الجمود

 القاهرة في ٢٤ من أغسطس سنة ١٩٢٥

للجامدين أذهان ليست كالأذهان، ولهم قلوب ليست كالقلوب، ولهم نفوس ليست كالنفوس.

فأذهانهم لا تمتد إلى ما يمتد إليه النظر الواسع، ولا تنسجم حركاتها حيث تنسجم مقدماته ونتائجه.

وقلوبهم لا تشعر بما تشعر به القلوب، فلا تحس ألوان الجمال المتصلة بمظاهر الخلق، ولا تتأثر بضروب الأحداث التي تختلف في هذا الوجود، ولا تخفق لآيات الله في السموات، ولا تخفق لآيات الله في الأرض، ولا لآياته المطوية في كر العصور وعبر الدهور.

ونفوسهم محجبة وراء سجوف من السواد، ولا يصل إليها ضوء من الأنوار المتلألئة في نواحي الكمال، ولا تنبعث فيها حرارة الإيمان بالتقدم والخير، ولا يستعر منها قبس لنار الهمة المتحفزة للأمام.

•••

إن طبيعة الذكاء أن يتطاول إلى شئون هذه الحياة ليحوزها بالفهم، وينبسط إلى الأمور ليتصل بها بالمعرفة، وطبيعة الجمود أن ينقبض عن أشياء هذا الوجود وينصرف عنها. والجامدون ينكمشون إلَّا عمَّا ألفوه، وينقبضون إلَّا عمَّا ورثوه.

إن أظهر ما يمتاز به الإنسان عقله الذي يبحث به وشخصيته الضاربة جذورها في الماضي، القائمة سيقانها في الحال، الممتدة فروعها وغصونها للمآل.

فالبحث إذن هو من خواص العقل، والانسياق مما هو حاصل إلى ما هو منتظر ركن من أركان الشخصية البشرية، والعقل والشخصية كلاهما ميزة ابن آدم. لكن الجامد يعطل عمل العقل، ويكبل نزعات الشخصية، ويقص جناح التطلع، وأكثر أعماله وحركاته قد تتصل بالعادات، والمألوفات، والغرائز.

وعندي أن أهل الجمود هم أدنى إلى معاني الموت منهم إلى معاني الحياة الصحيحة؛ وذلك لأن شأن الحياة الصحيحة أن تظهر فيها الحركة متصلة غير مقطوعة، ومتشعبة غير مركزة، وتتفاعل مظاهر الحياة بعضها مع بعض على مدى واسع غير محدود. لكن الجامدين لا يتصلون بالحياة إلا من بعض جهاتها، ولا يفسحون نفوسهم لأطرافها المترامية.

•••

للجمود عصور يشتد فيها أمره، وتقوى فيها زمره. وقد تكون تلك العصور هي عصور الجهالة والانحطاط، وتغلغل طبائع الاستبداد، ودنو الشعوب من الشيخوخة والهرم.

وفي هذه العصور يكون مثل الجامدين مثل الطفل الذي قد يريد به أبواه خيرًا، فيسرعان ليحولا بينه وبين غذاء في عناصره سوء، فيغضب الطفل ويصيح ويبكي، وكذلك أهل الجمود فإنهم يغضبون، ويهلعون، ويجزعون عند ما يراد بهم الخير؛ لأنهم قد لا يعقلون التمييز بين ما يضر وما ينفع.

•••

لكن الأطفال تساس أحيانًا وتؤخذ باللين، وتقهر أحيانًا وتؤخذ بالقسر. وفي عصور الانتعاش يجب على المجددين أن يعلموا كيف يساس أهل الجمود.

الجمود في الأمم شر وأذى وإثم، فحاربوه إن وجدتموه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١