أطفال

لكِ الله وحدَه يا مصر أم الأمجاد، ويا واهبة الحضارة للتاريخ، ويا مَشْرق العلوم والفنون والآداب! وما هذا الذي يُحيط بكِ اليوم حتى بعد أن زالت وانكشفَت عن سمائك سُحب القهر والدمار؟

إنَّ أبناءكِ حتى اليوم لا يزالون يعيشون في هذه الأيام المريرة من حياتك، تُسيطر عليهم بالسلب حينًا وبالإيجاب حينًا آخر.

وإلا فما هذا الذي تصنعه بعض الصحف؟ وما هذا الذي به يعبثون؟ أتُراهم قد جهلوا أن هذا الهذر الذي يهذرون لا يُصيب إلا مستقبل مصر وحريتها وغدها وآلامها؟

هل هانت مصرُ عليهم فجعلوا منها لُعبةً لأقلامهم؟

لكِ الله وحدَه يا مصر!

لقد غابت الحرية عن حياتنا فترةً سوداءَ حالكة السواد، ثم عادت. وكُنَّا نحسب أنها حين تعود سنكون أهلًا لها، وكُفئًا لأعبائها، رجالًا في حُريتنا، شِدادًا في الحق، مترفِّعين عن الصغار، متباعدين عن الهوى، متعفِّفين عن السقوط.

فإذا بعضٌ ممن أتاحت لهم الحرية صدور الصحف يُذكِّروننا بالطفل الأهبل الذي نال بعد طول الحرمان لُعبةً جديدة، فلا يزال بها يستخدمها في غير ما أُهِّلَت له، ويُجريها في غير طريقها، ويقذف بها ذات اليمين وذات اليسار، حتى تتحطم. وينسى الطفل في سذاجته وجهله أنه هو، هو نفسه، أوَّل الباكين عليها، ويُذهَل عن نفسه ذهولًا أرعن، مأفونًا، ناسيًا أن هذه التي حسِبَها لُعبةً قد تتمخَّض عن قنبلةٍ تنفجرُ فتصيبه هو أول ما تُصيب، ثم تُصيب معه أهله وبيته أجمعين.

ما لهؤلاء الكُتاب يلعبون ويلهَون ويعبثون، والوقتُ جِدٌّ كل الجد، والأمرُ خطيرٌ غاية الخطورة؟ والشدة التي تمُر بها مصر تحتاج إلى العزم كل العزم، والحزم كل الحزم، وهي في غنًى كل الغنى عن ثرثرة المخابيل وهُراء المهازيل.

إنهم يريدون — وبكل الجهد يريدون — أن يُزحزِحوا مصر عن حريتها، ويريدون — وبكل الجهد يريدون — أن تستعمل السلطة إجراءً استثنائيًّا. ويَسعَون أشد السعي أن يصدُر أمرٌ بمصادرة وآخرُ باعتقال، وهيهات! خاب سعيهم فهو إلى بوار، ولن يكون هذا.

إنهم اليوم أصحابُ أصواتٍ عالية، وسيوفٍ يُحسُّون أنها باترة. وأُناشِدهم اللهَ والحقَّ والوطنيةَ أين كانوا أيام المعتقلات تفغر أفواهَها، تَلتهِم أبناءَ مصرَ في غير مرحمةٍ ولا مُسالمةٍ ولا حتى تفكير.

وإنهم اليوم يُهدِّدون بالويل والثبور وعظائم الأمور. ويُحسُّون أنهم بهذا الذي يهرءون يهزُّون أعمدة الديمقراطية، التي لا تزال مصر تهفو إلى تثبيتها، وتعميق أسسها. ولو أنَّ رئيسَ الجمهورية شخصٌ آخر لما جَرُءوا أن يقولوا ما يقولون، ولا فكَّروا أن يكتبوا ما يكتبون، ولكنهم يعلمون أنَّ حسني مبارك ثابتٌ كالجبل الأشم يكبرُ على الصغار، ويعلو على الوهاد، وإذا مَرَّ باللغو مرَّ كريمًا، وإن خاطبه الجاهلون قال سلامًا.

يُطالبون فيما يُطالبون أن يترك رئيس الجمهورية رئاسة الحزب، ولعمري أي ديمقراطيةٍ تلك التي لا ينتسب فيها رئيس الجمهورية إلى حزب؟ فلينظروا إلى ديمقراطيات العالم الرئاسية أجمع، أليس كل رئيس دولةٍ فيها ينتمي إلى حزبٍ من أحزابها؟! فأي عجبٍ أن يكون رئيس جمهورية مصر رئيسًا لحزبٍ مصري؟

ويقولون — ولا أدري أيُصدِّقون ما يقولون أم هو اللغو — إن الحزب الديمقراطي لا يمثِّل الشعب، فكيف السبيل إلى معرفة رأي الشعب، إن لم يكن بالانتخاب؟ وإن الانتخاب بالقائمة بالذات هو أصدق معيارٍ على رأي الشعب في الحزب نفسه. في حين نجد أن الانتخاب الفردي يختار الشخص لشخصه في أغلب الأمر دون النظر إلى حزبه، والاختيار في هذا النوع من الانتخاب يتم للصِّلات الشخصية والمنافع الفردية. وأقرب مثالٍ على ذلك يوم اتُّهِم أحد أعضاء المجالس النيابية بالاختلاس، وأدانته المحكمة الابتدائية، وتقدَّم إلى الانتخابات، فكان النَّاخبون يهتفون: حرامي حرامي لكن بنحبه والله، والله. أهذه الديمقراطية التي يريدون؟

