الفصل الثاني عشر

الألفاظ الملقمة: الألفاظ المشحونة (المفَخَّخَة)

Loaded words; prejudiced language; question-begging epithets

بواسطة الدعاية الذكية والمتواصلة يمكنك أن تحمل الناس على أن ترى الفردوسَ جحيمًا، والعكس أيضًا أن ترى أشقى أنماط الحياة على أنها النعيمُ المقيم.

أدولف هتلر، كفاحي

«أنا» صارم … «أنتَ» عنيد … «هو» خنزيري الرأس.

برتراند رسل
ولأني كهلٌ غروبي
فظلالي دائمًا أطول مني،
وهي أَرَقُّ مني وأدق
وأكثر نفاذًا وبثًّا،
لم أكن أتنقل إلا حاملًا خنجري تحت العباءة
ترافقني ظلالي الطويلة،
وتلازمني حاشيةٌ هائلة.
توبة اللفظ

***

لكل لفظٍ من ألفاظ اللغة ضربان من المعنى أو الدلالة: المعنى الحقيقي (المباشر/الإشاري/المعجمي/الأوَّلي) denotation والمعنى الضمني (الإضافي/الإيحائي/الثانوي) connotation، أما المعنى الحقيقي فهو المعنى الذي يُعبر عن العلاقة الموضوعية بين اللفظ والواقع الذي يشير إليه: فمعنى كلمة «زهرة» هو ذلك الجزء من النبات الذي يضطلع بإنتاج البذور، ويُعبر عن طور من أطوار نموه، ومعنى كلمة «وردي» هو لون ذو خصائص فيزيائية محددة، وأما المعنى الضمني فهو المتضمنات الانفعالية والتقويمية التي يستحضرها المعنى في الذهن والتي تعبر عن الجانب الشخصي من المعنى، وربما تختلف من شخص لآخر ومن جماعة لأخرى، فكلمة «باص» على سبيل المثال قد تستدعي في أذهان البعض انطباعاتٍ من قبيل الرخص، الازدحام، الفقر … وقد تستدعي في أذهان التلامذة معاني الراحة والمرح والزمالة، غير أن المتضمنات تكون مشتركة في أغلب الأحوال؛ وذلك لِتَشارُك الناس في كثير من الخبرات وظروف المعيشة، من ذلك أن كلمة «وسط المدينة» تستدعي في ذهن معظم الناس متضمناتٍ من قبيل: الصخب، الزحام، الإثارة، التراب، اللهو، الذنب … إلخ.
حين أقول «هذا كَذِبٌ» فإن ما أقوله هو عبارةٌ بسيطةٌ من حيث الصيغة اللغوية، غير أنها بساطةٌ خادعة: فإذا ما قمنا بتحليل لمعنى العبارة «ق كذب» وجدنا أنها تَصدُق إذا ما توافرت الشروطُ الأربعة التالية:
  • (١)

    «ق» غير صادقة.

  • (٢)

    قائل «ق» يعرف أنها غير صادقة،

  • (٣)

    القائل يقصد أن يقول «ق»،

  • (٤)

    القائل يقصد أن يجعل المستمع يعتقد «ق».

