الفصل الأول

المصادرة على المطلوب

begging the question; petitio principii

وفسَّر الماءَ بعد الجهد بالماءِ.

***

المصادرة على المطلوب هي التسليمُ بالمسألة المطلوب البرهنةُ عليها من أجل البرهنة عليها! وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أو ضمني في إحدى مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمةً وتجعل المشكلةَ حلًّا وتجعل الدعوى دليلًا! وهو ضرب من الحجة الدائرية arguing in a circle، والاستدلال الدائري ليس مغالِطًا في صميمه، ولكنه يغدو كذلك حيثما استُخدِم لكي يموِّه على فشلٍ في حمل عبء البرهان، وتنجم المشكلة حيثما كانت النتيجةُ المراد إثباتها مفترضةً أصلًا داخل المقدمات التي يتعين على الخصم أن يُسلِّم بها ويبدأ منها.١

ذلك أنَّ الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفةً مما يُراد البرهنة عليه، ومن البديهي أننا حين نختلف حول شيء فإننا نلجأ إلى شيء آخر لا نختلف حوله، ونحاول أن نستدل منه على ذلك الشيء الخلافي، ولكي تكون للحجة قوة إبستمولوجية أو ديالكتيكية يتوجب أن تبدأ من مقدمات معروفة ومقبولة أصلًا لدى الحضور، ثم نتقدم منها لكي نستخلص النتيجة غير المعروفة أو غير المقبولة، أما أن «نصادر على المطلوب» ونستند إلى ذات النتيجة الخلافية وقد تَنَكَّرت كمقدمة، وأما أن ندور في حلقة مفرغة ونحاول أن نَخْلُص إلى نتيجة تستند إلى مقدماتٍ ملقمةٍ بها أصلًا (أي تستند إلى ذاتها!) فهذا فكرٌ عبثي فارغ لا يمكن أن يفضي إلى أيِّ تقدم في المعرفة البشرية.

تتلون المصادرة على المطلوب بألوانٍ كثيرة، وتتخذ أشكالًا متعددة، وتُجِيد التخفي أحيانًا في هيئةٍ يتعذَّر كشفها إلا على المنطقي الخبير.

من أبسط صور المصادرة على المطلوب وأكثرها شيوعًا أن تجعل المقدمة صيغة أخرى من النتيجة المراد البرهنة عليها، مثال ذلك:
  • تستلزم العدالة أجورًا مرتفعة؛ وذلك لأن من الحق والصواب أن يكون الناس أقدر على الكسب الوفير. (وهي لا تعدو أن تقول إن العدالة تتطلب زيادة الأجور لأن العدالة تتطلب زيادة الأجور!)

  • يجب إلغاء المواد غير المفيدة كاللغة الإنجليزية من مقررات الكلية؛ وذلك لأن إنفاق اعتمادات لمادة غير مفيدة للطالب هو شيء لا يقره أحد. (نحن أيضًا لا نوافق على تبديد أموال في تدريس مواد غير مفيدة، غير أن الحجة هنا لم تثبت لنا أن الإنجليزية مادة غير مفيدة، وهو لب المسألة، وكل ما فعلَتْه هو أن «صادرت على المطلوب» وكررت النتيجة في المقدمات، دون التفات إلى المقدمة المحذوفة في هذا «القياس المضمر» enthymeme، وهي: «اللغة الإنجليزية مادة غير مفيدة».)
  • أيُّما شيء أقل كثافةً من الماء سوف يطفو فوقه؛ وذلك لأن مثل هذه الأشياء لا يمكن أن تغطس في الماء.

  • ما دُمت لا أكذب، فأنا إذن أقول الحقيقة.

قد يبدو للقارئ المبتدئ أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة واضحة للعيان سهلة الانكشاف، وليست بحاجة إلى دراسة وتحليل يختلق صعوبةً حيث لا صعوبة، غير أن الأمر ليس دائمًا ببساطة الأمثلة السابقة، ويكفي أن نقول إن عقلًا بحجم عقل أرسطو، المعلم الأول ومؤسس المنطق الصوري، قد ارتكب مصادرةً على المطلوب بَيَّنها جاليليو «حينما أراد أرسطو أن يُثبت أن الأرض في وسط العالم، فقال: الأجسام الثقيلة تميل بطبعها إلى مركز العالم والأجسام الخفيفة تبتعد بطبعها عنه، والتجربة تدلنا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة تتبعد عنه؛ إذن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم.» (إن المقدمة الكبرى هنا فيها مصادرة على المطلوب، فإن التجربة تدلنا حقًّا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة تبتعد عنه، ولكن من أين يقول لنا أرسطو إنها تميل إلى مركز العالم، إذ لم يكن يفترض أن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم؟ وهذا هو المطلوب البرهنة عليه!)٢
بديه أن أرسطو كان ممتلئًا ﺑ «مركزية الأرض» geocentrism وهو يصوغ هذه الحجة، وإنه لمن العسير حقًّا أن تصوغ حججًا مُنِتجةً لميولٍ أيديولوجية أو التزاماتٍ انفعالية، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل السياسيين يخدعون الناس عن قصد ويخدعون أنفسهم عن غير قصد، ويمطروننا بوابلٍ من المصادرات على المطلوب التي تبدو دائمًا كفرضٍ عام يُقدِّمونه لكي يدعم حالةً جزئية، بينما الحالة الجزئية لا تعدو أن تكون شطرًا من ذلك الفرض العام، انظر إلى المثال التالي:

يجب ألا نسمح ببيع هذه القطع من مقتنيات توت عنخ آمون إلى أيِّ بلد أجنبي مهما كان الثمن؛ وذلك لأن آثار مصر العظيمة ليست للتصدير.

