عند أطلال طيبة

 القاهرة في ٢٠ من مارس سنة ١٩٢٦

(١)

انتقلت مع فريق من طلاب مدرسة المعلمين من مدينة الأقصر إلى الشاطئ الغربي للنهر المبارك؛ لأرى ما أبقى الدهر من معابد ومقابر، ولأطوف طوفة حول ما أبقى الأوائل للأواخر، فقطعنا طريقًا ممدودة بين حقول من العدس والحنطة، ومما ينبت النيل العزيز.

•••

كان يحد النظر جبل «القرنة»، وهو جبل جيري غير مرتفع، تواترت عليه مؤثرات الأكوان والأزمان، فاغبر لونه، ويكاد الناظر يراه أفقيًا. وكنَّا كلما دنونا منه بدا للطرف تمثالًا «أمينوفيس» كالأشباح الهائلة يشقَّان من الفضاء إلى السماء شقًّا سنجابيًّا يتقيد عنده البصر، ولقد خُيِّل إليَّ أن التمثالين العظيمين إنما نصبًا للإشراف على هذا الفضاء الواسع؛ وليملآه رهبة وعزة، ويستوقفا كُلَّ من يمر بهما ليحييهما قائلًا:

سلام عليكما أيها الشاهدان على عزّ غابر، وبأس حاضر، لقد تعاقبت عليكما الليالي والأيام، وتخلفت عند قدميكما الحقب والأعوام، وانصبت فوق رأسيكما أضواء الشمس الضحوك وعتمة الظلام. سلامٌ عليكما، لقد هبت في وجهيكما لوافح الرياح، وتبللت عيونكما بطل الصباح، وابتسم الدهر تارة حولكما في هذه الديار فعمتها العظمة، وقطب حاجبيه لها تارة أخرى، فتوالت عليها المحن والنقمة. كل ذلك وأنتما صامتان لا تتحركان، تشعران بعظمة كانت ثمَّ مضت، وعزة تولَّت وانقضت. وماض جد عظيم، وتاريخ، ثمَّ مقيم.

سلام عليكما من كل عابر، ومن كل ذاكر.

•••

ثم تذكرت في سبيلي إلى زيارة الآثار أنني منذ بضع سنين، قد قطعت طريقًا في بلاد اليونان لمعابد «دلفوس»، يقرب شبهًا من الطريق الذي قطعته في الأسبوع الماضي، وينتهي ذلك الطريق الذي يتلوي ويهبط، ويصعد بين مزارع الأعناب والزيتون إلى وادٍ سحيق، وجبل صخري منعزل، كانت شيدت عنده بيوت آلهتهم ومنازل السحرة والناسكين فيما سلف.

ثم تذكرت، والذكرى تبعث الذكرى أديرة الرهبان النائية، وصوامع المنقطعين للعبادة النازحين، فمرَّ بخاطري عندئذ أن أنظر بين عهدين من عهود التاريخ. وحالتين من أحوال النفس البشرية، مرَّ بخاطري أن أنظر بين العهد الغابر، والعهد الحاضر. وبين النفس المتصلة بالملأ الأعلى، والنفس المتصلة بشؤون الدنيا.

لقد كان العهد القديم يعني بالمعابد والقبور؛ لأنه كان عهد الله وعهد الأديان، فتخير لآثاره ومشيداته كل مكان تكتنفه الرهبة، وقصد إلى كل ناحية تشملها السكينة والقرار والهيبة. وحيث وجد المكان منسجمًا مع نزعته الربانية، شاد لدينه وآخرته، وأعرض عن دنياه.

أمَّا العهد الحديث فهو عهد دنيوي، فقد جعل آثاره في المصانع والمتاجر، وشادها حيث تسهل المواصلات، وتقضى الحاجات، وتدرّ الأموال، وتكثر الأعمال، فحيث وجد المكان والزمان ملائمًا لإبراز نزعته المادية من مصالح الحياة، شاد للأرض وعمر، ونسى ربه في السماء وتكبر.

ولو جاز لنا نتنبأ بأمر المستقبل، لقلنا ستكون آيته المصنع والمتجر، وأمَّا الماضي فآيته المعبد والمقبر.

أنَّ نفس الإنسان الذي مضى كانت تهيم بعالم البقاء، وتعاف الفناء، وأما نفس الإنسان الحاضر فإنها أعلق بعالم الشهادة، وأدرى بالمنافع، وألصق بالواقع.

إنسان الماضي سماوي، وإنسان الحاضر أرضي، فهل حقًّا هبط آدم وأبناؤه إلى الأرض من السماء؟!

(٢)

الكرنك

… وذهبت في ليلة مقمرة إلى معبد الكرنك. وفى الليل تطيب التأملات، وفى ضوء البدر المنتشر في السموات والأرض ما قد يأخذ بالنفس العانية إلى نوع من الارتياح والانشراح، وبين الأطلال البالية حيث تصيح البوم صيحاتها، وتئن أناتها، ما قد يوحى إلى النفس خشية الوحشة، ورهبة العدم، وبين الأروقة الواسعة، والعمد الضخمة المرفوعة، والتماثيل الموضوعة والأفنية المنبسطة التي تسمع من خلالها دبيب هوام الأرض وخشاشها، ما قد يدعو إلى سكينة في النفس، واحترام يخامره الإعجاب والدهشة.