وإن قالوا إن الحزب الديمقراطي ليس له تاريخ أو جذور، فأبسط ما يُقال لهم: وكيف تريدون له جذورًا أو تاريخًا بعد أن انعَدمَت الديمقراطية؟! وقُتلَت الأحزاب في مصر لمدة ربع قرن؟ وكيف كان يمكن للديمقراطية أن تعود إلا بأحزابٍ جديدة؟

ورُبَّما وافقتُهم أن الحزب الجديد ينبغي أن تكون له مبادئُ واضحة المعالم محدَّدة السمات، جليَّة الملامح، ولكنَّنا ما زلنا في خطواتنا الأولى من الديمقراطية، ولا بد — مع الأيام — أن يصبح للحزب الوطني مبادئه ومعالمه وسماته.

ونسألهم: أين أنتم من المبادئ؟ وكيف تُطبِّقونها وأنتم الحزب الذي نشأَت دعائمه منذ أكثر من ستين عامًا؟

طلبَت الحكومة رأيَكُم في الدعم، وكيف يصل إلى مستحقِّيه، فتكتَّمتم عن إبداء الرأي، ولُذتُم بتُرَّهاتٍ وحُججٍ منهارة دون أن تفكِّروا في مصلحة مصر، ولا في موقفها الاقتصادي، وأصررتُم أن تدَّخروا رأيكم وتحتفظوا به، حتى تُعارضوا أي قرارٍ قد تتخذه الحكومة في هذا الشأن. وكان الأحرى بكم أن تؤيِّدوا الحكومة كل التأييد فيما تفكِّر فيه؛ لأن هذا المذهب الذي تذهب إليه الحكومة يتفق كل الاتفاق مع مذاهبكم وآرائكم، التي تدَّعون أنكم تعتنقونها. وحين تكلَّم أقوامٌ عن مجانية التعليم في المدارس والجامعات، كان رأيكم غمغمةً مبهَمة، وكلامًا معجمًا، يسوده الحرص كل الحرص على المُعارضة لوجه المعارضة، وليس المعارضة من أجل مصر.

وبدلًا من أن تُحاربوا الإصرار على بقاء الخمسين في المائة من العمال والفلاحين في المجالس التشريعية، ومجالس الإدارات، رحتُم تُوجِّهون أسهمكم إلى الأشخاص، وليس إلى الأفكار، وتحتسبون أنفسكم أبطالًا دون بطولة في الهجوم على رئيس الجمهورية، وأنتم تعلمون كل العلم أنَّه لن يُصادر لكم جريدة، ولن يحبس قلمًا، ولن يعتقل أحدًا؛ فهكذا هو، هكذا تعرفونه. وعلى الرَّغم من وثوقكم بهذا — أو لأنكم واثقون من هذا — رُحتُم تُهاجمون بسيوفٍ ورقية، وجعلتُم من أنفسكم أضحوكةً بين الناس.

ثم أنتم — ويا لَلعَجَب — تطالبون بإلغاء حزب الأغلبية. أليس لكم وازعٌ من عقل أو منطق؟! كيف تظنُّون أنه يمكن أن يصدُر أمرٌ بإلغاء حزب الأغلبية والإبقاء في الوقت نفسه على أحزاب الأقلية؟

ألا تُدرِكون أنكم بهذا الذي تُطالِبون به تفتحون بابًا واسعًا لإلغاء الديمقراطية جميعًا؟ أتُراكم إلى هذا تَسعَون؟!

احذَروا أنفسكم واذكُروا مصر؛ فإنكم بما تصنعون تعملون جاهدين على أن تُدمِّروا الديمقراطية تدميرًا كاملًا. ولو لم يكن رئيس الجمهورية كالجبال الرواسي لكان جوابه عليكم غير هذا الذي تشهدون.

بعدَ هذا الذي تصنعون بمصر، فإنكم لستم منطقيين مع أنفسكم، ولا مع مبادئكم، بينما أرى الشيوعيين والناصريين منطقيين مع أنفسهم ومع مبادئهم.

فهاتان الفئتان إذن تسيران في الطريق الطبيعي للمبادئ التي تدينان بها؛ فالشيوعيون يعلمون أنْ لا حياةَ لهم مع الديمقراطية، وإن نادَوا بها فما يُنادون بها إلا ليقتُلوها ويُجهِزوا عليها.

والناصريون يريدون أن يعود الطغيان والجبروت، والحُكم العاتي ذو الظلام الدامس والإرهاق والعنَت، ليعودوا هم إلى السلطان وامتصاص دم الشعب، وأكله حيًّا أو ميتًا.

الفئتان في طريقهما الذي اختارتاه.

أما أنتم فتسيرون في عمايةٍ من طريقكم، وعلى مبادئَ غير التي تدينون بها، وترفعون شعاراتٍ غير الشعارات التي ينبغي أن ترفعوها.

وقد عرفتُم الظلم وذقتُم عَلقمَه، وطحنكم الطغيان فيما طحن، فأفيئوا إلى الرشد منكم، وكونوا من الذين اتقَوا، والذين قال عنهم الله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (الأعراف: ٢٠١).

ولا تنسَوا قوله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال (٢٥): وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (صدق الله العظيم).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