نحن أيضًا نأبى أن يُباع أيُّ شيء من الآثار المصرية مهما غلا الثمن، غير أن الحجة لم تقل لنا لماذا، وكل ما فعلته هو أن أعادت صياغة النتيجة (لا بيع لبلدٍ أجنبي) في المقدمة (لا تصدير).٣
ليس من المستغرَب أن تكون أحفلُ الحجج بالمصادرة على المطلوب هي الحجج الأيديولوجية والأخلاقية، ذلك أن هذه الحجج تكون موجهةً غالبًا إلى الشكاك، وأنها تتناول مجالات تفتقر بطبعها إلى قضايا وقائعية factual يلمسها الجميع؛ ومِن ثَمَّ تكون المصادرة على المطلوب خطرًا محدقًا بها ومنزلقًا سهلًا، وكثيرًا ما تكون الألفاظ المستخدمة في هذه الحجج هي ألفاظ مُلْقَمة (مشحونة) loaded؛ أي ألفاظ تختزن داخلَها افتراضاتٍ خفيةً ونظرياتٍ بتمامها (مثال ذلك: رجعي، انتحاري، استشهادي، ضحية، اضطهاد، إرهاب …) وكأنها مصادراتٌ «جاهزةٌ» للاستعمال الفوري، يخوض المفكرون معاركهم وفي جعبتهم مخزون ضخم من هذه الألفاظ، وبخاصة حين يريدون أن يخبرونا ماذا نفعل وكيف نسلك، إن الواجبات التي يريدون أن يفرضوها علينا إنما هي مخبوءة سلفًا في هذه الألفاظ المفَخَّخة، تبدو هذه الألفاظ كأنها تصف «وقائع» facts خالصةً لا شِيَة فيها، غير أنها تنطوي على «يَنْبَغِيَّةٍ» oughtness مطمورة في ثناياها و«إلزامٍ» مضمَر، ولكي تتم الخدعة يجب أن تبدو المصادرة على المطلوب في هيئة حجة، أي تُتلى بمفاصل منطقية من قبيل: لأن، حيث إن، بما أن، إذن، وبناءً عليه، ومِن ثَمَّ … إلخ، حتى لو كانت المسألة مجرد تكرارٍ بسيط للألفاظ.

أمثلة

  • (١)
    «ينبغي ألا نُصدر أسلحةً لماليزيا؛ لأنَّ من الخطأ أن نُزود الأمم الأخرى بأدوات القتل.» قد يبدو هذا كأنه حجة أو برهان، غير أنه مجرد إعادة صياغة لنفس العبارة بألفاظ أخرى:
    من الخطأ أن = ينبغي ألا.
    نزوِّد = نصدر.
    الأمم الأخرى = الهند والصين وغانا … وماليزيا … إلى آخر قائمة الأمم.
    أدوات القتل = الأسلحة.

    في ضوء هذا التحليل البسيط يتكشف أن الحجة لم تقل أكثر من: «ق» صادقة؛ لأن «ق» صادقة.

  • (٢)

    «التجارة الحرة سوف تكون خيرًا لهذا البلد؛ والسبب في ذلك واضح للغاية: أليس من الواضح أن العلاقات التجارية غير المقيدة سوف تغدق على هذا البلد كل أنواع المنافع التي تنجم عندما لا تكون ثمة عوائق تعترض تدفق البضائع فيما بين بلدان العالم؟»

    لا يعدو الأمر هنا أيضًا أن يكون إعادة صياغة، أو تكرارًا للعبارة نفسها بألفاظ أخرى، (لاحظ أن «العلاقات التجارية غير المقيدة» هو تعبير مطوَّل بعض الشيء عن «التجارة الحرة»، وأن بقية العبارة هي تعبير مطول أكثر عن قولك «خير لهذا البلد».)

  • (٣)

    «السرقة فعل غير مشروع؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما كان حرَّمها القانون.»

    تتظاهر هذه الحجة بأنها تُبيِّن السبب الذي من أجله تُعَد السرقة خطأ أو عملًا غير مشروع، غير أنها ليست أكثر من تكرار للقول نفسه بصيغة أخرى، ولا تعدو في نهاية التحليل أن تقول: السرقة ضد القانون لأن السرقة ضد القانون، أو: السرقة غير مشروعة لأن السرقة غير مشروعة!

  • (٤)

    «التلباثي (التخاطر) خرافة لا وجود لها؛ لأن الانتقال المباشر للأفكار بين الأشخاص هو أمر مستحيل.»

    (التلباثي = الانتقال المباشر للأفكار بين الأشخاص؛ خرافة = مستحيل.)

  • (٥)

    «إن السماح لكلِّ إنسان بحرية مطلقة في الحديث ينبغي أن نعده أمرًا في مصلحة الدولة؛ وذلك لأن من الأمور التي تصب دائمًا في مصلحة المجتمع أن يتمتع كل فرد بحرية كاملة غير منقوصة في التعبير عن عواطفه.»

  • (٦)
    «القتل الرحيم active euthanasia مقبولٌ أخلاقيًّا، إن من اللطف والرحمة وحسن الخلق أن تعين كائنًا إنسانيًّا آخر على أن ينجو من المعاناة والألم من خلال الموت.»
    لنضع ذلك في صورة مقدمة ونتيجة:
    من اللطف وحسن الخلق … إلخ أن تعين إنسانًا … من خلال الموت؛
    إذن القتل الرحيم مقبول أخلاقيًّا.