رغم أن كلًّا من هذه الشروط هو شرط «ضروري» necessary لمعنى كلمة «كَذِب» فإن الشروط الأربعة ليست «كافية» sufficient ؛ ذلك أنها لا تفي إلا بالمعنى الإشاري المباشر denotation لكلمة «كَذِب»، ويظل هناك نطاق عريض لمعانٍ إضافية ضمنية connotation، فالمرء لا يمكن أن يكون جادًّا في قوله «هذا كذب» ما لم يَعمِد أيضًا إلى إهانة القائل ووصمه وتقريعه؛ ومِن ثَمَّ فكلمة «كذب» تعني أيضًا، فيما تعني، الازدراء، السخط، الإدانة، الشجب، الردع … إلخ.
تلك هي الوظيفة «الإيعازية» perlocutionary للغة، التي تحدث عنها جون أوستن J. Austin (١٩١١–١٩٦٠م) رائد نظرية «أفعال الكلام» speech acts. في هذا المستوى من الأفعال الكلامية يريد القائل من قوله أن يُحدِث تأثيرات في المتلقي: إقناعًا، خشية، رهبة، ردعًا، إسخاطًا … إلخ.
وتلك أيضًا هي الوظيفة الانفعالية emotive function للغة، التي تحدث عنها أوجدن ورتشاردز، ومنذ أن أشارا إلى أهمية الوظيفة الانفعالية للغة في كتابهما «معنى المعنى» تخلَّقَ اتجاهٌ إلى شجب المصاحِبات الانفعالية المحتومة للكلمات والجزع من كثرة الظلال الإضافية للألفاظ كمصدرٍ للزلل والمغالطة، وما تَقَدَّم العلمُ تقدمًا متصلًا إلا لالتماسه لغةً محايدةً دقيقة للتواصل، وتَخلِّيه عن المتضمنات العاطفية والخيالية للألفاظ في لغته ومعادلاته، وقد أدرك المفكرون أهمية أن تحذو المناقشات السياسية والدراسات الإنسانية في ذلك حذوَ العلم، وتشيِّد نماذج لغويةً خاليةً من الضوضاء الانفعالية قدر المستطاع، ومنذ أفلاطون، في حقيقة الأمر، نهضت تياراتٌ تستنكر ميلَ البشر إلى الاستمالة العاطفية بدلًا من الإقناع العقلي، وتُحذِّر من إساءة استخدام الوظيفة الانفعالية للغة في إعاقة التفكير المنطقي والتعتيم على الحقيقة، وفي زمننا المعاصر عَلَت صيحاتٌ مدوية ضد «الألفاظ الملونة» colored words وضد «استبداد الكلمات» tyranny of words.
حين تكون اللفظةُ محمَّلةً بمتضمناتٍ انفعالية وتقويمية زائدة، بالإضافة إلى معناها المباشر، يقال لها «لفظة مُلقَمة» loaded word أو مشحونة، فالكلمة الملقمة مثل البندقية الملقمة بالذخيرة، والمعنى الانفعالي أو التقويمي هو الرصاصة، حين أستعمل لفظة «بهيمة» بدلًا من «حيوان»، ولفظة «رشوة» بدلًا من «حافز» … إلخ، فأنا عندئذٍ أستخدم ألفاظًا ملقمة تفعل فعلًا آخر غيرَ مجردِ رصد الحالة الموضوعية: إنها تحكُمُ وتقوِّم وتحرِّض وتُوعز، انظر أيضًا في هذه القائمة من الكلمات:
صارم عنيد
واثق متعجرف
ودود مداهِن
مجامِل متملِّق
متساهل متسيِّب
سهو إهمال
كائن متعايش طفيل
مجتمعٌ نامٍ مجتمع متخلف
بدائي همجي
بسيط ساذج
يقول يدَّعي
مدقِّق مُوسْوس

ليست كل لغة مشحونة هي لغة مغالطة بالضرورة، وإلا لكان كثير من الدراسات، وكل الأدب والشعر، ركامًا من المغالطات! ونحن نريد، في حقيقة الأمر، أن نكون قادرين في بعض الأحيان أن نُسَخِّر الطاقات الانفعالية والخيالية للكلمات في خدمة الحقيقة، نريد أن نقول للقتلة الدمويين: أنتم سفاحون مجرمون، ولا نقول: أنتم حراس النظام الجديد ومبطلو الثورة المضادة! ونريد أن نقول للإرهابي: أنت أناني مشوَّش تتوهم حلًّا سحريًّا لمأزقك الوجودي وتُؤمِّن لنفسك مستقبلًا أخرويًّا على حساب غيرك. وأن نقول للمتزمتين: أنتم تغالبون ربكم، وتريدون إزالة اللون من لوحة الدنيا، وأن تجعلوا الحياة هامشًا سمجًا على متن الموت.

