الفصل الثاني

العملاق الصغير

١

كان القسُّ يُصرُّ أن هذا الطفل دَمِيم؛ كان يقول: «هذا الطفل كان دَمِيمًا دومًا؛ مثل كلِّ شيء زاد عن حدِّه.» لم يُؤخَذ رأيه هذا في الاعتبار كحُكمٍ عادلٍ في هذه المسألة؛ فالطفل كان مَحَط الأنظار وهدفًا لالتقاط الصُّور الفوتوغرافية حتَّى مع وجوده في تلك المنطقة الريفية النَّائية. كانت الصُّور تُظهِر — خِلافَ رأي القس — أن الطفل كان في البداية وسيمًا؛ شَعره مَعقوصٌ يكاد يُلامس حاجبيه ووجهه طَليقٌ. وفي مُعظم الصُّور كان أبوه النَّحيلُ؛ كادِلز، يقف مُبتسمًا خلفه حيث يُظهِر منظور الصورة حجمه الضئيل مقارنةً بابنه.

بَعدَ أن بَلَغ عَامَه الثَّاني؛ بدأت وَسامة الطفل في الانحِسَار وكَثُرَ في شأنه القِيلُ والقَال. أخذ ينمو وينمو حتَّى إن جَدَّه التعيس الحظ كان ينعَتُه بملء فِيه باﻟ «مُقَزِّز». بهَتَ لونُه ونما حتَّى صَار ضخمًا، وبالرغم من ضخامته كان هزيلًا وهشًّا للغاية. نَمت عيناه وشيءٌ في وجهه نموًّا طيبًا حَكى النَّاس عنه أنه «جَذَّاب». وبَعد أن قُصَّ شعره لمرةٍ واحدةٍ، بدأ يتجَعَّد كالفَرو، وقال طبيب الأبْرَشية واصفًا حالته تِلك: «هذه أعراض إجهادٍ تَظهَر عليه.» لكن يظلُّ مطروحًا السؤال: إلى أي مدى كان كلامه صحيحًا؟ وإلى أيِّ مدى تدهورت عَافِية الصَّبي وصحته بسبب عَيشه طوال الوقتِ في حظيرة طُليَت جُدرانها بالجِير الأبيض مُقتَاتًا على ما تَجود به الليدي وَندرشُوت مدفوعةً بحِسِّها الخيري الممزوج بالعدل؟ هما سؤالان مَطرُوحَان.

كانت الصُّور التي صُوِّرت له وهو ما بين عامَيْه الثالث والسادس تُظهِر نموَّه إلى صبيٍّ تَلوَّن شَعره بلَون التِّبن، ذي عينين نَجْلاوينِ تَرى فيهما نظرةً وَدُوَدة، وأنفٍ أجدع. تختبئ خلف شَفَتَيه ابتسامة ليست ببعيدةٍ؛ تلك التي تَظهر في كلِّ صُور الأطفال العمالقة الأُوَل. في الصيف، يرتدي حُلَّة من قماشٍ غليظٍ خِيطَت بحبلٍ، وعَلى رأسه عادةً ما يَعتَمِر سَلَّة من قَشٍّ كتلك السِّلال التي يستعملها العُمَّال لجَمع آلاتِهم، وقدَماه حافيتان. وفي إحدى الصُّوَر كان يبتسم ابتسامةً بَدَت منها نَواجِذه وهو يحمل بطيخةً مَقضُومَةً في يدِه.

أمَّا صُوَره شتاءً، فكانت أقلَّ عددًا وغير مُرضية كصورِ الصيف. كانت تُظهره مُنتعلًا قَبْقابًا ويتَجَورَب جَوالِيق؛ ظَهرَت منها أجزاء عبارة «جون ستِكيلز، إبينج» التي نُقشت عليها. أمَّا سِرواله وسُترَته فقد بَدَا بوضوحٍ أنَّهما مَخيطانِ من بقايا بساطٍ مُزركشٍ زَركشةً بَهيَّة. وتحتهما كان يرتدي لِفافاتٍ بسيطةً من قماشٍ صُوفي؛ ما يَقرُب من خمس أو ستِّ يارداتٍ يلتَحِفُها حول رقبته. كان الشيءُ الذي يعتمِره هو في غالبِ الأمر جُوالِقٌ آخَر. كان في بعض صُوره يُحدِّق في آلة التصوير، وفي بعضها يبتسم وفي بعضٍ ثالثٍ تَرى حَسرةً في عينَيه. كان عمره خمس سنواتٍ ومع ذلك تَرى ذلك التَّغَضُّن الذي مَيَّز وجهه حول عينَيه البُنِّيتَين الرَّقيقتَين.

لطالما صرَّح القس أن هذا الطفل سبَّب لسُكَّان القرية إزعاجًا لا يُطاق مُنذ ولادته. كانت لدَيه طاقةٌ للعب تُناسِب حجمَه والكثير من الفُضُول وحُب الاختلاط بالآخرين، وللأسف؛ كانت لدَيه شهيةٌ نَهِمَة للأكل. وعلى الرُّغم مِن حِصة الطَّعام الكبيرة التي كانت تُوفرها له الليدي وَندرشُوت، والتي كانت تَصِفها السيدة جرينفِيلد بأنها حصةٌ سَخِيَّةٌ بإفراطٍ، كان للطفلِ شهيةٌ أسماها الطبيب ذات مرةٍ «شهية مُقزِّزة». كان يُمَثِّل أسوأ تجارب الليدي وَندرشُوت مع الطبقات السُّفلى من المُجتمع؛ فرُغم حِصة الغِذاء التي كانت أكثر بكثيرٍ من أقصى كميةٍ قد يحتاجها رجلٌ بالغٌ فضلًا عن كونه طفلًا صغيرًا، ضُبِط هذا المخلوق وهو يسرِق الطعام ويأكله بنهمٍ وشَراهةٍ غير طبيعية. كانت يده العظيمة الحجم تمتدُّ من فوق أسوار الحديقة؛ كان يرى خُبزًا يشتهيه فيسرِقه من سِلال الخبَّازين؛ اختفى الجُبنُ من مَخزن مَتجر مَارلُو؛ ولم تكن حظيرةٌ من حظائر الخنازير بمأمنٍ من بَطش شهوته. كان أحد الزُّرَّاعِ يتجوَّل في حقل اللِّفت الذي يملكه فوَجَد آثارًا عملاقةً لقدمَي الطفل، وآثار بطنه الجائع مُتناثرة؛ جذرٌ مُجتَثٌّ هُنا وآخر هُناك. أمَّا النُّقَر فقد طُمِست بدهاء صبياني. كان يأكل اللِّفت كما يُؤكل الفجل. كان يقف ويَقطفُ التُّفاحَ من شجرته ويأكله، إن لم يكن أحدٌ في الجِوار؛ تمامًا كما يَقطف الأطفال الطبيعيُّون التُّوتَ من شُجَيرته. على أي حالٍ كانت قِلَّة المئونة هذه في صَالحِ قرية تشيزينج آيبرايت وسلامها؛ فعلى مدى سنواتٍ أخذ يأكُل كُلَّ ما يُقدَّم له من طعامٍ يُشبِه طعام الآلهة …