•••

هناك في تلك الليلة البيضاء بين تلك الأروقة، وعند تلك الأعمدة، وفي هاتيك الأفنية، شعرت نفسي بحاجة إلى التأمل وحالة من الارتياح، والهيبة وتقدير العظمة. وقد يفعل هذا المزيج من الانفعالات فعل السحر أحيانًا. وما السحر إلا ذهول المرء عن الحقائق، فتؤخذ نفسه بغير الواقع، وتتصل بضروب الخيال، وتلابس الظنون والأوهام، فيرى ما لا ترى العيون، ويسمع ما لا تسمع الآذان، ويحس ما لا تحسه المشاعر.

•••

كثيرًا ما يشعر المرء بأثر السحر عند منظر جميل أخاذ، أو عند نغم مستطاب شجي، أو عند رؤية ما يروق من مظاهر الكون، أو آيات الفن، لكن أثر السحر يختلف باختلاف علله وتباين أسبابه. فتأثير الهياكل والآثار في النفس لون من السحر، يغاير في نوعه تأثير الأغاني والألحان؛ وذلك لأنه يرد النفس إلى الماضي البعيد، فترى العين بعين الغابرين، ويستحيل الذوق إلى ذوق البائدين؛ وذلك لأن كل أثر من آثار التاريخ قد يستبقي فيما أبقاه عبقرية من شادوه، وذكرى من أقاموه، وحسّ من هيئوه، وإن شئت فقل خلاصة تاريخهم الناطق، وإن شئت فقل أرواحهم الحائمة. وقد تجتاز هذه المعاني جميعًا نفوس الزائرين، فتتأثر بها فتصيرها لحظة من جوهر غير جوهر الحاضر، وتنحرف بها عن تقدير الحال فتنساه، ولذلك قد يرى الإنسان عصرًا غير عصره، وينظر بنظر غير نظره، ولعل السر كل السر في زيارة الآثار، أن يتعلم الزائر كيف يستغرق بشعوره في شعور الماضين، ويتمثلهم زمانًا ومكانًا.

ولقد اختبرت في نفسي فيما مضى أثر الفن اليوناني القديم في وقفة وقفتها بـ «الأكروبول» في ليلة قمراء، فكنت أحسب أن الأعمدة المنحوتة من المرمر المسنون، وبقايا التماثيل والأحجار التي ينساح عليها الضوء الفضي الخالص، كلها تبسم، وكأني كنت أرى أشباحًا من البشر الضحوك تصب الخمور، وترسل الأنغام، وتدير المراقص، وتنشد أناشيد الجمال.

ومن نحو أسبوعين، قد اختبرت في نفسي أثر الفن المصري في «الكرنك»، فشعرت بالسحر في ساحاتك يا آمون، فخلت أن الكهنة بمسوحهم يحملون السفن المقدسة، ويطوفون ويرتلون ويتمتمون. وخلت أن عظيمًا من «الرمامسة» تتزلزل الأرض لجبروته، وتتلألأ السماء فوق عرشه، ويصيح بالناس وهم سجد خشوع، أنا ربكم، ولي أرض مصر، ولي فيها الحصون والخلود.

•••

إيه يا مبيد السالفين، يا رب العالمين. إيه يا حقيقة فوق الحقائق، ويا ملء الآفاق ومبدع الخلائق. إن يكن الإنسان وهو ذلك المخلوق الضعيف الذي توزن كلماته، ويحد زمانه، ويقاس مكانه. ليس في مقدوره إلا أن يلهج بعظمتك حقًّا في معبار حروفه، وقدر زمانه، ومحدود مكانه، فصوَّرك أحيانًا من منحوت المحاجر، وشاد لمجدك العمائر، وصاغك من صلب المعادن، وشكك من باسق الأشجار، وتطلع إلى وجهك في إشراق الشموس والأقمار، ودعاك بأسماء مهما اختلفت مقاطيعها وعباراتها، فما هي إلا موجات من موجات الاهتزاز، فأنت أنت وإن تباينوا في تعيين صفاتك وأسمائك أنت أنت رب الأرباب، الذي تشعر النفس ساعة صعودها وصفوها بعظمته وربوبيته، وأبديته وسرمديته.

•••

وكان ضوء القمر الفضي مموهًا بشيء من زرقة «الجرانيت»، وكنت أكاد في ذهولي لا أشعر إلا بمعاني العظمة والجلال. ولكنها التفاتة بدت مني إلى السماء الواسعة، إذ كانت الشعرى تتلألأ في كبدها، وتتوهج، فكانت كأنها كلمة الله الأعلى تقول لمن سحرته عظمة فرعون وفتنه فنه: إن عظمة الله في السماء فوق كل عظمة، وفنه فوق كل فن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