    والآن إذًا نحن ترجمنا المقدمة سنجد أن القائل لم يَعْدُ في حقيقة الأمر أن كرَّر الشيء نفسه مرتين: «من اللطف وحسن الخلق» تعني شيئًا قريبًا جدًّا من «مقبول أخلاقيًّا»، «تعين إنسانًا آخر … من خلال الموت» تعني «القتل الرحيم»، هكذا نجد أن الحجة لم تُقدِّم لنا أسبابًا عقلية تجعل القتل الرحيم مبررًا أخلاقيًّا، وتترك السؤال لدى المتلقي مفتوحًا: «حسن، لماذا إذن نعتقد أن القتل الرحيم جائز؟»

  • (٧)

    الإجهاض هو القتل غير المبرَّر لكائن إنساني، وهو، من ثم، قتل، وما دام القتل جريمةً نكراء، فالإجهاض جريمة في جميع الأحوال.

    نحن أيضًا لا نريد إباحة الإجهاض دون قيد أو شرط؛ غير أن الحجة السابقة تجعل النتيجة متضمَّنةً سلفًا في المقدمات، وتصادر منذ البداية بأن الإجهاض قتلٌ غير مبرر دون أن تبين لنا لماذا كان ذلك.

(١) الاستدلال الدائري reasoning in a circle

«هناك أحوال أخرى فيها لا يُفترَض مباشرةً صحة المطلوب معبرًا عنه في المقدمات بطريقة أخرى، وأما الذي يُفترض فهو شيء تتوقف صحته على صحة النتيجة؛ أي لا يمكن البرهنة عليه إلا بالنتيجة فيكون هنا حينئذٍ دور vicious circle»،٤ يمكن تجريد الصورة المنطقية لهذا الدور كالتالي:
«أ» صادقة لأن «ب» صادقة.
«ب» صادقة لأن «أ» صادقة.

نحن إذن بإزاء شكل من أشكال المصادرة على المطلوب يعتمد فيه صدق الدعوى المقدمة على دليل يعتمد بدوره على الدعوى ذاتها التي يُفترَض أن يبرهن عليها، وبذلك يدور البرهان في دائرة مغلقة وتعتمد كل قضية فيه على الأخرى.

وقد تطول سلسلة الدائرة أكثر من ذلك، بحيث تعتمد كل قضية على تاليتها، وتعتمد القضية الأخيرة بدورها على الأولى فتنغلق الدائرة، ولا يتوافر خارج السلسلة دليل مستقل عنها:
«أ» صادقة لأن «ب» صادقة.
«ب» … … «ج» …
«ج» … … «أ» …

ويُعَد الاستدلال الدائري مغالطة لنفس السبب الذي يجعل المصادرة على المطلوب مغالطة: وهو أنه لا يُقدِّم لنا دليلًا مستقلًّا عن الدعوى ذاتها، وأنه يفشل في أن يربط لنا ما هو غير معروف أو غير مقبول بما هو معروف ومقبول، وفقًا لقاعدة «الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفةً مما يُراد البرهنة عليه»، وكل ما يفعله الاستدلال الدائري هو أنه يقدم لنا مجهولين (أو أكثر) كلٌّ منهما مشغولٌ بتعقُّب ذيل الآخر! بحيث لا يتسنى له أبدًا أن يصل نفسه بالواقع.

أمثلة

  • (١)

    الروح جوهر بسيط لأنها خالدة، لا تتجزأ ولا تتحلل ولا تفسد.

    والروح لا بُدَّ لها مَن أن تكون خالدة؛ لأنها جوهر بسيط.

  • (٢)

    أنا لم أفعلها أيها المعلم، وزميلي عليٌّ يضمن لك صدقي.

    ولماذا يتعين عليَّ أن أثق بكلام عليٍّ؟

    عليَّ؟! إنني الضامن لك أنه صادق أيها المعلم.

  • (٣)

    نحن نعرف عن طبيعة الرب وصفاته من الإنجيل.

    ونحن نعرف أن ثقتنا في الإنجيل مطلقة؛ لأنه مُوحَى به من الرب.

  • (٤)

    إنني أطلب منك أن تضطلع بهذه المهمة لأنني أُقدِّر كفاءتك.

    وكيف أعرف أنك تقدر كفاءتي؟

    هل كنتُ أطلب منك أن تضطلع بمثل هذه المهمة لو لم أكن أقدر كفاءتك؟!

  • (٥)

    هذه اللآلئ السبع التي سرقناها سوف نقسِّمها على ثلاثتنا: خذ أنت اثنتين، وأنت اثنتين، وأنا آخذ ثلاثًا.

    ولماذا تستأثر لنفسك بثلاث؟

    لأنني «الريس».

    وما الذي نصَّبك «ريسًا» علينا؟!

    لأن لَدَى كلٍّ منكما لؤلؤتين ولَدَيَّ ثلاث لآلئ أيها الغبي!

