الفصل السابع والعشرون

الاحتكام إلى الجهل

appeal to ignorance; ad ignoratiam

كان جحا غزير الشَّعر، فسأله أحد جلسائه مداعبًا: كم عدد شعرات رأسك يا جحا؟ فأجابه جحا دون تردد: عددها واحد وخمسون ألفًا وثلاثمائة وتسع وستون شعرة، فقال له جليسه متعجبًا: وكيف عرفت ذلك؟ فأجابه جحا: إذا كنت لا تصدقني فقم أنت وعُدَّها!

***

بديه أن جهل الجليس بعدد شعرات جحا، من جراء الاستحالة العملية لِعَدِّها، لا يقوم دليلًا على أن عددها هو ٥١٣٦٩ شعرة! إن جحا في هذا السياق «يُقرر» أمرًا و«يُثبت» حكمًا، ومِن ثَم فإن «عبء البينة» burden of proof في ذلك يقع عليه، ومكمن الخطأ هنا هو أن جحا يُريد أن يعفي نفسه من هذا العبء ويضعه على عاتق جليسه دون وجه حق، ويحمله على أن يؤدي له عمله نيابةً عنه!
تفيد مغالطة «الاحتكام إلى الجهل» ad ignoratiam أن شيئًا ما هو حق بالضرورة ما دام أحدٌ لم يبرهن على أنه باطل، والعكس أيضًا صحيح: أي أن شيئًا ما هو باطلٌ بالضرورة ما دام أحدٌ لم يثبت بالدليل أنه حق، في كلا الحالين يؤخذ «غياب الدليل» مأخذ «الدليل»، ويتم التذرع بغياب المعلومات التي تثبت شيئًا ما كدليل على بطلان ذلك الشيء، أو المحاجة بأنه ما دام الخصم لا يستطيع أن يدحض دعوى ما فإن هذه الدعوى هي إذن حقٌّ بالضرورة.

الجهل جهل، والجهل ليس دليلًا على شيء إلا على أننا نجهل.

(١) تحقيقات مكارثي: مغالطةٌ أربَكَت أمة!

من يعتذر إنما يتهمُ نفسه.

مثل فرنسي
من أشهر الأمثلة على مغالطة ad ignoratiam تلك التحقيقات التي كان يقوم بها السيناتور جوزيف مكارثي Joseph R. McCarthy في أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم: في سلسلة من جلسات الاستماع التليفزيونية وجَّه مكارثي تهمة الشيوعية إلى عددٍ كبير من الأشخاص الأبرياء، في مناخٍ ارتيابي يُذَكِّر بمطاردة الساحرات witch hunt في القرون الوسطى، لم تكن تلك الاتهامات قائمةً على أساسٍ ولا مستندةً إلى دليل وإن كانت بالغةَ الضرر شديدة الإيذاء، كان مكارثي يظهر في تلك الجلسات حاملًا حقيبةً منتفخةً بالملفات الخاصة بالمتهمين، غير أنه في معظم الحالات لم يكن يقدم بينةً حقيقية، وكان الشخص يُتَّهم على أساس أنه ليس في ملفات مكارثي ما يدحض ميولَه الشيوعية! عن إحدى تلك الحالات يقول مكارثي في اجتماع مجلس الشيوخ عام ١٩٥٠: «ليس لديَّ معلوماتٌ وفيرةٌ في هذا الشأن عدا ما ورد في التقرير العام للوكالة من أنه لا يوجد في الملفات ما يثبت أنه غير متصلٍ بجهاتٍ شيوعية.»١
كان مكارثي في هذه الحالة متورطًا في مغالطة ad ignoratiam: لقد نَقَل «عبء البرهان» burden of proof، وبدلًا من أن يبرهن على ادعائه بالدليل فإنه يؤسسه على عدم وجود أدلة تُفنِّد الادعاء، وهي مغالطة لأن مكارثي ينطلق في حجته من مقدمةٍ تفيد غياب المعرفة (أي تفيد الجهل) إلى نتيجةٍ إيجابية تفيد أنه بذلك قد «عرف»، أو «أثبت»، أن الشخص المعْنِيَّ مُدانٌ بالميول الشيوعية، إن التهمة التي يوجهها مكارثي هي تهمة خطيرة يتحتم أن تحمل عبءَ البينة وألا تُلصَقَ بشخصٍ لمجرد أنه لا يملك أدلةً تدحضها.

