الفصل الرابع

الوضع التعليلي للمسألة واختلاف المذاهب فيه

(١) المذاهب الكونية أو الطبيعية

(١-١) الطبيعة العادية

يرى فريقٌ من العلماء أن العامل الأول في إِثارة الفكرة الدينية كان هو النظر في مشاهد الطبيعة، ولا سيما الأفلاك والعناصر.

ذلك أن التأمل في هذا المجال غير المتناهي يجعل الإِنسان يشعر بأنه محوطٌ من كل جانب بقوة ساحقة غلابة، قوة مستقلة عن إِرادة البشر، يخضع الجميع لتأثيرها، ولا قدرة لهم على تحويل سيرها أو تعديل نظامها، فيجتمع له من ذلك شعورٌ مؤلفٌ من دهشة وإِعجاب، يرى به الكون أشبه شيء بالمعجزة، «وفي الحق لَهُوَ أكبر المعجزات؛ فإِنه لا شيء أقل طبيعية من الطبيعة نفسها.»

أشهر مقرري هذه النظرية هو العالِم الألماني ماكس ميلر Max Muller في كتابه عن الأساطير المقارنة Comparative Mythology، وهو لا يبنيها على هذا الاعتبار النفسي وحده، بل يستند فيها إِلى وثائق لغوية، استمدها من دراسته المقارنة للأساطير والتماثيل القديمة، وعلى الأخص من دراسة الفيدا les Vedas «كتب الديانة البراهمية»، حيث وجد أن أسماء الآلهة فيها هي — في الغالب — أسماءٌ لتلك القوى الطبيعية العظيمة كالسماء والنار ونحوها، وأن هذه الأسماء بعينها تتشابه حروفُها في سائر اللغات المُسمَّاة «بالهندية الأوروبية»، فخلص من ذلك إِلى أنه، قبل تشعب الشعوب الإِنسانية وخروجها من موطنها الأول، كانت هناك لغةٌ واحدة، تُعبر عن هذا التقديس العام لقوى الطبيعة الكبرى، فتكون إِذًا هي الفكرة الأولى قبل ظهور الحضارات.

غير أنه لما كانت الديانة بمعناها الحقيقي لا توجد إِلا حيث يوجد اعتقاد بكائنات حية عاقلة، فعالة، يُتوجه إِليها بالعبادة؛ لزم السؤال عن سبب هذا التطور الفكري: من النظر في مشاهد الطبيعة، إِلى التفكير في تلك الكائنات الروحية.

يُجيب ماكس ميلر بأن هذه من أثر اللغات نفسها؛ لأنها في العادة تنسب لكل ظاهرة فعلًا يشبه أفعال الإِنسان، فنحن نقول: إِن النهر «يجري»، والشمس «تطلع»، والهواء «يئن أو يزمجر»، والنار «تشهق أو تزفر» إِلى غير ذلك. فهذه التعبيرات التي كانت في أصلها تعبيرات مجازية تشبيهية، طال بها الأمد حتى أُخذت على حقيقتها؛ فصارت هذه العناصر نفسها تأخذ في الأذهان صورة الكائنات الحية المفكرة، ومن هنا نشأتْ عادة تمثيل الأفلاك والعناصر في رموز مجسمة على صورة الحيوان أو الإِنسان، ولعب الخيال في ذلك دورًا هامًّا: فكان تارةً يرمز إِلى الأشياء المتعددة التي يجمعها اسم مشترك باعتبارها حقيقةً واحدة تتحول من نوع إِلى نوع، وهكذا …

هل نحن بحاجة إِلى تذكير القارئ بأن هذه المحاولة التي قد تنجح في تعليل الأساطير والمُثل، لا تصلح تفسيرًا للأديان؟

لقد اعترف ميلر بأن العقلية التي تتصور العناصر بصورة الحيوان المفكِّر عقليةٌ مريضةٌ، أَوْقَعَها الوهمُ والخيال في حبائله حتى وصل بها إِلى درجة الخَبَل والهذيان.

ونزيد نحن أنها في الوقت نفسه ليست عقلية دينية — كما يُعلم مما أسلفناه في تحديد معنى الدين — وأنه اعتقادٌ في «روح» مستقلة تسيطر على الطبيعة لا في «نفس» محصورة في الطبيعة، مسايرةً لها.

فالصوابُ في تفسير هذه النقلة الفكرية، من المادة إِلى الروح، أنه انتقالٌ من الكائن إِلى المُكوِّن، وهو انتقالٌ معنويٌّ طبيعي من غير حاجة إِلى توسُّط اللُّغات. فكما أن الناظر في جمال أثر فني لا يقدر أن يمنع نفسه من التفكير في ذوق الفنان؛ والناظر في دِقَّة الآلة المركبة ينتقل فكره توًّا إِلى مهارة المهندس، كذلك التأمُّل في عظمة البدائع الكونية ينساق بطبيعته إِلى التفكُّر في عظمة القوة العاقلة التي تُدبرها.

وإِذا كانت تلك النظرة الأسطورية «التي تستنطق الجماد وتعتقد أن في جوفه روحًا عاقلة» ليست عقلية ولا دينية، فهذه النظرة الاستنتاجية — على عكس ذلك — دينيةٌ منطقية معًا؛ ذلك أن العقل الإِنساني لا يكاد يتصور أن جماداتٍ لا روح فيها ولا شعور يمكن أن تتحرك بنفسها وتنتقل في أوضاع منظمة، بين أجرام أُخرى متحركة بحركات منظَّمة مباينة لها على أبعاد محددة، وبطريقة مؤدية إِلى غايات معقولة، من غير أن تكون مدفوعة مباشرةً أو من طريق غير مباشر، بشيء ذي إِرادة وشعور، يحركها وينقلها في تلك الأوضاع، على حساب ثابت دقيق.

قَدِّرْ في ذهنك بيتًا منسَّق البنيان، فاخر الأثاث والرياش، قائمًا على جبل مرتفع، تكتنفه غابةٌ كثيفة … وقَدِّرْ أن رجلًا جاء إِلى هذا البيت، فلم يجد فيه ولا حوله ديارًا ولا نافخ نار … فحدثتْه نفسه بأنه عسى أن تكون صخور الجبل قد تناثر بعضها، ثم تجمع ما تناثر منها ليأخذ شكل هذا القصر البديع، بما فيه من مخادع ومقاصير، وأبهاء ومرافق، وأن تكون أشجار الغابة قد تشققت بنفسها ألواحًا، وتركبت أبوابًا وسورًا، ومقاعد ومناضد، ثم أخذ كلٌّ منها مكانه فيه، وأن تكون خيوط النبات، وأصواف الحيوان وأوباره، قد تحولت بنفسها أنسجة مُوشاة، ثم تقطعت طنافس، ووثائر، وزرابي، فانبثت في حجراته واستقرت على أرائكه، وأن المصابيح جعلت تهوي إِليه بنفسها من كل مكان فنشبت في سقفه زرافات ووحدانا … ألست تحكم بأن هذه حلم نائم، أو حديث خرافة، قد أُصيب صاحبه باختلاط في عقله؟ فما ظنك بقصر … السماءُ سقفه، والأرض قراره، والجبال أعمدته، والنبات زينته، والشمس والقمر والنجوم مصابيحه؟ أيكون في حكم العقل أهون شأنًا من ذلك البيت الصغير؟ أَوَلا يكون أحق بلفت النظر إِلى بارئٍ مُصوِّر، حي قيوم، خلق فسوى، وقدر فهدى؟

وإِذا كان الإِعجاب بالأثر الفني البارع، يحمل الإِنسان بفطرته على التساؤل عن الفنان الذي أبدعه، ويحفزه إِلى التوجه بفكرته إِليه، سواءً أعرف شخصه أم لم يعرفه، ليُعبر له عن هذا الشعور والتقدير، أليس الإِعجاب ببدائع الملكوت أَحَقَّ بأنْ يتحول إِلى مُناجاة مُبدعه، والإِفضاء إِليه بعبارات التبجيل العميق والتقديس البليغ؟ وهل العبادة في جوهرها ولُبِّهَا إِلا ذلك؟

ألا وإِنك لو أخذت تحلل هذه المناجاة الخاضعة، لَوجدتها تنطوي بالضرورة على عنصرين جوهريين: فهي تفترض أولًا: أن الشيء الذي تتوجه إِليه أهلٌ لأن يستقبل حديث من يناجيه. وتفترض. ثانيًا: أنه أسمى مقامًا وأكمل صفة من الإِنسان؛ لأنه يستطيع ما لا يستطيع الإِنسان، فلا يمكن — والحالة هذه — أن يكون مادةً صماء عمياء، لا تحسك ولا تراك، ولا تسمع نجواك، وإِلا لكان المعبود محرومًا من مزايا الحياة والعقل والشعور التي يتمتع بها عابده، وهو قولٌ متناقضٌ يهدم نفسه.

هكذا تتولَّد العقيدة الإِلهية، والحركة العبادية، من تزاوُج مبدأين نفسيين: أحدهما غريزةٌ عقلية؛ وهي غريزة التطلع لفهم الطبيعة، والثاني حاسة وجدانية؛ وهي حاسة التذوق الفني لِما في الطبيعة من جمال وجلال.

وإِن مما يؤيد القول بأن فكرة التأليه وليدةُ هذه النظرة في الطبيعة، أن الارتباط بين هذا الإِحساس الكوني، وهذا الإِحساس الديني، تُثبته التجارب النفسية المتكررة في كل الأمم وفي كل العصور، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ.١

ولذلك لا يزال هذا التفسير من أصح التفاسير وأقواها، على الرغم مما وُجِّهَ إِليه من اعتراضات.

الاعتراضات على هذه النظرية

استبعد بعض الناقدين أن يكون النظر في صحيفة الكون سببًا في إِيقاظ هذا الشعور الديني العميق؛ فقال: إِن استمرارها على نسق واحد يجعلها أمرًا مألوفًا، لا يلفت النظر، ولا يحتاج إِلى تعليل، وعلى فرض أنها تبعث الدهشة والخشوع في نفوس المفكرين، فليس لها هذا الأثر في تلك العقول الساذجة٢ التي تزعم أنها قادرة على تغيير قوانين الطبيعة، وأنها تستطيع — بوسائل خاصة — أن تستثير الرياح، وتستنزل الأمطار … إِلخ، ويضيف هذا الناقد أن العقيدة الدينية نفسها تقرر هذا المعنى في عقول أهلها، حيث تُعلِّمهم أن «قوة الإِيمان تُزحزح الجبال»، وهكذا تكون العقيدة مستمدة من روح العظمة والقدرة في مواجهة الطبيعة، لا من روح الضعف والخضوع أمامها.٣ قال: ولو كان باعث العقيدة هو الضعف أمام الطبيعة، والتماس الطريق لاجتلاب خيرها، واتِّقاء شرها؛ لَكانت الديانات كلها ضربًا من الخرافة؛ لأنه ليس بالدعاء والصيام وتقديم القرابين ونحو ذلك يكون استدرارُ الأمطار، وإِجراء الأنهار، واتقاء الحر والبرد، والجوع والعري، والفقر والمرض، وقد أثبتت التجربة فشل هذه الوسائل في غالب الأمر.

ومن جهة أخرى: لو كان مبعث العقيدة هو المشاهد الكونية، وهدف العبادة هو استرحام الطبيعة؛ لَما استمر الإِنسان على التدين، بعدما ظهر له أنه محاولةٌ عابثة، وإِذ إن الديانات لم تنقطع يومًا ما، ولن تنقطع عن الجماعة الإِنسانية، فلا بد أن يكون لها منشأٌ وهدفٌ آخرَين، على أننا إِذا استطعنا تفسيرَ عبادة القوى الطبيعية العليا بشعور الانبهار أمام مظاهرها، فكيف نفسر عبادة الأحجار، والأشجار، والحشرات، وتافه الأشياء التي لا توحي مثل هذا الشعور؟ وأخيرًا كيف نفسر بذلك ما في الأديان من الفصل التام بين الأُمور المقدسة والأُمور العادية؟

هذه هي خلاصة النقد الذي وجهه دوركايم٤ إِلى نظرية التدرُّج من الشعور الكوني إِلى الشعور الديني.

الإِجابة عنها

إِنه لا ينكر أحدٌ أن الإِلف والعادة يُقلان من حدة الشعور، وأن استمرار المحسات على نسق واحد يُضعف باعثة التفكير في مصدرها، ذلك ما لا شك فيه، ولكن الظواهر الكونية — مهما تتشابه أدوارُها المتقابلة — لا تفتأ كل حركة منها تعرض على حواسنا صورًا متبدلة، وألوانًا طريفة: فتغيُّرُ وجوه القمر، واختلاف مواقع النجوم، ومطالع الشمس، ومناظر الفجر والشفق، واختلاف الليل والنهار، وتقلب الرياح والفصول والخصب والجدب؛ كل أولئك يحمل تنبيهًا جديدًا لمن ألقى سمعه وبصره. على أنه ليس المدعى أن كل أحد لا بد له أن يسأل نفسه عن منشأ هذه الظواهر ومغزاها؟ ولكن المدعى أن كل من ألقى هذا السؤال عن نفسه وتنبه إِلى هذه الآثار رأى فيها آيةً عجيبة، وأحس أمامها بروعة وخشوع.

والقول بأن «البدائيين» قاصرون عن هذا الإِدراك — لأنهم يزعمون لأنفسهم القدرة على تسخير عناصر الطبيعة لأهوائهم — قولٌ مناقضٌ للواقع إِذا أُخِذَ على عمومه في كل الأفراد والأحوال؛ فجمهور العامة أضعف من أن يظنوا ذلك بأنفسهم، والأفذاذ الذين يزاولون بعض وسائل السحر أو الكيمياء إِذا ظفروا بتسخير شيء من القوى الدنيا لم يمنع ذلك خضوعهم واستسلامهم للقوانين العليا التي لا تمتدُّ إِليها يدُ مخلوقٍ، فالله يأتي بالشمس من المشرق، فمن يأتي بها من المغرب؟ وكل نفس ذائقة الموت، فهل يستطيع بَشَرٌ أن يكتب لنفسه الخلود؟ وهل يتهيأ لأحد أن يفارق ظله، أو أن يسترجع ماضيَه؟ أو أن يصنع ولدَه كما يشاء خَلقًا وخُلقًا؟ بل أن يخلق حشرةً أو ذبابة؟

ولقد أسلفنا أن فكرة السحر مباينةٌ تمامًا لفكرة التدين في طبيعتها وفي موضوعها، فالشعورُ بالسلطان والقوة على تسخير الطبائع يمكن أن يكون شعورًا كيميائيًّا أو ساحرًا، ولا يُمكن أن يكون شعور عابد لها؛ لأن الإِنسان لا يعبد شيئًا مُسخرًا له حين يُسخره، ولا يُسخر شيئًا يزعم أنه يعبده حين يعبده.

والقول المأثور: «إِن قوة الإِيمان تزحزح الجبال» لا يمكن أن يكون معناه أن الإِيمان مبعثُه القوة؛ فإِن فرقًا شاسعًا بين أن يكون الإِيمان باعثًا للقوة، وبين أن تكون القوة هي التي تبعثه، والالتباس بين الأمرين قلبٌ واضحٌ للأوضاع؛ إِذ يصور الآثار بصورة أسبابها، ويضع النتائج موضع مقدماتها، وهكذا لا يلد التسرع والإِكثار إِلا أقوالًا ينقصها التحري والدقة في التعبير.

ثم ما هذه القوة التي يبعثها الإِيمان؟ أليست هي قوة الثقة والطمأنينة التي تجيء تعويضًا وعلاجًا لما نشعر به بادئ ذي بدء من الضعف والحيرة الأصيلين في طبيعة الإِنسان، واللذين هما مبعث الإِيمان؟ ثم من أين تُستمدُّ تلك القوة الجديدة المكتسبة من الإِيمان؟ أليس منبعها الاعتماد على القوة الروحية العليا التي يلجأ إِليها المؤمن؟ فهي إِذن ليست قوته الذاتية البشرية، وأخيرًا ليس لنا أن نخلط بين قوة الفهم والتأمل في الكون، وبين القدرة على تصريف الكون، فإِن أقوى النَّاس فهمًا، وأوسعهم علمًا بحقائق الكون هم أشدهم إِحساسًا بضعف الإِنسان وضآلته في جنب هذا الصرح العالمي، وبخضوعه وتبعيته للقوانين العليا التي لا بد له في تغييرها، وهذا الإِحساسُ هو مبدأ الإِيمان ومبعث التأليه والعبادة.