(١-١) هل كل استدلال دائري هو مغالطة بالضرورة؟

إذا نظرنا إلى المنطق الاستنباطي للقضايا فإن المصادرة على المطلوب («ق» إذن «ق») صائبةٌ استنباطيًّا، أين يكمن الخطأ إذن؟! ومتى تكون المصادرة على المطلوب أو الحجة الدائرية مغالطة؟

إذا عدنا تاريخيًّا إلى المعلم الأول، أرسطو، نجده يتناول المصادرة على المطلوب تناولًا مزدوجًا:
  • في «التحليلات (الأنالوطيقا) الأولى» يتناول المصادرة على المطلوب في ضوء قوله المأثور بأن البرهان يمضي مما هو أكثر يقينًا أو أوثق معرفةً: فإذا حاول المرء أن يثبت ما هو غير واضح بذاته عن طريق افتراضه والتسليم به بادئ ذي بدء، فإنه بذلك يصادر على المطلوب الأول، أو يُسِلِّم بالمسألة الأصلية، إنه يفترض ما ينبغي عليه إثباته، يُعَد هذا توصيفًا إبستيميًّا للمغالطة: فأن تُصادر على المطلوب هو أن تنتهك المبدأ الإبستيمي القائل بالأولوية المعرفية للمقدمات فوق النتيجة في أيِّ برهان من البراهين.

  • غير أن أرسطو في «الطوبيقا» (المواضع الجدلية) يتناول المصادرة على المطلوب من حيث هي واردة في نزاع جدلي بين طرفين أو خصمين: تقع المصادرة على المطلوب عندما يطلب صاحب دعوى ما «ق» إلى خصمه المعارِض أن يُسلِّم ﺑ «ق» إلى خصمه المعارِض أن يُسلِّم ﺑ «ق» كمقدمةٍ عليه قبولها، ويُعَدُّ هذا توصيفًا جدليًّا للمغالطة.

يُقدِّم أرسطو خمس طرق يمكن للحجة بها أن تصادر على المطلوب، ويتفاوت تناوله للمغالطة بعض الشيء بحسب السياق الذي يتناول فيه المغالطة: السياق الإبستيمي (في تناوله للبرهان على سبيل المثال) أو السياق الجدلي (كما في الطوبيقا).

ربما يكون ذلك هو الخيط الذي يمكن أن يوصلنا إلى فهم اللغز: متى تكون الحجة الدائرية خطأ منطقيًّا؟ يبدو أن هناك عاملًا إضافيًّا يحسم أمر الحجة الدائرية ويحدد نصيبها من الصواب المنطقي: ذلك هو «السياق» context، ونعني به السياق الجدلي الذي تنسلك فيه الحجة، أو سياق الجدل القائم بين متحاورَين لكلٍّ منهم التزاماته الاعتقادية الخاصة.
من هنا يجب أن نميز بين «الدلالة» (السيمانطيقا) و«التداولية» (البراجماطيقا) في المنطق، مثلما ميَّز أرسطو قديمًا بين السياق الإبستيمي والسياق الجدلي، تُعرَّف «السيمانطيقا» Semantics أو علم دلالة الألفاظ، أو المعاني، بأنها الدراسة التي تتناول علاقة العلامات اللغوية بالعالم الواقع خارج اللغة extra-linguistic world، أما «البراجماطيقا» (التداولية) pragmatics فتُعرَّف بأنها العلاقة بين العلامات اللغوية ومستخدميها من بني البشر، فليست اللغة بأية حال شيئًا مُخزَّنًا بالمعاجم وكتب النحو، بل هي شيء في استخدامٍ متصل بين بني الإنسان، وللبشر طرائقهم في تداول اللغة فيما بينهم بما يتجاوز الدلالة المباشرة للعلامات ويتجاوز النحو وتركيب الجملة بحد ذاته، من أهم الموضوعات التي تندرج في مبحث التداولية: الأفعال الكلامية speech acts، والإضمار الحواري conversational implicature، التفرقة بين المعجم والموسوعة، وبين الاستعمال والذِّكر … إلخ.
في ضوء هذه التفرقة الأساسية بين الدلالة والتداولية يمكننا أن نمضي فنقول إن الحجج الدائرية ليست مغالطة بالضرورة، وإنما يتوقف الأمر على السياق الحواري للحجة وعلى الالتزامات الاعتقادية لدى المتحاورين، يمكننا بتعبير تقني أن نقول إن المصادرة على المطلوب أو الحجة الدائرية هي «مغالطة تداولية» pragmatic fallacy: أي قصور يتعين تقييمه بالنظر إلى الطريقة التي استخدمت بها الحجة في سياق حواري معين، لا تكون المصادرة على المطلوب مغالطة إلا إذا فشلت في تحقيق وظيفة مهمة من وظائف الحجة هي الوظيفة البرهانية؛ أي إذا لم تغير شيئًا في درجة الثقة التي يكِنُّها الخصمُ في النتيجة المعنِيَّة (المسألة المطلوب إثباتها)، الأمر هنا يتوقف على ما يعتقده متلقِّي الحجة وعلى درجة الثقة التي كان يُوليها للمسألة التي يتم البرهنة عليها، الأمر هنا يتفاوت بحسب الالتزامات الاعتقادية الأصلية للطرف المتلقي، فإذا كانت الحجة تكرر النتيجة في المقدمات (أي تثبت المسألة بذاتها أو تفترض ما يطلب الخصم إثباتَه) متوجهة بذلك إلى خصم لا يعتقد أصلًا في هذه النتيجة ولا يلتزم بها، فإنها عندئذٍ لا تؤدي وظيفتها البرهانية المنوطة بها، وهي بهذا المعنى وفي هذا السياق تعتبر مغالطة.

