التصنع والتواضع

 القاهرة في ٢٧ من مارس سنة ١٩٢٧

صاحبي مفرط الشغف في أن يعد من أهل الحسب، وله ولع بأن يسند إلى أهل النسب دون أن يكون من النبلاء في أرومته، ودون أن يتفضل الله عليه ببعض تلك الملامح التي قد يتميز بها أهل الأنساب، ليس بذي القوام السمهري الرشيق، وليس بذي الأنف الأقنى، أو الأشم. وليس بذي الراحتين الرخصتين الصغيرتين، وليس في طبيعة صوته غنة، وليس فيها صحل. ليس بذي الملامح التي تنم عن وراثة في النعمة وسالف الطمأنينة، لكن صاحبي مع ذلك يتألق في لبسته، ويتعالى في مشيته، كأنه يتطلع إلى أن ينطبق عليه قول ابن الأعرابي:

شبهت «مشيته» بمشية ظافر
يختال بين أسنة وسيوف

هو يشمخ بأنفه، وأنفه أدنى إلى أن يكون غليظًا أفطس، وهو يجمِّل يده بتقليم الأظافر وطلائها، مع أن أظافره تنبت في أصابع دق أسفلها، وغلظ عاليها. تتفرع من يده الرحوية الشكل. وصاحبي إذا أراد أن يتكلم يبحث عن غنَّة الصوت، فينزل صوته إلى الخنف، ويبحث عن الصحل، فينقلب صوته إلى النعير. أما إذا ذهب إلى قهوة فهو لا يذهب إلا إلى حيث يرابط أبناء الذوات، ويتعفف عن أن يجلس في القهوات التي يؤمها أهل الحرف، وأهل التجارة وسادتنا من أرباب المعاش وصغار الموظفين. وإذا ذهب إلى عزاء فإنه لا يهدأ باله إلا إذا استطاع أن يتخطى الصفوف ويضع نفسه حيث يتقدم مع المتقدمين. كل ذلك وصاحبي ينسى أن الناس لا يجهلون منزلته، فلا يغنيه أن يتقدم في الصفوف ولا يغنيه أن يحط في أكبر القهوات، وليس يضيع معالم حقيقته تشامخ الأنف والتهادي في المشية وتصنيع الصوت والتجبر في معاملته مع صغار المرتزقة، وتنكر ذويه ممن لا ترتفع بهم سمعته، ولا تروج بذكرهم بضاعته.

•••

لأمثال صاحبي الذين يعولون على التصنع والتجمل والتطرف في تغيير رأى الناس فيهم، أريد أن أذكرهم بقول، وأن أروي لهم قصة. فأما القول فلابن الخطاب — رضي الله عنه — حين نظر إلى صفوان مبتذلًا لأصحابه فقال: هذا رجل يفر من الشرف والشرف يتبعه. وعلى هذا فالشرف كما أنه يتبع الرفيع، فهو يفر عن الوضيع مهما تشارف وترافع.

وأما القصة فيروى أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف، وكان يكتب، فكاد السراج يطفأ. فقال الضيف: أأقوم إلى المصباح فأصلحه. فقال عمر: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه. قال الضيف: أفأنبه الغلام؟ فقال عمر: هي أول نومة نامها، ثمَّ قام عمر، وأخذ البطة، وملأ المصباح زيتًا. فقال الضيف: أقمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١