وهنا نسأل عن مغزى هذه السلسلة المتلاحقة من الحركات النفسية، التي تنتقل من النظر والتأمل، إِلى الاستعظام والإِكبار، إِلى التوجه والمناجاة؛ هل يجب أن يكون لها هدفٌ وراء ذلك؟ ألستَ إِذا وقفت أمام أثر فني بارع، فملأَ صدرك، واستبد بإِعجابك، تجد في نفسك باعثةً قويةً للتعبير لصاحب هذا الأثر عن شعور الإِكبار لصنعته، والاعتراف بعظمته، كأن هذا دَيْنٌ في عنقك تؤديه، لا تبغي منه جزاءً، ولا تقضي به وطرًا، غير الترجمة عن صدق شعورك وتقديرك لهذه الآية القيمة؟ فما ظنك بأعظم الآثار وأبهرها؟ ألا يستحثك على التوجه لصانعه بهذا التعظيم البليغ، تسبيحًا بحمده، وتقديسًا لجلاله، بغير غرض ولا عِوَض؟ فإِذا شعرت بأنك أنت نفسك جزءٌ من هذا الأثر العظيم، وأنك مدين بوجودك وفهمك وقوتك لهذا الصانع، الذي خلقك وصورك، وشق سمعك وبصرك، ومنحك العقل والبيان، ومكَّنك من الانتفاع بما في السماء والأرض، ألست تُقبل عليه بقلبك وجوارحك مُقيَّدًا بقيود إِحسانه إِليك، معترفًا بعبوديتك له؟ فهذه كلها غاياتٌ نبيلةٌ تؤديها الأديان، ولم تفشل فيها يومًا من الأيام.

ومن ذا الذي قال: إِن الخشوع أمام روعة الكون، والاتجاه بالتعظيم لصانعه، وهو تلك الانبعاثة الكريمة التي تُعطَى ولا تُطلَب، يمكن أن يُفسر بذلك الشعور الضارع، شعور الالتجاء لتحقيق مطلب من مطالب الحياة، أو استدفاع ضرر من أضرارها؟

لقد خلط الناقد هنا خلطًا واضحًا بين نظريتين منفصلتين: نظرية الإِعجاب التي نحن بصددها، ونظرية الرغبة والرهبة التي سنعرضها في الشعبة الثانية من المذاهب الطبيعية، فاعترض على إِحداهما بالنتائج المترتبة على الأخرى.

على أنه في الحالة التي يكون فيها الباعث على العبادة هو الشعور بتلك الحاجة، والتي يتحول فيها معنى العبادة من التسبيح والتقديس إِلى التماس الحماية — نقول إنه حتى في هذه الحالة — لا يجعل العابد من عبادته وسيلة يقينية للحصول على مأربه، كأنها عمليةٌ حسابية، أو قياسٌ منطقي، أو تجربة مفروغ منها لا بد أن تُؤتي ثمرتها؛ لأن التديُّن ينطوي دائمًا على اعتقاد أن القوة المتوجه إِليها لا تصدر في تصرفاتها إِلا عن مشيئتها المستقلة؛ ولذلك نلاحظ في توجهاته شُعورًا مزدوجًا، هو مزيجٌ من الاستسلام والرضى بما يقع، ومن الأمل والرجاء فيما يتوقع.

وإِذا كان اللاعب المغامر لا يُعدُّ نفسه فاشلًا لمجرد تكرر خسارته، ولا ييأس من مؤاتاة الحظ له بالربح في فرصة قريبة أو بعيدة، فالمؤمن أحق بتنحية عوامل اليأس من حسابه، وإِرخاء حبل الأمل لنفسه إِلى آماد بعيدة في حياته أو بعد مماته، بل المؤمن الصادق حين يلتجئ إِلى ربه، ويناجيه برغائبه ومخاوفه، يجد في هذه التوسلات والدعوات نفسها شفاءً وراحةً هو عليهما أشدُّ حرصًا منه على موضوع شكواه، وحَسْبُهُ أنه في هذه الانبعاثة يُعبر تعبيرًا واعيًّا صادقًا، بأقواله وأفعاله وأحواله، عن مبلغ إِدراكه للحقائق، ومدى شعوره بالتفاوُت بين ضعف المخلوق وقوة الخالق، وأنه بذلك الإِدراك وهذا التعبير يحقق المهمة العليا للإِنسان في هذه الحياة، فسواءً عليه بعد ذلك أن تصادف دعوته قبولًا أو ردًّا، فقد أصاب من قبل حاجته الكبرى بهذا الخضوع الذي هضم به كبرياء نفسه، ووضع به كل شيء في موضعه، وبهذه العبودية التي أتم بها تصفية روحه وإِنضاج فطرته، وتلك هي قرة عين المؤمنين، والهدف الأسمى للمتعبدين.

بقي الاعتراض بأنه لو كان منشأ الدين هو النظر إِلى جمال الطبيعة وجلالها، لَكان يجب أن يوجَّه التقديس أول كل شيء إِلى القوى الكونية العظمى: إِلى الشمس، والقمر، والبحر، والجبال، والرياح، وأشباه ذلك؛ لا إِلى محقرات الأمور من أنواع النبات والحيوان، والمفروض أن عبادة هذه أقدم من تلك فيما يزعم المعترض.

لقد أشرنا من قبل إِلى أن البحوث التاريخية والتنقيبات الأثرية في هذه المسألة قد أدت إِلى نتائج متعارضة، لا يمكن الركون إِلى واحدة منها بصفة نهائية، وأن المرحلة التي ظن هذا المعترض أنها أقدم ما يمكن الوصول إِليه قد جاوزها كثيرٌ من الباحثين، واكتشف وراءها ظاهرة أسبق من كلتيهما، تكون ذات صبغة دينية مختلفة عنهما. أصبح الاعتماد على التاريخ والآثار هنا اعتمادًا على جُرفٍ هار، عرضة للتغيير والتبديل دائمًا، كلما ظهر اكتشافٌ جديد، كما بينَّا أن حجج القائلين بأسبقية العقائد السليمة وأقدمية عبادة الخالق الأكبر، وإِن كانت لا تصل إِلى درجة اليقين العلمي الاستقرائي إِلا أِنها من الوِجهة النظرية أقوى من مقابلتها.

فإِن كنت لا تزال على ذكر مما سبق في تحديد معنى الدين، فسوف تأخذ على صيغة الاعتراض شيئًا آخر وهو إِسنادُها العبادة إِلى الطبيعيات نفسها إِسنادًا فيه كثيرٌ من التجوز؛ فقد قرر مؤرخو الأديان أن الماديات والحسيات، عُلوية كانت أو سفلية، لم تكن يومًا ما هي المقصودة بالعبادة الحقيقية، وإِنما كان تقديسها بطريق التبع والمجاورة: إِما لأنها تُعد مهبطًا ومزارًا لقوى خفية عُلوية، وإِما لأنها تُعتبر رمزًا لتلك القوى، أو تصويرًا مُجسمًا لصفاتها وأفعالها.

والعجب أن صاحب النقد نفسه قرر هذا المعنى في غير موضع من كتابه، فوقوف العابد أمام هذه المواد هو أشبه شيء بوقوف العشاق على ديار الأحبة أو على أطلالها ورسومها، لا شغفًا بالمكان، ولكن شوقًا إِلى السكان، وفي وسعنا أن نقول: إِن الالتفات إِلى أنواع من المخلوقات الصغيرة، باعتبارها مَظهرًا أو رمزًا لهذه القوة العُلوية، يتضمن الشعور بأثر تلك القوة في الجلائل بالأحرى، بل المعقول أن الاعتبار بالدقائق لا يظهر إِلا في طور عقلي متأخر عن طور الالتفات إِلى العظائم الكونية التي «يحس بها كل ذي عينين»، وهو على كل حال دليلٌ على عمق في التأمل، ودقة في الفهم لما في أجزاء الكون المختلفة من شأن عجيب وآيات باهرة «وفي كل شيء له آية».

أما التفرقة بين «المقدس» و«غير المقدس» فإِنها، في هذه النظرية، ترجع إِلى التفرقة بين «الإِلهي» و«الإِنساني»، أو بين العظيم الفائق العجيب، وبين العادي المبتذل المطروح؛ ذلك أنه ليس كل ما تقع عليه الحواس سواءً في استدعاء الانتباه، واستيقاف النظر، وإِيحاء العبرة، واختلاب الألباب، وليس كل الذي تراه أنت بارعًا باهرًا أراه أنا كذلك، فقد تمر بزهرة أو حشرة، فترى فيها ما يستوقف نظرك، ويأسر قلبك؛ بينما غيرك لا يأبه لها، ولا يستوحي منها أدنى عظة روحية.

وهكذا تنقسم الكائنات في نظر النَّاس — خاصتهم وعامتهم — إِلى ما هو عادي لا يؤبه له، وما هو جليلٌ يُذكِّر بالمعاني الإِلهية، ويوحي فكرة «التقديس»، أعني: أنه يبعث في النفس أبلغ معاني الخضوع وأعمق آيات التعظيم٥ لا لهذه الكائنات أنفسها، ولكن لبارئها ومصورها.

(١-٢) الطبيعة الشاذة العنيفة

يرى العالِم الإِنجليزي جيفونس Jevons أن النظر في مشاهد الطبيعة كان — على الجملة — هو منشأ العقيدة الإِلهية، ولكنه يقرر في كتابه «المدخل إِلى تاريخ الديانات» Introduction to the History of Religion أن الظواهر العادية لا تكفي في إِيقاظ هذه الفكرة؛ لأنها لِتَكَرُّر عرضها على الحواس تألفها النفس، فلا تحتاج إِلى التماس تفسيرها، أما الحوادث الأرضية المفاجئة، والعوارض السماوية النادرة، التي يضطرب بها النظام العادي، كالبرق، والرعد، والعواصف، والصواعق، والخسوف، الطوفان، والزلازل، فإِن تأثيرها على المشاعر كتأثير دق الجرس، في تنبيه الغافل وإِيقاظ الوسنان؛ ذلك أنْ قد ارتكز في الغرائز البشرية — والحيوانية أيضًا — استحالة أن يحدث شيءٌ من لا شيء «حتى إِن الطيور والدواب لتفزع عند سماع صوت مزعج، وتلتفت إِلى جهة الصوت شعورًا بأن له فاعلًا»، فكان من الطبيعي أن هذه الحوادث الفجائية الرهيبة تُزعج من يشهدها، وتحفزه إِلى السؤال عن مصدرها، وإِذ كان لا يرى لها سببًا ظاهرًا، اضطر عقليًّا أن ينسبها إِلى سبب خفي ذي قوة هائلة؛ إِذ لا مخرج للعقل من هذه القسمة الثنائية.

على أن جيفونس لا يرى مانعًا من أن يكون التأمل في الحوادث العادية والسنن الكونية المستمرة، باعثًا أيضًا لهذا الشعور؛ ولكنه يرى أن ذلك لا يكون إِلا بنظرة ثانية، عند هدوء البال، ونضج الفكر، وانزياح أسباب السهو والغفلة، وعلى هذا يكون شعور الرهبة والخشية أسبق أثرًا في التدين من شعور الإِعجاب.

لا حاجة بنا إِلى التذكير بأن أكثر الأسئلة التي أُثيرت بصدد التفسير الأول والأجوبة التي قُدِّمَتْ لحلها، يمكن أن تسري على هذا التفسير؛ لأنهما فصيلتان من نوع واحد.

غير أن هذا التفسير — وقد تفادى من الاعتراض الأول الذي وُجِّه إِلى تفسير «ميلر» — قد تعرض لنقدٍ وجيه، أشار إِليه ساباتييه؛٦ وهو أن شعور الرهبة والخوف من القوى العُلوية لا يكفي وحده لتفسير الفكرة الدينية، ولا بد له من شعور آخر يوازنُه ويُلطِّف من حدته؛ ذلك أن الخوف إِذا استأثر بالنفس سحق الإِرادة، وشَلَّ الحركة، ووَلَّدَ اليأس، ومن وقع فريسة للرعب إِن لم يتصور إِمكان الخلاص لم يفكر في البحث عن عون ينقذه من الخطر الذي وقع فيه، فلا بد لتحقيق الشعور الديني من مقاومة الخوف والرهبة بما يعادلهما من الأمل والرجاء، اللذين يبعثان على الدعاء والتضرع، وهذه هي حقيقة التدين.

(٢) المذاهب الروحية (المشهورة باسم الحيوية Animism)

رأينا في التفسيرات السابقة كيف تتولد العقيدة الإِلهية عن النظر في صحيفة الكون المادي؛ ولذلك اشتهرت تسمية هذه التفاسير بالمذهب الطبيعي، حتى نُسِبَ إِليها القول بأن العبادة الأولى كانت عبادة الطبيعة.

والآن نأخذ في بيان النظرية المقابلة لها، وهي النظرية التي اشتهرت تسميتها باسم المذهب الحيوي Animism، ونُسِبَ إِليها أن الأصل كان عبادة أرواح الموتى.

لا ريب عندنا في أن وضع المذاهب على هذا النحو من التقابُل بين المادة والروح، فيه شيءٌ كثير من اللبس بين منشأ الفكرة، وموضوع العبادة؛ فقد قلنا غير مرة: إِن العبادة تُوجَّه دائمًا إِلى مبدأ روحي غير مادي؛ وها قد رأينا آنفًا رئيس المذهب الطبيعي «ماكس ميلر» يصرح بأن النظرة في عجائب الأفلاك والعناصر، لا تلبث أن تنتقل من قواها الطبيعية إِلى قوًى روحية ذات شخصية إِرادية، وأنه لولا هذه النقلة ما كان لها أن تدخل في موضوع الأديان.

فالواقع أنه لا اختلاف في هذا القدر بين مختلف التفاسير؛ وإِنما الخلاف في نقطة الابتداء وطريقة الانتقال: فبينما يرى المذهب الطبيعي أن هذه القوة أو القوى الروحية المسيطرة على العالم، إِنما جاء الاعتقاد بها من طريق الحدس أو التأمل في عالم المادة — استرشادًا بعظمة الصنعة ومعقوليتها، على مهارة صانعها وعاقليته، كما يُستدلُّ على وجود قوة عاقلة في الإِنسان بمشاهدة آثارها المنظمة في الأقوال والأفعال، من غير أن يبصر أحدٌ تلك القوة أو يلمسها — يرى المذهب المقابل له أن الاعتقاد في تلك الروح أو الأرواح الفعالة يستند إِلى تجارب مباشرة في البيئة الإِنسانية، فالنتيجة على التفسيرين واحدة، ولكن التجانس بين المقدمات والنتائح في هذا التفسير أشد منه في المذهب الطبيعي، فهناك الانتقال من مادة إِلى روح، وهنا من روح إِلى روح.

هذه النظرية الروحية قررها تيلور Tylor في كتاب «المدنية البدائية» La Civilisation Primitive، وتابعه عليها — مع تعديل يسير — الفيلسوفُ الإِنجليزي هربرت سبنسر Herbert Spenser في كتاب «مبادئ علم الاجتماع» Principes de Sociologie.

ولا بد لنا — قبل كل شيء — من إِزالة اللبس الذي يَسْهُل الوقوع فيه هنا من جراء الاشتراك اللفظي لهذه الكلمة، نعم، لا بد لنا من تفسير كلمة «روح» التي يرى المذهب الحيوي أن التجارب في شأنها كافيةٌ لإِيقاظ الاعتقاد بروح عُلوية جديرة بالعبادة، كما يجمل بنا بعد ذلك أن نسلك في تقرير النظرية منهجًا مستقلًّا ينفذ إِلى لُبِّها وجوهرها، قبل الإِشارة إِلى عناصرها الإِضافية القابلة للمناقشة.