أما عندما تُقدَّم نفس الحجة (من الوجهة السيمانتية/هُوِيَّة سيمانتية) إلى طرفٍ متلقٍّ يعتقد في النتيجة ويلتزم بها اعتقاديًّا، فإنها في هذا السياق التداولي المختلف لا تعتبر مغالطة.

ولمزيد من التبيان نقول: إنَّ من أهم وظائف الحجة «الوظيفة البرهانية» probative function، أي وظيفة إزالة الشك (أو خفضه)، والتي تفترض الإطار التالي للحوار: ثمة طرف «المُتلقِّي» لديه شكوك أو تساؤلات تتصل بنتيجة معينة، وثمة طرف آخر «صاحب الحجة أو الداعي» مهمته في الحوار هي إثبات هذه النتيجة إثباتًا يُقنع المتلقي ويرضيه وفقًا لمقتضيات عبء البرهان المناسبة لنوع الحوار وللحالة المعْنِيَّة، فالآن إذا طرح الداعي حجةً دائريةً من الصنف الذي لا يتسنى فيه خفض شكوك المتلقي أو تدعيم المقدمات إلا بإثباتها من النتيجة، عندئذٍ تكون الحجة مصادرة على المطلوب، مثال ذلك هذا الحوار بين مؤمن وشاك:

– سيظل القرآن الكريم إلى يوم القيامة محفوظًا من كلِّ التصحيف والتحريف.

– ما الدليل على ذلك؟

– الدليل أن الله يقول في كتابه العزيز: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.

من البين أن هذه الحجة تنطوي على مصادرة على المطلوب لأن المتلقي ليس لديه التزامٌ عقائدي بالقرآن، ومِن ثَمَّ فإن الدليل المطروح لا يضمن عنده أن يبقى القرآن محفوظًا بما فيه إِنَّا نَحْنُ.

أما عندما ترد هذه الحجة بحذافيرها في سياق تداولي آخر يجري بين داعٍ مؤمن ومُتلقٍّ مؤمن أيضًا ولديه التزام عقائدي بالقرآن، هنالك تضطلع الحجة بوظيفتها البرهانية وتكون حجة صائبة مائة بالمائة وبريئة من أية مصادرة على المطلوب، هكذا تتجلَّى أهمية أن يُتقن «الداعية»٥ منطق الجدل، وألا يغفل لحظةً هويةَ المخاطَب والتزاماته الاعتقادية المبدئية، وأن يتجنَّب تأييد المذهب «من داخله» (المصادرة على المطلوب)، ويلتزم دائمًا بالحجج التي تُؤيد المذهب «من خارجه».
ها نحن بإزاء حجة واحدة (من حيث الصورة السيمانتية) تُصادر في حالة ولا تصادر في أخرى؛ وذلك لاختلاف السياق التداولي، إنها ترد في سياق تداولي فتكون مغالطة ومصادرة على المطلوب، وترد في سياق تداولي آخر فتكون صحيحة لا شِيَةَ فيها، نَخْلُصُ من ذلك إلى أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة تداولية بالدرجة الأساس.٦
في كتابه «نسق في المنطق» a system of logic ذهب جون ستيوارت مِل إلى أن جميع صور الاستدلال الاستنباطي ترتكب مغالطة «المصادرة على المطلوب»، فالقياس syllogism يتضمن دورًا أو مصادرة على المطلوب؛ لأنَّ المقدمة الكبرى فيه تفترض صحة النتيجة، يذكر مِل هذا القياس الشهير:
كل إنسان فانٍ،
أفلاطون إنسان؛
إذن أفلاطون فانٍ.

ويقول: إنَّ المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» تفترض النتيجة مسبقًا بمعنى أننا لا يمكن أن نُوقن بصدقها ما لم نكن موقنين بصدق النتيجة «أفلاطون فان»، فإذا كان من المشكوك فيه أن أفلاطون فان فسوف يكون من المشكوك فيه، بنفس الدرجة على أقل تقدير، أن جميع البشر فانون.

هنا أيضًا يسعفنا تصور «السياق التداولي» pragmatic context كمِحَكٍّ لهذه المغالطة، هل ثمة دور منطقي في القياس السابق؟ ذلك أمر يتوقف على ما إذا كان سياق الحجة يتضمن (ربما استقرائيًّا) بينة على المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» مستقلة عن النتيجة … بينة بيولوجية مثلًا على فناء الحيوانات، غير أن هذا يطرح سؤالًا مربكًا عن دور البَيِّنة الخلفية background evidence في سياق الحجة، ويعود بنا من ثم إلى مشكلة ما الذي يمكن أن يُعَد، أو لا يُعَد، «مقدمة» premise لحجة معينة.٧

(١-٢) أمثلة أخرى للحجة الدائرية

(أ) الخطة القومية

يذكر البريطانيون تلك «الخطة القومية ١٩٦٤–١٩٧٠م»، وهي ممارسة للتخطيط الاقتصادي القومي الذي كان صيحة رائجة في ذلك الوقت: فقد طُلِبَ من الشركات أن تتخذ معدل نمو قدره ٣٫٨٪، وأن تُقَدِّر على هذا الأساس ما ستكونه خططها الخاصة للتوسُّع، ثم أضافت الحكومة هذه التقديرات المختلفة، واستنتجت أن الخطط المشتركة للصناعة البريطانية تُومئ إلى معدل نمو قدره ٣٫٨٪! لا غرو كانت الخطة القومية لا قيمة لها وما تزال، اللهم إلا لخبراء المغالطة المنطقية ممن يُسعدهم الحظ بالحصول على نسخ منها لدى باعة الكتب المستعملة!

