الفصل الثالث عشر

وصارت المسألة عندى بعد ذلك، وأنا راقد على سريرى — أعنى على سريره هو كما هو ظاهر — فى حضن أمى، وظهرى إليها، ووجهى إلى الحائط، ويدها علىّ لأطمئن، هى هذه: «هل أطيق العيش فى هذا الجسد»؟

وقلت لنفسى: ينبغى أن أحصى مزايا هذا التحول ومساوئه.

فمن المزايا أنىٍ رددت طفلا غنيًّا، وكان من السهل أن أن يقلبنى الذى قلبنى، طفلا فقيرا، يسكن كوخاً حقيرا، ويعانى مرارة الفاقة وذل الحاجة.

ثم إن هذه الأم رقيقة القلب حنانة، وهى إلى هذا تشبه زوجتى، بل هى هى بعينها، فأنا لا أشعر أنى فارقت زوجتى، فإنها معى أبداً، وإن كنت قد حرمت ما يجنيه الزوجان من متع القرب، ومن الهين رياضة النفس على هذا الزواج الروحانى وأخلق أن يعيننى — أو يرغمنى — على الاكتفاء به، أن لى هذا الجسد.

ويبقى الولدان، وفى وسعى أن أراهما متى شئت، كما رأيتهما الليلة. وإن بينى وبين أصغرهما لثأرا، ولكنى بعد أن أصخه كما صخنى، أستطيع أن أفىء به وبأخيه إلى الصداقة والمصافاة، ويكِبران وأكبر، فما أغرب، وأحلى، أن نصبح أتراباً ونسيم سرح اللهو معاَ، ونركب الحياة بشبابنا، وأكون لهما صديقا لا يعلمان أنه أبوهما، وأوقظ رأيى لهما، وأجعل تجاربى فى حياتى الأولى رائدى فى السهر عليهما ورعايتهما وتسديد خطواتهما، ولا يكونان هما معى إلا على حال الصديق مع صديقه من الود والالفة ورفع الكلفة وطيب المشاركة فى الجد والهزل! أى نعم، وبذلك أصل ما انقطع، وإنه لعناء أن أتناسى أنى أبوهما. ولكن لا بد مما ليس منه بد.

ولكن البلاء والداء العياء، أنى لا أرانى مطيقا لاعتياض هذه الشخصية الفجة التى لم تنضج، من شخصيتي القديمة، كلا هذا عسير، وهو المعضلة الكبرى فى الامر كله، وما أرى الذى آتانى هذا الجسد الصغير إلا قد أخطأ وكلفنى شططا، ولو كان أهرمنى وأعلى سنى، وأسكننى جسداً مقوس القناة وجعل لى وجهاً مغضنا، كالمدينة بادية من طيارة، واشاع الشيب فى رأسى، لكان أهون، وأخف محملا. ولكان أيسر علىّ أن أتقبل هذه الوثبة إلى الشيخوخة وأسكن إليها لأنها هى التى تقترن فى الذهن بالحياة مع امتداد العمر، والمرء يتوقعها ويعرف أنه يدلف إليها، ولكن استمرار الحياة لا يقترن فى الذهن أبدا بهذه الرجعة، أو بهذا الهبوط إلى سفح الجبل بعد أن قارب المرء ذروته. وليس فى الحياة لا وقوف ولا رجوع إلى الوراء، فكيف يمكن ان أوطن نفسى على هذا المستحيل؟

وقد ألفتُ نفسى وانتهى الأمر، وعرفت أنها نفسى، ورضيت بها، وعنها، وإن خالف رأى الناس فيها رأيى، فكيف يعقل، وأنا لا أزال أحس هذه النفس، واعتز بها وأباهى، وأحرص عليها، وأضن بها أن أغالط أقول بل نفسى هى هذه الجديدة التى ما عرفتها ولا خالطتها ولا بلوتها من قبل، ولا حمدت منها شيئا على قصر عهدى من قبل، ولا حمدت منها شيئا على قصر عهدى بها؟ وإنى لادرك أن نفسى باقية معى، ولكن المصيبة أنها لا تتبدى، ويحجبها هذا الجسد الصغير الذى أسكنته. وأخوف ما أخاف أن يحصل على الأيام امتزاج بيِن النفسين، وما يدرينى أن ثمرة المزج لا تكون ائتلاف أسوأ ما فيهما جميعاَ؟ لا يا سيدىِ يفتح الله … هذا خلط غير مأمون العاقبة، ثم إنى لا أريد خلطاً، ولا مزجاَ ولا شعشعة. وما شكوت أو تذمرت حتى يفردنى بهذا من قضاه علىّ، وجعلنى به بدعاً فى الناس. فلا أنا أنا ولا أنا غيرى.