لا يختلف اثنان على ما سبَّبه هذا الطفل الشَّقي من متاعب. اعتاد القس أن يقول: «كان دائمًا مُضطربًا وهائجًا.» لم يستطع الذهاب إلى المدرسة، ولا حضور الطقوس في الكنيسة لسببٍ واضحٍ؛ مساحتها الصغيرة والمحدودة. جَرَت بعض المُحاولات لتطبيق رُوح نَص قانون التَّعليم الأساسي لعام ١٨٧٠ والذي وصفه القس — وأقتبس عنه — بأنه «أغبى القوانين وأكثرها تدميرًا.» حيث جَعَلوه يجلس خارجًا بجانب نافذةٍ مفتوحةٍ بينما يُدَرِّس المعلم للطلَّاب داخل الفصلِ، ولكن وجوده هُناك هَيَّج الطلاب الآخرين وأفسد انضباطهم؛ فقد كانوا دائمًا مُنشغِلين بالتَّحديقِ إليه، وكلَّما تكلَّم ضحكوا جميعًا من صوته الغريب؛ ولذلك اضطرُّوه للابتعاد عنهم.

كما لم يُلِحَّ أحدٌ عليه للقدوم إلى الكنيسة؛ فحجمه وأبعاده كانت مُثبِّطة بما لا يسمح له بالتنسُّك. ولكن ربما كانت لديهم مهمة أسهل؛ فهناك العديد من الأسباب الجيدة التي تُرَجِّح احتمالية وجود بذرة مشاعر دينية مدفونة بداخل هذا الهَيكل الضَّخم. لعلَّ الموسيقى هي ما جذبته؛ ففي صباح أيام الآحاد، كان يشقُّ طريقه بهدوءٍ وسط قبور ساحة الكنسية بعد اجتماع النَّاس داخل المبنى. كان يجلس مُدة القُدَّاس على باب المَدخَل يُصغي إلى ما يقولونه مثلما يُصغي أحدهم إلى خلية نحل.

في البداية أظهر استعدادًا؛ كان الناس بالداخل يسمعون صوت قدمَيه تجرُشان الأرض بتململٍ حول دار عبادتهم، أو يُفاجَئون بوجهه القَاتِم يُحملق من خلف الزجاج المُعَشَّق، وفي عينيه نظراتٌ ما بين فُضُول وحَسَد في بعض الأحيان. وعندما كانت تُنشَد بعض التَّرانيم الشَّجِية، تترك فيه أثرًا كبيرًا لينهمر في البكاء مُتناغمًا معها في حُرقة. وعندما كان يسمعه سلُوبِت الصغير — الذي يعمل في أيام الآحاد عازفًا لآلة الأورجن ويحمل الصولجان للأسقف، وخادمًا وعاملًا في الكنيسة كما كان يقرع الأجراس، أما في باقي أيام الأسبوع، فكان يعمل ساعيًا للبريد ومُنظِّفَ مداخن — كان يفزع إليه ويصرِفه بعيدًا في أسًى. أنا مُمتنٌّ لأن أقول إن سلُوبِت قد أحسَّ بما يختَلج جنبات هذا الصبي العملاق؛ فقد قال لي إنَّ الأمر أشبه بأن تأمُر كلبك أن يذهب إلى البيت بينما أنت قد شَرَعتَ في التنزُّه سيرًا على قدمَيك.

كان التَّأهيل الفكري والأخلاقي لطفل آل كادِلز تأهيلًا واضحًا وصريحًا على الرُّغم من أنه كان على مُدَدٍ مُتقطعة. فمن البداية، اجتمع القسُّ وأمُّه والعالم بأسره على أن يُقنعوه بأن قواه الخارقة تِلك ليست للاستخدام؛ إنَّما هي بَلِيَّة وعليه أن يُحسِن التَّصرُّف معها. كان عليه أن يَعِي ما لقَّنوه وعلَّموه إياه جيدًا. كان عليه أن يحرص ألَّا يكسر شيئًا أو يُؤلم أحدًا. وبالأخص، يجب ألَّا يَطأ الأشياء أو يدفعها أو يقفز فوقَها. كان عليه تحية النُّبلاء مُتأدِّبًا والتعبير عن امتنانه لما يُعطونه إيَّاه من طعامٍ وكساءٍ من ثَرواتِهم. تعَلَّم كل هذا وهو مُذعنٌ؛ فهو بالسَّلِيقة كائنٌ يُمكن تَعلِيمه ولكنه بفِعل الطعام ومحض الصُّدفة عملاق.

في بادئ الأمر، كان هذا الصبي مصدر رهبة لليدي وَندرشُوت؛ رهبة لا تتصَور حتَّى إنها كانت تجد أفضل وضعٍ تتحدَّث معه فيه وهي ترتدي تنُّورة قصيرة وبيدها سوطٌ للكلاب تضرب به مُهدِّدةً، وكانت دائمًا ما تتعامل معه باحتقارٍ وزَعِيق، ولكن أحيانًا كان يقوم القس بدور السَّيد؛ رجلٌ مُنَمنَمٌ في منتصف العمر، أشبه بداود لاهثٍ يرجُم جالوتًا طفلًا بالتَّعزير وبالتأنيب وبالأوامر الاستبدادية. نَما هذا الوَحش نموًّا صار يستحيل معه أن يظنَّ أي إنسانٍ أنه طفلٌ يبلغ من العمر سبع سنواتٍ ومُفعمٌ بكل رغبات الطفولة من الملاحظة والاستمتاع والتَّجارب الجديدة؛ مُفعمٌ بكل احتياجات الطفولة من مُحاولات جذب الاهتمام والتعاطف؛ ومُفعمٌ بكلِّ وُسع الطفولة من التَّبعية والاعتماد على غيره والبؤس والضَّجر المُطلَق.

