الفصل الحادي والعشرون

إغفال المقَيِّدات

Ignoring qualifications; secundum quid

قالت القاعدة للاستثناء: لماذا تَعْلَق بجناحي دائمًا وتُقيِّدني
ولا تدعُني أبسط ظلي على العالم؟
ردَّ الاستثناء على القاعدة:
أفيقي … أنا لست عالقًا بجناحك،
أنا منك … أنا أكبرُ قوادمك،
وأشدُّ مؤيديك.

***

يتألف شطرٌ كبير من حديثنا اليومي من عبارات حول ما تكونه الأشياء على وجه الإجمال، وكيف يسلك الناس بصفة عامة … إلخ، ونحن نستند إلى هذه الأحكام العامة في جدلنا السياسي والأخلاقي وفي أغلب الشئون الهامة في الحياة الاجتماعية، غير أن علينا أن نحذر من التعنت في تطبيق هذه التعميمات على حالات خاصة قد لا تنطبق عليها، ذلك أن الظروف والملابسات تغير الحالة، والتعميم الذي يصدق على الإجمال قد لا يصدق في حالة معينة؛ لأسبابٍ وجيهة تتعلق بالظروف الخاصة (أو «العَرَضية» accidental) لتلك الحالة، حين نطبق تعميمًا على حالات فردية لا يشملها التعميم على نحو صحيح فنحن نرتكب إذَّاك «مغالطة العَرَض (المباشر)» fallacy of accident، أما حين نفعل العكس ونتناول، عن غفلة أو عن قصد، مبدأ يصدق على حالةٍ استثنائية معينة ثم نمده لينسحب على المجرى العام للحالات، فإننا نرتكب «مغالطة العرض المعكوس» fallacy of converse accident، والحق أن مكمن الخطأ واحد في الحالتين، وهو إغفال المقيدات أو المحدِّدات أو الشروط التي ينطوي عليها التعميم، واستخدام القاعدة ذات الاستثناءات المقبولة على أنها قانون مطلق.
ذلك أن بمقدور التَّنَطُّع أن يخلط بين صنفين مختلفين من التعميم:
  • (١)
    «التعميم الشامل أو المطلق»: وهو تعميم لا يسمح بأي استثناء، ويكفي «مثال مضاد» counter-example واحد لدحضه أو تكذيبه.
  • (٢)
    «التعميم القابل للإبطال defeasible أو المقيَّد qualified»: وهو تعميم يسمح باستثناءات، ويتساوق مع وجود أمثلة مضادة معينة، إنه تعميم غير صارم، بل اختباري وقابل للتعديل والتطوير.

إلى هذا الصنف الأخير من التعميم تنتمي أغلب القواعد والمبادئ الأخلاقية والاجتماعية والمدنية والعُرفية، وكذلك التعميمات التجريبية والفروض المسبقة، والحِكَم والأمثال والأقوال المأثورة، ويعج الحس المشترك بمثل هذه القواعد العامة التي تصدق على الجملة لا على الإطلاق، إننا نعيش فيها وبها، ونعرف بفضلها وجهتنا وننظم حياتنا وندخر طاقتنا، على أن نأخذها مأخذ الأداة التي ينبغي أن نستخدمها لا أن تستخدمنا، فهي، شأن كل أداة، قد تجلب الضرر مثلما تجلب النفع، وذلك حين يُساء استخدامها، وإساءة استخدام القواعد هي أن نأخذها مأخذ المطْلَقات حين نكون بصدد الاستثناء، أو، على العكس، حين نأخذ الاستثناء مأخذ القاعدة.

إن أصلب القواعد العملية وأشدها ثابتًا وبداهة إنما تقوم على المألوف المتاح في البيئة، وتنتسب إلى السياق الثقافي والتاريخي للمرء (مثال ذلك أن قولنا «معظم الطيور قادرة على الطيران» إنما هو تعميم تجريبي من الخبرة المتاحة، وليس ما يمنع أن تكون هناك أعداد غفيرة من طيور البطريق في القارة المتجمدة الجنوبية تقلب الآية وتجعل الصواب أن «معظم الطيور لا تطير»).

تُعَلِّمنا الخبرة أنه ما من تعميم، مهما اتسع تطبيقه وعَمَّ نفعه، إلا وله استثناءاتٌ تفلت من طائلته، في مجال القانون مثلًا نجد أن المبادئ التي تصح في عموم الأحوال لا تخلو من حالات استثنائية محددة، من ذلك أن مبدأ «بطلان شهادة الشاهد بما سمع من الغير» (شهادة الرواية أو السماع عن الغير) hearsay testimony (أي أن الشهادة عن الغير لا تُقْبَل كدليل أو بينة) لا يسري إذا كان الطرف المروي عنه متوفى أو عندما يكون ناقل الشهادة يفعل ذلك ضد مصلحته الشخصية الأكيدة.