ليس المقصود بالروح هنا — حسبما يوحي به التعبير غير الموفق باسم المذهب الحيوي — مبدأَ الحياة الحيوانية، أعني: تلك القوة التي تقوم عليها وظائفُ النمو، والتنفس، والحس، والحركة. بل المقصودُ نوعٌ آخرُ أسمى من ذلك، هو مبدأ حياة التفكير، والإِرادة المنظمة، والعاطفة، والضمير. وبالجملة: مبدأ الحياة العاقلة الرفيعة.

كل أحد يستطيع أن يميز بين هذين النوعين، ويدرك أن هذه الروح، التي هي خاصة الإِنسانية، ذو كيان مستقل عن تلك الروح المشتركة بين الإِنسان والحيوان، فنحن نرى النائم والمغمى عليه والمصروع يتنفسون ويتغذون ويمشون؛ فهم أحياء بالحياة الحيوانية ليس غير، حتى تعود إِليهم تلك القوة الخاصة فيعود إِليهم شعورهم المنظم وتفكيرهم المستقيم.

هذه التجربة تجربةٌ صحيحة؛ والفكرة التي استُنبطت منها، وهي: التمييز بين القوتين، فكرةٌ سليمة، لا يزال العلم يقررها حتى يومنا هذا.

ولكن الفكر، إِذا أُرسل على سجيته لا يقف عند هذا الحد في الاستنتاج، بل إِنه يصعد من التفرقة العملية بين الوظيفتين، إِلى التفرقة الذاتية بين القوتين؛ فيجعل منهما مبدأين منفصلين، وجوهرين مستقلين … حتى إِذا ما تقرر عنده هذا الطابع الاستقلالي انتقل به خطوةً أُخرى؛ ذلك أنه متى اقتنع بأن الروح العاقلة، حين تغيب عن بدنها بالنوم لم تصبح عدمًا محضًا؛ أخذ يتساءل: لِمَ لا يكون الأمر كذلك في انفصالها بالموت؟ نعم، إِن تناوُب الحياة والموت على الشخص الواحد لم يتحقق في التجارب العادية كتبادل اليقظة والنوم عليه، ولكن الحكم بعودة الروح إِلى البدن بالفعل أو عدم عودتها إِليه، شيءٌ، والحكم بأنها بانفصالها قد أصبحت عدمًا صرفًا شيءٌ آخر لم يقم عليه دليل، بل تأباه الطباع السليمة، وتقاومه غريزة الحياة النفسية الموصولة من أحد طرفيها بماضٍ لا تطيق تناسيه، وتحرص على استبقاء ذكرياته، ومن الطرف الآخر بمستقبل تنتظر فيه عودة الغائب وإِن بعدت غيبته، ووجدان المفقود ولو طال فراقه، بل نقول: إِن هذا الحكم تأباه العادة العقلية التي تستمد أحكامها من تجارب الواقع وسُننه المستمرة.

فكما أنه ليس من المألوف أن شيئًا يصبح لا شيء، وكل ما يتصوره العقل في فقد الأشياء إِنما هو تغيُّر صورها، وتبدُّل في أوضاعها الزمانية والمكانية. فالتصورُ الطبيعيُّ لظاهرة الموت أنها انفصالٌ لعنصرَي المادة والروح، يرجع به كل منهما إِلى طبيعته وبيئته، فتعود المادة إِلى عالمها، وتأخذ الروح صورة أخرى من صور الوجود الغيبي، وهكذا ينشأ الاعتقاد بوجود أرواح مستقلة عن الأبدان.

وهنا تجيءُ الحلقةُ الرابعة والأخيرة في هذه السلسلة المتصلة، بل في هذه الدوائر المتداخلة، من التفكير الطبيعي؛ ذلك أن انتقال العنصر الروحي من عالم الشهادة إِلى عالم الغيب ليس من شأنه حتمًا أن يُضعف سلطانه، بل من المعقول أنه قد يزيده قوة؛ لأن الروح في عهد اتصالها بجسم معين تظل شبه أسيرة لهذا الهيكل، مشغولة بتدبيره، وليس لها سلطانٌ مباشر على غيره من الكائنات؛ ولذلك ليس من حقها في هذه الحال أن تسمى روحًا مسيطرة esprit، وإِنما هي نفسٌ مُسخَّرةٌ ame، فإِذا ما قُدر لها أن تنفصل عن ذلك الجسم بالنوم أو بالموت أو بسبب آخر، أصبحت جديرة باسم «الروح»، وأضحت أوسع مجالًا، وأملك لحرية العمل في الميدان الذي تختاره: إِنْ نفعًا وإِنْ ضَرًّا، من حيث لا يشعر بها أحد.

ولا تحسبنَّ هذه النقلة الأخيرة ضربًا من النزوات الخيالية، أو التجريدات العقلية، المعتمدة على محض التشهِّي أو الفروض الممكنة؛ فالواقع أن الفكر قد يلجأ إِليها إِلجاءً لتفسير ظواهرَ معينة لا يجد لها تفسيرًا آخر؛ ذلك أنه كثيرًا ما يحدث في ميدان النشاط الإِنساني حوادثُ عجيبة، تخرج خروجًا بينًا — عُلُوًّا أو انحطاطًا — عن المستوى المألوف للناس، أو المألوف للشخص نفسه في مجرى حياته العادية. بل لا يكاد يخلو عصر من العصور من وجود هذه الشواذ التي لا يُعرف لها سببٌ ظاهر، فتُنسب إِلى سبب من تلك الأسباب المعنوية السرية. فالعراف الماهر، والشاعر الملهم، والخطيب المفوَّه، والبطل الموقى، والصائد الذي لا يخطئ سهمه، والحاسب السريع الحساب، السديد الجواب، من غير استعانة بقرطاس ولا قلم، في أطول المسائل وأشدها تعقيدًا، و«الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعَ»؛ كل أولئك يُنسب نجاحهم وعبقريتهم إِلى أنهم قد أُمدُّوا بروح خَيِّرة ذات قوة خارقة، وبعكس ذلك يُقال فيمن يصاب بالصرع أو الجنون، وفيمن يولَعون بالرذائل المبكرة، أو الجرائم الشاذة المنكرة: إِنهم قد مَسَّتْهم روحٌ خبيثة شريرة.

أضف إِلى هذا كله ضُروبًا من التجارب الجزئية في الرؤيا الصادقة، والفراسة السديدة، والإِلهام الكاشف، والعلم بالحوادث البعيدة ساعة وقوعها، ورؤية الأشباح، وسماع الأصوات، إِلى غير ذلك من الظواهر التي لا يستقيم تفسيرها بسبب من الأسباب المادية.

وليس يعنينا أن تكون كل هذه الملاحظات والتجارب والاستنباطات سليمة مستقيمة؛ ولكنها — في جملتها — يُظاهر بعضها بعضًا على تكوين الاعتقاد في أمرين:
  • (١)

    أن في الوجود كائناتٍ عاقلةً لا يقع عليها الحس؛ سواء أكانتْ في الأصل أرواحًا إِنسانية انتقلت عن أبدانها، أم كانت منذ بدايتها أرواحًا مستقلةً كالجن والملائكة، أم كانت روحًا أعلى من ذلك وأسمى.

  • (٢)
    أن هذه الكائنات الغيبية، المزودة بتلك القوة الخارقة، قد تتصل بعالم النفس أو عالم الحس من الحياة الإِنسانية وتترك فيه أثرًا من آثارها العجيبة.٧

هكذا تنشأ عقيدة التأليه من أقرب المقدمات وأيسرها:

فذلك الكائن الغيبي، الذي كانت المذاهب الكونية تستنتجه استنتاجًا من مطالَعة الآثار العظمى في عالم المادة، أصبحتْ تشتق صفاته من جنس عمله نفسه، ومن نوع التجارب التي دلتْ عليه، فهو لا ريب روحٌ عظيم، ذلك الذي يصنع الأسرار والعجائب الروحية؛ وهو لا شك عقل خلَّاق، ذلك الذي يمد العقول بمزيد من النور أو يكف عن إِمدادها.

سيقول قائل: لكن أليس تنوُّعُ هذه الآثار العجيبة آيةً على اختلاف مصدرها، كما أن تعدُّد الأنهار دليلٌ على اختلاف منابعها؟ وإِذا لم يكن في الغيب كائن فعال واحد، بل كائنات كثيرة، فهل كلها استوجب التأليه والعبادة؟

الجواب: أن ذلك يختلف باختلاف دقة الأفهام وغلظها:

فأما الأنظارُ القصيرة، التي لا ترى أبعد من أنفها، فإِنها تحد آلهتها وتعدهم بحدود الحوادث الفردية أو النوعية وأعدادها، فروح هذا الولي أو القديس الذي استُجيب عنده الدعاء، وفاضتْ من حوله البركات، إِلهٌ، وقرين ذلك الكاهن أو العرَّاف الذي صدقت نبوءته أو فراسته، إِلهٌ، والروح الذي هبط على الشاعر المفحم فحَلَّ عقدةَ لسانه، إِلهٌ، والملك الذي أوحى إِلى صاحبه ما أوحى، إِلهٌ …

وهكذا يقف الغافلون شاخصةً أبصارهم في مواجهة كل أثر روحي عجيب ثم يَخِرُّون سُجَّدًا أمام مصدره المباشر، أو روحه الخاص الموكل به، كأنما هو المنبع الحقيقي للقوة، وقلما يتحررون من رِبْقَةِ هذه الأسباب القريبة المحدودة المجال، الخاضعة لعوامل الحدوث والفناء وتقلُّبات الظهور والاختفاء، للتفكر في الكائن الغيبي الأعظم، الأزلي الأبدي، الذي بيده مقاليدُ الأرواح والأشباح على السواء، فمثلهم كمثل الذي يرى تفرُّق منابع الأنهار في الأرض، ولا يذكر أن مردها جميعًا إِلى أصل واحد، هو الماء الذي أنزله اللهُ من السماء فسلكه ينابيع.

وأما العقول النافذة في بواطن الأمور، الممتدة إِلى منابتها، فإِنها لا تركن لحظةً واحدة إِلى هذه الظلال المتقلِّصة، والسُّحب المتقشعة، ولا تلهيها حركات هذه الجنود المنتشرة في السماوات والأرض عن التوجه إِلى قيادتها العليا، إِلى رب الأرباب، ومسبب الأسباب، الذي لا تخلو وثنيةٌ من الوثنيات عن الاعتراف به، وإِن كانوا لا يذكرونه إِلا قليلًا.

والآن نرسم لك بإِيجاز الطريق الذي سلكه «تيلور» وأتباعه في بيان تولُّد العقيدة الإِلهية عن التجربة الروحية:

فقد ذهبوا إِلى أن هذه العقيدة تَمَّت على مرحلتين: «الأولى» الاعتقاد في بقاء أرواح الموتى، «والثانية» الاعتقاد بوجود أرواح للأفلاك والعناصر.

واتفقوا على تفسير المرحلة الأولى بأن فكرة الروح فيها تعتمد في جوهرها على تجربة «الأحلام» وعلى التفسير البدائي لهذه التجربة، وخلاصته أن الحلم عند «البدائيين» انتقالٌ حقيقيٌّ لروح الشخص المرئي؛ أي: لجسم شفاف على صورته، هو أشبه بظلٍّ أو مثال له، ينبثق منه ويجيء إِلى الرائي في المنام فيراه رؤيةً حقيقية على شكل طيف، كما ترى صورة الشخص في المرآة، وإِذ كانت الرؤيا المنامية تتعلق بالأموات كما تتعلق بالأحياء، بمعنى أن أرواحهم — أي مثلهم — تجيء إِلى الرائي في المنام كما تجيء أرواح الأحياء، دل ذلك على بقاء أرواح الموتى، واستمرار اتصالها بالأحياء، وتمكُّنها من نفعهم وضرهم، فاقتضى الأمر التقرب إِليها لتجنب أذاها واستدرار عطفها.

أما المرحلة الثانية، وهي عبادة أرواح الكواكب والعناصر الطبيعية، فلهم في تفسيرها مذهبان: فأما «تيلور» مؤسس النظرية فيرى أن العقلية البدائية فيها من سذاجة الطفولة ما يقصر بها عن التمييز بين الجماد والحيوان، ويجعلها تعامل كُلًّا منهما معاملة الكائنات الحية، كما يداعب الطفل دميته ويناجيها كأن فيها روحًا.

وأما «سبنسر» فإِنه يرفض هذا التفسير بحجة أنه لا ينطبق على نفسية الطفل، ولا على نفسية الحيوان، فضلًا عن العقلية «البدائية»، ويرجِّح أن عبادة الطبيعيات ليست نتيجة التباس عقلي كما زعم تيلور، بل وليدة التباس لُغوي في أسماء الأسلاف المقدسين؛ ذلك أن هؤلاء الأسلاف كانوا يسمون أحيانًا بأسماء مواد طبيعية، فكان بعضهم — مثلًا — يسمى «نجمًا»، والآخر «نمرًا»، والثالث «حجرًا»، فانتقل التقديس من أصحاب تلك الأسماء إِلى الأشياء المسماة بتلك الأسماء نفسها، خلطًا بين الاسم المنقول لمجرد التمييز، والاسم الدال على أصل معناه.

وهذا التفسير — كما ترى — ليس خيرًا من سابقه، فكلاهما يجعل العبادة في هذه المرحلة مبنيةً على اعتقاد حيوية الأفلاك، وكلاهما يجعل هذا الاعتقاد قائمًا على وهم أو لَبْس، وكلاهما يجعل العبادة موجهة إِلى النفوس المتصلة بالكواكب، لا إِلى رُوح مفارقة مهيمنة عليها.

كما أن عبادة الأسلاف، في التفسير المتفَق عليه بينهما، مبنيةٌ في جوهرها على نوعٍ واحد من التجارب، وهو تجربة «الحلم»، وعلى تفسير خرافيٍّ لتلك التجربة. وهكذا تصبح المذاهب الروحية في تقريرهما معلقةً على خيط أَوْهَنَ من خيط العنكبوت.

ولقد وجه «دوركايم» كل قوته الجدلية لمهاجمة هذه النقطة الضعيفة في النظرية، مبينًا أن البدائيين ليسوا في حاجة إِلى تفسير ظاهرة الأحلام، وأنهم إِن احتاجوا إِلى تفسيرها فليس الطريق الذي وصفته النظرية متعينًا … إِلخ. ونحن نحتفظ من بين هذه الوجوه بوجه واحد نحرص على تقريره وتأييده، لا لصحته وصلته بجوهر الموضوع فحسب، ولكن لأنه في الوقت نفسه يحدد فكرة «عبادة الأسلاف» تحديدًا معقولًا، ويُبرز أسبابها الحقيقية؛ ذلك أن تجربة الحلم إِن سلم أنها تكفي للاعتقاد بالروح فإِنها لا تكفي بمجردها لتعليل الاعتقاد بألوهية مصدرها؛ فإِن من الرؤى ما هو هذيانٌ وأضغاث أحلام، ومنها ما هو مجرد ذكريات ماضية عادية، وليس شيء من ذلك يُثير عقيدة التأليه، وإِنما يُثيرها نوعٌ خاصٌّ، وهو الرؤى التي يتجلى فيها معنى الوحي والإِلهام بحوادث غير متوقَّعة، أو بحقائقَ لا تُدرك بنور العقل البشري العادي.

ومن جهة أخرى فإِنه لا يُعرف في أمة من الأمم أن احترامها للموتى أو الأسلاف وصل بها إِلى عبادة جميع الموتى أو جميع الأسلاف؛ وإِنما الذي كان موضعًا لهذا التقديس من بينهم مَنْ كان قد عُرِفَ في حياته بقوة خارقة ممتازة تركت أثرًا باقيًا في الطبيعة أو في المجتمع. فليس الموت إِذن شرطًا ولا سببًا في هذا التقديس، وإِنما معيار التقديس هو تلك القوة السرية الخارقة، أو تلك الجوهرة الإِلهية التي تتجلَّى آثارُها في الحوادث الإِنسانية العظيمة.

