مقتطفات من مذكرات حواء

تنبيه

هذه المذكرات موضوعة على نسق «مذكرات آدم» للكاتب الأمريكي مارك توين (سامويل كيمينز) وهي تشبهها في الأسلوب الفكاهي، وقد جاريته في أشياء لم أدرِ كيف أخالفه فيها، مثل إنكار آدم أن حواء مخلوقة من ضلع من جنبه، واستغرابه بكاءها — والبكاء أشبه بالأنوثة — وعدم فَهْمه الأمومة إلخ. إلخ.

وقد أردت أن أُمثِّل بهذه المذكرات لما يأتي:
  • أولًا: أن الخلود يمتنع معه الإحساس الجنسي، وأن قضاء الموت هو الذي يثير هذا الإحساس ويُنشئ غيره أيضًا.

  • ثانيًا: أن المرأة مخلوقة للنوع، فالغريزة الجنسية فيها أقوى منها في الرجل.

  • ثالثًا: أن المرأة أقدَمُ معجم للغة، فهي التي وضعت الأسماء ونحتت واشتقت وصقلت الألفاظ بكثرة الاستعمال.

  • رابعًا: أن الخجل من مقتضيات المعرفة والإدراك.

  • خامسًا: أن الأمومة أقوى وأبرز من الأبوة؛ لأن المرأة هي الأداة لحفظ النوع.

وقد تناولت هذه المعاني من قبلُ في مقالات عدة، نُشر بعضها في «حصاد الهشيم»، مثل: «الجمال في نظر المرأة» و«مقتضيات الخلود»، وفي «قبض الريح» مثل: «المرأة واللغة أول معجم وأقدم ديوان»، ومقالات أخرى نشرتها في «السياسة الأسبوعية» ولم تُجمع بعدُ في كتاب.

(١) في الجنة

السبت، وجدتُ أن ما أغراني به آدم من كتابة المذكرات اليومية قد شغلني عنه، وأتاح له أن يطوف في الجنة وحده، وهو لا يفتأ يصبحني بالسؤال عن مذكرات اليوم السابق هل دوَّنتها، وينصح لي بأن أكتبها قبل أن أنسى ما حدث، ولا أكاد أشرع في الكتابة حتى أراه ينسل ويذهب لا أدري إلى أين، ومن أجل هذا عقدت النية على ألا أكتب إلا في الليل بعد أن ينام.

الاثنين، آدم لغز لا أكاد أفهمه، لم يكن يعرف حتى أن اسمه آدم، ومن قوله أنه لا يشعر بالحاجة إلى اسم ما، ولما قلت له يومًا إن اسمي حواء قال: «ربما!» أليس هذا منه عجيبًا؟ وأعجب من ذلك أني قلت له إن عليه من الآن فصاعدًا أن يدعوني باسمي، فإنه أعذب في أذني من «هش هش» التي لا يزال يفتح فمه بها عليَّ، فقال: إنه يقصد حين يصيح بي «هش هش»، أن أذهب عنه لا أن آتي إليه، وأنه لا يحتاج أن يناديني أو يدعوني لأني لا أكاد أفارقه، فمن العبث أن يكون لي اسم إذا كانت فرصة استعماله لا تعرض أبدًا، فلما احتججت عليه بأن لكل شيء في الجنة اسمه الذي يُعرف به، زعم أني أنا التي اخترعت هذه الأسماء وأطلقتها على مسمياتها، وأنه لا يدري لماذا أجشمه حفظ هذه الأسماء كلها وتصديع رأسه بها، وزاد على ذلك أنه لا يرى هذه الأسماء منطبقة على الأشياء أو موافقة لها، ودليله على هذا أنه ما من حيوان يجيبني حين أدعوه باسمه، ولكن هذا مع ذلك لا يعنيه، وإذا كان يروقني أن أكلِّف نفسي مشقة التسمية فأنا وما اخترت لنفسي، غير أنه يرجو مني ألا أشركه في هذا العبث.

وهذه أول مرة سمعت من آدم مثل هذه الكلم فحزَّ في نفسي وآلمني فبكيت وتوجعت، ولشد ما كانت دهشتي حين نهض آدم ودنا مني ورفع وجهي إليه وجعل يتأمل عيني! بل لقد همَّ بأن يضع إصبعه في عيني، فنحَّيت يده عن وجهي وقلت له وقد غيَّض الغيظ والغضب عَبراتي: «ألا تكفيك قسوة لسانك حتى تريد أن تفقأ عيني؟»