(ب) الدور الديكارتي

يعرف كل قارئ لديكارت أنه بدأ فلسفته بافتراض الشك في كلِّ شيءٍ على الإطلاق: في شهادة الحواس وأحكام العقل ووجود العالم … إلخ، حتى عثر على اليقين الأول الذي لا يتطرَّق إليه الشك، وهو يقين الفكر، يقين الكوجيتو: «أنا أفكر فأنا إذن موجود»، لقد أثبت وجود الذات بالفكر، ثم التمس للفكر سندًا في الوجود الواقع، فأثبت وجود الله بالفكر ذاته ليكون ضامنًا لمعرفته الواضحة المتميزة عن العالم الخارجي، بذلك يتبين الخطأ المنطقي الذي وقع فيه ديكارت بوضوح تام: فهو لم يخرج من شكِّه إلا بدورٍ منطقي ظاهر: فمن جهة يجب للبرهنة على وجود الله الاعتماد على العقل والأفكار الواضحة كوسائل لا تخدع، ومن جهة أخرى لأجل التحقق من أن العقل والأفكار الواضحة لا تخدع يجب العلم أولًا بوجود الله وصدقه!٨

(ﺟ) التحليل النفسي

تَعِج كتابات رائد التحليل النفسي وأتباعه بمصادرات على المطلوب تؤدي لدرس المنطق أضعافَ ما تُؤدِّيه لدرس السيكولوجيا من خدمات!

  • في كتابه «تفسير الأحلام» يقول فرويد بالنص الحرفي: «وأرادت مريضة أخرى (هي أمهر حالماتي) أن تنقض نظريتي في الأحلام، فأمكن أن يحل حلمها حلًّا أقل تعقيدًا وإن ظل متفقًا مع ذات القاعدة: أن عدم تحقق إحدى الرغبات معناه تحقق أخرى، ذلك أنني شرحت لها يومًا أن الحلم يحقق رغبة، فأتتني في اليوم التالي بحلم رأت فيه أنها تسافر مع زوجة أبيها لتقضيا فصل الصيف في الريف، وكنتُ أعلم أنها قد ثارت ثورةً عارمةً على فكرة المصيف قريبًا من زوجة أبيها، وأنها قبل ذلك بأيام قد أفلحت لحسن حظها في الإفلات من هذه الصُّحبة المخوفة؛ فاستأجرت منزلًا في الريف يبعدها عن حيث كانت امرأة أبيها كل البُعد، وها هو ذا الحلم قد أتى فإذا هو يقلب هذا الوضع رأسًا على عقب، ألا ينقض ذلك نظريتي في تحقق الرغبة بوساطة الحلم أقطع نقض؟ يقينًا، ولا يحتاج المرء إلى أن يستخرج النتيجة التي تخلص من هذا الحلم لكي يحصل على تفسيره: إن الذي يخلص من هذا الحلم هو أنني كنت على خطأ، وهكذا فقد كانت رغبتها هي أن أكون على خطأ والحلم يريها تحقق هذه الرغبة.»٩
  • يذهب أنصار التحليل النفسي إلى أن المشاهدات الإكلينيكية تؤيد نظرياتهم، من حيث هي وقائع تجريبية تربط النظرية بالعالم ربطًا اختباريًّا فتمنحها الصفة العلمية، غير أن هذه الملاحظات الإكلينيكية، شأنها شأن كل الملاحظات الأخرى، هي تأوُّلات في ضوء النظرية؛ ولهذا السبب وحده تكتسب مظهر المدَعِّم لتلك النظريات التي تم في ضوئها تفسير هذه الملاحظات، إنها أشبه بثوبٍ خُلِع «من» النظرية ثم خُلِع «عليها» … فَهالَهُم أنه انطبق على النظرية وأيَّدَها تأييدًا، وهو منطقٌ معكوس يقع فيه كل من يقرأ فكرتَه ويتأوَّلها في كلِّ شيءٍ ويراها في كلِّ شيءٍ لأنه لا يرى إلا بها! وهو منطق معكوس تجد له أمثلة لا تحصَى في النظريات الميتافيزيقية التي تبدو الوقائعُ مؤيدة لها، ولو دققنا النظر في هذه الوقائع لَتَبَيَّن لنا أنها اختيرت في ضوء النظريات عينِها التي نريد اختبارها بها.

  • قلَّما يخضع التحليل النفسي للاختبار في الممارسة الحقيقية، وحتى حين يعرض للاختبار فإن الاستدلال كثيرًا ما يكون دائريًّا، بمعنى أن تفسير المعطيات نفسها يتطلب افتراض صدق النظرية، مثال ذلك ما ورد عن نتائج دراسة حول عقدة أوديب Oedipus Complex حيث كانت نسبة الفتيات أكبر من نسبة الأولاد بدرجة عالية الدلالة فيما يتصل بتخيل الصورة الذكرية ترتقي الدرَجَ وتدخل الغرفة، وهو بالطبع أقوى دليل على صدق نظرية فرويد، حيث إن ارتقاء السلم في نظرية فرويد هو رمز للجماع،١٠ مثل هذا الدليل مشكوك فيه إلى حد كبير؛ لأن هذا الفرق المذكور بين الذكور والإناث لا ينهض دليلًا على صدق نظرية فرويد إلا إذا تبنى التفسير الرمزي الذي يتضمن أن الفتيات يُفكرن في الاتصال الجنسي بأبيهن، أي ﺑ «مصادرة على المطلوب»، وما من نتيجة إلا ويمكن أن تكون مؤيَّدة إذا نحن أفرغنا عليها التفسيرَ المطلوبَ تأييده.