كان القسُّ يسير في طريق القرية ذات صباح مُشرقٍ، فلقِي هذا المخلوق الأخرق الغامض الذي يبلغ طوله ثماني عشرة قدمًا؛ والذي مَثَّل له في روعته وبُغضِه نوعًا جديدًا من المُنشقِّين، بملابسه غير المُكتملة ورقبته الممدودة تبحث كعادتها عن شيئين أساسيَّين؛ شيء يأكله وآخر يلهو به.

كانت تُرى في عينَي هذا المخلوق نظرة احترامٍ خَجِلة وهو يُحاول أن يلمس قُصَّة شعره المُجَعَّد.

كان للقس بقايا خيالٍ ضَيِّق، ومع وجود طفل آل كادِلز، بدأ ينمو خياله هذا ليَسَع الاحتمالات الكبيرة للأضرار التي قد تُسبِّبها تلك العضلات الضخمة. ماذا لو مَسَّه شيءٌ من جنون! أو ساءَ أدبُه وصار لا يحترم أحدًا! ولكن على الرُّغم من ذلك؛ ليس الشُّجاع مَن لا يخاف، بَل مَن يستطيع أن يَقهَر خوفَه. كان القسُّ في كل مرة يتغَافَل عن تخيُّلاته تلك، وكان يتحدث إلى الطفل العملاق بشجاعةٍ وجرأة وبصوتٍ آمرٍ وواضح.

«هل تتصرَّف كولدٍ مُهذَّب يا ألبرت إدوارد؟»

فيُجيب العملاق الصغير وهو يدنو من الحائط وقد احمرَّ وجهه في خجل: «أجل يا سيدي … أحاول!»

فيردُّ عليه القس: «استمِر على ذلك.» ثم يتجاوزه وقد بدأت أنفاسه تُلاحق بعضها بعضًا من الخَوف، لكنَّه وضع قاعدةً يتَّبِعها حيث تَروق له حفظًا لماء وجهه ورجولته، وهي ألَّا ينظُر خلفه إلى الخَطَر ما دام قد مرَّ الأمر بسلام.

كان القسُّ يُعلِّم صغير آل كادِلز تعليمًا خصوصيًّا على مراتٍ متقطعة، ولكن لم يُعلِّمه القراءة؛ فلا حاجة به لأن يقرأ. كان يُعلِّمه أهم مواضيع كتاب التَّعليم المسيحي؛ كحقوق جيرانه، والرَّب الذي سيَصبُّ عليه غضبًا وعذابًا أليمًا إذا تجرَّأ وعصى القسَّ أو الليدي وَندرشُوت. كان يُلقِّنه الدروس في ساحة الدير، وكان المارَّة يسمعون الصوت الطفولي الحادَّ عاليًا يُردِّد التَّعاليم الأساسية للكنيسة الرسمية برَتَابة.

«أن أبجِّل المَلك وأن أخضع لجميع الحُكَّام والمُعلمين والرُّعاة المُصلحين والأسياد. وأن أعوِّد نفسي التواضُع وأن أُوقِّر …»

اتَّضح مؤخرًا أن الخيول غير المُدرَّبة تَخاف البَشر المُتعَملِقِين تمامًا كخوفها من الجِمال؛ لذلك أُمِر أن يبقى بعيدًا عن الطريق الرئيسي، ليس بعيدًا عن منطقة الأشجار فحسْب — حيث كانت تلك الابتسامة البَلهاء من فوق الجِدار تجعل الليدي وَندرشُوت تستشيط غضبًا — ولكن أن يبقى بعيدًا تمامًا، ولكنه لم يُطِع هذا الأمر بتاتًا؛ لوَلَعِه الشديد بالطريق الرئيسي، الأمر الذي اتَّضح فيما بعد أنه كان مُنتجعه الدائم للاستمتاع بالسَّرِقة. وفي آخر الأمر؛ أصبحت أماكن وجوده مقصورة على المراعي القديمة والهضاب المُنخفضة.

لا أدري ما كُنَّا لنفعل لولا الهضاب المنخفضة. فهناك؛ كانت مساحات شاسعة يُمكن له أن يتجوَّل فيها لأميالٍ وهو ما كان يفعله. كان يكسر فروع الشَّجَر ويُجمِّعها ليصنع باقاتٍ كباقات الزهور، حتَّى مُنِع عن ذلك. كان يتناول الخِراف بيدِه ويَصُفُّها صَفًّا مُحكمًا، فلا تمكث الخراف في مكانها إلا هُنيهةً بعدها تفرُّ في صخبٍ فيضحك هو ضحكًا شديدًا، حتَّى مُنِع عن ذلك. كان يحفر في الأرض المُعشوشِبة حُفَرًا عميقةً بلا هدفٍ؛ حتَّى مُنِع عن ذلك …

كان يَجُول في الهِضاب المنخفضة حتَّى يصل إلى التَّل أعلى رِكستُون فلا يتجاوزه، لأنَّه وجد هناك أراضيَ زراعية كان أصحابها كلما اقترب يخرجون بكلابهم تنبح عليه كي يصرفوه بعيدًا؛ إذ كان ينهب محاصيلهم، وبسبب ما أثارته هيئته الضَّخمة والغريبة في نفوسهم من عدوانية ورهبة، كانوا يُهدِّدونه ويضربونه بسِياط العَربات، وقد سمعتُ أنَّهم في بعض الأحيان يُطلقون عليه الرَّصاص من بنادقهم. في الجهة المُقابِلة كانت هيكليبراو تظهر في الأفق، ومن فوق ثِرسلي هَنجَر كان يُمكنه أن يَلمَح كلًّا من لندن وتشاتام وسكة حديد دوفر، ولكن الأراضي المحروثة والقُرى المُريبة حَالت بينه وبين أن يقترب من تلك الأماكن.