فادَّعى أنه لا يفهم كلامي وزعم أنه إنما كان يبغي أن يرى من أين يجيء الماء الذي يسيل من هذين الثَّقْبَين في وجهي. وقال: إنه لم يرَ حيوانًا آخر غيري يفيض الماء من ثقوب وجهه، فصدفت عنه وبي من الألم ما لا أُحسِن وصفه. فلم أرَ أنه عَبِئ بصدِّي عنه شيئًا، وطال انتظاري أن يعود إليَّ ليعتذر، فخرجت من الكوخ أطلبه فألفيته ممسكًا هِرة يحاول أن يعصر لها عينيها وهي تجاهد تريد التخلص من قبضته القوية، فاختطفتُها منه وسألته: «ما هذا الذي تصنع؟»

فلم يجبني على سؤالي، ورفع إليَّ وجهًا قرأت في أساريره الدهشة والملل وقال: «ها ها! أو جئت ورائي؟»

فأعدت عليه السؤال فكان جوابه أنه أراد أن يعرف من أين يجيء الماء إلى هذه الثقوب التي أسميها العيون. فأيقنت أنه لم يكن يروم أن يفقأ عيني، وصفحت عنه وزدت تعلقًا به.

الثلاثاء، لا يزال آدم يضحك مني كلما خرجت إلى البركة لأنظر فيها إلى نفسي، ولاسيما بعد أن وقعت فيها وأنا أتأمل خيالي في صقالها. ليته ينظر في مائها الصافي مرة. إذن لكفَّ عن هذه السخرية. وما أنسى يوم قمت فألفيتني راقدة في ظلٍّ وارفة الأظلال لَفَّاء، وكيف ذهبت أعجب لنفسي من عسى أن أكون؟ وأين أنا؟ وماذا جاء بي إلى هنا؟ وكيف كان ذلك؟ وكان على مقربة مني كهف يتدفق منه الماء إلى بِركة. فقصدت إليها وانطرحت على بساط الروض، وجعلت أنظر في الماء وإذا تحت عيني — في جوف الماء — صورة تنحني وترمقني، فتراجعت فارتدت مثلي، فعدت أنظر، فعادت تحدِّق في وجهي بعينين جميلتين يفيض منهما العطف والحب، فلولا صوت رحيم هفا به النسيم إليَّ «إن ما ترين ليس إلا صورتك وخيالك»، لما انصرفت عن الماء إلى هذه الساعة، وإن آدم لقوي وجميل، ولكن ذلك الخيال الذي يتراءى لي في الماء ألين وأعذب.

الخميس، كل يوم يبدو لي من آدم خُلقٌ عجيبٌ. كنت ألومه وأشكوه إلى نفسي وأؤنبه على هروبه مني واختفائه بين الأشجار، وأقول له فيما أقول: «إني أنسى كل شيء حين أكون معك، حتى الجنة لا أباليها ولا أحفل ما فيها، وإن نسيم الصبح حين يهبُّ بأصوات العصافير لذيذ، وإنه ليس أطيب من ريا الأرض بعد أن يجودها من السماء هاضب، ولا أرق من مقدم الليل علينا بنجومه الزهر وقمره الساري، ولكن ما من شيء في الأرض ولا في السماء يروقني أو يفتنني إذا لم تكن معي. فالعجب لك كيف تطاوعك نفسك على مجافاتي والفرار مني وأنا بعضك؟»

ففتح عينيه جدًّا وقال: «بعضي، ماذا تعنين؟»

فقلت: «نعم بعضك! ألست قد خُلقت من ضلع في جنبك الأيسر؟» فوثب إلى قدميه وقال: «من ضلع في جنبي؟ مَن قال هذا؟»

قلت: «إنها الحقيقة.»

فرفع يده إلى صدره وجعل يمر بأصابعه على ضلوعه ويتحسَّسها بعناية، ثم نظر إليَّ وقال: «هذا غير صحيح. إن ضلوعي كاملة لا نقص فيها وقد عددتها أمامك.»

الجمعة، قال لي آدم إن في هذه التي أسميها «جنة عدن» أشياء كثيرة تسترعي النظر والسمع أيضًا، ولكني لا أنتبه إليها؛ لأن لساني لا يكفُّ عن الدوران، وأضاف إلى ذلك أني أنا المخلوق الوحيد الذي لا ينتفع بعينيه وأذنيه. وأني أُفسِد عليه الطواف في «الجنة» وأُحيل المقام فيها كالمقام في «ذلك المكان الآخر.»

وقد اغتنمت هذه الفرصة ونبهت آدم إلى أني «أنثى»، وأن عليه أن يكفُّ عن مخاطبتي أو الإشارة إليَّ بضمير المذكر، فهزَّ رأسه وقال: إنه يشك فيما أقول، ولكن الأمر لا يعنيه وإنه سيتحرَّى مرضاتي ما دام أن هذا يسرني، عسى أن يكفَّ هذا الرضا من غَرْب لساني الذي لا ينفك يعترض.