هَبْ أن واحدًا من ضحايا مكارثي أذعن للموقف الاتهامي وشرع يثبت براءته من الميول الشيوعية بشتى الوسائل، فجعل يفرد لنا جدوله اليومي، والجماعات التي يلتقي بها في تعاملاته المهنية، والأنشطة التي ينخرط فيها في إجازته الأسبوعية، والأماكن التي يتواجد بها في حِلِّه وترحاله، إنه لو فعل ذلك فإنه يفتح على نفسه طوفانًا من المساءلات والاستجوابات من جانب مكارثي، ويستهدف لمزيدٍ من الشبهات، ويظهر في النهاية بمظهر المذنب المُريب!

يحَذِّر واتلي Whately من هذه الاستراتيجية الموبِقة في الجدل ويشبهها بتصرف الجيش الذي يحتل حصنًا منيعًا يستطيع الدفاع عنه كل الاستطاعة، فإذا به يبرز طواعيةً من حصنه ويتبعثر في ميدانٍ مفتوح، فيأتيه أعداؤه من كل صوبٍ ويمزقونه كلَّ ممزق! كذلك الأمر في الجدل: فإذا فاتك لحظةً أن تستمسك بخُلُو جانبك حين يكون على خصمك عبء البينة، ورُحت بدلًا من ذلك تنسج حججًا إيجابية (قد تكون ضعيفة) لكي تبرئ ساحتك وتثبت براءتك، فإنك بذلك تُسلِّم سلاحك الأقوى بلا داعٍ وتستبدل به سلاحًا أضعف، يقول المثل الفرنسي «من يعتذر إنما يتهم نفسه!» qui s’excuse, s’accuse، يعني ذلك أنك تُولي ظهرَك للواثبين وتتخذ مظهرَ المذنب تجاه الاتهامات الموجهة ضدك إذ تُحمِّل نفسَكَ عبءَ الدليل حيث كان واجبك الوحيد هو أن تتحدى خصمَك أن يبرهنَ هو على اتهاماته لك برهانًا ساطعًا.٢

أمثلة أخرى

  • (١)

    ليس هناك دليل على أن الأشباح (العفاريت) غير موجودة؛

    إذن الأشباح موجودة.

  • (٢)

    أعتقد أن بعض الناس لديها قوى نفسية خارقة.

    وما دليلك على ذلك؟

    دليلي أنه لا أحد استطاع أن يثبت أن الناس لا تملك قوى نفسية خارقة.

لاحظ أننا لسنا بصدد نفي وجود الأشباح أو نفي وجود قوًى خارقة، إنما ننفي أن تكونَ الحجة الواردة صائبةً منطقيًّا، إن ما يميز هذا الصنف من الحالات هو أن من الصعب أن نعرف ماذا عساه أن يكون دليلًا على مثل هذه الدعاوى أو دليلًا ضدها، فها هنا مشكلةٌ خاصة بقابلية التحقق verifiability: لأنه لا يوجد ثمة، فيما يبدو، أي ملاحظةٍ إمبيريقية قابلة للتكرار بحيث تفي بمعايير البَيِّنة العلمية في مثل هذه الحالات، تنطوي أمثلة الأشباح والقوى الخارقة إذن على عدة أخطاء منطقية، غير أن أبرز أخطائها هو «الاحتكام إلى الجهل» (التذرع بالجهل) ad ignoratiam، إنها حججٌ لا تقدم دليلًا حقيقيًّا، بل تستغل غياب أدلةٍ مضادة لكي تقفز إلى نتيجة «عريضة» لا تقوم على ذلك الصنف من البينة الذي يتوجب التماسُه لكي تحظى مثل هذه النتيجة بالقبول.