(٢) تفسيرات تحصيل الحاصل

يلحق هذا أيضًا بما يُسمَّى «تفسيرات تحصيل الحاصل» tautological explanations، وهي صفة الفكر الأجوف، والعلم الأجوف الخالي من المحتوى المعلوماتي الحقيقي.
و«تحصيل الحاصل» tautology هو عبارة صادقة بالضرورة بسبب صورتها المنطقية ذاتها، مثال ذلك: «إنَّها تمطر أو لا تمطر»، وتُعَد تحصيلات الحاصل بصفة عامة خلوًّا من المعلومات، وتحصيل الحاصل ليس عيبًا وليس سُبةً حين يجول في مجاله: فالمنطق والرياضة البحتة هما من قبيل تحصيل الحاصل، بمعنى أن نتائجهما لا تأتي بجديد لم يكن قابعًا، على طريقته، في المقدمات غير أن العلوم التجريبية تريد أن تخبرنا خبرًا عن العالم المحدد الذي تصادف أننا نعيش فيه، تريد أن تقول شيئًا جديدًا لم يكن لنا به علم، ومِن ثَمَّ يتعين عليها أن تتنكَّب تفسيرات تحصيل الحاصل التي لا تحمل في جعبتها خبرًا جديدًا — لا تحمل «محتوى معلوماتيًّا» يزيدنا عِلمًا، بل تقول لنا ببساطة: إن «أ» هو «أ» (!).
ويُعَرَّف «تفسير تحصيل الحاصل» بأنه ذلك التفسير الذي يكون فيه «المفسِّر» explanans (أي القضية التي تضطلع بالتفسير) لا يقول شيئًا أكثر من «المفسَّر» Explanandum (القضية المطلوب تفسيرها)، مثال ذلك سخرية موليير المأثورة من تفسير مهنة الطب في زمنه لظاهرة نوم الناس على أثر تعاطي الأفيون بأن الأفيون يجعل الناس تنام «لأن له تأثيرًا منوِّمًا»، أي أن «الأفيون يُنَوِّم لأنه يُنوِّم!» لاحظ أن هذه العبارة ليست كاذبة بحد ذاتها («أ = أ» عبارة صائبة في حقيقة الأمر)، الخَطب أنها لا تفسر شيئًا ولا تضيف إلى علمنا شيئًا لم نكن نعلمه!
وكثير من العلم الزائف والعلم غير الناضج لا يعدو أن يكون من هذا الصنف، يقول ب. ووتون B. Wootton في كتابه «علم الاجتماع والباثولوجيا الاجتماعية» (١٩٥٩م): «في حالة الفعل المضاد للمجتمع الذي يُقال إنه ينتج عن المرض النفسي، فإن من غير الممكن أن يُستدل على وجود المرض من حقيقة أن الفعل قد ارتُكب لا أكثر.»١١ لا يعدو هذا التفسير أن يقول: إن الناس تنغمس في العنف والسلوك المضاد للمجتمع؛ لأنهم أناسٌ ينغمسون في العنف والسلوك المضاد للمجتمع! كذلك الشأن في تفسير التحليل النفسي للانتحار والتدمير (تدمير النفس أو الغير) بأنه ناجم عما يسميه غريزة «الموت» thanatos وهي نزوعٌ بالإنسان إلى العودة إلى الحالة الجمادية، نعم هناك انتحار وهناك تدمير وهناك سلوك مضاد للمجتمع … إلخ، ولكن على التفسير العلمي أن يقدم شيئًا أكثر من ترجيع الصَّدى وتحصيل الحاصل.
في حديثه عن أرسطو في كتابه «مراجعات في الآداب والفنون» يقدم العقاد لمحةً ذكيةً في نقد «الأخلاق النيقوماخية» فيقول: إنَّ كل فضيلة عند أرسطو هي وسط بين رذيلتين، وكأن الاختلاف بين الفضائل والرذائل في تفسيره لا يكون إلا من قبيل الاختلاف بينها في الدرجات والزيادة والنقصان، وهو رأي منتقَد عابَهُ عليه كانت Kant بحق فقال: «إن الاختلاف بين الفضيلة والرذيلة لا يمكن أن يكون مسألة درجات بل لا بُدَّ أن يعتمد على معادنها الطبيعية أو قوانينها … إن تفسير أرسطو أولًا لا يُبين لنا الحدَّ الذي يجب على كل منهما أن يقف عنده، وثانيًا هو في الواقع «تحصيل حاصل» إذ إن أرسطو يقول «إن الإنسان يجب عليه أن يجتنب الخطأ بالزيادة عن الحد والخطأ بالنقص منه.» (دون أن يبين ما عساه أن يكون ذلك الحد!) فكأن النتيجة أن الواجب هو أن لا تفعل أكثر ولا أقل من الواجب!» وهذا هو تحصيل الحاصل كما يقول كانت؛ لأن تعريفنا الواجب بأنه شيء لا يزيد ولا ينقص عن الواجب هو من اللغو الذي يشبه قول القائل:
كأننا والماءُ مِن حَولِنا
قومٌ جلوسٌ حَولهم ماءُ١٢

والحق أن كثيرًا من الفكر الأخلاقي الرائج لا يقول أكثر من ذلك! «افعل ما فيه المصلحة» (وما المصلحة؟!) «لا تفعل ما فيه مفسدة» (وما المفسدة؟!) «كن وسطيًّا» (بين ماذا؟!) وقلَّما يدرك المتحدث المخلص أنه في حقيقة الأمر لم يزد مستمعيه علمًا بأي شيء، وأنه في حقيقة الأمر لا يزيدهم إلا رضا ذاتيًّا زائفًا، وأنه لا يغادرهم إلا وقد زاد طبعهم جفاءً وزادَ أرواحَهم غِلظة!