السبت، لم أكن أنوي أن أكتب اليوم شيئًا. ولكني عثرت بقصاصة بخط آدم قرأت فيها هذه العبارة: «لقد كانت أيام الأسبوع كلها جُمعًا قبل أن يأتي هذا المخلوق الجديد الذي نفى عني الراحة وهدوء البال …»

«بقية الكلام رديئة. ويظهر أن حواء كتبت تعليقها على عبارة آدم بسرعة وانفعال. على أني مع هذا استطعت أن أقرأ الكلام ولكني أعتذر للقراء فإني أعلى بأبينا الشيخ عينًا وأعمق إجلالًا له من أن أسمح بنشر ما خطته أمُّنا المسكينة عنه في ساعة من ساعات الغضب.»

الأحد، مواظبة آدم على الكتابة تدهشني، وتعليله لذلك أبعثُ على الدهشة. فهو يقول إنه يقتل الوقت بذلك وينفي عن نفسه الملل. الملل حقًّا؟ ألستُ معه أُونِسهُ؟

الثلاثاء، كان اليوم مطيرًا عاصفًا فامتنع آدم عن الخروج من الكوخ، فتركته ومضيت إلى البِركة، غير أن المطر المنهمر شوَّه صورتي جدًّا، فانكفأت عنها آسفة، وأدركني العطف على جرو صغير وجدته في طريقي فحملته معي إلى الكوخ، ولم أكد أدخل حتى انتهرني آدم وأنبني على ما يسميه حماقة الخروج في مثل هذا الجو والرجوع بقدمين مثقلتين بالأوحال وتوسيخ الكوخ بها. ثم سألني عما أحمل فقلت له: إنه جرو صغير أشفقت عليه من المطر والبرد. فقال: «لستُ أفهم هذا الولع بالحيوانات الصغيرة وضمها إلى صدرك وتقبيلك إياها ومناجاتها بأصوات لا معنى لها، وإزعاجي بعِوائها ونُباحها وموائها.» ثم انتزع مني الجرو وقذف به إلى الخارج.

الأربعاء، لست أنسى ما عشت نظرة الاحتقار التي رماني بها اليوم آدم. كنت عند شجرة تين أقذف ثمرها بالحجارة. وحانت مني التفاتة فإذا آدم يرشقني بهذه النظرة كأنه سمرني بها إلى الأرض، ثم دنا مني وهو يقول: «هكذا ترمين»، وتناول حجرًا وراح يقلدني ويتثنى ويتعوج ويلقي الحجر فيقع عند قدميه. وبعد أن شبع من الزراية عليَّ والسخرية مني اعتدل وقال: «هكذا يجب أن تفعلي»، وسدَّد ساعده القوي وقذف الحجر فانطلق من يده يقول «فوو»، وهوى التين إلى الأرض وتركني ومضى.

الخميس، يقول آدم إنه أخطأ حين علَّمني «الرماية» كما يسميها ويزعم أن تعليمه إياي أغراني بأشجار الفاكهة، وأني الآن أُفرِط في أكلها، وإننا مهددون بنفاد هذا الغذاء أو «بالقحط» كما يقول على طريقته في المبالغة. وإنه على أي حال لا يتوقع خيرًا من وراء حبي للفاكهة.

السبت، مرَّ اليوم بلا حادث يُذكر سوى أن آدم وجدني أتسلق الشجرة المحرَّمة فجذبني بعنف وحذَّرني من الدنو منها.

الأحد، قمت من النوم فلم أجد آدم، فذهبت أبحث عنه فلم أهتدِ إلى مخبئه. وهذه رابع مرة يهرب فيها مني. فعدت إلى الكوخ متعبة وارتميت على الفراش الذي صنعته له من ورق التين، إلا في سبيل الله ما كلَّفت نفسي من أجله.

الاثنين، لا يزال آدم هاربًا وقد حفيت قدماي. وأقلقني هذا الغياب الطويل الذي لا عهد لي ولا له به. أتَراه ضل الطريق؟ إنه غريب الأطوار فلا يبعُد أن يكون قد خرج من الجنة.

الاثنين، بعد أسبوع كامل قضيته في البحث وجدت آدم في أقصى الشمال. لقد بنى له كوخًا صغيرًا هناك، له الله! فلولا الحيَّة دلتني على مكانه … ولكن صبرًا.

الثلاثاء، لم أكن أحسب أن الحية تتكلم، وتا الله ما أطيبها وأعذب لسانها وأحلى حديثها. لا أكاد أضمها إلى صدري حين يصافح سمعي قولها «يا فتنة الدنيا ويا أجمل ما في السموات والأرض ويا أم البشر»، ولكن آدم يكرهها ويخافها ويحذِّرني منها، ويقول: إنها نذير سوء، وإن كان لا يكتمني سروره بأن وجدت مَن يحادثني غيره.