وفي محاورة يوثيديموس ينتزع سقراط من يوثيديموس، الذي يعتزم أن يصير رجل دولة، التزامًا أو تعهدًا بكثير من الحقائق الأخلاقية المتفق عليها: «من الخطأ أن تخدع»، «من الظلم أن تسرق» … إلخ، عندئذٍ يُقدِّم سقراط سلسلةً من الحالات الافتراضية التي تخرق المبدأ العام، فلا يجد يوثيديموس فكاكًا من أن يوافق على أنه قد يبدو أن من الصواب أن تخدع (لكي تنقذ مواطنيك)، وأن من العدل أن تسرق (لتنقذ حياة صديق) … إلخ.

(١) أمثلة من مغالطة العرض المباشر accident

  • سيارة الإسعاف التي عبرت الآن تستحق مخالفة لأنها كسرت الإشارة الحمراء.

  • لا شأن لي بنزيف أنفك، التعليمات صريحة: غير مسموحٍ لأي طالب بالذهاب إلى الحمام إلا بعد جرس الحصة.

  • لا يُسمح للسيارات بتجاوز حدود السرعة.

    سيارات الشرطة هي سيارات؛

    إذن لا يُسمح لسيارات الشرطة بتجاوز حدود السرعة.

  • قَطع أجساد الناس بالسكين جريمة.

    الجرَّاحون يقطعون أجساد الناس بالسكين؛

    إذن الجرَّاحون مجرمون.

  • «حسنًا ما قلتَ يا كيفالوس، ولكن لننظر في الفضيلة ذاتها، أي العدالة، فما هي؟ أهي الصدق في القول والوفاء بالدين فحسب؟ ألا ترى معي أن هذين الأمرين ذاتهما قد يكونان صوابًا أحيانًا وخطأً أحيانًا أخرى؟ لِنفرض أن صديقًا أودع لديَّ أسلحة، ثم أصيب بالجنون فيما بعد، أتراني ملزمًا بردها إليه؟ لن يقول أحد إنني ملزم بذلك، أو أنني أكون على حق لو فعلتُ ذلك، كما أن أحدًا لن يعتقد بأن من واجبي قول الصدق لمن كان في مثل حالته» (أفلاطون، الجمهورية، الكتاب الأول).١
  • لا تكذب.

    إذن لو سألك مجرم خطير عن مكان ضحيته المستهدفة فلا تكذب عليه.

  • لا تقتل،

    ولا حتى النمل الأبيض الذي يُهاجم بيتك، ولا أعداءنا القادمين لقتالنا.

  • الديمقراطية تمنح الجميع حق الاقتراع؛

    إذن ينبغي السماح للأطفال والمجرمين بالاقتراع.

  • ما دامت حرية القول مكفولة للجميع؛

    إذن من حقي أن أصرخ «حريق … حريق» في مسرحٍ مزدحم.

  • ما دمت قد تعهدتَ بحفظ قططك داخل المنزل عندما تبنَّيْتَها من الجمعية؛

    إذن ينبغي ألا تدعها تخرج خارج البيت حتى لو شبَّ فيه حريق.

  • ما دام الأسبرين مفيدًا لمرضى القلب؛

    إذن هو مفيد أيضًا لأخي المريض بالقلب وقرحة المعدة (من المعلوم طبيًّا أن الأسبرين يُفاقم قرحةَ المعدة).

(٢) أمثلة لمغالطة العَرَض المعكوس converse accident

الزهور البرية ليست دليلًا على أن الصحراء هي أصلح تربةٍ للزراعة.

  • ما دمنا نسمح لمرضى المراحل الأخيرة ومرضى احتشاء القلب بتناول المورفين؛

    إذن ينبغي أن يُسمح لكلِّ فرد بتناول المورفين.

  • ما دمتَ سمحتَ للطالب «س» الذي صدَمَته شاحنةٌ بتقديم بحثه فيما بعد؛

    إذن يجب أن تسمح للفصل كله بتقديم الأبحاث فيما بعد.

  • ها أنتم ترون هذا الرجل الذي يعيش على السمك المقلي والبطاطس المقلي طوال حياته ومستوى الكولسترول في دمه أقل من المعدل.

  • إذا أبحنا للمصابين بالجلوكوما باستخدام الماريجوانا الطبية؛

    إذن كل شخص من حقه أن يستخدم الماريجوانا.

١  انظر «جمهورية أفلاطون»، دراسة وترجمة د. فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، ٢٠٠٣، ص١٨١-١٨٢، وانظر أيضًا إلى تعليق د. فؤاد زكريا على ذلك في دراسته للجمهورية ص٤٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١