بعد فترة، وُضِعت اللافتات العملاقة التي كُتب عليها بالأحمر والتي حَاصرته من كل مكان. لم يستطع أن يقرأ ما كُتِبَ عليها: «ممنوع الاقتراب.» ولكن بعد مُدة قصيرة فَهِم معناها. كان يراه مُسافرو القطار في تلك الأيام جالسًا وذقنه على ركبتيه أعلى تَلةٍ بجانب مَحَاجِر ثِرسلي الطباشيرية حيث بدأ يعمل فيها لاحقًا. بَدا أن القطار كان يبثُّ في نفسه شعورًا خافتًا بالمودة واللطف؛ ففي بعض الأحيان، كان يُلَوِّح له بيده الضخمة، وفي أحيانٍ أخرى، يهتف له هتافًا ساذجًا غير متناسقٍ.

يقول أحد المسافرين وهو يُحدِّق: «إنه ضخم! إنه أحد أطفال الطعام المُكبِّر. يقولون يا سيدي إنَّهم لا يستطيعون فعل أي شيءٍ لأنفسهم، فهم ليسوا أفضل حالًا بكثيرٍ من الحمقى ويُشكِّلون عبئًا مَهولًا على المنطقة.»

«لقد أُخبِرت عن مدى تَعاسة آبائهم!»

«يعيشون على ما يُخرِجه الأغنياء من صدقات.»

يُحدِّق المسافرون جميعهم في هذا العملاق الجالس بعيدًا تحديقًا فيه استعلاءٌ لبعض الوقت.

ثم يقول أحدهم وقد هَداه تفكيره الواسع: «من الجيد أنَّهم وضعوا حدًّا له!» ثم يقترح آخر مُتهكمًا: «ألن يكون أمرًا طيبًا لو كان لدينا بضعة آلافٍ من هؤلاء العملاقة يعيشون على المعونات؟!»

وكالعادة يكون وسطهم رجلٌ ذو عقلٍ حصِيفٍ ليُصدق كلام ذلك الفيلسوف قائلًا بصوتٍ صَادقٍ يَنُمُّ عن يقينٍ: «لقد أصبتَ كَبد الحقيقة يا سيدي!»

٢

لقد مَرَّ بأيامٍ عسيرةٍ.

ومثالٌ على تلك الأيام؛ نذكُر مُعَاناته مع النَّهر.

لقد صَنَع قواربَ صغيرةً من أوراق الصُّحُف؛ فنٌّ تعلمه بُمشاهدة طفل آل «سبِندَر»، ثم يُطلق تلك القوارب لتُبحر مع التَّيار كقبَّعاتٍ ورقيةٍ عظيمة الحجم. كان يُطلق صيحةً عاليةً عندما تختفي تلك القوارب تحت الجِسر الذي يَحُدُّ المناطق المحظورة عند منزل آيبرايت، فينطلق عَدوًا قاطعًا حقل «تُرمَت» الجديد حتَّى يُلاقِي قواربه عند مياه النَّهر الضَّحلَة. يا ألله! كَم ركضتْ خنازير «تُرمَت» من الفزع حتَّى ذابت شُحومها الطَّيبة وتحوَّلت إلى عضلاتٍ ضعيفة. اعتادت تلك القوارب الورقية أن تمرَّ عبر الأراضي الخضراء القريبة؛ أمام منزل آيبرايت وتحت ناظري الليدي وَندرشُوت!

بعثرة أوراق الصُّحُف المطوية بهذا الشكل! شيءٌ لطيف!

ولكي يأمن عقوبة فعلته تلك؛ بدأ يُطبِّق مبادئ الهندسة المائية تطبيقًا طفوليًّا. حَفَر مَرسًى ضخمًا لأسطول قواربه الورقية مُستخدمًا بابَ حظيرةٍ ضخمًا كمجراف ولحُسن حظِّه لم يَلحَظ أحدٌ ما كان يفعله وقتها. انتهى بحفر قناةٍ في غاية الإبداع فاضت ذات مرةٍ لتُغرِق مخزن ثلج الليدي وَندرشُوت. في نهاية الأمر سَدَّ النَّهر على عرضه ببضعة أكوامٍ من التُّراب كوَّمها بنشاطٍ وحماسة. تحت هذا السَّد فاض النَّهر فيضًا عجيبًا حتى إنه جَرَف مِسنَد لوح رسم الآنسة سبِنكِس وأضاع أبدَعَ ما جَادَت به قريحتها من لوحاتٍ مائية، أو يُمكن القول إن فيضان النَّهر جَرف مِسنَد لوحتها وتركها مُبتلَّة حتى رُكبتَيها تقطع طريق عودتها إلى البيت مهمومةً حزينة. بعد ذلك غمَرت المياه حديقة المطبخ حتَّى وصلت إلى البوابة الخضراء ومنها إلى الطريق حتَّى وصلت إلى مَصرف «شُرتس» ومنه إلى النَّهر مُجددًا.

في هذه الأثناء، قَطَع القسُّ حديثه مع الحدَّاد وأصابته الدهشة عندما رأى الأسماك المَجروفة تتلوَّى في بِضع بِركٍ خلَّفها فيضان النَّهر مع كمٍّ ضخمٍ من الحشائش الخضراء، بينما كانت المياه منذ عشر دقائق صافية وهادئة وارتفاعها ثماني أقدام.

هَرَب طفل آل كادِلز من بيته ليومَين بليلتيهما بعد هذه الواقعة خوفًا من عاقبة ما فَعَله، ولكنه رجع بعد أن قَرَص الجُوع مَعِدته ليتحمَّل بهدوءٍ وسكينةٍ وابلًا من التَّأنيبِ الحادِّ والقَاسِي كما لم يُؤنَّب من قبل أثناء وجوده في هذه القرية السَّعيدة.

٣

بعدَ هذه الواقعة مُباشرةً، أصدرت الليدي وَندرشُوت إعلانًا رسميًّا بعد بحثٍ مُطوَّلٍ عن إضافاتٍ زاجرة يمكن أن تُضيفها إلى سوء معاملتها وقسوتها. في البداية، أصدرت الإعلان لرئيس الخدَم على حين غِرةٍ جعلته ينتفِض فزعًا بينما كان يُنظِّف بقايا الفطور. كانت تقِف مُحدِّقةً من النَّافذة الطويلة في شُرفتِها حيث تأتي صغار الظِّباء لتُطعَم. نَادت بأكثر الأصوات سُلطَوية: «جُوبِت! يجب أن يعمل الجميع مقابل قُوت يومِه!»

أبَانَت هذا القرار وأوضحته ليس لخادمها فقط والذي كان أمرًا ميسورًا، ولكن لجميع أفراد القرية فردًا فردًا بما فيهم صبي آل كادِلز. هذه المرَّة كغيرها من المَرَّات كانت تعني ما اتَّخذته من قرارٍ.