الأربعاء، كان آدم يتمشى اليوم وهو مطرِق ويداه خلفه، ويتمتم بكلام غير مسموع وليست هذه عادته فما رأيته يفعل ذلك من قبل. فتواريت خلف شجرة أراقبه، فلما دنا مني سمعته يقول لنفسه «وماذا أخشى من الموت إذا أكلنا من الشجرة وحل الموت في الدنيا؟ إن الموت مرغوب فيه من أجل بعضهم على الأقل.»

فمَن بعضهم هذا؟ سأسأله عنه.

الخميس، قالت لي الحية إنها لم تكن تتكلم ولم يكن لها عقل، ولكنها مرت بشجرة استطابت رائحتها فصعدت إلى أثمارها والوحوش ترمقها وتمد أعناقها فتقصر عن بلوغ الثمر، وكانت جائعة فالتهمت منها ما لا يحسُب الحاسب، فتغيَّر كل شيء في عينها، ووجد لسانها السبيل إلى الكلام، وإن كان قد بقي لها شكلها، فوجهتْ عقلها إلى التفكير والتدبير في كل ما في السماء والأرض وما بينهما، وأضافت إلى ذلك — شكرًا لها — أن كل ما في الدنيا من خير وجمال مجتمع في وجهي الملائكي، وأنها لم ترَ لي نظيرًا، وأن هذا السحر الذي في عيني هو الذي جرأها على الظهور لي وأغراها بإدمان النظر إليَّ. فسألتها عن الشجرة أين هي، فلما دلتني عليها إذا بها الشجرة المحرمة، فأنبأتها بأن ثمرها محرَّم علينا. فأعربت عن استغرابها بأن تُحرَّم علينا فاكهة الجنة، فبينت لها أن لنا أن نأكل ما نشاء من فاكهة الجنة ما خلا ما تحمل هذه الشجرة، وإلا كُتب علينا الموت. فقالت الحية كلامًا كثيرًا معجبًا مطربًا شربتْه أذناي بلهفة، فجعلت أرمق الشجرة، ومنظرها وحده غواية، وفي أذني من الحية عذوبة حديثها، ومضى الوقت وأنا أستمع إلى الحية وأرى الشجرة موقرة بحملها الناضج وأشم عبقه الطيب. وعضني الجوع فامتدت يدي إلى الثمرة فقطفت واحدة ثم ثانية ثم ثالثة فتفتحت عيناي، وأبصرت العري الذي أنا فيه، وقلت لنفسي: في أية صورة أبدو لآدم؟ أؤنبئه بما وقع لي وطرأ عليَّ من التغير وأشركه معي؟ أم أنفرد دونه بالعلم وأسُدُّ بذلك النقص الذي مُنِي به جنسي حتى أساويه وربما فقتُه، فإني أرى ضَعفي يسترقني له؟ وهذا حسن، ولكن الله هو الذي رآني وعلم أني عصيته؟ والموت لا بد آتٍ بعد ذلك ولا مهرب منه الآن، وهكذا سأذهب أنا ويخلق الله لآدم حواء أخرى تعيش معه وتسعد بجواره. كلَّا. كلَّا إني أحب آدم وأستطيع أن أحتمل كل صنوف الموت معه، ولكني لا أقوى على الحياة بدونه.

وثنيت خطواتي إلى الكوخ ولكني لم أجد آدم، فدرتُ في الجنة أبحث عنه فلم أعثر له على أثر، واضطررت إلى الاختباء مرارًا؛ لأن الوحوش كانت تتقاتل ويأكل بعضها بعضًا، ولم تعد تطيعني كالعهد بها، ففررت من الجنة بعد أن اختل فيها الأمن واضطرب حبل النظام، وأصبحت فيها فوضى، وجاوزت حدودها إلى الأرض.

الأربعاء، بعد أربعة أيام طوال وجدت آدم فألقيت عند قدميه الغصن الذي قطعته من الشجرة المحرمة مثقلًا بالتفاح الشهي، فنظر إليَّ نظرة استغراب وسألني عن هذا الورق الذي أستُر به جسدي فقلت ستعرف هذا متى أكلتَ من التفاح، فانتزعه مني وعرَّاني فخجلت فقال: لقد علمت أنك أكلتِ منه فقد هاجت الوحوش وهمت بأكلي، فركبت حمارًا فارهًا لم يزل يعدو بي حتى عدا عليه نَمِر فنجوت بجِلدي ولما أكدْ، ورأيت المقام في هذه الجنة مستحيلًا، فخرجت منها وسيان عندي الآن أن آكل أو لا آكل فهاتي ما عندكِ فإني جوعان.