أما سائر الوجوه التي أتعب الناقدُ فيها نفسه، وظن أنه قد نقض بها التفسير الروحي من قواعده، فإِنها مناقشاتٌ شكلية لم تمس إِلا الصورة البدائية التي وصفتها النظرية وطبعتها بطابع الخرافة؛ وما زال جوهر التفسير الروحي سليمًا لا غبار عليه ولم تَنَلْ منه هذه المجادلات شيئًا.

والواقع أن عالم العجائب الروحية ليس بأقل من عالم العجائب الطبيعية إِيحاءً لفكرة الألوهية؛ بل هو أمس بها رحمًا، وقد أسلفنا أن فكرة الروح في ذاتها ليست قاصرة على الأمم الهمجية، بل هي أوسع ميدانًا، وأقدم تاريخًا، وأقوى بُنيانًا من تلك الصورة البدائية، وقد اعترف الناقد بأنه «كما لا تخلو أمةٌ من ديانة، كذلك لا تخلو من فكرة عن القوة الروحية.»٨

(٣) المذاهب النفسية

هذه فصيلةٌ أُخرى من النظريات، تتلخَّص فكرتها العامة في أنه لأجل الوصول إِلى العقيدة الإِلهية لم يكن بالنَّاس حاجة إِلى التأمُّل في الطبيعة وجمالها، ولا في التقلُّبات الكونية وأهوالها، ولا إِلى التجارب العجيبة في عالم الأرواح وأسرارها؛ بل إِن تجارب الإِنسان النفسية، في حياته العادية المألوفة له في كل يوم، كانت كافية لتوجيه نظره بقوة إِلى تلك الحقيقة العليا.

(٣-١) نظرية ساباتييه

حاول «أوجيست ساباتييه» Auguste Sabatier في الفصل الأول من بحثه عن فلسفة الدين Esquisse d’une philosophie de la Religion أنْ يؤسس العقيدة الإِلهية على بعض الملاحظات النفسية، فقال: «إِن هذه العقيدة تتولد في الإِنسان منذ نشأته على أثر شعوره بمناقضة جوهرية بين حساسيته وإِرادته، وهما القوتان اللتان تتألف منهما حياة النفس في أيسر مظاهرها.»

وفي الحق أن حياتنا النفسية قائمةٌ في جوهرها على حركتين متعاكستين: إِحداهما تتجه من الخارج إِلى الداخل (من المحيط إِلى المركز)، والأخرى من الداخل إِلى الخارج (من المركز إِلى المحيط)، فالحركة الأُولى تمثل تأثير الأشياء على النفس بواسطة الإِحساس (وتلك هي حال انفعال النفس وقابليتها)، والحركة الثانية تمثل مجاوبة النفس على الأشياء بتوسط الإِرادة (وهذه هي حالة تأثير النفس وفاعليتها).

بَيْدَ أن هاتين الحركتين لا تنطبقان تمام الانطباق، وليس بينهما كمال تناسق وتجاوب؛ ذلك أن الحساسية تسحق الإِرادة وتكبتها، فكلما اندفعتْ موجة الحركة الإِرادية من داخل النفس، وارتطمت على صخرة الأشياء الخارجية فانكسرت عليها، رجعت كئيبة مبتئسة، وهذه الصدمات المتوالية، وتلك المنازعات المستمرة، بين النفس وبين العالَم الخارجي، هما السبب الأول لكل أنواع الآلام، ولكنها في الوقت نفسه هي منبع النور ومصدر الشعور؛ ذلك أن ارتداد الموجة إِلى مركزها يولِّد في هذا المركز حرارة تشبه الحرارة الناشئة من حركة العجلة على محورها، ثم لا تلبث هذه الحرارة أن تبعث شرارة ضوئية تضيء جوانب الوجدان، وذلك هو الوعي وتنبه البصيرة، والذي تصبح به النفس مدرِكة مدرَكة، وحاكمة محكومة معًا، كأنها كائنٌ مزدوج، أحد شقيه هذه النفس المثالية والآخر تلك النفس المكبوتة الواقعية.

هكذا وُلِدَت الحياة النفسية بين وخزات الألم والإِخفاق، أليست كل ولادة تصحبها الآلام والدموع؟

قال: ولو أننا تابعنا هذه الملاحظة في سائر الحالات النفسية، لَرأيناها كلها كما تُولد من مناقضة تفنى في مناقضة أخرى؛ فرغبة العلم تنتهي بالاعتراف بالجهل؛ ورغبة الاستمتاع تنتهي بالتقزُّز، كأنها تحمل في نفسها جرثومة فنائها؛ والإِسراف في الحرص على السعادة يذهب براحة الطمأنينة والرضى، ويزيد الألم شدة.

فأين المفر؟

إِن من الخطأ أن يعتمد النَّاس على تقدم العلوم الطبيعية في إِنقاذهم من هذا البؤس والحرمان، فإِن العلم بدلًا من أن يُلطِّف من هذه المناقضة العتيدة، يزيد في حِدَّتِها، ويشحذ سلاحها الفتاك؛ ذلك أن كل اكتشاف علميٍّ يضم حلقة جديدة إِلى سلسلة الأسباب الضرورية، التي لا بد منها في نظام الأشياء واتساقها وثباتها، فيزيد بذلك قيدًا في حريتنا، وغُلًّا في أعناقنا، ولا نزال نتقدم في هذه السبيل، حتى نصل إِلى المناقَضة العامة بين العلم والعمل، بين التفكير والحركة، بين قوانين الطبيعة وقوانين الأخلاق، وهكذا نُقيم حربًا داخلية بين مَلَكات النفس، وننتهي إِلى شعور اليأس من قيمة الحياة.

ومن هذه الأزمة الداخلية ينشأ التدين، كأن هذه الأزمة تفتح في صخرة الطبيعة شقًّا يتفجر منه ماء الحياة، لا على معنى أن الدين يُقدم لنا حلًّا نظريًّا لهذه المشكلة؛ لأن الحل الذي يقدمه لنا التدين هو في الحقيقة عمليٌّ محض، فهو لا يفتح لنا بابًا جديدًا من المعرفة، بل يعود بنا عمليًّا إِلى المبدأ الذي اقتبسْنا منه وجودنا، ويمنحنا شعور الثقة والإِيمان بمبدأ الحياة وبنهايتها.

إِن منزلة هذه الثقة من عالم النفس كمنزلة غريزة البقاء من عالم الطبيعة المادية، ولكنها صورةٌ أسمى من تلك؛ فإِنها في عالم المادة تسير بقوة قاهرة عمياء، أما في عالم النفس فإِنها تستضيء بنور الشعور والإِرادة المفكرة، ومن جهة أُخرى فإِنها تستند إِلى حقائق واقعية، وتقوم على شعور ملازم لكل فطرة إِنسانية، وهو شعورُ التبعية المطلَقة لقانون الوجود العام.

أجل! مَنْ ذا الذي يستطيع أن يبعد عن نفسه هذا الشُّعور؟ أليس حظنا من القَدَر قد رُسِمَ دون استشارتنا، فقضى علينا أن يكون وجودنا في زمان ومكان معينين، وترك لنا ميراثًا من المَلَكات والطبائع لم يكن لنا فيه شيء من الاختيار؟ بل إِننا لا نجد في أنفسنا ولا في أية مجموعةٍ أُخرى من الكائنات الفردية السبب الكافي لوجودنا، ولا غايته النهائية المعقولة؛ ولذلك نجد أنفسنا مضطرين إِلى أن نبحث عن هذا السبب وهذه الغاية خارجًا عنا في الوجود العام، وما التديُّن إِلا الاعتراف بهذه التبعية في تسليمٍ وخضوع.

هذا الشعور بالتبعية هو الأساسُ التجريبيُّ للعقيدة الإِلهية، ومهما تكن فكرة الألوهية في عقولنا ناقصةً غير محددة، فإِن موضوعها لا يفلت قَطُّ من شعورنا؛ فهو حاضر لدينا، بل يفرض نفسه علينا في هذا الشعور حتى إِنه يسوغ لنا أن نضع هذه المعادلة الحسابية مطمئنين: إِن شعورنا بالتبعية المطلقة هو شعورنا بحضور السر الإِلهي فينا، هذا هو الينبوع العميق الذي تفيض منه الفكرة الإِلهية بقوةٍ لا تُقاوَم.

غير أنه يجب أن نعرف كيف يقبل العقل الإِنساني هذه التبعية لمبدأ الحياة العالمية؟ هذا العقل الثائر الذي يرى نفسه من طبيعةٍ غير طبيعة الأشياء الخارجية، ويرى أن أخص خصائصه هو أنه يفهم هذه الأشياء ويسيطر عليها ويُسخرها؟ فالإِنسان — كما يقول باسكال: «ليس إِلا قصبةً ضئيلةً، ولكنها قصبةٌ مفكرة، حتى إِنه لو سحقه لكان هو أنبل من الذي يسحقه؛ لأنه يعرف أنه مسحوق، بينما الكون لا يعي من أمر نفسه شيئًا.»

ومن هنا يتبين أن المبدأ العالمي الذي يخضع له الإِنسان ليس هو ذلك الكون المادي، بل الروح العالمية التي تُدبره؛ ذلك أن القوة العاقلة لا تخضع إِلا لسلطان قوة عاقلة تسيطر عليها وعلى العالم على السواء، وهكذا نجد الحياة العقلية، التي كانت قد افتُتحت بالنزاع بين الشعور الذاتي والتجربة الخارجية، تكمل وتُختم بحدٍّ ثالث جامع ينتظم الحدين معًا، وهو الشعور بخضوعهما جميعًا لهذا السلطان الأعلى.

هذه الصفحة الرائعة التي كتبها أوجست ساباتييه لا تزال تحتفظ بجمالها ودقة تصويرها للفكرة الإِلهية في الديانات العليا، ولكن هل تنطبق على سائر الديانات؟ أليست من دقة الفلسفة والمبالغة في التجريد بحيث يبعُد أن تكون فكرةً عالمية؟

لقد أحس الفيلسوف بهذا السؤال، فكتب يقول:

إِن الذين يعترضون بذلك إِنما يبرهنون على أنهم لم يروا جيدًا هذه المناقضات الأصيلة في حياتنا اليومية، من مبدئها إِلى نهايتها؛ فإِنه لأجل أن يتحقق الإِنسان من هذه المناقضات ويقاسيها ليس بحاجة إِلى أن ينتظر حتى يصبح فيلسوفًا.

إِنها لَتتجلى في كل العقول على اختلاف درجاتها من الثقافة والاستنارة؛ وإِنها في نفوس الهمج الذين ترعبهم تقلبات الجو في وسط الغابات؛ ليست بأقل منها في نفوسنا حين تضطرب أفكارنا أمام اللغز العالمي وأمام ظاهرة الموت. لقد تختلف العبارة ونوع الشعور؛ ولكن الهزة الدينية التي تُزلزل الإِنسان هي في جوهرها شيءٌ واحد، فكل أحد، حين يكف عن التفكير في عجزه وجهله وفنائه، وحين يجمع أمره — صابرًا مستسلمًا — على أن يقضي الحياة كما هي، يشعر رغمًا عنه بزفرة يفيض بها صدره، وتكاد تنطق بها شفتاه؛ وما هي في الحقيقة إِلا فاتحة دعاء ومناجاة.٩

(٣-٢) نظرية برجسون ونقدها

هذه النظرية تلتقي مع سابقتها في القول بأن العقيدة الإِلهية تقوم على عوامل نفسية تُثيرها حياة الإِنسان اليومية، ولكن بينما النظرية السابقة تواجه من هذه الحياة جانبها المتصل بقوانين الطبيعة الثابتة، التي تصطدم بها الإِرادة فلا يسعها إِلا الخضوع والاستسلام للقوة التي فرضت هذه القوانين، وأحكمت وثاقها؛ يعتمد «هنري برجسون» H. Bergson في كتابه عن «ينابيع الخلق والدين Les deux sources de la Mornle et de la Religion» على جانبين آخرين من تلك الحياة العادية: «أحدهما» يرتبط بالقوانين الأدبية التي يفرضها المجتمع وما فيه من العرف والعوائد، «والآخر» يتعلق بالحوادث المستقبلة، التي تُفتح لها أبواب الإِمكان، وتتسع للاحتمالات وللمصادفات، فلا يمكن التنبؤ بها بصفة قاطعة.

أما كيف تنشأ العقيدة الإِلهية عن الشعور بالواجبات الاجتماعية، فبيانه أنه لَمَّا كان نظام المجتمع وتماسُكُه يتطلب من الفرد انخلاعه عن بعض رغباته، وتضحيته بجانب من حريته، وتحمله أعباءً تقتضيها مصلحة غيره ولا يعود عليه منها نفعٌ مباشر، وكان أليس من الهين أن يتقبل المرء عن طيب خاطر كل هذه التضحية وكل هذا الحرمان؛ إِذ كانت الغريزة الاجتماعية عنده أضعف من أن تحمله على نسيان في خدمة المجموع، وأن تجعل مثله كمثل النملة أو النحلة حين تذهل عن نفسها في خدمة النمل والنحل، وكان استعمال ذكائه العادي في حساب مصلحته يدعوه بالعكس إِلى الأثرة، وإِلى التضحية بمصلحة الآخرين في سبيل إِصلاح الفرد والجماعة، تلك القوة قد أعدتها الفطرة الإِنسانية في النفوس حين أشربتها الفكرة الدينية؛ وذلك أنها صورت أمامها المحظورات الاجتماعية بصورة مخيفة تجعل من المخاطرة انتهاكها، وما زالت تبالغ في هذا التصوير حتى خيلت للنفس أن هذه المحظورات يقوم على حمايتها حارسٌ معنويٌّ، آمرٌ، ناهٍ، محاسب ينذر من ينتهكها بالبطش والعقاب، وذلك هو معنى الإِله.

وهنا يضيف «برجسون» أن صورة هذا الحارس وإِن لم تكن وليدة التفكير المنطقي، بل من عمل الواهمة أو المخيلة التي تُشخص المعنويات، وتُجسم المجردات، ولكنها ليست من قبيل تخيل الفنانين، ولَهْو المثالين والمصورين وأصحاب الأساطير؛ فإِن آثار هؤلاء لا تعدو أن تكون نوعًا من الترف الذي يمكن الاستغناء عنه، بخلاف الصورة الإِلهية التي تخلقها الحاجة الاجتماعية، فإِنها وإِن تكن وهمًا إِلا أنه وهمٌ تفرضه الحياة، ومن أجله أوجدت هذه المَلَكة الرمزية في طبيعة الإِنسان.١٠

فإِذا ما انتقلنا إِلى ميدان الأعمال اليومية وجدنا فيه كذلك فراغًا نفسيًّا عميقًا، لا يملؤه إِلا العقيدة الإِلهية، فالصائدُ حين يسدد سهمه إِلى فريسته، والتاجر في سعيه إِلى الربح، والمريض في تناوله الدواء وتطلُّعه إِلى الشفاء، والزارع في طلبه للثمرة، والمتزوج الذي ينتظر الولد، وراكب السفينة الذي يطلب النجاة، ولاعب المَيْسِر الذي يرقب حظه بين اليأس والأمل، وكل ذي حاجة ينتظرها وهو لا يدري ما قُدِّرَ له من النجاح أو الإِخفاق … كل أولئك لو استلهموا عقولهم، وقاسوا أعمالهم بمقدار نتائجها المحققة أو الغالبة؛ لَقعدوا عن السعي، ولَوقف بذلك دولاب الحياة.

غير أن دفعة الحياة حركة تأبى الوقوف والجمود، فكان لا بد لها من ثقل تضعه في الكفة الأخرى من الميزان النفسي، لترجح به جانب العمل، رغم كل تفكير وحساب، وما ذلك إِلا الأمل تبعثه، والاعتماد على الحظ المحتمل تقدره، ولا تزال بهذا الحثِّ والتشجيع، حتى تصور أمام النفس إِرادة خفية يركن القلب إِليها ويعتمد عليها، تلك هي إِرادة «الإِله المستعان»، كما كان ذلك السلطان سلطان «الإِله الديان».