قالت الليدي وَندرشُوت: «أسنِدْ إليه عملًا على الدَّوام! هذه نصيحةٌ للسيد الذي يتولَّى أمر الطفل كادِلز!»

ردَّ القس: «هذه هي أفضل نصيحة لجميع البشر! واجباتٌ بسيطة وأداءٌ مقبول … نَزرع اليوم لنحصُد غدًا!»

قاطعته الليدي وَندرشُوت قائلةً: «بالضبط! هذا هو اعتقادي الشخصي. فالشيطان دائمًا ما يَشغل الأيادي العاطِلة عن العمل من الطبقات العاملة. نحن نُربِّي خَادمات البيت على هذا المبدأ دومًا. برأيك، أي عملٍ نُسند إليه؟»

كان هذا قرارًا صعبًا؛ رَاحَت الأفكارُ تتخَاطر هُنا وهناك، ولكن في الوقت الحالي، أسندوا له عملًا بسيطًا حتَّى يعتاد الأمر؛ فقد استعملوه بدلًا عن حصان المُراسلات ليُوصِّل الرسائل والمُذكِّرات حينما يتطلَّب الأمر عجلةً، كما كان يحمل المَتَاع والصَّنَاديق وما شابهها بسهولة ويسر في شَبَكة وجدوها له. بَدا عليه أنَّه أحبَّ العَمَل؛ فقد عدَّه وقتًا للَّعِب. أمَّا كِنكل، وكيل الليدي وَندرشُوت، فقد رآه يومًا ما يُزَحزِح حَجرًا من مكانه فتلألأت بباله خاطرةٌ بأن يستعمِله على مَحجَر الليدي وَندرشُوت الطباشيري في ثِرسلي هانجر قُرب هيكليبراو. نُفِّذ هذا الاقتراح من فوره وبَدَا لهم من بَعده أنَّهم قد أمِنوا شَرَّه.

بدايةً، عَمِل في المَحجَر الطباشيري بحماس طفلٍ يلهو ثم أصبحتَ عادةً اعتَادها حتَّى إنه صار يعمل بيدٍ واحدةٍ فقط؛ يَقتَلِع الأحجار ثم يُحمِّلها العربات ويبدأ بجرِّ المُمتلئ منها على قضيبٍ باتجاه التَّحويلة، ثم يرجع قَاطِرًا العربات الفارغة بحبل رافعةٍ كبيرة.

أُخبِرتُ أنَّ كِنكل قد صَيَّره إلى شيءٍ نافعٍ للِّيدي وَندرشُوت، لا يستهلك غير طَعَامه في أغلب الأحيان. ولكن هذا لم يُحوِّل الليدي وَندرشُوت عن وَصمِها لهذا المخلوق بأنه عَالةٌ على خَزَائِن صَدَقاتها …

في ذلك الوقت أثناء عمله، اعتادَ أن يرتدي حُلَّة فَضفَاضة من الخَيش وسروالًا من الجِلد المُرقَّع وينتعل نعلًا من حديد. أما على رأسه فقد كان أحيانًا يعتَمِر شيئًا غريبًا؛ كُرسيًّا خُوصيًّا على هيئة قفيرِ نحلٍ، ولكن في أغلب أحيانه يكون عاريَ الرأس. كان يَسير هائمًا حول المَحجر الطباشيري وكان القسُّ المُنطلقُ في جولته اليومية يصِل إلى هناك في منتصف اليومِ فيراه يأكل حِصَّته الضَّخمة من الطعام على استحياءٍ وقد أولى ظهره إلى العالَم وما به.

كانت حِصَّة طعامهِ تُنقل إليه يوميًّا؛ وكانت عبارة عن خليطٍ من حَبٍّ غير مقشُورٍ في عَرَبةٍ صغيرةٍ على قُضُبٍ حديدية مثلها كمثل تلك العربات التي ما فتئ يملؤها بالطباشير. كَان يُحمِّصُ تِلك الحُمُولة من الحَبِّ في جَيَّارةٍ قديمةٍ ثُم يلتهمُهَا، وفي بعضِ الأحيان كان يُضيف لها كيسًا من السكر أو يقعد كالكلب يلعق كُتلَة مِلحٍ أو يأكل كومةً ضخمةً من تَمرٍ أو حجارة أو أي شيءٍ، أكوامًا كتلك التي نَراها على عَربات السُّوقِ بلَندن. أمَّا عن شَرَابه، فقد كان يذهب إلى جَدولٍ خلف حظيرة التَّجارب المُحرَّقة في هيكليبراو ثُمَّ يُميل رأسه مُعترضًا تيَّار المياه فيشرَب. كانت طريقة شُربِه تلك بعد أن يأكل طَعام الآلهة هي ما مَكَّنت الطعام من التَّسرُّب حيث تسرَّب في البداية بين الأعشاب الكثيفة القريبة من ضفة النهر ثمَّ إلى الضَّفادع الكبيرة ثم إلى أسماك السَّلمون الضَّخمَة وأسماك الشَّبُّوط التي جرفها التيار نحو ضفة النهر، كما تغلغل بين النَّباتات الكثيفة في كل أرجاء الوادي الصغير.

بعد سنةٍ أو ما يقرُب من سنةٍ، نَمَت يَرقاتُ الوحوش الغريبة في الحقل المُقابل للحدَّاد وتطوَّرت حتَّى صارت كائنات مُرعِبة من حشرات الفرقع لوز وخنافس الحقل التي كان الصبية يُطلقون عليها الخنافس الآلية، تلك الحشرات التي جَعلت الليدي وَندرشُوت تفرُّ خارج القرية.

٤

ولكن سُرعان ما نَحا الطَّعام في جسده منحنًى آخر في طَورٍ جديدٍ. فعلى الرُّغم من التَّعليمات البسيطة للقس؛ تعليماتٌ وُضعت لتُقَوِّض الحياة الطبيعية والبسيطة لعملاقٍ من الطبقة العَامِلة تقويضًا كاملًا وشاملًا، بدأ الصغير العملاق يطرح الأسئلة ويسأل عن ماهية الأشياء، بدأ يُفكِّر. فكلَّما خَطا خطوة نحو سِنِّ المُراهقة مُودِّعًا طفولته، ظَهر جليًّا أن عقله كان له تفكيرٌ خاص خارج سيطرة القس الذي بَذل قُصارى جُهده ليتجاهل هذه الظَّاهرة المُقلِقة، ولكن بداخله كان يشعُر بوجودها.