(٢) متى تكون الحجة المستفادة من الجهل غير مغالطة؟

  • (١)
    يبدو أن هناك أحوالًا كثيرة يكون فيها «الاحتكام إلى الجهل» ad ignoratiam مقبولًا تمامًا كمُوَجِّهٍ للفعل الحصيف، مثال ذلك اتباع مبدأ السلامة في تناول الأسلحة: فإذا كنت «لا تعرف» (تجهل) ما إذا كان السلاحُ مُلقمًا بالذخيرة أم لا فإن عليك أن تتعامل معه على أنه ملقَم، وأن تفتح خزانتَه قبل أن تُلَوِّح به، لكي تستوثقَ من أنه غير مُلقم.٣
  • (٢)
    في كثيرٍ من الأحوال يكون من المقبول عمليًّا أن ننتقل من واقعة أن شيئًا معينًا لم يتم العثور عليه إلى استنتاج أن هذا الشيء لا وجود له، شريطة أن يكون البحث جادًّا وقمينًا في حسابنا باكتشاف الشيء: من ذلك أن الأدوية الجديدة يتم اختبارها على الحيوانات، كالقوارض، للتَثَبُّت من أنها مأمونةٌ غير سامة، هنا يؤخذ غياب الدليل (على سُمِّية الدواء) مأخذ الدليل (على أنه مأمون للإنسان)، ونحن في مثل هذا السياق لا نستند إلى «الجهل» بل إلى «المعرفة» (معرفتنا بأنه لو كان للنتيجة التي تهمنا أن تنجم لَنَجَمت في حالةٍ ما من حالات الاختبار، وهو ما لم يحدث)،٤ كذلك في موقف اتهام شخص أو دولة بإحراز شيء محظور فإن إرسال مفتشين مؤهلين للبحث عن ذلك الشيء، والذي نفترض أنه قابلٌ للكشف ومستحيلٌ إخفاؤه عادةً، وحقيقة أنهم فشلوا في العثور عليه بعد فترة كافية، ليُمثِّل دليلًا معقولًا على عدم وجود ذلك الشيء.
  • (٣)
    في مجال التاريخ يُسمَّى هذا الصنف من الحُجة ex silentio (بحكم الصمت)، مثال ذلك أن نقول إنه لم يكن من عادة الرومان أن يقلِّدوا الأوسمة شخصًا بعد وفاته، وذلك بناءً على «الدليل السلبي» بخصوص هذه الأوسمة، فالكتابات المدونة وشواهد القبور لم تسجل قَط تقليد أية أوسمةٍ لجنودٍ ماتوا في الحرب، بينما تسجل حالات كثيرة لجنود تقلدوا الأوسمة أحياءً بعد الحرب، هكذا يمكننا أن نحاجَّ على أساسٍ سلبي بأنه لو كان مثل ذلك التقليد موجودًا لَتَبدَّى لنا بشكلٍ أو بآخر في الشواهد القائمة، وحيث إنه لا يوجد أي شاهد على ذلك فإن بإمكاننا، بواسطة حجة الصمت ex silentio، أن نستنتج أن من المقبول بعامة أن الرومان لم يقلدوا أحدًا وسامًا بعد وفاته.٥
  • (٤)
    وفي مجال البحث العلمي يُطلق اسم «الدليل السلبي» negative evidence على ذلك الصنف من البينة حيث تُلتمس نتيجةٌ معينة بالاختبار فلا تحدث، تُعَد البينة السلبية في العلم غير عديمة القيمة، إلا أن الأبحاث التي تسجل نتائج إيجابية تحظى بقبولٍ أكبر مما تحظى به الأبحاث التي تسجل نتائج سلبية، ويميل العلماء بصفة عامة إلى نشر أبحاثهم الإيجابية، ولعل هذا ضربٌ من ضروب الانحياز القائمة في مرفق البحث العلمي، والذي يجعله أميل إلى التركيز على تحصيل نتائج إيجابية، ذلك أن النتائج السلبية هي أيضًا نتائج، ولها فوائد ليس أقلَّها أنها تعصم المؤسسة العلمية من تبديد الجهد والمال في أبحاث لا طائل منها.
  • (٥)
    وفي مجال الحاسوب ومجال العلوم الاجتماعية تُعرف الحُجة المستقاة من الجهل باسم «الاستدلال القائم على افتقاد المعرفة» lack of knowledge inference، والذي يتم عندما تُلتمس معلومةٌ معينة في قاعدة البيانات فلا يُعثر عليها، ومن ثم يُعقد الاستدلال السلبي بأن هذه القضية كاذبة بالاستناد إلى القرائن، من ذلك أن برنامجًا حاسوبيًّا يسمى «الأستاذ» Scholar وُجِّه إليه هذا السؤال: «هل تُنتج جويانا المطاط؟» إن «الأستاذ» يعرف حق المعرفة أن بيرو وكولومبيا تنتجان المطاط، ويحيط علمًا بكل شيء عن إنتاج المطاط في أمريكا الجنوبية، ومِن ثَمَّ فإن لديه أسبابًا وجيهة للاعتقاد بأنه لو كانت دولةٌ ما منتجةً كبرى للمطاط لعرفها، غير أن «الأستاذ» ليس لديه علم بما إذا كانت جويانا تنتج المطاط أم لا (أي ليست القضية ولا نفيها داخلًا بشكل صريح في قاعدة بيانات «الأستاذ») فما هو الجواب الذي ينبغي على الأستاذ أن يجيبه؟ يجيب الأستاذ كما يلي: «إن لديَّ من العلم ما يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن المطاط ليس من المنتجات الزراعية لجويانا»، إنه يَعقِد استدلالَ غياب المعرفة، فيرى أنه ما دامت جويانا ليست في قاعدة بياناته كمنتج للمطاط فإن له أن يستنتج بدرجةٍ متوسطة من الثقة أن جويانا لا تنتج المطاط.
والآن، هل هذا الاستدلالُ القائم على افتقاد المعرفة هو «احتكام إلى الجهل» ad ignoratiam بالمعنى المنطقي لهذا التعبير؟ ليس هناك اتفاقٌ بين المناطقة بهذا الشأن: فالبعض يذهب إلى أنه «احتكام، غير مغالط، إلى الجهل»، بينما يرى آخرون أنه، في حقيقة الأمر، احتكامٌ إلى المعرفة! ذلك أن «الأستاذ» يحوز معرفةً إيجابيةً عن منتجي المطاط بأمريكا الجنوبية أمكنه في ظلها أن يستبعد جويانا.