الذي نلاحظه على هذه النظرية هو أنها جعلت فكرة الألوهية في مظهريها عند العامة فكرة رمزية لا تعدو أن تكون ضربًا من ذلك الأسلوب القصصي الذي يخوف به الأطفال أو يُداعَبون به، وهذا وصفٌ لا يُستساغ في القسم الأول منها، إِلا لو صح أن كل ما يجري في المجتمع من سُنن وعوائدَ، سواءً ما كان منها ذا طابع ديني أو اقتصادي أو غيرهما، كان في جملته مبعثًا لعقيدة إِلهية في عقول العامة، فهنالك فقط يسوغ أن يقال: إِن فكرة الإِله عندهم لا تدل على حقيقتها، وإنها محض رمز لِمَا في نفوسهم من سلطان رهيب للمجتمع، ولا شك أن الذي يعيش أسيرًا لعوائد قومه ولو تحكمية، ولتصرفاتهم ولو همجية، ولقوانينهم ولو جائرة، لو بلغ به استسلامه إِلى حد الظن بأن تلك الوضعيات البشرية أوضاعٌ إِلهية، يقوم على حمايتها جنودٌ من السماء حين تغيب عنها جنود الدولة؛ لكان أقل ما يقال فيه إِنه سخيفٌ واهم، وإنه يسمي الأشياء بغير أسمائها، أما إِذا أخذنا قانون الأخلاق في جوهره الصحيح، واعتبرْنا ما له من سلطان مركوزٌ في طباع النَّاس على اختلافهم موحيًّا للعقيدة الإِلهية، ودليلًا على صنعة الفاطر الأول، الذي ألهم النفوس هداها، ورسم لها طريقَ فجورها وتقواها، فتلك فكرةٌ سليمة ومنطقٌ مستقيم، وسنرى الفيلسوف الألماني «عمانويل كانت» يجعل قانون الأخلاق هو المقدمةَ الأُولى في الاستدلال على وجود الله.

وكذلك نقول: إِن الاستدلال على وُجُود القَدَر الإِلهي بالحوادث المستقبلة التي لا بد للبشر في تصريفها، والتي تقع تارةً على وجه وتارة على وجه آخر؛ دون أن تخضع في سيرها لقانون طبيعيٍّ ثابت، نقول: إِن هذا الاستدلال سديدٌ قويم، لا يعتمد على شيء من الوهم أو التمثيل؛ لأنه ينطوي على مقدمتين: «الأولى» أن هذه الحوادث تستند إِلى سببٍ خفي، وهذا حكم انفصالي يقيني؛ إِذ إن ما لم يوجد له سببٌ في عالم الشهادة يجب أن يكون له سببٌ في عالم الغيب، ولا ثالث. «الثانية» أن هذه القوة الغيبية قوةٌ عاقلة إِرادية، مقدرة للحوادث قبل وقوعها، وهذه قضيةٌ لا يؤيدها العقلُ السليم فحسب، بل تشهد بها التجاربُ المتكررة في كل أُمَّة، فإِن هذه الحوادث التي لا يمكن التنبؤُ بها من طريق النور العقلي وحده قد يكشفها الروحانيون الملهمون وينبئون بما ستكون عليه في وقتها المحدود، ثم يقع مصداق نبوءتهم، بَيِّنًا، لا يُخالطه شكٌّ ولا وَهْمٌ، فذلك — لا شك — آيةٌ على أنها ليست وليدة المصادفة والاتفاق، ولا نتيجة آلية لدفعة الحياة العمياء كما يظن برجسون.١١ وإِنما هي خاضعةٌ لخطة مرسومة من قبل، رسمتها يدٌ مُدبرةٌ قاصدة لما تفعل، مُقدِّرة لكل ما يجري في مملكتها.

(٣-٣) نظرية ديكارت

لا مناص من الاعتراف بأننا سنجاوز حدود موضوعنا قليلًا حين نضم إِلى هذه السلسلة من التفاسير النفسية طريقةً من طرق الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» Descarts في إِثبات وجود الله، مع أنه لم يقدمها تفسيرًا لهذه العقيدة في نشأتها ولا في نظر الجمهور، بل في نظره هو، غير أنه لما صرح بأن أساسها نفسي فطري، لم نر بأسًا من نظمها في هذا السلك.
وجد هذا الفيلسوف في تأملاته Meditations أن عقيدة وجود الله تعتمد على تجربة نفسية، أقرب من هذه التجارب كلها، وأقل تعقيدًا، حتى إِن الذي يغمض عينيه، ويسد أذنيه، ويقطع علاقته بالكون وبالنَّاس، ثم ينطوي على نفسه، ويتحسس أفكاره وتصوراته؛ يجد مفتاح هذه العقيدة حاضرًا فيها بين طيات نفسه، كلما شعر بالفرق بين الشك واليقين، أو بين الجهل والعلم، وبالجملة: كلما قرأ في لوحة نقصه عنوان «الكمال» الذي ليس له.

ليست فكرة «الكمال» هذه في نظر «ديكارت» فكرةً مستنبطة من فكرة أخرى، وإِنما هي حقيقةٌ أولية فطرية، بل هي أسبقُ في العقل من فكرة النقص، فإِن مَنْ لا يعرف الشيء لا يتفقده، ولا يحس بحرمانه حين يفقده؛ إِذ كيف أعرف أنني ناقص لو لم تكن عندي فكرةُ كائنٍ أكملَ مني أجعله مقياسًا أعرف به مواضع نقصي؟ فالرغبة في الكمال وحدها دليلٌ على أسبقية وجود هدفها في التصور العقلي، ثم ليست هذه الفكرة معنًى سلبيًّا — كالسكون: عدم الحركة، وكالظلام: عدم النور — بل هي جماعُ الحقائق الإِيجابية، ونظام ضروب الكمالات كلها.

من أين تجيء هذه الفكرة إِذًا؟

لا جائز أن يكون من هاوية العدم مطلعها، فإِن العدم لا يخلق الوجود، كما أن الصفر لا يلد عددًا إِيجابيًّا.

ولا جائز أن يكون من قرارة النفس منبعها، فهذه النفس هي مصدرُ النقص الذي أُحاول التخلُّصَ منه.

ولا يقال: إِن الكمال الذي لم أُحرزه بالفعل هو حاصلٌ عندي بالقوة، وأنا دائبٌ في سبيل اكتسابه، بالترقي في مراتبه تدريجيًّا، وهذه النزعة إِليه هي التي أنشأتْ فكرته في نفسي، فذلك فرضٌ باطلٌ من وجهين:
  • أولهما: أن هذه الفكرة لا تصوِر في نفسي درجات الكمال التي سأنالها أو التي يمكنني نيلها فحسب، بل إِن كل درجة من الكمال أتصورها في نفسي أو في غيري، أتصور دائمًا فوقها درجة أعلى منها.
  • وثانيهما: أن فكرة الكمال الأعلى التي أجدها في نفسي تحتوي كل درجات الكمال الوجودي الفعلي، الذي لا شيء منه بالقوة الإِمكانية القاصرة؛ وإِلا لم يكن هو المثل الأعلى، ولَمَا أمكن وجود شيء من الكمالات الجزئية بالفعل؛ لأن ما هو بالقوة والإِمكان فحسب لا يمكن أن يُحدِث ما هو بالفعل في حقيقته الإِيجابية الظاهرة الباهرة؛ فإِن فاقد الشيء لا يعطيه غيرَه.

وأخيرًا، ليست هذه الفكرة اختراعًا وفرضًا افترضه خيالي، بل هي ضرورةٌ تفرض نفسها على عقلي وعلى كل العقول.

فلم يبقَ إِلا أن تكون صورةً منعكسةً على مرآة النفس من حقيقة إِيجابية، وذات خارجية، هي مادة الكمال المطلق ومصدره، وهي المثل الأعلى، وما وضعُ هذه الصورة على لوحة نفسي إِلا كوضع «سمة الصانع» على صنعته، أو «توقيع الكاتب» في رأس رسالته.

هذا التفسير لم يكن «ديكارت» أسبق النَّاس إِليه، ولكنه أجاد تفصيله، وأحسن تثميره، في التأمل الثالث من تأملاته Meditation troisieme.

وقد أكثر النَّاس من الاعتراض عليه، حتى في عصر ديكارت نفسه.

وظن الفيلسوف الألماني «كانت» أنه استطاع هدم هذه الحجة، بقوله: إِنه وإِن تكن خصائص الماهيات العقلية يمكن استنباطها كلها من طبيعة تلك الماهيات — كما تستنبط خصائص الأشكال الهندسية من مفهوماتها — إِلا أن صفة «الوجود» على الخصوص لا يمكن أخذها من تلك المفاهيم العقلية، فحقيقة المثلث وإِن ثبتت لها الخواصُّ الهندسية المعروفة، بالضرورة العقلية، إِلا أنه لا يلزم من ذلك وجودُ مثلث في الخارج، وكل ما في الأمر أنه إِن وُجِدَ مثلثٌ كان على هذه الأوضاع، وكانت له هذه الخواصُّ، وهكذا سائر المفاهيم العقلية، ليس وجودها في الذهن دليلًا كافيًا على وجودِها في الخارج، بل إِنَّ منها ما هو مخترعٌ اختراعًا بحتًا، كما نتصور قصرًا من ماء، وإِنسانًا من هواء.

ولكن فات هؤلاء الناقدين ما هناك من بَوْن شاسع١٢ بين تلك الماهيات الممكنة التي يعترضون بها، والتي لا يلزم من فرض عدمها محال، بين الماهية العقلية الواجبة، التي بلغ من رسوخها في كيان العقل أن إِبطالها يعدُّ إِبطالًا لكل معقول ومعلوم؛ إِذ لا بد في العقل من التسليم بوجودها في الخارج لتستمد منه كل الممكنات وجودها في الأعيان والأذهان.

(٤) المذهب الأخلاقي ونقده

ذهب الفيلسوف الألماني «عمانويل كانت» Emmanuel Kant في نقده للعقل العملي Critique de la Raison Pratique إِلى أن وجود الذات الإِلهية ليس موضوع علم ومعرفة، بحيث يثبت بالبرهان أو بالتجربة؛ بل هو موضوع إِيمان عقلي، بمعنى أنه مقدمة مُسلَّمة، لا مناص للعقل من أن يعتمدها لتصحيح الفكرة الأخلاقية الراسخة في النفوس، وبيان ذلك حسبما قرره «كانت»١٣ ينتظم في مقدمات ثلاث:
  • (١)

    أن كل إِنسان — حتى الطفل المميز — يجد في نفسه استحسانًا لبعض الأفعال، واستهجانًا لبعضها، ويدرك بنفسه أن بعضها يجب أن يُفعل، وبعضها يجب أن يُجتنب. هذا القانون الأدبيُّ يُضاهي القانون الطبيعي، في أن كلًّا منها ضرورةٌ لا مفر منها، ولكنه ليس كالقانون الطبيعي في التعبير عن شيء واقع بالفعل تُحققه المشاهدة والتجربة، بل عن شيء لم يقع بعد وإِنما يُطلب تحقيقه طلبًا مؤكدًا، وهو في الخارج يمكن أن يقع وألا يقع. بل قد يقال: إِنه ليس في الوجود مثالٌ واحد يشهد لوقوعه على الوجه المطلوب؛ فكل بني آدم خطاءون، وما الطهر والعصمة إِلا لله وحده، حتى إِن الذين يؤدون أعمالهم طبقًا لقانون الواجب «حرفيًّا» لا سبيل إِلى اليقين بأنهم يؤدونها «روحيًّا» كما يجب؛ أي: بقصد أداء الواجب خالصًا من شائبة الهوى والغرض، ودون تَلَقِّي معاونة عليها من الميول والنزعات الفطرية الشريفة.

    فالواجبُ هو أداء الواجب، للواجب، وبالواجب، أي: تحت سلطان «فكرة» الواجب، لا «حب» الواجب، وكل خدش في عنصر من هذه العناصر يجعل العمل هباءً، فمن ذا الذي يستطيع أن يجرِّد نفسه هذا التجريد؟ ومع ذلك فهذا هو حكم قانون الأخلاق الذي يفرض نفسه علينا فرضًا غير مكترث بمعارضة قانون الطبيعة المتسلط على حواسِّنا وجوارحنا وإِرادتنا بصفة قاهرة، ومنه نعلم أن الإِنسان ينتسب إِلى عالمين: عالم العقل، وعالم الطبيعة والحس، كلاهما يُطالبنا بحاجته، وما القانون الأدبي إِلا ترجمان العقل الخالص، ينطق بلسانه متجاهلًا ما للطبيعة من سلطان.

  • (٢)

    غير أننا لما كان العقل يُطالبنا بإِلحاح أن نحقق هذا الخير المطلق، كان من الضروري أن تكون هناك وسيلةٌ لتحقيقه؛ لأن وجوب الشيء بالعقل دليل إِمكانه، وإِلا لَمَا كان العقل عقلًا، وإِذن لا سبيل إِلى تحقيق هذا الخير الكامل في لحظة من لحظات حياتنا، فلم يبقَ إِلا إِمكان تحقيقه على التدريج إِلى ما لا نهاية … وهكذا يجب أن تُفرض لنا حياة لا تتناهى، يتم فيها ذلك التقدُّم اللانهائي، الذي هو الهدف الحقيقيُّ لإِراداتنا العاقلة، فكان خُلودُ الروح مطلبًا لا بد من تسليمه ليصح في العقل وجودُ ذلك القانون الأخلاقي، ودعوى أن الإِنسان يمكنه في هذه الدنيا أن يصل إِلى القدسية والفضيلة الكاملة دعوى باطلة؛ كدعوى أن الواجب الأخلاقي يكتفي منا بأدنى مراتب الكمال.

  • (٣)

    فإِذا حققنا «الخير المطلق» بتحصيل الفضيلة الكاملة، فقد بقي المطلب الأخير من مطالب العقل، وهو تحقيق «الخير الأعلى»، وليس الخير الأعلى معنًى مفردًا، بل هو جماع عُنصرين: أحدهما الفضيلة، والآخر السعادة، التي هي حصول المرء على ما يرضيه في الحياة، بحيث يجري كل شيء في الوجود على وفق ما يهواه، ألا وإِننا نرى هذين العنصرين يسيران أمامنا في طريقين منفصلين قَلَّمَا يلتقيان، فقلما تعيش الفضيلة العامة الكادحة، الصامتة القانعة، إِلا في زوايا الخمول والنسيان، والتقتير والحرمان، بينما الرذيلة الصاخبة المتبجحة، الملقة الطامحة، لها القوة، والثروة ورغد العيش، والجاه، والنفوذ والسلطان.

    لكن مقتضى الوضع العقلي السليم أن تكون الفضيلة والسعادة صُنوين، والرذيلة والشقاء توأمين، وأن تُوزع درجات البؤس والنعيم على حسب الأعمال وبواعثها ومقاصدها، فلا بد إِذن من مبدأ أعلى يحقق هذا التوازن، مبدأ تخضع الطبيعة لإِرادته، ويسير هو في تصرفاته على وفق قانون عادل، وما ذلك إِلا خالق الطبيعة والإِنسان جميعًا، وهو الله تعالى.

فكان وجود الله هو المطلب الأخير، الذي لا بد من تسليمه لتصحيح معقولية القانون الأخلاقي.

الناظر في هذا النسق الفكري قد يروقه ما فيه من نسيج بديع مبتكر، ولكن الذي يُفلي سداه ولُحمته سوف يجد في طياته خيوطًا واهنة، وعناصرَ غريبة، سترتْها مهارة الصنعة وحسن السبك؛ بل سيجد أن هذه المقدمات الثلاث التي يتألف منها الاستدلال ليست بالمقدمات البديهية، ولا بالمبرهنة، ولا بالتي يتوقف عليها صحة المطلوب.