بدأت أفكار هذا العملاق الصغير تُنَاطِحه، فرُغمًا عنه وبسبب مَجال رؤيته الواسع وتطلُّعه الدائم للأشياء من حوله؛ لا بُدَّ أنَّه عرف الكثير عن حياة البَشر. وكُلَّما وسعت هذه المَعرفة وأدرك أنَّه هو أيضًا من بني الإنسان، بغض النَّظر عن عَملَقَته الخَرقاء، لا بُدَّ أنَّه تَبَيَّن مقدار ما مُنِع منه بسبب اختلافه الكئيب. فقد حُرِمَ مُخالطة زملائه في المدرسة؛ وغموض الدِّين الممزوج بثياب الكهنوت الزَّاهية البهِية التي كانت تُبهِج مَن يراها؛ حُرِم سماعُ ألحان وأغاني الجوقة الموسيقية في الحانة؛ والغُرَف المُشِعَّة دفئًا وضياءً بالشموع أو بنِيران المُستَوقَد، تلك الغُرَف التي كان يُحدِّق بها في ظلام الليل الحَالِك؛ أو الجَلجَلة الحماسية حول إحدى المسائل المُلْبِسة في رياضة الكريكت بعد مُباراةٍ لذوي السراويل الصُّوفية هؤلاء. كُل هذه الأشياء لا بُدَّ أنَّه كان يسمَع لصراخها دويًّا في قلبه التَّوَّاق لمُخالطة النَّاس. وعندما دخل في مرحلة المراهقة، تَزايد اهتمامه تزايدًا ملحوظًا بما للعاشقين من شئونٍ وأحوال وما بين هؤلاء الأزواج من مودةٍ وحمِيمية هي جَوهرُ الحياة.

في مساءِ أحدِ أيام الآحاد، قُبيل تلك الساعة التي تتلألأ فيها نُجُومُ السماءِ، وتخرُج الخفافيش، وتَفِيض الحياة الرِّيفية بعواطفها؛ كان هُناك عشيقان شابَّان يُقبِّل كلٌّ منهما الآخر في جادة الحُبِّ؛ جَادة طريقٍ مُسَوَّرة بنباتٍ كثيفٍ تقود طَارِقها إلى منطقة «آبر لودج». كان أحدهما يُلاعِب الآخر بطُمأنينةٍ في الشفق الدَّافئ كما اعتاد العاشقون. دَار في خلدِهما أنَّ ما يُمكن أن يَقطع لقاءهما هذا سيكون آتيًا بوضوحٍ باتِّجاه الجَادة؛ فالأسوار النَّباتية ذات الاثنتي عشرة قدمًا التي تفصلهما عن التِّلال الهادئة، بَدَت لهما كَسُورِ حصنٍ منيعٍ لا يُرام.

وفجأة وبصورةٍ عجيبةٍ، حُمِلا وفُرِّقَ بينهما.

وَجدَا نَفسيهِما محمولين كُلًّا على حِدة بإصبعٍ وإبهامٍ تحت الإبط، وعينا صغير آل كادِلز البُنِّيتان تتفحَّصان في ارتباكٍ وجهيهما المُتورِّدين. كان هَول الموقِف قد عَقَد لسانهما.

سألهما صغير آل كادِلز: «لماذا تُحبُّون فِعل ذلك؟»

أتذكَّر أنهما استمرَّا في حرجٍ حتَّى أحَسَّ العَاشِق أن رجولته تُحتِّم عليه فعل شيءٍ ما، وأخذ يصِيح صياحًا عاليًا وحادًّا ويتوعَّده ويُحذِّره من العقاب إن لم يُنزلهما أرضًا؛ وعلى إثره، تذكَّر صغير آل كادِلز كيف يجب أن يُحسِن التَّصرف، وأنزلهما بهدوءٍ وأدبٍ بجانب بعضهما حتى يُكملا عِنَاقهما. وقف مُترددًا هُنيهةً ثمَّ اختفى كما ظَهَر باتجاه الشفق …

اعترف العَاشِق لي وقال: «شَعرتُ بأنِّي أبله! لم يستطع كلانا النَّظر في عينَي الآخر من شدَّة الخجل بعد أن ضُبِطنا على هذا النَّحو.

لقد كان كلٌّ منا يُقبِّل الآخر!

والغريبُ أنَّها ألقَتْ عليَّ كامل اللوم …

هَبَّت مُغادرةً المكان وهي تستشيط غضبًا، ولم تُحادثنِي ولو ببنت شَفَة طوال طريق عودتنا إلى البيت …»

كان العملاقُ قد بدأ في استكشاف الحقائق، ولا شكَّ في هذا. فقد صار الأمر واضحًا أنَّ عقله بدأ يطرح الأسئلة. ألقى تلك الأسئلة على قِلَّة من النَّاس ولكنَّهم أرهقوه. أتذكَّر أنَّ أمَّه كانت تخضع أحيانًا لجلسات استجوابٍ.

اعتاد أن يأتي إلى الفِناء خلف منزل أمِّه الرِّيفي، وبَعد أن يُمَحِّص الأرض بحثًا عن أي دجاجٍ أو فُروخٍ ثمَّ يجلس ببطءٍ مُتَّكئًا على حائط الحظيرة … وفي لحظاتٍ تبدأ الدَّجاجات التي أحبَّته بالنَّقر في الوَحْل الطباشيري المُلطِّخ لثيابه والمُلتصِق بثناياها. وإذا حضر يومًا وكان مُنهكًا، فتبدأ هُرَيرة السيدة كادِلز التي لم تكن تَخاف منه مُطلقًا، بالرَّكض برشاقةٍ في أرجاء الحظيرة وحولها، تصعد المطبخ وتنزل منه، تتسلق رجله ثم جسدَه ثم تصعد إلى كتفِه … تحظى بلحظة تأمُّلٍ، ثم تعود مرة أخرى إلى ما كانت عليه من ركضٍ وقفزٍ وتسلُّقٍ … كانت أحيانًا تغرِز مخالبها في وجهه مدفوعةً باللطفِ واللَّعبِ، ولكنه لم يجرؤ مرةً أن يُفكِّر حتَّى بلمسها؛ فهو لا يعرف ما هي عواقب أن يُملِّس بيده العظيمة الحجم على جسد هذا المخلوق الهزيل، بالإضافة إلى أنَّه كان يُحب أن يُدغدَغ ويُداعَب. يَمضى من الوقت القليلُ ثمَّ يبدأ بطرح عددٍ من الأسئلة المُربِكة على أُمِّه.