وأفزعنى خاطر استطردت إليه: ذلك أنى قلت لنفسى إن الذى حدث لى لا يعدو أن يكون شبيهاً بالرفو والرقع، وإذا جاز هذا وتسنى فيما يُلبس، فإنه لا يجوز ولا يسهل إذا كان الأمر أمر شخصية. وصحيح ان الشخصية الجديدة التى يحصل بها الرفو أو الرقع، جديدة، لأنها حديثة عهد بالوجود والحياة. ولكنها تبدو للشخصية القديمة التى يراد رفوها — لا أدرى لماذا فما كانت آخلقت وبليت — أقول إنها تبدو دونها، وأقل منها قيمة، وأهون شأناً، وأقل نفاسة، لأنها لم تنضجِ ولم تستوف الحظ المقدور لها من اكتمال الجوانب — وهذا كله يبدو لى خلطا لا يحسن به الحال أو يستقيم الأمر، أو يطيب العيش. ولما كان الذى سلخ جلدى، ثم لمِنى ودسنى فى هذا الجسد الصغير قد صنع معجزة، فلا بد أنه قادر أن يأتى أيضا ما يفْتضيِه ذلك، فمن المعقول إذن أن يقل عقلى على الأيام ويصغر، حتى ينقلب مناسباَ لهذا الجسد الصبيانى. ولعله استغنى عن معالجة التصغير بنفسه، ثقة منه بأن الجسد الصغير سيفعل فعله من تلقاء نفسه. وتذكرت وأنا أدير هذا فى نفسى أن بعضهم كان يقول عن خياط فيه شذوذ إنه كان لا يقيس طول الزبون وعرضه بل يطرحه على منضدة ويخط له حدوده بالطباشير كما يفعل الحذاء حين يرسم قدمك على الورق بالقلم الرصاص. قالوا: وكان يقول للزبون إذا أشتكى ضيق الثوب: «كش فيه». فيظهر أن القدر يكلفنى الآن ما كان هذا الخياط يكلف زبانه من التجمع فى الثوب الضيق، ويطالبنى بأن «أكش» فى جسد سونة حتى يصبح كلانا على قد صاحبه. وما أرى سونه سيتجشم عناء. فإن العناء كله من نصيبى.

وهالنى هذا، وشق علىّ أن يقل عقلى، وأخذنى النوم وأنا فى حيرة واضطراب وجزع من أن يصبح عقلى أصغر مما أمسى.

ورأيت فيما يرى النائم أنى ولد صغير فى كوخ لساحرة عند سفح جبل، ولم أكن أعرف من أنا، ولا من أين جاءت بى، وكان كل ما أعرفه أنها تسخرنى لخدمتها وترهقنى بها، فتناولنى دلواً عظيمة وتبعث بى إلى الجبل! فلا أزال أصعد فيه حتى أبلغ قمته، وهناك أملؤها وأعود بها إليها. ولا أزال فى هذا الكد المضنى طول النهار.

ثم تغير الحلم فصرت فيه كلبا لعجوز فقيرة، ولكنها طيبة القلب، فكنت إذا جعت نبحت، وقلت: «وو.. وو.. إنى جوعان. فانظرى فى هذه الخِزانة لعل فيها عظمة»، ولا أزال أوهوه، وأمد صوتى، وأعوى متضرعاَ حتى تجيئنى بطعامى. وإذا بالعجوز الطيبة الكريمة تنقلب مستبدة ظالمة، فتصنع لى ثيابا — سترة وسراويل — وتلبسنى طربوشا، وتضع فى يدى عصا، وتقول لى اخرج وأضحك الناس — والأطفال خاصة — بألاعيبك وحذقك فيها، واجمع فىِ هذا الطربوش ما يجودون به عليك من قروش أو ملاليم، فأخرج متذمراً متأففاً، مستهجنا هذه الملابس الآدمية التى لا تليق بكلب مثلى، ولا يسعنى إلا الطاعة، وإلا ضربتنى وأوجعتنى. وقد أثرت العجوز، فاتخذت غنما كثيرة تبيع ألبانها وأصوافها وصغارها، فنضت عنى ما كانت كستنى، ووكلت إلىّ حراسة الغنم فى رعيها وسقيها ومرابضها، حتى أخذنى البهر من الحر والمشى، وأضمرنى الكلال، وهى لا ترحمنى ولا تريح عصبى، ولا يعطفها على ما أسلفت فى خدمتها ولا تزداد إلا حرصاً وجشعاً — ولا ترى لأحد شيئا إلا أحبت أن يكون لها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