(٣) الانغلاق الإبستيمي epistemic closure

حين أقول: إنَّ قائمة المحطات التي يقف عندها هذا الديزل السريع هي «القاهرة، وبنها، وطنطا، ودمنهور، والإسكندرية»، فإن بوسعي عندئذٍ أن أستنتج أنه لا يقف عند كفر الدوار؛ وذلك لأن اسم هذه البلدة لم يرد في قائمة المحطات، وبعبارة أخرى يمكننا أن نفترض أن قاعدة البيانات هنا كاملة أو تامة (مغلقة إبستيميًّا epistemically closed)، باعتبار انه لو كان ثمة محطات توقُّفٍ إضافيةٌ لَوَرَدت في القائمة المدرَجة، يفيد مبدأ «الانغلاق الإبستيمي» أنه «إذا كان «س» حقًّا لَعَرَفته» أو «ما دمت أعرف أنه لا يمكن أن تكون «س» حقًّا دون أن أعلم بذلك، فإن لي أن أستنتج من غياب «س» أن «س» كاذبة»، أو «إذا كانت «س» صادقة لورَدَ ذلك في قاعدة بياناتي، ولكن «س» لم ترد في قاعدة بياناتي، إذن «س» كاذبة.»

ومن أمثلة الانغلاق الإبستيمي قوائم أسماء الناجحين في الامتحانات، إنها مغلقة تمامًا من الوجهة الإبستيمية، ومِن ثَمَّ فمن لم يرد اسمه في القائمة فهو راسب؛ لأنه لو كان ناجحًا لورد اسمه في القائمة.

(٤) الاستدلال بالقرينة presumption

على أن الانغلاق الإبستيمي لا يكون تامًّا في أغلب الأحيان، ورغم ذلك يظل للاستدلال العملي مجاله، كما في مثال «برنامج الأستاذ»، فنحن لا نتوقف عند الاستدلال في حياتنا العملية الملحَّة، بل تبقى لدينا ضروب من الاستدلال في ضوء الغايات العملية التي نتوخاها، وبدرجاتٍ متفاوتة من اليقين.