«أمَّاه! إذا كان العمل أمرًا جيدًا، فلماذا لا يعمل كُلُّ النَّاس؟»

نظرتْ أمُّه له وأجابته: «العملُ جيدٌ لمَن هم مثلُنا!»

تفكَّر في إجابتها هنيهةً ثم قال: «لماذا؟»

ثم سأل سؤالًا آخر قبل أن تُجيبه أمه عن سؤاله الأول: «لماذا نعمل يا أمَّاه؟ لماذا أقطِّع الحَجر الطباشيري في المَحجَر وأنتِ تغسلين الملابس يومًا بعد يومٍ، بينما تَركب الليدي وَندرشُوت عَرَبتها وتُسافر إلى تلك البلاد الجميلة المُحرَّمة على أمثالنا أنا وأنتِ؟»

ردَّت السيدة كادِلز وقالت: «هذا لأنها ليدي!»

قال الصغير: «أوه!» ثم أخذ يتأمَّل كلامَها بعُمقٍ.

أكملت أُمُّه حديثها وقالت: «إنْ لم يكن هناك أسيادٌ يُوفِّرون لنا عملًا؛ فكيف نقتَات نحن الفقراء؟»

استغرقَه استيعابُ هذا الرَّدِّ حِينًا.

ثمَّ أعاد الكَرَّة مرةً أخرى وسأل: «أمَّاه! إنْ لم يكن هُناك أسيادٌ؛ ألن يكون كُلُّ شيء مِلكًا لِمن هُم مِثلي ومثلك؟ وإذا هم …»

قاطعتْه أمُّه التي أصبَحت بعد موت السيدة سكينر أكثر نُضرَةً وحيوية، وقد احمرَّ وجهها غضبًا: «أعوذ بالله منك. طفلٌ ثرثار! مُنذ أن قضت جَدَّتك المِسكِينة نَحبَها وأنت لا رادِع لك! إنْ كنت لا ترغب في سماع المزيد من الأكاذيب فلا تسأل أيَّ أسئلة؛ فوالدك سيُحَتَّم عليه أن يسأل النَّاس ليُطعموه إذا ما أجبتُ عن أسئلتك بصدقٍ. ذَرْني أُنهي غَسل الملابس رجاءً!»

أجابها الطفل وقد بَدت عيناه حائرتَين: «سَمعًا يا أمَّاه! لم أقصِد أن أُزعجكِ!»

ثُمَّ يُطلق جَواد فِكرِه يَركضُ حيث شاء.

٥

كان ما يزال يُمعِن في التَّفكير حتَّى بعد مُضِيِّ أربع سنواتٍ عندما رآه للمرة الأخيرة في حياته؛ القسُّ الذي كان قد تقدَّم به العمر. كان القسُّ قد ظَهر عليه أثرُ الشَّيب؛ أَنحَل الزَّمان خَاصِرته فتَرَهَّل حِزامه، وتباطأت حركاته وبَلُد عقله واثَّاقَل لسانه، ارتَعَشت يداه كما ارتَعَشت قناعاته، ورغم ذلك، كانت عيناه لا تزالان برَّاقتَين قريرتَين مُمتنَّتَين رغم كل ما أحدثَه طعام الآلهة من متاعب له وللقرية. أتى عليه زمانٌ كان فيه خائفًا تارةً ومُشوَّشًا تارة أخرى، ولكن ألم يكن حيًّا يُرزق كما كان من قبل هذا؟ كما جعلت مدةُ الخمس عشرة سنة — وهي فترة لا بأس بها من الزمان — المتاعبَ شيئًا اعتياديًّا.

كان يقول: «الحقُّ يُقال، لقد كان الأمر مُزعجًا! تغيَّر كُلُّ شيءٍ من نواحٍ عدَّة. كان هناك زمنٌ يقدِر فيه الصَّبي على جَزِّ الحشائش الضَّارَّة، أمَّا الآن، فلا يقدِر على جَزِّها في بعض الأماكن إلا رجلٌ يحمل فأسًا وعَتَلةً. فغريبٌ علينا نحن العَجَائزَ أن نَرى ذلك الوادي الذي كان قديمًا قاعًا للنهر قبل أن تُسقَى النباتات، تملؤه عيدان القَمح الشاهقة الطول بارتفاع خمسٍ وعشرين قدمًا. كان الزُّرَّاعُ يستخدمون المَنَاجِل القديمة هُنا منذ عشرين سنةً مضت، ثمَّ ينقلون حصادهم في بهجةٍ على عرباتٍ بسيطةٍ في امتنان. كانوا يَختمون الحصاد بشربِ القليل من المُسكِرات مع دقائق من معاشرة أزواجهم … يا لتعاسة الليدي وَندرشُوت؛ ما أحبَّت هذه البِدَع قط، فقد كُنت أراها ذات نَزعَةٍ مُحافظةٍ تَجِد فيها رِيح القرن الثامن عشر … فلهجتُها مثلًا … كانت تأسِر الألباب …

ماتت ميتةً بائسةً رُغم ذلك. فقد استشرت الحشائش العملاقة في بُستانها ورُغم أنَّها لم تكن امرأةً مُولعة بالبساتين، كانت تُحب أن يكون بُستانها مُنظَّمًا ومُنسَّقًا؛ تنمو النَّباتات حيث زُرِعَت وكيفما زُرِعَت، كلُّ شيءٍ تحت السَّيطرة. أمَّا نمو النَّباتات فكان غير مُتوقعٍ فأحبط خططها وأفكارها. لم تُحب التَّطفل الدَّائم من هذا الوَحشِ الصغير، ففي آخر عُمرها كانت تتوهَّم أنَّه يقف مُحدِّقًا بها من وراء الجدار … كانت تكره كونه طويلًا طولًا يُضاهي ارتفاع بيتها … كان هذا يُشَتِّتُ إحساسها بالأبعاد. يا لها من مسكينة! كُنت أرجو أن تظلَّ على قيد الحياة حتى أموت أنا. كانت تلك الخَنافس الطَّيارة التي ابتُلينا بها قُرابة السَّنة أو يزيد، هي القَشة التي قصمت ظهرَ البعير … جاءت تلك الخنافس من تلك اليرقات العملاقة على مَرْجَة النَّهر؛ حجم اليَرَقة منها كحجم فأر.