أما المقدمة الأولى فلأن القانون الأخلاقي وإِن كان في جُملته مركوزًا في أصل النفوس، ولكنه على الصورة التي يصوره بها «كانت» لا يفرض نفسه على كل العقول، بل تمجه كثيرٌ من الطباع السليمة، ليس لأنه عنيف، قاسٍ، فحسب، أو لأنه يمحو الفروق بين الواجبات الأساسية والواجبات التكميلية، بل لأنه فوق ذلك كله يقلب الأوضاع والموازين المألوفة؛ إِذ يقتضي أن الذي يمتثل الأمر عن أريحية ورضًى لا يكون قد أدى واجبه، وإِنما يكون ممتثلًا إِذا فعله وهو كارهٌ له، متبرم به، وهكذا تبعُد النفوس الخيرة عن المثل الأعلى للفضيلة، بقدر ما تقترب منه النفوس الشريرة حين تحمل نفسها على فعل الواجب حملًا.

وأما المقدمة الثانية فلأن الواجب المطلوب — وهو تحقيق الخير المطلق لذاته غير مشوب بطلب منفعة، ولا مُعاضدًا بنزعة شريفة أو غيرها — إِن لم يكن ممكنًا لم يكن واجبًا، كما يعترف به «كانت»، وإِن كان يمكن تحقيقه في مرحلة ما من مراحل الحياة المستقبلة لم يبقَ لفرضية أبدية الروح مُستنَدًا؛ إِذ يكون القول ببقائها لحظة واحدة بعد أداء الواجب قولًا بما هو أكثر من المطلوب، وإِن كان ليس هناك لحظة واحدة في الحاضر ولا في المستقبل يمكن فيها إِخلاصُ الامتثال، يكون القول بالخلود قولًا بما هو دون المطلوب؛ لأنه متى فُرِضَ أن انضمام أدنى باعثة للخير إِلى باعثة الامتثال المجرد يهدم الفضيلة من أساسها؛ أصبحت المسألة ليست مسألة تدرُّج يترقَّى فيها الناقص نحو الكمال، بل هي مسألة أعداد سلبية متتالية؛ وضم السلب إِلى السلب لا يُنتج إِيجابًا، ولو سار إِلى غير نهاية، على أن التكمل على الوجه الذي يفهمه «كانت» يُفضي بنا إِلى صورة عجيبة جدًّا؛ إِذ لا بد أن يُفترض أن النزعات الشريفة في تلك الحياة الباقية تأخذ في الاضمحلال شيئًا فشيئًا، لتحل محلها نزعات مقاومة للخير؛ تحتاج إِلى مُجاهَدة عنيفة تزداد عنفًا على مر الزمان؛ ليكون أداء الواجب معها لمحض الواجب رغم كل مقاومة. فما أبدع هذا الفردوس الذي لا يتبوأ عرشه إِلا الشياطين!

وأما المقدمة الثالثة فلأنها أدخلت باسم قانون الأخلاق عنصرًا غريبًا عن قانون الأخلاق، وهو مطلب السعادة بمعناها العامي — ألا وهو تحقيق الأماني وإِرضاء الرغبات الحيوية — والواقع أن الفضيلة والسعادة بهذا المعنى حقيقتان متباينتان: إِحداهما إِلزامٌ عقليٌّ يجيء من علٍ، والأخرى نزعة مادية تلتمس وتتضرع لقضاء حاجتها. وطلب النفس الجمع بين هذين الطرفين، تشوفًا إِلى قانون أعلى ينتظم القانونين الأدبي والطبيعي وينسق اتجاههما؛ إِنما هو تشوُّفٌ إِلى حِلية شكلية، ووضع هندسي تكميلي، وليس تشوفًا إِلى ضرورة عقلية، ولا إِلى مطلب أخلاقي. أما أن هذا الاتساق ليس ضرورة عقلية؛ فلأنه لا يلزم من فرض عدمه محال، ولا أدل على إِمكان الانفصام بين القانونين من وقوع هذا الانفصام واستمراره بالفعل، وأما أنه ليس مطلبًا أخلاقيًّا؛ فلأننا نعرف أن الفضلاء يغتبطون — وهم في أحضان البؤس والشقاء، يقاسون ألوان الحرمان وأنواع التضحيات — بمجرد شعورهم بإِرضاء ضميرهم وأداء واجبهم، ويجدون في هذا مُتعةً حقيقية لا تدانيها متعة في الحياة.

على أنه إِذا كان لا بد للفضيلة من مقابل مادي، فلماذا نفرض هذا المقابل في حياة مستقبلة؟ لماذا لا نُقدر أننا قد استوفينا هذا المقابل مُقدَّمًا في أنواع النعم السابقة التي لا تُحصى؟ وبذلك يكون واجب الفضيلة سدادًا لدين قديم في أعناقنا لشكر تلك النعم، لا افتتاحًا لمعاملة جديدة تنتظر الجزاء.

كل هذه الفجوات كان يمكن تجنُّبها لو أن الفيلسوف الألماني اختصر الطريق، بالانتقال مباشرةً من القانون الأخلاقي المجمل إِلى واضع هذا القانون وغارسه في النفوس؛ كما فعل «ديكارت» في فكرة «الكمال»، ولكن طريقة التعقيد والتحايُل والدوران قد أطالتْ عليه الشُّقة، ولم تصل به في النهاية إِلا إِلى فرض غير محقق — في نظره — ولا قائم على أساس متماسك.

(٥) المذهب الاجتماعي ومناقشته

يخالف العلامة «دوركايم» Durkheim جميع المذاهب المتقدمة في دعواها أن التدين حالةٌ نفسية تنبعُ من فطرة الفرد كلما فكر في الآفاق أو في نفسه، ويرى هو أن التدين وليدَ أسباب اجتماعية،١٤ بل يذهب إِلى أبعد من ذلك، فيزعم أن عناصر التفكير، وأسس المعرفة العقلية نفسها، ما هي إِلا صورٌ ولدتها حياة الجماعة، وطبعتها على غرار النظم الاجتماعية.١٥ ونحن لا يعنينا هنا نقد فكرته في نظرية المعرفة، بل نريد أن نعرض رأيه في أصل التدين ثم نعقب عليه.
لقد مهد لمذهبه بتقديم جملة مقدمات، أهمها أن خير وسيلة لتفسير ظاهرة معقدة كالظاهرة الدينية أن تُدرس في بداية نشأتها، قبل أن تخالطها عناصرُ غريبةٌ عنها، وأن ذلك يكون بيئات الأمم «البدائية»،١٦ وهي في نظره تلك الأمم التي لا تتميز فيها الأُسر الخاصة بخاصية مستقلة، بل تقوم على نظام القبائل Tridus  والفصائل Phatries  والعشائر Clans.

ومعروف أن العشائر — وهي النواة الصغرى في تلك المجتمعات — قوامها وحدة اللقب المشترك بين أفرادها، وهو لقبٌ يُشتقُّ في الغالب من اسم حيوان، أو نبات، وفي النادر من اسم عنصر جمادي، أو كوكب من الكواكب، وتعتقد العشيرة أنها لها بمسمى هذا الاسم صلةٌ قديمة، حيوية أو روحية — إِما على أنها تسلسلتْ عنه، أو أنه كان حليفًا أو حارسًا لجدها الأعلى، أو نحو ذلك — ولذلك تعظِّمه وترسم صورته على مساكنها، وأدواتها، وأسلحتها، وراياتها، بل يتخذ الأفرادُ منه وشمًا يطبعونه على أجسامهم، كأنه بطاقةٌ شخصيةٌ لتحقيق انتساب كل منهم إِلى عشيرته.

هذا النظام يسمى نظام التوتيم Totem١٧ أو اللقب الأُسَرِي، وهو نظامٌ معروف في الشعوب القديمة: «المصرية، والإثيوبية، والعربية، واليونانية، والرومانية، والغالية» وتوجد آثارٌ منه في الأساطير الشعبية في أُوروبا الآن،١٨ ولا يزال منتشرًا في القبائل غير المتحضرة في أمريكا، وأستراليا، وهذه الأخيرة — فيما يعتقد «دوركايم» — هي أخصب مكان لدراسة هذه الظاهرة؛ لأن سكانها أقل تطوُّرًا وأقرب إِلى الطبيعة الأولى من غيرهم؛ ولذلك استمد منها الوقائع التي بنى عليها نظريته.

وخلاصة هذه الوقائع أن تلك الأمم في تعظيمها لألقابها تُعظم في الوقت نفسه مسمى تلك الألقاب، ولما كان الاسم مشتركًا بين الحيوان، وبين الجد الأعلى وبين أفراد العشيرة، وكانت الصلة بين هذه المعاني الثلاثة في نظرها صلة تجانس تام تُرجعها إِلى جوهر واحد، شمل التعظيم ثلاثتها، لكن الحظ الأكبر من التعظيم يدخرونه لهذا الاسم المشترك، أو لتلك الصورة الجامعة وهي الوسم أو الوشم: حتى إِنهم نسبوا إِلى هذه الصورة خصائصَ عجيبة، فزعموا أن الذي يحملها يُنصر في الحرب على أعدائه، ويُوفق في تسديد السهم إِلى رميته، وأَنَّ وَضْعها على القروح يُسرع في التئامها، إِلى غير ذلك.

إِلا أن هذا التعظيم في العادة لا يصل إِلى درجة العبادة، ولا يوحي فكرة التدين والتقديس والتأليه؛ ولذلك يقضون جُلَّ أوقاتهم في حياة فاترة كلٌّ يسعى لقُوتِه، منعزلًا في الجبل للاحتطاب، أو على شاطئ البِركة للصيد، وليس لهم مظهر من مظاهر التدين في هذه الأحوال العادية سوى التورع عن بعض المحظورات، وإِنما يأخذ التديُّن حقيقته ومظهره التام عندهم في مواسم خاصة، تقام فيها الحفلات المرحة الصاخبة، التي يُطلقون فيها العنان لحركاتهم العنيفة، وصيحاتِهِم المنكرة، على إِيقاع الطبول، ولحن المزامير، وقد ركزوا السارية التي تحمل عَلَمَ العشيرة في سُرة الحفل؛ فينتهي بهم هذا الحماس الصاخب إِلى الذهول والهذيان، بل يفضي بهم إِلى انتهاك سياج المحرمات الجنسية التي يحترمونها أشد الاحترام في العادة. وربما نسبوا هذا التطور العجيب إِلى حضور سر الأجداد فيهم عن طريق هذا الرمز، وعبادتهم للروح التي يرمز إِليها، ظَنًّا منهم أنها هي التي أحدثتْ فيهم هذا التحوُّل الروحي الغريب.

ها هنا — وها هنا فقط — تتدخل النظرية لتكشف الغشاوة عن أعينهم، وتنبههم إِلى ما حدث من تحول شعورهم عن منبعه وهدفه الحقيقيين، وأنهم إِذا كانوا يتوجهون بعبادتهم إِلى مصدر هذا الأثر الجديد، فليعلموا أنه ليس هو النصُب، ولا ما يرمز إِليه النصُب، وإِنما هو هذا الاجتماع الثائر نفسه؛ فإِن من طبيعة هذه الاجتماعات أن تنسلخ النفوس فيها عن مشخصاتها الفردية، وتنمحي كلها في شخصية واحدة هي شخصية الجماعة، وهكذا يكون الاجتماع هو مبدأ التدين وغايته، وتكون الجماعة إِنما تعبد نفسها من حيث لا تشعر.

•••

هذه النظرية تُبدي صفحتها لضروب من النقد لا تُحصى، وقبل كل شيء فإِنها — ككل النظريات عن العقليات «البدائية» — تقوم على أساس مشكوك فيه، ولا بد في قبوله من تحفُّظ بليغ، واحتراس شديد، ألا وهو تلك المعلومات التي يُدَوِّنُها الرحالة والسائحون عن عقائد الهمج وعوائدهم، والتي يبدو عليها الضعف من وجوه، منها: أنه ليس كل السائحين على جانب من علوم النفس والمنطق والدين والأخلاق يكفيهم لاستبطان غور الأمور، ووضع الأسئلة الدقيقة المحددة في هذا الشأن، وليسوا في غالب الأمر مزودين بمنهاج معين ديني أو أخلاقي، بل هذا الجانب هو أقلُّ ما يسترعي اهتمام أكثر السائحين. ومنها: أن هذه المعلومات لا تُستقى من آثار مكتوبة — إِذ الفرض أن هؤلاء الأقوام محرومون من العلوم والفنون المُدَوَّنة — وإِنما تؤخذ من أفواهِ قومٍ لم يصلوا بعد إِلى تحليل أفكارهم وتحديد شعورهم في هذه المسائل، فمن الراجح أنهم يسرعون إِلى الإِجابة بكلمة: «نعم» أو «لا» من غير مراجعة لعقولهم وإِحساساتهم العميقة، ومهما تُفترض الدقة وحسن النية في السائل والمجيب، فقد بقيت عقبة هذه اللغات «البدائية» التي لم تنضج أداتها، ولم تُستكمل وسائل التعبير عن تلك المعاني الدقيقة الغامضة التي يصعب أداؤها حتى في أرقى اللغات وأوسعها. أضف إِلى هذا أنه ليس كل فرد هناك يمثل الفكرة العامة للعشيرة أو القبيلة؛ إِذ قد تختلف التفاسير بين شخص وآخر، بل الشخص الواحد قد يجمع متناقضات من التصورات، وليس أدل على وهن المعلومات المدونة بهذه الوسيلة من أن الكُتاب أنفسهم قد يتناقضون١٩ في وصفهم لتلك القبائل.

ولنجاوز الآن هذه الملاحظات العامة لننظر في أُسس النظرية نفسها:

يقول صاحب النظرية: إِنه ينبغي أن ندرس الظاهرة الدينية في أقدم عصورها، وأقربها إِلى عهد نشأتها. ويقرر أن نظام القبائل والعشائر أقدم وجودًا من نظام الأُسر، وأن قبائل أستراليا الوسطى تمثل أقدم الأطوار المعروفة للقبائل، فهي أَحَقُّ بأنْ يقع عليها الاختيار للبحث والدرس.

أما المقدمة الأولى فإِنها وإِن كانت مبدأً سليمًا في الجملة، لمن يعنيه تكملة بحث المسألة من وجهتها التاريخية البحتة، إِلا أن اتخاذ نتيجة البحث قاعدة عامة تُعرف منها حقيقة الدين من حيث هو، يُعد عملًا مُجافيًا لقانون المنطق السليم، أَفَيَحِقُّ لنا أن نحدد حقيقة الإِنسانية من النظر في أول أطوار الجنين، أو وهو بعد في الأدوار التي تمر بها سائر الكائنات الحية، قبل أن تتميز أجهزتُهُ الخاصة، وتتعين وظائفُ أعضائه، وقبل أن يحيا حياة مستقلة، وقبل أن تستيقظ فيه مَلَكات الفهم والبيان وغيرها؟ إِن تحديد الدين بذلك المعنى الغامض الذي يتلجلج في صدر الإِنسان في طور طفولته — وهو بعد لا يستبين حقيقة شعوره، ولا أهداف أعماله — فسادٌ في المنهج لا يقل عن تعريف الإِنسان بالجنين.