وقضم قضمة وجعل يتذوقها ويقول ما أطيبها والله وإن كانت في غير أوانها! ثم نظر إلى نفسه فأدرك أنه عارٍ واستحيا فستر نفسه بالورق الذي نزعه عن جسدي، ونظر إليَّ ثم أرخى طرفه وهو يقول: «ماذا تعنين بالوقوف عارية هكذا؟ اذهبي واستري نفسك.» ففعلت.

الخميس، اعترف لي آدم بأنه كان لا يُحسِن معاملتي ونحن في الجنة وقال: إن عذره هو أن المرء لم يكن يستطيع أن يحسِن شيئًا في تلك الجنة، وقد كان يخشى ألا ألحق به ويتوقع أن تضنيه الوحدة وتسقمه الوحشة وقبَّلني «وعرَّفني»، لقد خسرت الجنة ولكني ربحت آدم …

(٢) بعد الخروج من الجنة

الثلاثاء، تالله ما أقسى آدم في هذه الأيام! إنه لا يفتأ يعنِّفني ويلعنني ويحمل عليَّ من أجل أن أكلنا من الشجرة المحرمة وخرجنا من الجنة، وهو الذي أثنى على ذوقي لما أطعمته من التفاح، وقال لي فيما قال: «هاتي، ما أطيب هذه الفاكهة التي حُرمناها! وإذا كان هذا طَعْمَ ما حُرم علينا فليت الشجرة المحرَّمة كانت عشرًا! وهلم بنا نلعب بعد هذا الطعام الشهي، فما أعرف جمالك قبل اليوم ألهب حواسي كما يفعل الآن.»

ولم يدَّخر نظرة حُبٍّ ولا تجميشة غزل، وأعداني وألهبني فقاذفته نارًا بنار، ثم تناول يدي ومضى بي إلى غدير ظليل الشاطئ فاضطجعنا على البساط السندسي، ونثرنا حولنا وتحتنا وفوقنا عبق الزهر — الفل والياسمين والنرجس والقرنفل — ورُوينا من الحُب، ثم عقد النعاس أجفاننا فنمنا ملء عيوننا. ويا ليتنا لم نقم! فقد غدا عليَّ يلومني ويتوجع مما صار إليه، ويحن إلى ما كان فيه، فقلت له: إنه لو كان مكاني لفعل مثلي، وذكَّرته بأنه كان في الجنة يرمي إليَّ بالزمام ويلقي حبلي على غاربي، وسألته لماذا تركني أفعل ما بدا لي ولم يأمرني — وهو الرجل وأنا المرأة — أن أجتنب الشجرة ولا أَقرَبُها؟ لقد كان سلوكه مغريًا لي ومشجعًا على اقتطاف هذه الثمرة المحرَّمة.

فثار بي يلعنني ويقول: «أهذا جزاء حبي لك أيتها المرأة الكنود؟ ألم يكن يسعني أن أدعك وحدك للموت الذي جلبتِه على نفسكِ، وأن أنجو بنفسي فلا أتبعكِ؟ أما والله لأنت والحية سواء، وأنك لألم منها وأبغض، وما ينقصك إلا أن تكوني على مثل صورتها وألوانها؛ ليحذَرَكِ الخلائقُ جميعًا، ولتتقيك ولا تغترُّ بصورتك السماوية! ألا لماذا شاءت حكمة الله أن يخلق هذه البدعة ولم يشأ أن يخلق الناس كلهم ذكرانًا ويملأ الدنيا بهم إذا كان لا بد من خلقهم؟»

فبكيت واسترحمته وعكفت على ركبتيه أقبلهما وأمسح عليهما وجهي، فرثى لي ولان لي قلبه، فتشجعت وأدليت إليه برأيَين يكفلان لنا الراحة ويقيان ذريتنا المصائب التي كُتبت عليهم بذنبنا. فسألني عنهما فقلت: الرأي عندي — ما دام الموت لا مفر منه الآن — أن ننتحر، فنستريح ونترك الدنيا كما كانت، لا يعمُرها أحدٌ من نسلنا، أو أن نتحرى ألا نجيء إلى الدنيا بنسل، فنحرِم الموتَ حقَّه ونقضي عليه هو بالموت جوعًا.

فقال آدم: يا بلهاء أتحسبين أن الله يتركنا نفعل شيئًا من ذلك؟ لقد أخرجتنا مشورتك من الجنة وهوت بنا إلى هذه الأرض، فأين يا تُرى تقذف بنا مشورتك الجديدة؟ اذهبي اذهبي!

