبما ولدتَ لتكون امرأةً عجوزًا!» ثم جاء دور الوشاح والحذاء العالي السَّاق الذي يَلوي ثآليل القدم ليًّا فظيعًا حتى يكتمل التَّنكُّر. قال له كُوسَار: «هيا قِف وانزل إلى الطريق!» وأطاعه بانزنجتن.

قال له كُوسَار مُشجعًا: «سوف تنجح.»

وفي هيئته التَّنكُّرية هذه كَان يتعثَّر في مشيته بارتباكٍ مرتديًا تلك التَّنورة التي لم يعتدْها من قبل، ويُطلق لسانه بالدعاء على نفسه بتلك اللعنات التي اعتادتها النساء بصوتٍ رفيعٍ نشاز لكي يُتقن تنكره كامرأةٍ عجوز. وفي وسط زمجرة الجماهير عاقدي العزْم على شَنقِه، مَرَّ مُكتشفُ الهرقليوفوربيا ٤ عبر رواق عِمارة تشسترفيلد السَّكنِية واختلط مع الجُمُوع الغاضبة والمُضطربة ليختفيَ تمامًا من سلسلة الأحداث التي تتألَّف منها قصَّتُنا.

بعد ذلك الهُروب، لم يخطر لبانزنجتن ولو لوهلة أن يتدخَّل مرة أخرى في التَّطوير الرهيب لطعام الآلهة، وهو الذي بذل كلَّ ما في وسعه ليبدأه.

٣

انمَحَى من القصة كلُّ أثرٍ لهذا الرجل الضئيل الحجم الذي أطلق شرارتها الأولى، وبعد فترة اختفى كُلِّيةً من دُنيا الأشياء المرئية والمسموعة، ولكن لأنه مَنْ بدأ هذا الأمر برُمَّته، فمن اللائق أن نُفْرِد لرحيله قدرًا مُناسبًا من الاهتمام. قد يتصوَّره المرءُ في أواخر أيامه بالهيئة التي عرفتْهُ بها قرية تَنبرِدج ويلز حيث ظهر ثانيةً بعد فترةٍ مؤقتةٍ من الاختفاء، حَالَما أدرك أن تلك الانتفاضة كانت مجرد زوبعةٍ عابرة لا معنى لها. ظهر ثانيةً تحت رعاية ابنة عمِّه جين، وأخذ يُعالج نفسه من صدمةٍ عصبية مُستبعِدًا كلَّ الاهتمامات الأخرى، وغير مكترثٍ — وهكذا بدا عليه — بالمعارك المُستعِرة بشأن مراكز التوزيع الجديدة والأطفال الذين يقتاتون على الطعام المُكبِّر.

اتَّخذ بانزنجتن من فندق ماونت جلوري للعلاج بالماء مقرًّا له حيث توجد مجموعةٌ فريدةٌ من الحمَّامَات؛ مثل حمَّام الفقاقيع الكربونية، وحمَّام سائل الكريُوزوت، والعلاج بالنَّبضات الكهربية، والتَّدليك، وحمَّام نبات الصَّنَوبَر، والحمَّام الإشعاعي، وحمَّام الضوء، والحمَّام الحراري، وحمَّام النِّشاء والشَّوْكَران، وحمَّام نخالة القمح والمنافث الإبرية، وحمَّام القَطران والزغب، وكُل ما يُمكن تخيُّله من أنواع الحمَّامَات. كرَّس خلاصة تفكيره لتطوير نظام العلاج الاستشفائي ذاك والذي حالَ الموت دون أن يُكمِله. كان في بعض الأحايين يخرج في سيارة مُستَأجَرة مرتديًا معطفًا ذا أطراف مصنوعة من جلد الفُقمَة، وفي أحايين أخرى كان يمشي، إذا مكَّنته قدماه من ذلك، إلى ساحة البَنتَايلز حيث يرشف الماءَ المَعدنِي بصُحبة ابنة عمِّه جين.

أصبحت كتفاه المُعوجَّتان ولون جلده الوَردِي ونظَّارته اللامعة أحد مَعالم قرية تَنبرِدج ويلز. لم يُعامله أحدٌ بجفاءٍ مُطلقًا، بل كان المكان والفُندق مُمتنَّين لوجوده المُميَّز بينهم؛ هذا التَّميُّز الذي لم يكن لأحدٍ على وجه الأرض أن يَسلُبه إياه. وعلى الرغم من رغبته في تَجاهل أخبار تطورات اختراعه العظيم في الصحف اليومية، كان إذا مَرَّ في بهو الفُندق أو خرج إلى البَنتَايلز وسَمِع أحدًا يهمس: «انظر! هذا هو!» لم تكن الابتسامةُ المرتسمة على ثَغره والبريقُ المتألق في عينيه يوحيان بأدنى شعور بالسُّخط.

هذا الجسد الضئيل؛ هذا الجسد المُتناهي الضَّآلة، كان من قَدَّم طعام الآلهة إلى العالَم! لا أدري أيُّهما أعْجَب؛ عَظَمة هؤلاء العُلماء والفلاسفة أم ضآلة أجسادهم. تَراه هُناك عند البَنتَايلز في معطفه المؤطر بالفراء واقفًا تحت النافذة الخَزفية تلك، حيث تَبَاشيرُ الرَّبيع بادية، ويرتشفُ المياه المعدنية من كأسٍ في يده، وإحدى عينيه تحدق من فوق إطار نظَّارته الذهبي في صرامةٍ غامضة إلى ابنة عمِّه جين، ثم يُهمهِم «ممم» ويرتشف رشفةً من المياه.

وهكذا نُخلد ذكرى مُكتشفنا ونرسُم صورةً أخيرة له في أذهاننا، ثم نتركه كمجرَّد نقطةٍ في طليعة الصورة، وننتقل إلى الصورة الأكبر التي تبلورت حوله، إلى قصة طَعامه، وكيف نما الأطفال العمالقة المُشتَّتون في الأرض يومًا بعدَ يومٍ في عالمٍ لم يسَعْهم، وكيف ضيَّقت قوانينُ الطَّعام المُكبِّر ومعاهداتُ الطعام المُكبِّر — التي كانت تُعدُّها اللجنة آنذاك — الخِنَاقَ عليهم أكثر فأكثر كلَّما كَبِروا عامًا فعامًا، حتَّى …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