ولقد أصاب هوفدنج إِذ يقول: «إِنه ليس من المستطاع دائمًا أن نستقي معلومات كافية عن الطبيعة الحقيقية لكائن ما، من مجرد النظر في أصل تكوينه؛ فإِن التغييرات والنظم التي تَحدث له في أثناء نموه، قد تُبرز فيه صفات وخصائصَ ما كنا نرى منها أدنى أثر في بدايته، إِن الطبيعة الحقيقية لكائن ما، إِنما تتكون من قانون تطوُّره منذ نشأته الأولى إِلى صورته النهائية.»٢٠
وأما المقدمة الثانية — وهي أن نظام القبيلة يمثل طورًا تاريخيًّا أقدم من نظام الأُسرة — فهي دعوى لا تزال يعوزها الدليل، بل تقوم بعض الأدلة الأثرية والتاريخية على عكسها؛ فالآثار الباقية من عهد القبائل الآرية والسامية يتبين منها أنها كانت قائمة على النظام الأُسري، الذي تتضامن فيه أفرادُ الأُسرة في الحقوق والواجبات، والذي يتمتع فيه الأبُ بأوسع السلطات على أعضاء أُسرته، وإِذا قرأنا الأوصاف التي ذكرها «أرسطو» Aristote  و«هوميروس» Homere للشعوب المعاصرة لليونان — والتي كانت أقرب منهم إِلى الفطرة والسذاجة — نرى أن المعيار الذي كانوا يميزون به هذه الشعوب عن الشعوب المتحضرة هو أنهم ليس لهم مجالس شورى، وأن كل واحد منهم يتولى الحكم على زوجه وأولاده.٢١

وكذلك نقول في المقدمة الثالثة، وهي أن قبائل أستراليا الوسطى تمثل أقدم نظام معروف للقبائل؛ فهي أيضًا مسألةٌ فيها نظر، وهذا «روبرت شميت» من كبار الباحثين، الذين قاموا بدراسات شخصية دقيقة في أستراليا، يقرر أن القبائل المذكورة هي أحدث القبائل الأسترالية وأكثرها تقدمًا، وأن أقدم قبائل أستراليا هم سكان جنوبها الشرقي، وهؤلاء لا يعرفون نظام الألقاب الحيوانية السالفة الذكر، وفي الوقت نفسه توجد عندهم عقيدة «الإِله الأعلى» بصفة واضحة، على أن اللوحة التي رسمها «دوركايم» نفسه لحياة قبائل الوسط تكفي وحدها للدلالة على أننا أمام أمة قد بعدت عن سذاجة الفِطْرَة، وقطعت أشواطًا واسعة في نظامها المدني والاقتصادي، يبدو ذلك جليًّا فيما عندها من قواعد الزواج، والنسب، والمِلكية، وتنظيم مواسم الصيد وغيرها.

بل إِن نظام التسمية وحده كان يحتاج في إِنشائه وتثبيته إِلى عصور متطاولة للتعاقب عليه بين الأمة جيلًا فجيلًا، حتى وصل إِلى هذا الوضع الهندسي الدقيق، الذي يُلاحظ فيه دائمًا أن تقسيم كل قبيلة إِلى فصيلتين اثنتين لا زائد عليهما، وأن يكون لقب القبيلة مشتقًّا من جنس عام، وألقاب الفصيلتين من نوعين متقابلين تقابل التضاد تحت هذا الجنس، ثم تتفرع من كل فصيلة عشائرها المتعددة بألقابها المختلفة كأغصان الشجرة؛ بحيث لا تشترك عشيرتان قط في لقب واحد؛ ولذلك عَدَّ علماءُ هذا الفن نظام اﻟ totem نظامًا مدنيًّا، قضائيًّا، اقتصاديًّا، أكثر منه نظامًا دينيًّا،٢٢ بل إِن البحاثتين «لانج» Lang  و«فريزر» Frazer لم يريا فيه عنصرًا دينيًّا البتة، وقررا أن فكرة الدين والألوهية تكونت في هذه القبائل بعيدًا عن نظام اللقب الأُسري المعروف.٢٣

ونحن نذهب إِلى هذا المذهب الأخير، ولا نرى في هذه الألقاب والرموز عندهم إِلا شعارًا قوميًّا يُعرفهم أنسابهم، ويُنمي فيهم شعور الوطنية، وباعثة التعاون، واحترام قانون توزيع المِلكية وسائر قوانين الجماعة، فهم لا يعبدون تلك الرسوم ولا مدلولاتها، بل لهم معبودٌ روحيٌّ يعتمدون عليه في جلائل أعمالهم ودقائقها، حتى إِنهم لَيستلهمونه أو يدعونه ليرشدهم إِلى انتقاء أمثل الأسماء لأبنائهم، كما أنهم في تحريمهم لبعض المحرمات إِنما يستندون إِلى رواياتٍ دينية متوارثة عن أسلافهم، ينسبونها إِلى أمر الله.

والعجيب أن رئيس المدرسة الاجتماعية الفرنسية يعترف بأن عددًا من قبائل أستراليا قد وصلوا إِلى فكرة «الإِله الأعلى» أو «الإِله الأحد»، وأنه كائنٌ أزليٌّ أبدي تسير الشمس والقمر والنجوم بأمره، وأنه هو الذي يثير البرق، ويرسل الصواعق، وإِليه يُتوجه في الاستسقاء وفي طلب الصحو، وهو الذي خلق الحيوان والنبات، وصنع الإِنسان من الطين ونفخ فيه الروح، وهو الذي عَلَّمَ الإِنسانَ البيانَ، وألهمه الصناعات، وشرع له العبادات، وهو الذي يقضي في النَّاس بعد الموت فيميز بين المحسن والمسيء.٢٤
ثم يقرر أيضًا أن هذه العقائد كلها ليست مقتبسة من أوروبا كما ظن تيلور، بل إِنها قديمة في هذه القبائل قبل أن يصل إِليها المبشرون الأوروبيون، وأنهم يعبرون عن هذه العقائد بعبادات حقيقية، تُرفع فيها الأيدي إِلى السماء بالدعاء.٢٥

يعترف دوركايم بكل هذا، ولكنه عند استنباط نظريته في الألوهية يضرب الذكر صفحًا عن هذه الصورة الدينية الحقيقية، ثم يعمد إِلى ضربٍ من اللهو الخليع تأتيه بعض القبائل في حفلات تضم كل شيء إِلا الدين والعبادة، ويُترخص فيها بارتكاب أعمال شاذَّةٍ تُنافي قواعد الأخلاق المُقررة والمُتبعة بانتظام عندهم، يعمد إِلى هذه الحفلات الماجنة، فيرسم لنا منها لوحة بارزةً يعرضها علينا قائلًا: إِذا أردتم معنى الدين فها هنا منبعه ومظهره.

هكذا وصل الأمر بهذا البحاثة في تقديره لعقول قرائه إِلى حد محاولة إِلهائهم عن الحقائق، وتسمية الأشياء لهم بغير أسمائها، فهو يريد أن يقول لهم: إِن كل حمًى جنونية يثيرها مجتمعٌ صاخب، وكل سورة إِباحية تنطلق فيها الوجدانيات من عُقالها بدعوى المُحاكاة، أيًّا كان هدفها وباعثها، فهي نوع من الدين، ولو كان سيل الشهوات الجامحة فيها يجترف كل ضابط من ضوابط العقول، ويقتحم كل معقل من معاقل الآداب المحترمة في الشعب نفسه.

إِننا نرى لِزَامًا علينا أن ننبه ها هنا إِلى خطأ منهجي صريح، وقع فيه صاحب المنهج نفسه:

ذلك أن الذي يُريد أن يصور الحالة الطبيعية للجماعة، يجب عليه بمقتضى القانون الذي وضعه الرئيس،٢٦ أن يستقرئ هذه الحالة من سلوك غالب أفرادها، في غالب أزمنتها وأمكنتها.

فإِذا كان من المتفق عليه أن الدين يكاد يسيطر على كل شيء في حياة الجماعات الفطرية، أفلا يكون من أشنع المخالفات القانونية أن تُلتمس الظاهرة الدينية عند هذه الشعوب في تلك الحالة النادرة، وذلك المظهر الاستثنائي الذي لا يتكرر في مجرى حياتهم العامة، وأن نُهمل ما وراء ذلك من معتقدات وعبادات، وأخلاق وعادات، يتألف منها هيكل الحياة الشعبية؟

لئن كان الفيلسوف قد أصاب حين طلب إِلينا أن نميز بين لونين متباينين في حياة الجماعة الفطرية، لقد عكس الوضع بعد ذلك، حيث جعل الشاذ منهما قاعدة للغالب، وأساء الاختيار، حيث أخذ اللون الإِباحي اللاديني، فجعل منه حقيقة الدين.

على أنه لم يكن من العسير عليه أن يجد التفسير الحقيقي لهذا اللون الشاذ الماجن لو أنه وضعه في نطاق النظم الاجتماعية والأخلاقية لهذه الشعوب، وهي نظمٌ تقوم على الفصل التام بين الجنسين، وعدم اطلاع أحدهما على شيء من دخائل الآخر، حتى إِن المرأة لا يباح لها أن ترى الدم الناشئ عن عملية الختان للصبيان، وكذلك الصبي يبقى مُبعدًا عن الشئون الخاصة بالرجال إِلى أن يحين وقت بلوغه، فهنالك فقط يُنبه إِلى فكرة الصلة الجنسية، ولا سيما في وقت ختانه، حيث يحتفلون في هذه المناسبة احتفالًا مرحًا، كما كان يُحتفل بالختان في بلادنا الشرقية إِلى عهد قريب، إِلا أن الأستراليين يبالغون في المرح فيقدمون فيه نموذجًا تخيليًّا ينبهون به أذهان المراهقين إِلى حياتهم المستقبلة، مذكرين إِياهم بأن هذه سُنة الآباء والأجداد الذين يدين لهم الشعب بوجوده.

ولو أنا تتبعنا تفاصيل ما يجري في هذه الحفلات لرأيناها كلها تدور على محور هذا اللعب والمجون، ولرأينا بُعد الشق بين هذه الملهاة الموسمية، وبين جد الحياة الطبيعية وقدسيتها عندهم، إِنه لمن السخرية والتهكم إِذن أن يعرض علينا هذا المسرح المتهتك باسم المحراب المقدس للأديان، وإِنه لَمن العجيب حقًّا أن الفيلسوف الذي جعل معيار الأشياء المقدسة هو حرمة انتهاكها، يجعل مظهر انتهاكها أو الترخُّص فيها هو مظهر الدين وجوهره، قائلًا: «إِنه لا تكاد تُلتمس الظاهرة الدينية فيما سواه.»

ونعود الآن فنسلم جدلًا جميع المقدمات التي ناقشناها.

نسلم صدق روايات الرحالة والسائحين، ونسلم براءتها من التناقض والاختلاف، ونسلم استقامة تفسيرها للوقائع، ونسلم صلاحية الديانات البدائية لتعريف فكرة الدين بوجه عام، ونسلم أن نظام القبيلة يمثل النظام البدائي، ونسلم أن نظام أستراليا الوسطى هو أقدم نظام للقبائل، ونسلم أن النظام التوتمي نظام ديني، ونسلم أن هذه التجمعات والاحتفالات دينية في جوهرها وأهدافها …

نسلم هذا كله، ولكن يبقى أن نعرف هل تُوصلنا هذه المقدمات مجتمعةً إِلى النتيجة المطلوبة، وهي أن الدين في جملته نظامٌ اجتماعيٌّ، بمعنى أنه خلقتْه الجماعة ليعود إِليها بالعبادة والتقديس؟

إِننا نبصر ها هنا هُوَّةً سحيقةً بين النتيجة ومقدماتها، ونرى أن الاستنتاج يطفر بنا من مقدمات نحيلة إِلى دعوى عريضة فضفاضة، ولنسجل في هذا المعنى اعترافًا قيمًا لأحد أعضاء المدرسة الاجتماعية نفسها، حيث يقول في مقدمة ترجمته لكتاب في تاريخ الأديان ما نصه:

إِنه لا يكفي أن يُقال إِن الظواهر الدينية تحدث في جماعة وتختلف باختلاف الجماعات، لإِثبات أنها ظواهرُ اجتماعيةٌ حقيقية … فالظواهر الاجتماعية الحقيقية — كما نشاهده في القوانين والقواعد الاقتصادية — ذات وجود خارجي مستقل عن أفراد الجماعة؛ ونشاط الأفراد فيها إِنما يحدده أو يعدله مجرد تجاورهم وتعاونهم من غير أن يكون لهم شعورٌ بها أو موافقةٌ عليها، فهل الظواهر الدينية ظواهرُ اجتماعيةٌ بهذا المعنى؟

لا شك أن جانبًا كبيرًا منها يبدو لنا كذلك، وهو جانب الأنظمة والشعائر العملية، التي حُددت في قواعدَ ثابتةٍ، والتي تظل مستمرة على الرغم من إِرادة الأفراد وآرائهم.

ولكن هل هذه الحالات الجماعية التلقائية هي الحالات الجوهرية في الدين؟ وهل هي أعظم وأقدم وأشمل ظواهر الدين؟ إِنه قد يغرينا على الجواب بالإِيجاب اقتصارُنا على اعتبار الديانات القديمة أو البدائية؛ لأن بُعدها عنا يمحو في نظرنا فوارقَ الأفراد فيها، وينظمهم في الكتلة الاجتماعية للشعب، أما إِذا درسنا الظواهر الدينية وهي ماثلة أمامنا، وفي ديانة يشترك فيها الأفراد بقلوبهم إِلى حد ما، فإِن ذلك يقودنا بالطبع إِلى أن نخصص جانبًا عظيمًا منها للابتكار الفردي.٢٧

هكذا استدرك أنصار النظرية على مؤسسها، بأنه ينبغي فيها التقسيم لا التعميم، وأنه إِذا كان الجانب السطحي من الدين — أعني: رسومه ونظمه العملية — يُعد ظاهرة اجتماعية؛ لأنه يحمل طابع الإِلزام الجمعي، وليس للفرد اختيار في تكوينه، فإِن القسم الرئيسي منه — وهو قسم الاعتقادات والتصورات — يأبى بطبيعته أن يكون اعتناق الفرد إِياه ضربة لازب من خارج، لا يجد فيها أدنى تجاوب مع أفكاره ووجداناته وأحاسيسه.

ذلك، ولو أمعنا النظر قليلًا لرأينا عبء الإِلزام الجمعي في الشعائر الظاهرية نفسها إِنما يقاسيه الفرد في ديانة قد تكونتْ واستقرت، واعتنق هو مبادئها أو انتسب إِليها من قبل، وليس هذا مجال بحثنا، ولا موضوع دراستنا. وإِنما الشأن في نشأة الدين ومبدأ ظهوره.

فهل سمع أحد بديانة ناشئة تحمل تعاليم جديدة، وتدعو إِلى شعائر غير مألوفة يكون موقف الجماعة منها موقف حمل الأفراد عليها، وإِلزامهم بها؟ أم يكون موقفها موقف المناهضة لها، والمقاومة العنيفة لداعيها؟ حدثينا أيتها التواريخ! وتكلمي أيتها الوقائع! وانطقي أيتها التجارب! ليسمع الذين يبنون نظرياتهم — فيما زعموا — على التواريخ والوقائع والتجارب.

بل هلم إِلى الأعجوبة الكبرى!

إِن صاحب النظرية لا يكتفي بأن يكون الدين إِلزامًا أدبيًّا يفرضه المجتمع على الأفراد عقائد وعبادات أيًّا كان موضوعها وهدفها، إِنه يريد أن يكون موضوع العقيدة وهدف العبادة هو الجماعة نفسها، وأن يكون الشعور الديني في نفس الفرد ما هو إِلا انطباعٌ آليٌّ لصورة الجماعة في وعيه محوطة بهالة من التقديس، لِمَا لها عليه من فضل في قوام حياته والدفاع عن كيانه، وأنه من أجل ذلك تختلف فكرة الإِله وحدود سلطانه عند الجماعات باختلاف رقعة المجتمع ضيقًا واتساعًا. فإِذا اختلطت العشائر واندمجت في فصيلة، ثم الفصائل في قبيلة، ثم القبائل في شعب، تطورت معها فكرة الإِله تدريجيًّا … حتى يصبح إِله شعب برمته.٢٨

فليقل لنا إِذًا: من أين جاءت إِلينا فكرة «الإِله الأكبر» فاطر السماوات والأرض، وعلى غرار أي جماعة طُبعت هذه الصورة؟ ثم ليقل لنا: كيف قامت الدعوات في أصغر الشعوب إِلى تلك العقيدة الإِلهية السامية التي ليس لها مثال تُقاس عليه في مجتمعاتهم ولا في غيرها؟ إِذ لا يزال بين الإِنسانية كلها، بل بين العالم أجمع، وبين هذه الصورة العليا فراغٌ لا يمكن أن تملأه جماعة حقيقية ولا خيالية.