•••

وبعد، فمن شأن الحجة السديدة لإثبات دعوى معينة أن تقدم دليلًا مستقلًّا لتبرير الاعتقاد بهذه الدعوى، وأن تتجنب الاعتماد على الدعوى، أو شطرٍ من الدعوى، لإثبات ذاتها، وما يكون لعاقلٍ أن يفترض، كدليل أو بينة، ذات الشيء الذي يحاول أن يُثبته، غير أننا كثيرًا ما يجرفنا الانفعال الأيديولوجي والالتزام بصدق مذهبنا السياسي أو الأخلاقي ويَعْصِب أعيننا عن رؤية أننا، في حقيقة الأمر، نفترض مقدمًا صدق ما نريد أن نبرهن عليه؛ ولذلك تجد المصادرة على المطلوب مرتعًا خصيبًا لها في مثل هذه المجالات، وحيثما فرغت ساحةٌ من البراهين الصلبة والحجج الوقائعية المستقيمة تم استدعاء الحجج الدائرية لتَوَلِّي الأَزِمة واتخاذ اللازم، ولو أن هناك براهين مقنعة على الأيديولوجيات، المتكثرة تَكَثُّر الأهواء والمصالح، لكان عسيرًا على ذوي العقول أن يختلفوا حولها، ومن البين المتواتر أنه كلما توافر للناس حججٌ أكثر قبولًا وصلابة زاد انصرافهم عن الحجج الدائرية لتبرير دعواهم.

ربما تخدع المصادرة على المطلوب قائلَها أكثر مما تخدع متلقيها؛ لأنَّ المرء حين يكون مُشْربًا منذ البداية بموقفٍ ما فإن من السهل أن يتراءى له كلُّ مكافئٍ أو صنوٍ لهذا الموقف كأنه برهانٌ عليه، ثمة فرق بين أن تعتنق رأيًا وبين أن تكون قادرًا على تبرير هذا الرأي، وعلى محبي الحكمة أن يتعلَّموا من درس الفلسفة أن هناك فرقًا بين الموقف نفسه وبين الحجج التي يستند إليها الموقف، ومن لم يتعلم هذا التمييز سيكون عُرضةً دائمًا للانخداع بمغالطة «المصادرة على المطلوب».

١  في تعريفات الجرجاني: «المصادرة على المطلوب» هي التي تجعل النتيجة جزء القياس، أو يلزم النتيجة من جزء القياس، كقولنا الإنسان بشر، وكل بشرِ ضحَّاك، ينتج أن الإنسان ضحاك، فالكبرى ها هنا والمطلوب شيء واحد، إذ البشر والإنسان مترادفان، وهو اتحاد المفهوم، فتكون الكبرى والنتيجة شيئًا واحدًا.
٢  عبد الرحمن بدوي: «المنطق الصوري والرياضي» الطبعة الخامسة، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٨١م، ص٢٤٤، وانظر أيضًا الدور المنطقي الذي وقع فيه ديكارت، أبو الفلسفة الحديثة، وسنعرِض له لاحقًا.
٣  لاحظ أن «التصدير» ما هو إلا «البيع لبلدٍ أجنبي» وقد صيغ بعبارة أخرى! وكأن الحجة تقول ببساطة: لا بيع لأنه لا بيع! وهذا التبديل في الصياغة هو الذي يوهم بأن المقدمات تحمل شيئًا مختلفًا.
٤  عبد الرحمن بدوي، «المنطق الصوري والرياضي»، ص٢٤٤-٢٤٥.
٥  الداعية هنا، بحُكم التعريف، هو من يدعو «غير المؤمنين» إلى الإيمان، وعليه من ثم أن يُراعي «السياق التداولي» pragmatic context لخطابه، فلا يلجأ إلى تفسير المذهب بنفسه أو إثبات الماء بالماء، وهو شرطٌ لا يريد أن يفهمه كثيرٌ من الدُّعاة المخلصين.
٦  Walton، Douglas N: 1985, “Are Circular Arguments Necessarily Vicious?”. American Philosophical Quarterly 22, 263–74.
٧  Walton, Douglas N., In “Informal Logic: The First International Symposium”, ed. J. Anthony Blair and Ralph H. Johanson, Inverness, California, Edgepress, 1980, 41–54.
٨  انظر على سبيل المثال «تاريخ الفلسفة الحديثة» للأستاذ يوسف كرم، الطبعة الخامسة، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٩، ص٧٠.
٩  سيجموند فرويد: «تفسير الأحلام»، ترجمة د. مصطفى صفوان، المؤلفات الأساسية في التحليل النفسي بإشراف الدكتور مصطفى زيور، دار المعارف، ١٩٩٤، ص١٧٥-١٧٦.
١٠  Kline, P. (1984), Psychology and Freudian Theory, New York, Methuen, p. 72.
١١  Wootton, B., Social Science and Social Pathology, London, George Allen & Unwin, 1959, p. 233.
١٢  عباس محمود العقاد: مراجعات في الآداب والفنون، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ١٩٨٣، ص٦٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١