الفصل الأول

قالت امرأتى ونحن ندنو بالسيارة من طنطا: «بعد زيارة السيد البدوى، مل بنا إلى بيت الشيخة صباح لنسلم عليها.»

قلت: «لا صباح ولا مساء. الوقت ضيق …».

قالت: «أرجو، لأجل خاطرى …».

قلت: «يا امرأة، ألا تتقين الله فى هذا العبد الصالح الذى سخره الله لخدمتك وخدمة بنيك»؟

قالت متهكمة، مستضحكة: «أنت عبد صالح»؟

قلت: «من حسن الحظ أنه لن تنصب امرأة لنا الميزان يوم الحساب. على كل حال، نحن الاَن بعد العصر، وما زال علينا — علىّ أنا — أن نقطع مائة كيلو وزيادة قبل أن نبلغ القاهرة، وأخشى أن يتحلل بى التعب إذا أدركنا الليل قبل أن أفرغ من الطريق، أم ترى تعبى راحة لك؟ ثم إنك قد سلّمت عليها منذ أربعة أيام ليس إلا، فما حاجتك إلى سلام جديد؟ أهو زاد تتزودينه للطريق»؟

قالت، وكأنها تحلم: «لست أشبع من النظر إلى حسن وجهها».

وقد صدقت.

فقد كانت الشيخة صباح، على الرغم من «التمشيخ» غيداء، حسناء، مبتلّة، ورطبة حلوة، يجرى ماء الشباب فى محيّاها من نضرة النعمة، ولو طبع وجهها على «جُنَيْهٍ» لزانته وأغلته، وكان شعرها، الفاحم السبط، والورد الذى تتضرّخ به وجنتاها من آيات صنع الله، تبارك وتعالى من خلاق عظيم، أما عينها النجلاء الرقيقة الجفن «الجِّنيةُ» الانسان فأنقذ من أشعة «إكس» إلى حنايا الصدور وطوايا القلوب.

وقلت: «إذا كنت تشعرين أنك لن تطيقى الحياة إلا إذا حملتك إلى ذلك البيت الضيق لأختنق ساعة بالبخور المنطلق من المجامر حتى تتفضل فتبرز لك، وتمن عليك بإنبائك — وأنا من الشاهدين — أن «أمامك سفراً …».

فصاحت بى مقاطعة: «اسكت، وحذار أن تذكرها بغير الخير».

فكست، وما حيلتى؟

•••

ورفع السجف، ودخلت علينا الشيخة صباح مسترسلة الأعطاف، ناعمة، غير متثنية على لينها، كأنها مَلِكة. وكانت ترتدى ثوباً أبيض رقيقاً من الكتان، وتغطى رأسها بِشفٍّ ينسدل على جانبي وجهها إلى كتفيها وصدرها الناهد، ويحجب جيدها الأتلع ويدور على ذقنها إلى قريب من ثغرها الدقيق الرفاف الشفتين الذى ما خلق إلا للقبلات الحرار، لا لما يلهج به، وأستغفر الله..

وقبّلتْ زوجتى، ومدت إلىّ يداً هممت أن أبوسها بطناً وظهراً، لولا هذه الزوجة التى لا تزال تظلمنى بسوء ظنها.

ولما دارت القهوة. نظرت إلىّ وقالت: «أرنى كفيك … ابسطهما».

ولمستهما لمساً خفيفاً ثم أرسلتهما وأطرقت شيئاً ثم رفعت رأسها وحدقت فىّ دون أن تطرف وقالت: «ستُعطى ما لم تطلب، وتُؤتى ما لا يباع ولا يشترى، وتُسْلَبُهُ فى اليوم نفسه …».

فرفعتُ عينى إلى السماء — أو إلى السقف — ولمحت زوجتى وقد أخذ كتفاها يهتزان من الضحك المكتوم.

ومضت الشيخة صباح فى كهانتها غير عابئة بنا: «… وسيُنضى عنك ثوب الرجولة … إلى حين يا صاحبى».

ونحّت وجهها عنى.

وقالت وهى تودعنا: «أحسبنى لم أخاطب منك سوى أذنيك، فإنى أحس أن قلبك بعيد …».

فأكدت لها أنه «ما زال فى موضعه، تحت الضلع العاشر، أم تراه الخامس عشر؟ معذرة، فلست أعرف عدد هذه الضلوِع».

فجذبتنى امرأتى، من ذراعى، ثم دفعتنى خارجاً، وسمعتها تقول للشيخة صباح: «إنه يمزح … فلا تغضبى عليه».

فقرضت أسنانى، ولم أقل شيئاً.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