كما زادَ النَّملُ الطينَ بِلةً بلا شك …

وبما أنَّ كل شيءٍ كان مُثيرًا للحَنَقِ ولم يعُد هناك سلامٌ ولا هدوء؛ قالت إنَّها فكَّرت في الانتقال إلى مدينة مونت كَارلو أو أي مدينة أخرى ثمَّ ذهبت.

أُخبِرتُ أنَّها خَاضت غِمار الحياة ببسالةٍ، وفي النهاية ماتت في غرفة أحد الفنادق هُناك. يا لها من نهاية مُؤسفة! الموت في مَنفًى … لم يتوقع أحدٌ أن تكون هذه نهايتها؛ مُجتَثَّة من بين شعبها الإنجليزي بعد أن كانت واحدةً من أسياده … لذلك …»

ثُمَّ أخذ القسُّ يُثرثِر: «وفي نهاية المَطافِ؛ لم يُحقِّق الأمرُ ثماره المرجوة، بل كان مُؤذيًا. فها هم الأطفال لا يستطيعون الرَّكض واللَّعب بحريةٍ كما اعتادوا خوفًا من قَرَصات النَّمل وغيرها، ولكن لعلَّ هذا يَصبُّ في مصلحتنا؛ فقد كانت هُناك نقاشاتٌ عمَّا يُمكن أن يُحدثه هذا الطَّعام من تحوُّلٍ في كل المجالات … ولكن هُناك شيئًا ما يُبطِل كلَّ مفعولٍ لهذا الشيء الجديد؛ أنا لا أعرفه بالتَّأكيد. فأنا لستُ أحد هؤلاء الفلاسفة المُعاصِرين الذين يُفسِّرون ماهية كُلِّ شيءٍ بموجات الأثير والذَّرَّات أو نظرية التَّطوُّر وما شَابَه هذا الهُرَاء. ما أعنيه هو شيءٌ خَارج نطاق العُلوم. مسألةُ منطقٍ لا فَهم. الحِكمَة الإلهيَّة. الطبيعة البشرية. شيءٌ خالدٌ لا يَبلى … بإمكانك تسميته كيفما تشاء.»

ثمَّ جاءت المَرَّة الأخِيرة …

لم يكن القسُّ يخشى ممَّا كان يَحُوم منتظرًا إيَّاه هُناك. شَرَع في جَولته حول سُهول فارذِنج، تلك الجَولة التي اعتادها لما يُقارب العشرين سنةً واتَّجه إلى مكانٍ يتأتى له منه مراقبة صغير آل كادِلز العملاق. تسلَّق التَّل حيث أصبح المَحجر الطباشيري على مرأًى منه وهو يَلهث؛ فقد مَضى زمنٌ منذ أن فقد لياقته وقوة عضلاته التي كان يهتمُّ بها في الأيام الخَوالي بدافعٍ من عقيدته. وعندما وصل لم يكن صغير آل كادِلز هُناك في مَحلِّ عمله. جَالَ حول أحراشٍ من نَبات السَّرخس العملاق التي أوشكت أن تَحجُب ما وراءها من شُجيرات. وَقَع نظره على هذا الوحش الضَّخم يجلس أعلى التَّل؛ كان يجلس شَاردًا مهمومًا كأنما يَحمِل هُموم العَالَمين فوق كتفَيه. كانت رُكبتاه مثنِيتَين وخَدُّه على يده ورأسه مائلًا. كان جالسًا وكَتفه باتجاه القسِّ فلا تُرَى عيناه الحائرتان. لا بُدَّ أنَّه كان مُستغرقًا في التَّفكير بعمقٍ، فجِلسَته كانت ساكنة بلا حَراكٍ.

لم يلتَفِت قَطُّ ولم يعرف أن القسَّ الذي كان له دورٌ محوريٌّ في مُجرَيات حياته كان يُلقِي عليه نظرةً أخيرة بعد أن راقبه مراتٍ لا تُحصى. لم يَدرِ حتَّى أنَّه كان واقفًا هُناك. وتلك هي الطريقة التي يحدُث بها الكثير من مواقف الفِراق … خَطَر بباله فجأة في ذلك الوقت حقيقة أن لا أحدَ على وجه البسيطة يعرف ما الذي فكَّر فيه هذا الوحشُ العظيم عندما قرَّر أن يستريح من العَمل، لكنَّه كان كسولًا ذلك اليوم كسَلًا قرَّر معه أن يَكبَح جِماحَ تفكيره في احتمالات هذا الأمر الجديد وفضَّل أن يَركَن إلى ثَوابته القديمة.

أخذ يُتمتم وهو عائدٌ باتجاه منزله: «ماذا قد يكون أكثر خلودًا من هذا يا تُرى؟!» متَّخِذًا طريقًا لم يعُد مستقيمًا بعرض المَرْج كما كان سابقًا، بَل طريقًا ملتويًا كي يتفادى جَثيل العُشب العملاق الذي بدأ بالنمو. «لا، لم يتغيَّر شيء! الأبعادُ لا تُمثل شيئًا. كُلُّ شيءٍ كما هو بالطريقة المُعتادة!»

تلك الليلة، سرَتْ عليه نواميسُ الكونِ؛ وغَادَر دون ألمٍ أو معرفة هذه الدُّنيا ولُغز التَّغيُّر والتَّقلب الذي جَاهَد طوال حياته ليُنكِره.

دُفِنَ بسَاحة الكنيسة في تشيزينج آيبرايت قُرب أكبر شجرةٍ هُناك، وكُتِب على شَاهِد قبره كلامًا كان آخِر سطرٍ فيه هو: «كما كان في البداية، هو الآن، وسيظلُّ كما هو أبد الآبدين.» هذا الشَّاهد الذي أوشَك أن يختفي عن الأعيُن بَعد أن غَشيَه هذا العُشب الرَّمادي السَّميك الذي بَلغ من القَسوة مَبلغًا لا مِجَزَّ يُقَلِّمه ولا ماشية تَرعى فِيه حيث أخذ يَدِبُّ في القرية كما يَدِبُّ الشَّيب في الرَّأس قادمًا عبر مُرُوجِ الوادي ورُطُوبَته والتي كانت مَرتعًا لطعام الآلهة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