ضيق وضجر

 القاهرة في ١٣ من يونيو سنة ١٩٢٤

شيء يوقِّر الصدور، فلا تتسع الصدور لما ينعش من هواء. شدة تقرب بين ثنايا الجبين، وتخفي في غورها إشراق الجبين. نقطة سوداء في الأفق يرعاها البصر الكليل، ولا يحيد عن مرآها البصر الكليل.

عروة تصل بين الحاجبين، وعقدة تضرب على الشفتين الصامتتين.

سدادة تلقى في الأذن، فلا تسمع الأذن عبارة تسلية، أو كلمة عزاء. سيال يسري في الأعصاب، فيخدر الجسم عامل القوة وعامل النشاط.

•••

ومع ذلك فقد تكون نسمات الليل نقية باردة، ولكنها تمرّ إلى الصدور دون أن تحس الصدور ببردها وسلامها.

ومع ذلك فقد تكون الجباه ملساء ينعكس عن لمعانها نور الله ورضاه، ولكنها تخفي النور وتبدي الغضب.

ومع ذلك فقد تكون في الفضاء شموس وأقمار وأضواء متلألئةً، ولكن العين لا تقع إلا على النقطة السوداء.

ومع ذلك فقد تسيل البسمات، وتنتقل من شفة إلى شفة، كما ينتقل الطير من زهرة إلى زهرة، ولكن البسمات لا تقع على بعض الشفاه.

ومع ذلك فقد يحمل الهواء ألحانًا عذبة، ونغمًا شجيًّا، ولكنه لا يحمله إلى بعض الآذان.

ومع ذلك فقد تكون مادة الأعصاب سليمة، لم تأكلها السنون، وتعاقب الأوصاب واللذات، لكنها لا تقوى على الحركة، ولا تستمرئ للنشاط طعمًا.

تلك هي صورة الضجر. وذلك هو شأن الضجرين.

•••

وكم من مرة يحاور الضاجر نفسه في أمر ذلك الضيق، وفي بيته رغيف يأكله، فلا يشكو جوعًا، وفي حقيبته كساء يرتديه، فلا يخاف عريًا، وتحت سماء الله سقف يظله، فلا يخشى قلة المأوى، وعلى أرض الله فراش وثير يتقلب عليه إذا أوى، فلا يخاف خشونة وبأسًا.

وكم من مرة يقول: أي سمٍّ جرى في دمي، فكان مصدرًا لذلك الضجر؟

وأي غبار يختلط بالهواء، فيصير إلى صدري، فيحبس عني الهواء رطبًا بليلًا؟

وأي كثافة تختلط بالأضواء، فلا تشف عن لآلائها وبهائها؟ وأي سحرة تمسخ تلك الوجوه أمامي، فتُحَول إلى أشكال القردة الهازلة؟

وأي سحرة تلون تلك الوجوه بالأحقاد القاتمة؟

•••

أفٌ أفٌ يا رباه … أهو دم فاسد يجري في عروقي، فيفسد عليَّ هذا الوجود؟ أم هي مواد حلَّلها الفساد فاغتذى الجسم منها، فلا أرى في الكون إلا فسادًا؟ أم هي الحياة الاجتماعية قد اعتلت واختلت، وأحوال النفوس قد فسدت؟

أفٌ أفٌ … لقد فسد جو الحياة الاجتماعية، فأصبحت أكثر النفوس لا تتنفس إلا ضيقًا وضجرًا. فمتى يستحيل الضيق فرجًا، يُنَفث عن الصدور، ويُطَهر الجو المسموم؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