بعد شهر، لستُ أَمَلُّ التَّجواب في هذه الغابة الكثيفة. فإن لها لسحرًا شديدَ الأخذ. وقد ظللت فيها أمس وإن كنت لم أبعُد عن الكوخ أكثر من فرسخ، فنشط خيالي وراح يريني أشباحًا ها هنا وها هنا بين الأشجار الغليظة الذاهبة في الهواء التي تحجُب الشمس فلا ينفُذ منها شعاع. فوقفت برهة أفكر وأتخيل وأُشرِب نفسي روح المكان، فنعق فوق رأسي غراب ففزعت ثم غضبت على نفسي؛ لأني فزعت ورفعت طرفي فأبصرت الغراب على غصن فوقي يصوِّب نظره إليَّ، فاستحييت أن يراني كأنما كان قد فاجأني في خلوتي، فحدجته بنظري فحدجني بنظره، ولم يحوِّل عني عينه، وكان كلانا صامتًا لا يقول شيئًا، ثم تقدم الغراب بضع خطوات على الغصن ليكون أقدر على تأملي، ورفع جناحه ودلَّى رأسه من بين كتفيه، ونعق مرة أخرى نعقة أحسست أن لهجتها مهينة مبطنة بالزراية، فلو أنه كان يتكلم مثلي ومثل آدم ومثل الحية لما قال لي بأفصح مما قال: «ماذا تصنعين هنا بالله؟» وليس هذا من شأنه ولا كانت هذه الغاية له، وما من حقه أن يخاطبنا بمثل هذه اللهجة، ولكني لم أرد عليه؛ استنكافًا مني للمنابذة مع غراب أسحم، وترفُّعًا عن المهاترة معه، فلبث برهة يدير عينه فيَّ، ورأسه ممدود إليَّ من تحت كتفيه ثم قذفني بإهانتين أخريين لم أفهم معناهما على وجه الدقة، وإن كانت دلالتهما واضحة. فلم أشأ أن أجاريه في بذاءته وأمسكت عن دفع الإهانة. ويظهر أن حِلمي أطمعه فقد رفع رأسه وأطلق في الغابة نعقة تبينت أنها نداء، فقد أجابه غراب آخر من قلب الغابة، وراح ذاك يسأل وهذا يشرح له الموقف، حتى ترك الغراب المدعو ما كان فيه وطار إليه وحط إلى جانبه فوقي، ومضى الغرابان الأسودان يتناعبان عني ولا يحفلان بوجودي، فلو أني كنت بعيدة عنهما بحيث لا أسمعهما ولم أكن تحت أعينهما لما أساءا الأدب في حقي إلى هذا الحد، فحِرتُ وارتبكت، ثم بدا أن أدعهما وأمضي في سبيلي وأحسب أن الغرابين الوقحين قد سرَّتهما هزيمتي فقد مطَّا عنقيهما وراحا يضحكان مني ويرسلان خلفي الشتائم والإهانات حتى تواريت عنهما، وإني لأعلم أنهما غرابان لا أكثر، ولكنه من المؤلم على كل حال، بل مما يكوي غرور الإنسان أن يرى حتى الغراب يهزأ به ويتماجن عليه ويصيح به: «ما أطول شعركِ! أَوَلَيس لكِ ثوب تلبسينه غير هذا الجِلد القديم؟ ارفعي ذيله فإنه يكنس الأرض ويثير الغبار.»

ومن الغريب أني ألفيت نفسي عند باب الكوخ قبل أن أفكِّر في الطريق الذي أسلكه، وهكذا اهتدت رجلاي بعد أن ضل رأسي، لقد كدت أَهُم بالبكاء ولكن فرحي بالرجوع سالمة أنساني الدموع.

بعد أسبوعين، آدم يحمل عليَّ ويرهقني بالعمل ويكتفي هو منه بالإشراف. ولا أدري ماذا يكلفه «الإشراف»، ولكن الذي أدريه أني مستعدة أن أقوم به عنه وأن أدع له ما أنا فيه، وقد ثقلت وأراني أميل إلى التمرد، وسأدعي المرض غدًا فإن لم تصلح الحال بعدُ فسأهرب وأختفي في بعض الأدغال ليعرف قدري.

بعد خمسة أيام، هربتُ ثلاثة أيام ثم لم أطُق البُعد عنه فرجعت إليه وادعيت أني كنت تائهة، وقلت: «إني منهكة ولا أكاد أقوى على النهوض.» فخرج آدم متذمرًا وغاب عني اليوم كله فكدت أُجنُّ من الشوق إليه، وتُبت من ذنبي واعترفت له بالحقيقة.