من هذه الاستدلالات العملية ما يُعرف ﺑ «الاستدلال بالقرينة» presumption، وهو «فعل كلامي» speech act يقع موقعًا وسطًا بين الإقرار (أو الإثبات) assertion وبين مجرد الافتراض assumption، إنه ضربٌ من الاستدلال المقبول عمليًّا يُتيح لنا أن نستنبط شيئًا، بصفةٍ مبدئية، وعلى نحوٍ قابل للإبطال defeasible، من واقعةٍ معينة في الأحوال المعتادة، مثال ذلك أن نقول «إن من يتغيب أكثر من سبع سنوات دون تفسير يعتبر في عداد المتوفين»، ونشفع ذلك بعبارة «ما لم يثبت عكس ذلك» till proved otherwise، بمعنى أنه استنتاج «ظاهر الوجاهة يؤخذ به ما لم يُنقض بدليل» prima facie أي أن له قوة مفترضة تظل قائمةً ما لم تُنقَض باعتبارٍ أعلى.
يستند الاستدلالُ بالقرينة على مفهوم عبء البينة، فالسمة المحورية لهذا الاستدلال هي أنه يعكس عبء البينة وينقلها إلى الطرف الآخر، فالدواء الذي تبين أنه غير سام للقوارض يعد مأمونًا للإنسان مبدئيًّا، ولا تسقط عنه هذه الصفة ما لم يثبت بالدليل أنه سام للإنسان، ذلك أنه قد ينقذ حياة المرضى، وقد يسعفنا في العلاج، ومن «الحكمة العملية» phronesis أن نجيز استعماله في ضوء معرفتنا المتاحة، ما لم يبرز لنا دليلٌ جديد في المستقبل يشير إلى أضرار للدواء لم تكن بحسباننا.
وفي مجال العقل العملي نحن نسترشد بمجموعة من القواعد الأخلاقية حين تدعونا مواقف الحياة إلى الفعل الفوري ولا تتيح لما وقتًا للتَفَكُّر والتروي: لدينا قاعدة أخلاقية بألا نقتل، ولا نكذب، ولا نفشي الأسرار … إلخ، إنها قواعد «قابلة للإبطال أو الإلغاء» defeasible، بمعنى أنها تظل نافذةً ملزمة ما لم تُنقَض بحجةٍ عكسية ساطعة، إنها تضع عبء البينة على من يريد نقضها في موقف معين، مثال ذلك أن هناك قاعدة أخلاقية ضد الكذب: إن إطاعة هذه القاعدة ليست بحاجة إلى تبرير خاص، غير أن هناك ظروفًا قد يجوز فيها أن يكذب المرء، عندئذٍ تكون البينة عليه، أي أن عليه أن يُبرر كذبَه بالحُجة.٦
وفي مجال القضايا الجنائية يقع عبء الدليل على الادعاء، وعلى الدفاع أن يُبين الثغرات أو نقاط الضعف في حجة الادعاء، وليس عليه أن يثبت براءة المتهم ابتداءً (لأن الأصل براءة الذمة)، ذلك مثال للمبدأ القائل: «البينة على من ادَّعى» He who asserts must prove، والحكمة في ذلك الانحياز المبدئي (إلى جانب المتهم) هي أن الدليل في القضايا الجنائية قد يكون ظنيًّا لأنه يقوم على إعادة بناء أحداث الماضي، وهو أمرٌ يعتمد بالضرورة على الحدس والتخمين، ومِن ثَمَّ فاحتمال الخطأ قائم؛ لذا يقوم المشرِّع بتقنين الجدل القانوني بطريقة من شأنها أن تُقَلِّص حالات إدانة أشخاص أبرياء إلى أدنى حدٍّ ممكن، حتى لو كان ذلك يكلفنا إفلات أشخاص مذنبين من العقاب في أحيان كثيرة، باعتبار أن الظلم الحاصل من إدانة بريء واحد يفوق الحاصل من تبرئة عدة مذنبين.
وفي القضايا المدنية يقع عبء البينة على المدعي plaintiff:٧ فإذا ادَّعى شخص، على سبيل المثال، أن مؤسسةً للغسيل الجاف قد ضيعت بذلته، فإن عليه أن يُبرز إيصالَ الاستلام كدليل، وفي حالة عدم وجود إيصال لديه وعدم وجود إيصاله في سجلات المؤسسة فإن الدعوى تسقط لغياب الدليل، أما أن يحاجَّ المدَّعي بأن المؤسسة ليس لديها ما يُثبت عدم استلامها للبذلة فإنه عندئذٍ يقع في مغالطة «الاحتكام إلى الجهل» argumentum ad ignoratiam.
١  Douglas N. Walton: “The Appeal to Ignorance, or Argumentum ad Ignoratiam.”, Argumentation, 1999, 13: p. 367.
٢  Douglas N. Walton: “Burden of Proof”، Argumentation 2 (1988) p. 135.
٣  Ibid. p. 368.
٤  Ibid. p. 369.
٥  Ibid. pp. 371-372.
٦  وليم جيمس إيرل: «مدخل إلى الفلسفة»، ترجمة د. عادل مصطفى، مراجعة د. يمنى طريف الخولي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، العدد ٩٦٢، القاهرة، ٢٠٠٥، ص٢٧٥-٢٧٦.
٧  هناك استثناءات لهذه القاعدة، واختلافات بين المدونات القانونية في بعض الحالات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١