عائلة

 فينا في ١٧ من سبتمبر سنة ١٩٢٤

الدار في فينا، في الحي العاشر، وهو حي تتعدد فيه المعامل، وفيه مدرسة للهندسة الصناعية، وفيه يسكن أكثر من يعيشون بعرق الجبين.

قصدت إلى هذا الحي لألحق تلميذًا من أهلي في تلك المدرسة، فسرت في بعض سبله، وطفت مع نفر من شبابنا الموفق في بعض نواحيه، لأتخير مسكنًا للطالب الذي أتعهد بعض شؤونه، واهتدينا أخيرًا إلى الدار.

الدار كبيرة ذات طبقات خمس، وفي كل طبقة سبعة أقسام، والعائلة التي رغبنا في استئجار غرفة عندها تسكن الطابق الرابع. وفي ذلك القسم الذي تسكنه يجد الداخل بهوًا صغيرًا تشغله أدوات لمعالجة الطعام. ويجد عن يساره غرفة صغيرة فيها سرير من الخشب، وخزانة ملابس ومنضدة، وبعض مقاعد. ويجد عن يمينه غرفة أخرى أكبر من الأولى فيها سريران كبيران وبجانبهما سرير صغير. وفي إحدى زوايا تلك الغرفة معزف (بيانو)، وفي زاوية أخرى خزانة للملابس. وحوائط الغرف مغطاة بالورق المزركش، وأرضها من خشب مصقول ناعم، وفي السقف ثريات جميلة للكهرباء. تلك هي الدار وأثاثها، أمَّا ساكنوها فعامل خباز يناهز الخمسين من العمر وزوجته وولدهما الطفل (ماركس)، وهو في نحو الثانية عشرة وكلبهم (وولف).

دخلنا تلك الدار قبيل الظهر، وكنا أربعة فوجدنا الرجل مشمرًا مجدًا في تنظيفها. وبعد تبادل التحية سأله أحدنا أهنا غرفة لطالب؟ فقال: نعم، وفتح باب الغرفة الصغيرة فتفقدنا أثاثها، ثمَّ سأله سائلنا وما أجر تلك الغرفة؟ فقال الرجل علم ذلك عند ربة الدار، وهي الآن في عملها، وستعود حول الساعة السابعة. فقال قائلنا: أو لست رب الدار؟ وقد يكون عندك نبأ ذلك! فأجاب نعم، ولكن هذا من شأن السيدة، فتفضلوا بالعودة ريثما تعود، وبينكم وبينها يكون الحساب.

نزلنا على أن نرجع، وقلت في نفسي إن هذه الطبقات الفقيرة من يذكر حكمة الإنجيل «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، ثمَّ ذهبنا إلى حيث صرفنا وقتنا، وعدنا في الموعد المضروب. طرقنا الباب ففتحته لنا سيدة تماثل زوجها في العمر، ترتدي بزة بسيطة نظيفة. تنم عن فقر وصبر. ولما دخلنا الدار انغمرت أسماعنا في جو من التوقيع والنغم، فنظر أحدنا وقال: إنه طفل صغير يعزف. فتوجهت أنظارنا حيث الغرفة التي تتدفق منها الموسيقى تدفقًا، وكان بابها مواربًا قليلًا، ففطنت السيدة إلى دهشتنا، ودعتنا لندخل تلك الغرفة. وهناك وجدنا الشيخ الخباز يجلس على حافة السرير الصغير، وفتاة وفتى من الجار الجنب يجلسان على حافة السرير الآخر، وبين يدي الفتى آلة موسيقية شبيهة بالعود، أمَّا الطفل فكان أمام البيانو يدق بأنامله الماهرة الدقيقة، ويرافقه الفتى على الآلة الأخرى، والفتاة كانت تشترك معهما بصوتها إنشادًا. لم يكن لنا في تلك الغرفة مكان لنجلس، فوقفنا، ووقف الشيخ معنا، وضاق المكان بنا وبما فيه من أثاث. سألتني ربة الدار عمَّا إذا كان لنا رغبة في سماع شيء معين. فطلبت لحنًا من تأليف الموسيقي (اشتروس). فأخذ الغلام يعزف بحذق ما طلبت. وكان الشيخ أبوه ذو القميص الأزرق واللباس المرقوع يرمقه، بنظر العاطف الآمل وأمه في زاوية تحيطه بحنانها وغبطتها. ولمحت لباس الصبي، فوجدته ممزقًا رثًا. طأطأت رأسي إجلالًا؛ لأني كنت أسمع من دقات الصبي أنشودة الفقر والجد والشرف، ونظرت إلى من حولي من الرفاق ليستوحوا من تلك الحياة موعظة.

ولما انتهى الغلام من توقيعه بين إعجابنا صفقت له مع رفاقي، وهنَّأت به أمه وأباه، ثمَّ دعوت السيدة لتنتقل معنا إلى الغرفة الثانية؛ لنتفاوض فيما جئنا من أجله. وهناك قدمت الحديث بكلمة في الموسيقى، وفي مستقبل ذلك الموسيقي الصغير، وإذ ذاك قالت السيدة بشيء من السذاجة والألم: «لقد قال الأستاذ الموسيقي «ماير» علِّمي صبيك، فقد يصير رجلًا عظيم الشأن في الموسيقى شبيه «بموزار»، ولكن عملي وعمل زوجي ودخل الغرفة التي أؤجرها لا يبقى لنا من المال ما نربي به نبوغ الولد.»

تأثرت وتذكرت أن النبوغ طالما نبت في أمثال هذه العائلة التي شعرت في جوها بالفضيلة والصبر والقناعة وفهم الحياة والاحتيال الشريف على التمتع بما في العيش من جمال. تذكرت من رجال الغربيين «روسو» و«كنت» وتذكرت «رينان».

ثم قلت في نفسي: عائلة تطلب اليسير من المال، فلا تجده لتكوين نبوغ مرتجى، وعائلة تصرف الكثير من المال على ولد فيكون من الضالين. حارت الأفهام في تقسيم الحظوظ. ألحكمة يفعل الله ذلك؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١