بعد ثمانية شهور، سميتُه قابيل، وهو حلو أحمر لا شعر عليه غض اللحم، وأكاد من فرحي به وحبي له آكله! وكان آدم قد خرج للصيد فلما عاد بعد أيام سألني عنه ما هو؟ فلم أدرِ كيف أقول، وحملته إليه وأدنيته من فمه ليقبله، فظن أني أقدِّمه له طعامًا، ونحَّى وجهه وصدَّني بيده وقال: أَوَحْشٌ أنا حتى آكله حيًّا؟ ولما قلت له: إني «وضعته» وأنا عائدة إلى الكوخ لم يصدقني وزعم أني «وجدته»، وقال: إن به مشابهة مني ولكنه صغير جدًّا فهو على الأرجح حيوان جديد، وتناوله وجعل يقلِّبه ويفحصه فبكى وصاح فاختطفته واحتملته وضممته إلى صدري ولاطفته حتى ثاب إلى السكون.

ولما جاء الليل وبكى زعم آدم أن من الحماقة أن أسجِن هذا الحيوان معنا، وأنه إنما يبكي ويصيح ويُخرِج هذه الأصوات المنكَرة؛ لأنه يريد أن يعود إلى جماعته، وهمَّ بأن يلقيه خارج الكوخ فعدوت وراءه وصددته. فقال آدم إنه لا يفهم سلوكي هذا، وإنه لم يألف مني هذه العناية بالحيوانات الأخرى.

من مذكرات آدم

«لقد تغيَّرت حواء حتى لأكاد أنكرها، مذ وجدت هذا الحيوان الغريب الذي حفيت قدماي على غير جدوى في البحث عن واحد آخر من مثله، فهي لا تخرج الآن للصيد أو للاحتطاب ولا تكاد تُعنى حتى بإعداد الطعام. ولا تخطو خطوة إلا وهذا الحيوان الغريب مضموم إلى صدرها أو محمول على كتفها، وهو لا يكلفنا شيئًا؛ لأنه لا يأكل ولا يشرب، وهذا أغرب ما فيه. وأحسب حواء قد جُنَّت فإنها لا تفتأ من حين إلى حين تُلقِمه ثديها فيعكف عليه بفمه الفارغ كأنه يأكل ولا شيء هناك؛ فليس أجن منها سواه! وما أغرب منظرها وهي تداعبه وتناجيه وتوهمه أنها تعض أنامله فيضحك، ولم أرَ قبل هذا حيوانًا يضحك. لقد حيَّرني جدًّا هذا المخلوق العجيب الذي تسميه حواءُ «قابيلُ» والذي لا أدري ماذا هو؟ فهو ليس منَّا إذا كان لا يمشي مثلنا ولا يتكلم، وليس من الطير فما له أجنحة ثم هو لا ينهض فكيف بالطير، وليس من الحيوان فإن جلده أملس لا شعر عليه وليس له ذيل، وأكثر ما أراه مستلقيًا على ظهره ورافعًا رجليه في الهواء، ولست أفهم لغته، ولكن حواء تزعم أنها تفهمها وتجيبه إلى ما يطلب فيكُف عن الصياح ويضحك وينام، أما أنا فقد تقطع نومي مذ جاءتنا بهذا اللغز، سأغافلها يومًا وأسرقه وألقيه في الغابة أو في الغدير فإني في شك منه عظيم.»

بعد بضعة شهور، لا أزال عاجزًا عن فَهْم هذا اللغز الذي كنَّا في غنًى عنه، والذي يشرد عني النوم، ولم أستطع أن أسرقه؛ لأن حواء لا تتركه لحظة وقد نما بسرعة فصار خمسة أضعاف ما كان عليه لما جاءنا، وكان في أول الأمر لا ينفك مستلقيًا على ظهره، فالآن يحبو على يديه ورجليه، وقد يباغتني وأنا نائم فيضع يده الصغيرة في فمي أو يقبض على أنفي أو يجذبني من لحيتي، ليست حواء وحدها المجنونة فسيلحق بها سواها قريبًا، ولقد أشفقت على هذا اللغز وقلت آتيه برفيق يؤنسه في وحدته ويسليه في غربته بيننا، فجئت بدُبٍّ صغير ولكنه لم يكد يراه حتى رِيع وملأ الدنيا صياحًا فلم أجد بدًّا من طرد الدب ورده إلى حيث كان.

أي شيء هو؟ هذا ما يحيرني! هو قِطٌّ؟ لا! أو دُبٌّ؟ لا! أو قِردٌ؟ ربما، ولكن أين الذيل والشعر؟ سنرى.

بعد شهور أخرى، لا يزال هذا اللغز ينمو وهو الآن يقف على قدميه الخلفيتين ويمشي خطوات ثم يقع، وقد ظهر الشعر في رأسه وهو كشعرنا نحن لولا أنه أنعم وأخف وأقل سوادًا وألين ملمسًا، وكنت أتوقع أن يظهر له ذيل ولكن خِيب أملي. وأقول الحق: لقد بدأت أخافه فإن هذا النمو الشاذ الذي لا عهد لي به في حيوان آخر يوقع في رُوعي أني لم أرَ آخر هذه الحكاية. وما يدرينا غدًا ماذا يكون منه؟ وقد رأيت أن الأحزم أن أنام خارج الكوخ من الآن فصاعدًا، وأن أدع حواء وحدها معه، وليس هذا من الشهامة والمروءة في شيء، ولكن ماذا أصنع وهي لا تريد أن تفرِّط فيه ولا ترضى أن تعتاض منه دبًّا أو قردًا؟ فعليها إذن أن تحتمل وحدها عواقب طيشها وحماقتها.

