الفصل الرابع

تجاهل المطلوب (الحَيْد عن المسألة)

ignoratio elenchi; missing the point

إذا كان الرماةُ رماةَ سَوْءٍ
أَحَلُّوا غيرَ مرماها السهاما
شوقي
المقدمات أخطأَت هدفها،
وحادت عن مرماها
عمدًا أو فرطَ انفعال،
غير أنها تُستقبَل بالتهليل
لأنها تحمل صيدًا على كلِّ حال!

***

في هذه المغالطة يتجاهل المرءُ الشيءَ الذي يتوجب أن يُبرهن عليه، ويبرهن على شيء آخر، وقد يبدو استدلاله معقولًا بحد ذاته، ولكن المغالطة هنا في أنه يبرهن على نتيجة أخرى غير النتيجة المطلوبة التي يتعين عليه أن ينصرف إليها دون غيرها، بذلك تتسم الحُجة بسمَتَين: أنها قد خرجت عن الهدف المُحدد لها، وأنها قد اتجهت مباشرة إلى نتيجة أخرى.

يقف محامي الادعاء في جريمة قتل، وبدلًا من أن يُبرهن بالحُجة على أن المتهم هو مرتكبها، يشرع في إثبات بشاعة القتل وبشاعة الجريمة، قد ينجح الادعاء في تقديم مرافعة عصماء ويثبت هول جريمة القتل بألف حُجَّة، غير أنه إذا جعل من ذلك دليلًا على أن المتهم مذنب بها يكون قد ارتكب مغالطة «تجاهل المطلوب» ignoratio elenchi.

تتمتع هذه الحجة المغالِطة بجاذبية خفية، وتكمن قوتها في أن هناك نتيجة تم إثباتها على نحوٍ صائب، وهذا الصواب هو الذي يَصرف انتباه المستمعين بعيدًا عن المغالَطة.

وتلقى هذه المغالطة رواجًا خاصًّا في مجال التشريع الاجتماعي؛ فكثيرًا ما يُقترح برنامجٌ بعينه لبلوغ غايةٍ كبرى متفَق عليها من الجميع، ثم يدعَّم البرنامج بحجج تثبت بالفعل أهمية هذه الغاية الكبرى، غير أنها لا تقول شيئًا ذا صلة بالبرنامج المَعْنِيِّ، ولا تثبت أن هذه الغاية الكبرى تُبلَغ بهذا البرنامج المحدد دون غيره! قد يتم ذلك عن عمد وقد ينجم عن فرط الحماس لهذه الغاية الكبرى، والذي قد يُغشِّي على أنصار البرنامج المحدد، وعلى مستمعيهم، فلا يرون خروج حجتهم عن الموضوع.

من ذلك أنه في برنامجٍ محدد لمكافحة الفقر، قد يُفيض دعاةُ البرنامج في ترديد حُجج تثبت أن الفقر ينبغي مكافحته والفقراء ينبغي إنصافُهم، دون أن يثبتوا لنا أن ذلك حريٌّ أن يتم من خلال برنامجهم دون غيره!

وعندما نناقش تطوير نظام دفاعي معين باهظ التكلفة فإن حجتنا تخطئ هدفها إذا جعلت تبرهن على أهمية تطوير دفاعتنا دون أن تعرض لهذا النظام المحدد وتثبت حاجتنا الحقيقية إليه وتبرهن على أنه أجدى لنا من غيره على ثقل تكلفته.

كذلك الحال بالنسبة لكلِّ الأهداف الكبرى التي تُطرَح على نحوٍ شديد العمومية: الأمن القومي، السكن الصحي، مكافحة الفقر، مكافحة الجريمة، علاج عجز الميزانية … إلخ، من أيسر الأمور أن نُصَدِّق على هذه الأهداف العامة ونصبو إلى تحقيقها، أما الأسئلة الصعبة حقًّا فهي: هل هذا البرنامج المحدد حقيقٌ ببلوغ هذا الهدف المنشود؟ وهل هو أجدى في بلوغ هذا الهدف من غيره من البرامج الأخرى الممكنة؟ إن تغافل هذه الأسئلة، والتعتيم عليها بتعميمات براقة عن هدفٍ مأمولٍ أكبر، يجعلنا نحيد عن القصد ونطيش عن المرمى ونقع في مغالطة «تجاهل المطلوب».

أمثلة أخرى

  • (١)

    محامي الدفاع: «كيف يكون موكلي قد أمر بارتكاب جريمة القتل وقد برهنت لكم بما لا يدع مجالًا للشك أنه لم يكن بالبلد كلها وقت وقوعها؟» (حسن، ولكن هل هذا دليل على أنه لم يأمر بها قبل سفره؟ أو أنه لم يرتبها بالهاتف مثلًا؟)

  • (٢)

    ألم يحدث يا سيادة الوزير أن مستويات معيشة الفقراء قد تدنت في زمن تولِّيك بدرجة كبيرة قدَّرَتها إحصائيات علمية بحوالي ٢٨٪؟

    هذه وثائق رسمية تثبت أننا رفعنا معاش الأرامل بنسبة ٥٪ ورفعنا أجور قطاع النفط بنسبة ١٠٪ وزدنا دعم الخبز بنسبة ١٢٪ وهذا ما لم يفعله خصومنا في فترة تولِّيهم (وهكذا كلما قدَّم منتقدٌ للساسة سؤالًا محددًا فجاءه الرد وابلًا من الدعاية الصاخبة عن مزايا الحكومة، فثم مغالطة «تجاهل المطلوب» ignoratio elenchi).
  • (٣)

    «إن إساءة استخدام الدعم وعدم وصوله إلى مستحقيه لَظاهرةٌ تفشَّتْ هذه الأيام بدرجة مخيفة، والبديل الوحيد الذي أراه هو إلغاء الدعم برمته.»

  • (٤)

    «لديَّ دراسات تثبت أن رياضة العَدْو في الطريق العام قد تضر بالصحة أكثر مما تفيدها؛ ولذلك أنادي بأن تُحظَر رياضة الجري في الشوارع.» (حتى لو كان ذلك صحيحًا فهل هو حجة تؤيد حظر الجري في الطريق؟)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١