إِننا نعود فنسجل اعترافًا أخيرًا من أصحاب هذه النظرية: «إِن إِقامة برهان شافٍ على الطابع الاجتماعي للدين لا تزال أمرًا غير ممكن.»٢٩

أما بعد، فإِننا لا ننكر كل أثر للجماعات في شأن الأديان.

إِن الدين «كاللغة، وأسلوب التفكير، وأدوات التعامل، وغير ذلك من مقومات المجتمع» هو أحد أعصاب الحياة الجمعية وشرايينها، بل هو أقوى عناصرها، ومَنْ ذا الذي ينكر أن الجماعة هي حارسةُ تلك المقومات، وأنها هي منهلها المورود للأجيال الحاضرة، وناقلتها إِلى الأجيال المقبلة؟

غير أن المسألة في صيانة الأديان القائمة وتخليدها، بل في نشأة الديانات الجديدة وتكوينها.

ثم لا نُنكر ما للجماعات من أثر خطير في التمهيد لهذه النشأة والتمكين لها؛ فالأمم حين تقف في مفترق الطرق بين القديم والجديد تستطيع في بعض لحظاتها التاريخية أن تُغير مجرى تاريخها بقبولها للدين الجديد أو برفضها إِياه، والداعي الذي لا يحسب إِمكانيات أمته ومؤهلاتها إِنما هو كواضع البذر في أرض سبخة لا يلبث نباتها أن يُجتث من فوقها فلا يبقى له قرار، أو كالذي يعطي المريض طعامًا لا تطيقه أمعاؤه فلا يلبث أن يلفظه.

إِلا أنه لن يسوغ لنا — بهذا الاعتبار — أن نقول: إِن العقل الجمعي هو الذي يخلق الأديان ويبرزها إِلى الوجود، إِلا لو ساغ لنا أن نقول: إِن المعدة هي التي تخلق الطعام، وإِن البصر هو الذي يُحدث الضياء، وإِن المريض هو الذي يبذل الدواء … تلك كلها لا شك شروط ضرورية، ولكنها — كما يقول أهل المنطق — ليست شروطًا كاملة، أو ليست أسبابًا تامة؛ إِذ لا بد من تعاون متبادل بين الطبيب والمريض، بين الباذل والآخذ، بين الفاعل والقابل، وإِذا صح أن يُقال: إِن الأمم تخلق زعماءها، فمن الحق أيضًا — وبالطريق الأحرى — أن الزعماء تخلق أممها. والأمة تلد زعيمها ولادة طبيعية، وتهيئ له وسائل تلك الزعامة؛ والزعيم يلدها بعد ذلك ولادة أخرى: روحية، أو سياسية، أو عسكرية، أو فنية، أو غير ذلك.

الأمة تمثل خصوبة التربة وسلامة الأداة، والزعيم يضع البذر ويسقيه، ويتعهده وينميه، والزعيم يحرك الأداة ويوجهها، ويرسم طريقها، ويقف بها عند أهدافها، بل كثيرًا ما يُضيء لها هو تلك الأهداف ويحددها؛ وذلك حيث تكون حاجات الأمة غامضة مشتبكة الطرق، غير واضحة المعالم في العقل الجمعي، فتبقى مُتلهفة إِلى رجل الساعة الموهوب الذي يتركز فيه وعيها، وتتحدد في نفسه حاجاتها، ويكون له من الحدس أو الإِلهام أو الوحي ما ينشر به وسائل تحقيقها، ويملك من العزم والحزم ما يحكم به قيادتها ويبلغها إِلى أهدافها، فإِذا ظفرت به وألقت إِليه بالمقاليد فقد أصابت رشدها، وفتحت لنفسها صفحةً جديدة من القوة والمجد، أما إِذا تشعبتْ عليها الطرق، واختلف الزعماء، ولم يَستبِنْ لها وجه الاختيار، أو أنها أساءت الاختيار فأهملت داعيها الرشيد أو أنكرتْه وقضت عليه بالإِخفاق أو الموت — لا لأن دعوته تتنافر وطبيعتها، بل لأنها جهلت حقيقة نفسها، وطاشت أحلامها — فإِنها تكون حينئذ قد سلكت طريق شقائها، وآثرت الانتحار على الحياة من حيث لا تشعر.

وهكذا يكون من المكابرة وإِنكار البداهة جحد أثر الأفراد في أديان الجماعة ونظمها؛ كما يكون من المكابرة وإِنكار البداهة نفيُ أثر الجماعات فيها.

غير أن أخشى ما نخشاه من الغُلوِّ في إِبراز هذا الجانب الجمعي من تلك الحقيقة المزدوجة، أن يبعث في نفوس الأُمة نزعةً جبرية مُثبطة، تحمل أفرادها على القعود والتواكُل، انتظارًا لِمَا في الوعي الجمعي من الطاقات الكامنة والأسباب الغامضة، بدل ذلك النشيد الحماسي الذي يُغري الأفذاذ بالنبوغ، ويملؤهم بالأمل في دفع الجماعة إِلى الأمام.

(٦) المذهب التعليمي أو مذهب الوحي

تشترك المذاهب المتقدمة كلها في أن العقيدة الإِلهية وصل إِليها الإِنسان بنفسه، عن طريق عوامل إِنسانية — سواءً أكانت تلك العوامل من نوع الملاحظات والتأملات الفردية، أم من نوع جنس التأثيرات والضرورات الاجتماعية اللاشعورية.

في الطرف المقابل لهذه النظريات كلها يقرر المذهب التعليمي أن الأديان لم يَسِرْ إِليها الإِنسانُ بل سارتْ هي إِليه، وأنه لم يصعد إِليها بل نزلتْ عليه، وأن النَّاس لم يعرفوا ربهم بنُور العقل بل بنُور الوحي.

هذه النظرية التي أخذت بها أوروبا طوال القرون الوسطى، وأيدها بعض علماء التاريخ حتى في القرن التاسع عشر، لا تزال هي المذهب السائد عند كبار رجال الدين عندهم، كما أننا نجد في الكتب السماوية مصداق الجانب الإِيجابي منها.

فهذه الكتب تقرر أن الله سبحانه لما خلق أبا البشر كرَّمه وعلَّمه حقائق الأشياء، وكان فيما علمه: أنه هو خالق السماوات والأرض وما فيهما، وأنه هو خالق النَّاس ورازقهم، وأنه هو مولاهم الذي تجب طاعته وعبادته، وأنه سيعيدهم إِليه ويحاسبهم على ما قدموا، ثم أمره أن يورث علم هذه الحقيقة لذريته؛ ففعل وكانت هذه العقيدة ميراث الإِنسانية عن الإِنسان الأول.

نعم، إِن النَّاس لم يكونوا كلهم أوفياء بهذه الوصية المقدسة، بل إِن أكثرهم وقع في الضلال والشرك، ولكن هذا التعليم الأعلى لم يُمحَ أثرُهُ محوًا تامًّا من البشرية، ولذلك ظلت فكرة الألوهية والعبادة بوجه عام مستمرة في جميع الشعوب، على أن العناية السماوية بهذا التعليم الروحي لم تقف به عند الإِنسان الأول، بل ما زالت تتعهد به الأمم في فترات تقصر أو تطول، وجعلت تُذكرهم به على لسان سفراء الوحي من الأنبياء والمرسلين، وإِن كُتُب الديانات العظمى لَتنتسب كلها إِلى هذا المصدر السماوي.

١  تبارك: ١–٤.
٢  هنا يحسُن التنبيه إِلى أن أكثر الباحثين يقررون الفرق بين العقول المستنيرة والجاهلة على عكس هذا الترتيب، ويرون أن هذا الشعور الرهيب، الذي يدعو إِلى تعليل الظواهر الكونية بقوًى سرية عظيمة تُحدثها؛ إِنما يُخالط العقول الفطرية التي لم تتمرس بالعلم الطبيعي وقوانينه. ولا شك أن تقرير الفرق على هذا النحو أقرب إِلى الفهم من مقابله، ولكنه لا يقل عنه خطأً؛ إِذ الواقع المُشاهَد هو أن العلم لا يُضعف هذا الإِحساس بل يزيده قوة، وناهيك بكلمتي الفيلسوفين: باسكال Pascal  وكانت Kant حيث يقول أولهما: «إِن هذا الصمت الأبدي لذلك الفضاء اللانهائي لَيقذف في قلبي روعة ورهبة.» Le silence etemel des espaces in-finis m’effraie. ويقول الآخر: «شيئان يملآن قلبي إِعجابًا وإِكبارًا يتجدَّدان وينموان كلما أَعْمَلت فيهما تأَمُّلي: السماء المزدانة بالنجوم من فوقي، وقانون الأخلاق في ضميري»: Deux choses remplissent le coeur d’une admiration et d’une veneration toujours nouvelles et toujours croissantes, a mesure que la reflection s’y attache et s’y applique: le ciel etoile au-dessus de moi, et la loi morale en moi.
٣  قد أخذ هذا المعنى بعض الكُتاب العصريين وتوسع فيه؛ ولكنه ما لبث أن نقض آخِرُ كلامه أولَه، انظر كلام العقاد في كتابه عن نشأة العقيدة الإِلهية: «الله»، ص١٠ و١١.
٤  Durkheim. ouvr. cite, pp. 112–121.
٥  كان «دوركايم» في تحديده لماهية الدين ينكر تعريف المُقدس بمعنى المُعظَّم حيث قال: «إِنه ليس بلازم أن يكون الشيء المقدس أشدَّ قوة ولا أعلى مقامًا.»
Le sacre n’est pas necessairement superieur en dignite et en pouvoir Durkheim. Ouvr. cit, pp. 51-52.
ولم يُعتبر هناك من التقديس إِلا شطره العلمي، ولا من هذا الشطر إِلا جانبه السلبي، وهو الحَجْر والمنع وتحريم اللمس، ولكنه رجع هنا فاعترف ضمنًا بالمعنى الذي نفاه من قبل، وقرر أن فكرة «العظمة» فكرةٌ دينيةٌ في جوهرها:
Lidee de majeste est essentiellement religieuse ibid, p. 87.
ونحن نرى أن التقديس بالمعنى العمليِّ إِنما يستمد سلطانه على النفوس من معناه النظري، فإِنه ليس كل منهي عنه يُعدُّ مقدسًا، وإِنما المقدس من المنهيات هو ما كان مصدر النهي عنه قوة إِلهية، ثم لا معنى لتقديس هذه المحرمات بعدم الاقتراب منها إِلا الاعتقاد بأن هناك قوةٌ معنوية تحميها، وتمنع من انتهاكها، وتجعل لها سياجًا من الحرمة احترامًا لأمر حاميها، فهذا الاحترامُ والتوقير هو حجر الزاوية في معنى التقديس.
٦  Auguste Sabatier, ouvrage cite, p. 13.
٧  لا يفوتُنا أن نُسجل ها هنا أن نزعة الاعتقاد في تلك القوى السرية وتأثيرها لا تخص أمة معينة من الأُمم، ولا دينًا خاصًّا من الأديان، بل إِنها تعم الشعوب المتحضرة وغيرها، وتكاد لا تخلو منها ديانة من الديانات المعروفة. وها هي ذي البحوث الحديثة سائرةٌ اليوم في طريق تأييدها بالتجارب والوسائل العلمية، فيما يُسمُّونه بعلم الروحانيات.
٨  Durkheim, ouv. cite, p. 343.
٩  Sabatier. ouvr. cite, pp. 14–22.
١٠  اعلم أن هذا التفسير إِنما ينطبق في نظر «برجسون» على نشأة العقيدة الإِلهية عند العامة الذين يعيشون متأثرين بقوانين المجتمع وعوائده في الجماعات العادية، المحدودة بحدود القبيلة أو الشعب أو الأمة، والتي يسميها بالجماعات «المغلقة». ولكنه لا ينطبق في نظره على العباقرة الممتازين، الذين لا يستمدون عقيدتهم من قواعد المجتمع وعوائده، ولا حاجة بهم إِلى هذه المقاييس النفعية، فهؤلاء يغترفون من منبع الحياة الصافي حتى تجيش به صدورهم، فيدفعون الجماعة وراءهم دفعًا بدلًا من أن يندفعوا بها، ويضعون لها القوانين بدلًا من أن تُوضع لهم القوانين، وما الجماعة في نظرهم إِلا الإِنسانية العالمية التي لا تعرف الحدود والحواجز، وما قانونهم إِلا المحبة التي لا تنتظر جزاءً ولا تبتغي نفعًا ولا عِوَضًا.
١١  هذا الفيلسوف يهودي الأصل، وشاع أنه اعتنق المسيحية في أخريات حياته، ولكن فلسفته كلها تدل على أنه لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا ذا دين مطلقًا، وإِنما كان يؤمن بالحياة من حيث هي قوة مندفعة في أعمالها، تخبط خبط عشواء ولا تدري مغبة اندفاعها.
١٢  أشار إِليه ديكارت نفسه.
١٣  Kant, ouv. cite, 2eme partie, IV et V.
١٤  Durkheim, ouv. cit. p. 132.
١٥  Id. Ibid., Introduction.
١٦  لقد مضى الزمن الذي كانت فيه كلمة «البدائيين» تُستعمل بسهولة ويُظن أنها تنطبق على شعوب موجودة بالفعل باقين على فطرتهم الأولى، لم يمروا بطور من أطوار الحضارة، واليوم — وقد زال هذا الوهم من النفوس — أصبح كل كاتب يحترم نفسه لا يستسيغ أن يكتب هذا الكلمة إِلا إِذا وضعها بين أقواس صغيرة للإِشارة إِلى أنها كلمةٌ اصطلاحية ينقلها عن غيره ولا يحمل هو تبعتها.
١٧  هذا الاسم مأخوذٌ من لغة الهنود الحُمر في أمريكا الشمالية، وهو اسمٌ لم يُتفق بعد على ضبطه ولا تحديد معناه، فهو في المشهور totem ولكن يُكتب أيضًا totam أو toodaim أو dodaim أو ododaim، ويُفسر تارة بمعنى موطن العشيرة ومستقرها، وتارة بمعنى العلامة والشعار.
Reinach, ouv. cite, p. 23: Durkheim, ouv. cite, p. 144.
١٨  كما في مدينة برن Berne بسويسرا حيث تُعظم الفيلة. وكلمة «برن» أصلها في الألمانية جمع بير، بمعنى فيل.
١٩  من أمثلة ذلك أن مستر «مان»  Man مكث سنين عديدة في جزائر أندامان  Andaman، درس فيها عوائد القوم وعقائدهم، وكتب عنها في سنة ١٨٨٢، ثم جاء مستر براون Brown إِلى هذه الجزائر نفسها وعاش فيها أمدًا طويلًا كذلك، وكتب ملاحظاته سنة ١٩٢٢، فكان معظم كتابه نقضًا لكتاب مستر «مان». Denis Saurat, Histoire des religions, p. 19.
٢٠  Hoffding, ouv. cite, p. 126.
٢١  تاريخ القانون لعلي بدوي، ص١٥.
٢٢  Vou H. Hubert, Introduction a la traduction de Chantepie de la Sussake. Manuel d’Histoire des religions. p. XXXIx.
٢٣  Durkheim, ouv. cite, p. 249.
٢٤  Durkheim, cite, p. 412.
٢٥  Id. Ibid, p. 412.
٢٦  رئيس المدرسة الاجتماعية الفرنسية، وهو العلامة دوركايم نفسه، في مؤلفه النفيس «قواعد المنهج الاجتماعي»: Les Regles de la Methode Sociologique, ch. III, p. 69-70.
٢٧  Henri Hubert, Introduction A la traduction de Chantepie de la Saussaye, Manuel d’Histoire des religions, XXVI–XXX.
٢٨  Durkheim, ouve. cite, p. 412.
٢٩  Une demonstration Pleinement satisfaisante du caractere social de la religion n’est pas encore posisble. (Hubert, oure. cite, p. XXVII).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١