ما أتعسنا حقًّا لو تخلينا عن انفعالية اللغة وقصَصنا أجنحة الكلمات، وكم تَرِينُ البلادة على أحاديثنا لو أننا توخينا الحيادَ العلمي في كلِّ شيء، وبدلًا من أن نقول مع الشاعر (الشريف الرضي):

وتلَفَّتت عيني فمذ خَفِيت
عني الطلولُ تلفَّت القلبُ

قلنا (وما أبْلَدَنا إذ نقول): وبقيت أدرك الأطلال بحاسة البصر، فلما أصبحت خارج مجالي البصري بدأت أستدعيها في الذاكرة.

ومهما يكن من شيءٍ فإن الألفاظ المشحونة كثيرًا ما تكون فخاخًا منطقية تدفع المرءَ إلى أن يقفز إلى استنتاجاتٍ تقويمية غير مشروعة، وتأتي المغالطة حين يستخدم المجادِلُ ألفاظًا مشحونةً بدلًا من الحجة، أو حين يتأثر المتلقي باللغة الملونة التي تغلَّف بها الحجة بدلًا من أن يلتفت إلى مناقب الحجة بحد ذاتها.

أمثلة

  • (١)

    يَدَّعي السيد نبيل سالم أن التصدير سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. (لاحظ أن كلمة «يدعي» تفترض ضمنًا أن ما يقوله السيد نبيل كاذب أو باطل.)

  • (٢)

    بديه أن يجدَ اقتراحُنا رفضًا من البيروقراطية الحكومية. (قارن: بديه أن يجد اقتراحنا رفضًا من مسئولي الحكومة.)

  • (٣)

    كل عاقل في هذا البلد يعرف أن الإجراءات المُتخذة لا تصب في مصلحة المواطن. (لاحظ أن كلمة «عاقل» قد صادرت بصواب العبارة المطروحة.)

  • (٤)

    مرة ثانية تُضبَط إنجلترا وهي تتملق الديكتاتوريات. (قارن: مرة ثانية نرى إنجلترا تَعمِد إلى أن تحتفظ بعلاقات ود مع الأنظمة المتشددة.)

  • (٥)

    سرقت اسكتلندا هدفًا في الشوط الأول، ولكن إنجلترا في الشوط الثاني نشطت واستفاقت، وتُوِّجت جهودُها بهدف. (بوسعك بالطبع أن تتعرف على انتماء المعلِّق.)

  • (٦)

    بوسع الجماهير أن تفرق بين رشاوى مرشحي العُمَّال وعربونات مرشحي المحافظين.

  • (٧)

    ألستَ متأثرًا بالقضية العادلة التي يلهج بها ألوف المتظاهرين الواعين بالخارج؟

    هيهات أن أنجرف بثُغاء حشدٍ من الغوغاء!

(١) النعوت المصادِرة على المطلوب

من البَيِّن أن اللغة المشحونة تنطوي دائمًا على «مصادرة على المطلوب» begging the question؛ لأنها تفترض مسبقًا حكمًا تقويميًّا لم تتم البرهنة عليه بعد؛ ولذا كان جِريمي بنتام J. Bentham يُطلق على هذه المغالطة اسم «النعوت المُصادِرة على المطلوب» question-begging epithets، إنها تَدسُّ مواقفَ انفعاليةً في داخل العبارة التي تحملها، وهذه المواقف ليست جزءًا من الحُجة، وإنما جرَى استدعاؤها على نحوٍ غير مشروع لكي تؤتي أثرًا ما كان للحجة أن تؤتيه بمفردها، وبعبارةٍ أخرى تُعَد هذه المواقف الانفعالية غير ذات صلة بقيمة صدق العبارة؛ أي بتأسيس صدق العبارة المطروحة أو كذبها.

وصفوة القول أنَّ الحجة السديدة تتطلب أن يبذلَ المرءُ جهدًا واعيًا لكي يصوغَ حجتَه صياغة محايدة قدر المستطاع، بحيث تقف حجتُه على قدميها ولا تتوكأ على عكازاتٍ انفعالية وتقويمية مقحَمة عليها ومن غير جنسها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