بعد أربعة شهور، عُدتُ من الجبل بعد غَيبة طويلة فألفيتُ اللغز يمشي على قدميه مثلنا ويذهب حيث يشاء وحده، وينطق بما يشبه كلامنا فيقول «بابا، ماما، أومبو»، فهل علَّمتْه حواءُ؟ لا أدري، وقد نبتت له أسنان ولم ينبُت الذيل. ولما كنت سأعود إلى الجبل غدًا فسأشير على حواء بأن تكمِّمه.

بعد خمسة شهور أخرى، في كل طوافي وتجوالي في الجبال والغابات والأدغال والأودية والسهول لا أعثر على ندٍّ لهذا اللغز، وحواء تجد في الكوخ — نعم في الكوخ ومن غير أن تنقل قدمًا — لغزًا آخر شبيهًا بالأول من كل الوجوه، فهو من فصيلته ولا ريب، وقد سمَّته هابيلَ، وحسنًا فعلت، فإن اللغزَين شبيهان فما أحقهما بأن يكون اسماهما متقاربين. وقد سرني أنها وجدت للغزها الأول مؤنسًا، فما أشك في أنه كان يألم هذه الوحدة ويحُن إلى قومه.

اقترحت على حواء أن تدع لي اللغز الجديد أُجري فيه تجاربي لعلي أهتدي إلى نوعه وأن تجتزي هي بالأول فأبت أن تصغي إليَّ، ولم تُطِق كلامي واحتملتها وخرجت، وتوعَّدتني بالنزوح عن هذه البقعة من الأرض إذا لم أكفُّ عن التفكير في ذلك. ولست أفهم ذلك من حواء وما أراها إلا جُنَّت تمامًا؛ لأنه إذا كان قد ثبت أن هناك ألغازًا كثيرة، وكانت هي قد وجدت منها اثنين — وجدتهما وحدها وبلا معين — فماذا يضيرها أن تلقي إليَّ بأحدهما وهي لا محالة واجدة غيره في يوم من الأيام قياسًا على ما حدث؟ الحق أن منطق المرأة غريب. ولم أكن أريد إلا أن أفحصه في أوقات الفراغ، فقد خطر لي من حسن تقليده لحواء ولي أيضًا أنه ربما كان نوعًا طريفًا من القرود. ولكن حواء فقدت عقلها، فهي لا تعبأ بشيء من هذه الدنيا سواهما، ولا تأتمني عليهما لحظة.

بعد ثمانية شهور، قالت لي حواء اليوم وعينها تلمع إنها «ستضع» واحدًا آخر، ولم أفهم منها قولها أنها «تضع» هذه الألغاز، وهذه الأكاذيب بعض ما يسخطني ويثيرني عليها، ولكني أحسب المرأة لا تكون امرأة إذا لم تكذب، فسألتها عمن أدراها أنها ستجد لغزًا جديدًا فقالت: بالتجربة. قلت: أية تجربة؟ فمضت بي إلى ركن مظلم في الكوخ وأسرَّت إليَّ بصوت خفيض جدًّا، كأنما كان هناك أحد يسمعنا: إن اللغز معي الآن. فنهضت مذعورًا وقلت: معك كيف؟ ودُرتُ حولها أنفضها بعيني فلم أجد معها شيئًا. فقالت: إنه في جوفي. فارتعتُ وقلت: أتُراك يا … قد أكلتِ أحدهما؟ وتراجعتُ عنها فضحكت … إن حواء تخيفني. فلن أنام في الكوخ معها بعد اليوم.

بعد بضع سنين، لقد حللنا اللغز وعرفنا أن هذه الخلائق الجديدة بنونا. وهم الآن أربعة: قابيل وهابيل وبنتان. ولنا العذر إذا كان الأمر قد خفي علينا في مبدئه، فما سبق لنا بمثل ذلك عهد. وهابيل صبي وديع رضي الخلق وهو أحب إلينا من أخيه قابيل الذي أوثر أن يبقى كما كان يوم جاءنا دبًّا أو قردًا أو غير ذلك مما توهمته في صدر حداثته. وقد أدركت الآن أن حواء أصدق مني فراسة وأذكى غريزة وقد زاد حبي لها وعطفي عليها. هي التي تنسيني الجنة وماذا كانت الجنة قبل أن أعرفها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