رحاب العلم ورحاب الدين

 القاهرة في ١ من أغسطس سنة ١٩٢٥

منذ بضعة أيام نقلت لنا الصحف الأمريكية، أن في إحدى ولاياتها صراعًا جدليًّا، قد احتدم بين طائفتين، إحداهما تنصر مبادئ الدين، والأخرى تدعو لمبادئ العلم، وتنصر مذهب أهل النشوء والارتقاء. ومنذ أيام نقرأ في صحف بلادنا مقالات بعضها من مؤلف كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وأنصار له يذهبون إلى أن دين الإسلام لا شأن له بمسائل الخلافة، ولا بصورة خاصة من صور الحكم، والبعض الآخر يكتبها طائفة من رجال الدين، ينكرون على المؤلف ما ذهب إليه، ويدعون إلى إخراجه من حظيرتهم؛ لأنه فكر على أسلوب غير أسلوبهم، ونظر في بعض المسائل على وجه غير الذي ينظرون.

•••

ولقد بيَّن لنا التاريخ أنَّ كلَّ عصر من العصور لا يخلو من جدل عنيف بين رجال طائفة بعينها. فقديمًا تجادل رجال الدين فيما بينهم، وقديمًا تجادل رجال العلم فيما بينهم، وقديمًا نزع بعض رجال الدين إلى أن يخرجوا بعضًا آخر من حظيرتهم، وقديمًا نزع بعض رجال العلم ألا يعترفوا بعلم آخرين خالفوهم في رأيهم، ونظروا إلى الأمور بغير نظرهم.

ولم يكن منشأ هذا الجدل العنيف الذي يخل منه عصر، ولم تتبرأ منه أمة إلا قصر الأنظار وضيق الصدور.

كأن الجامدين من أهل العلم، أو من رجال الدين قد لا تصل أبصارهم أحيانًا إلى لآلاء تلك الحقيقة التي يتألق بها كل شيء في الوجود، والتي تظهر أن طرائق الإفهام تتحول. وكأن في آذانهم وقرًا، فلا يسمعون صدى المنطق السليم، يردد أن رحاب الدين الحق واسعة، وأن رحاب العلم الحق واسعة، وكأنهم يحسبون أن القوالب التي صبُّوا فيها آراءهم حينًا من الدهر، تظل على حالها رغم كر الدهور ومر السنين.

•••

إن من أهل الدين من يعرف لله تعالى أسماءه الحسنى، فيصفونه بالرحمة، ويصفون رحمته بالسعة، ولكنهم يحدون أفقها بمقياس أبصارهم القصيرة. وان أهل العلم ليعرفون أن حبل العلم ممدود وأن مداه غير محدود، ولكنهم قد يتعنتون أحيانًا، فلا يريدون أن تسمو الأنظار إلى رقبى ما هو محتمل.

ولو أنصف أهل الدين وأهل العلم جميعًا؛ لرأوا أن للدين الصحيح وللعلم الصحيح رحابًا؛ يستطيع أن يأوي إليها كل وارد، وأن يلجأ إلى ميادينها كل قاصد من غير اصطدام، أو زحام.

ألا أيها الجامدون لا تضيقوا رحابًا، بسط الله جنباتها للواردين، ولا تسدُّوا أبوابًا فتحها الله للقاصدين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١