الفصل الثالث عشر

لكن الله يرحمه

ولكن — بالطبع — هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، وعندما تحس أن الموضوع الحاضر قد استنفذ كل ما يتحمل من ألوان البيان اللغوي.

كانت للسيدة أنيسة فنون لغوية في المناقرة، وكانت تناقر زوجها في كل وقت؛ في الصباح عندما يتناول القهوة، وعقب الغداء حينما يحب أن يرتاح في سريره، وفي المساء أيضًا قبل النوم؛ حتى يحلم برقتها ولطفها، ولكنها كانت تختار وقت القيلولة عندما يكون موضوع المناقرة خطيرًا.

وكان زوجها السيد راجي رجلًا في الخمسين، موظفًا في وزارة الأشغال، حيث كان يؤدي عملًا كتابيًّا تافهًا، وقد التحق بهذا العمل حين كان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، وبعد سبع وعشرين سنة لم يزد مرتبه غير أربعة جنيهات، ولم يزد فهمه لعمله، أو لم يتفرع هذا الفهم إلى شئون أخرى تزيد اهتمامه؛ إذ كان عملًا متكررًا لا يخرج عن ثلاثة دفاتر كبيرة، يملؤها كل يوم، في أعمدة معينة بكل ورقة منها، عما يصل إليه من مراسلات؛ ولذلك، مع أنه كان ساخطًا على ضآلة مرتبه، فإنه لم يكن ليجد المبرر لزيادته، بل إنه كان يتساءل أحيانًا: لماذا زادوه أربعة جنيهات مع أن عمله لم يزد؟

وكان أسوأ ما يسخطه، من حيث لا يدري، أنه كان في تعس ذهني؛ إذ لم تكن له هواية تسرِّي عنه مضض العيش؛ فلم يكن مغرمًا بقراءة الصحف أو المجلات، ولم يكن مهتمًّا بشئون السياسة، وكان انطوائيًّا لا يحسن الصداقة ولا يتآلف الأصدقاء، فكان من بيته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى بيته، أو بالأحرى من زوجته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى زوجته!

وكان الجيران والزملاء في المكتب يظنون أنه رجل مستقيم، ولكنه هو كان يعرف نفسه أكثر؛ وهو أنه كان يكابد الحياة مكابدة بلا مسرات، وبلا استطلاعات، وبلا مغامرات.

وكانت زوجته مثله، بل أكثر في مكابدة الحياة؛ لأن السأم كان يخيِّم على نفسها كما لو كانت غيمة، وكانت تتأمل أحوال الناس فترى الأزواج يرتقون في الوظائف، أو يزدادون ثراءً إلا زوجها، هذا الزوج الراكد الذي لا يعرف غير الأكل والنوم.

وكانت السيدة أنيسة تحس احتقارًا لزوجها، ولكنها لم تكن تعرف علاجًا يجعله ينتقل من الركود إلى الحركة والارتقاء؛ ولذلك كان هذا الاحتقار يتجسَّم أحيانًا في سباب جنوني، حتى لقد كانت تصفه بأنه بَقَّة يمص دمها، وأنه نحلة تلسع جلدها، وكان المسكين ينظر إليها وهو صامت؛ اعتقادًا بأن صمته يخفف من توترها.

وكان الموضوع الذي يتكرر في المناقرة أن ابن عمها كان يريد أن يتزوجها، ولكنه هو جاء لنحسها، وآثرته أمها عليه فتزوجها، مع أن ابن عمها الآن يبلغ مرتبه ضعف مرتب زوجها.

وكذلك لم تكن تنسى أن أمه؛ أم زوجها، التي ماتت قبل خمس سنوات، كانت تعاكسها، وكان كل الناس يقولون له انفصل أنت وزوجتك عنها، ولكنه لم ينفصل.

لقد عاشت مع أمه أكثر من عشرين سنة وهي في عذاب، ولم يرحمها هو، ولم ينفصل.

ولكن — بالطبع — هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، عندما تحس أن الموضوع الحاضر قد استنفد كل ما يتحمَّل من ألوان البيان اللغوي!

وكان الموضوع الحاضر أن أخته قد زارتهم، وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قد طلبت من زوجها ألا يزورها، وأنه لو كان قد استمع لكلامها لما زارتهم، وها هي قد جاءت أمس فجعلت تنتقد كل شيء، فقالت: إن زجاج النوافذ يحتاج إلى تنظيف وجلاء! بل دخلت المطبخ وسألت عما فيه، ولم تنسَ أن تقول: إن البصل قد فسد من الرطوبة، وأنه يجب أن يوضع في الشمس! ما شأنها هي؟ ولماذا تأتي إلى بيتنا؟ وهل ذهبت هي إلى بيتها ودخلت مطبخها؟!

هل ماتت أمه وجاءت أخته كي تكون حماتها بدلًا منها؟!

وكان السيد راجي معتادًا على هذه المناقرات، وكان يخفِّف من حدة زوجته بالنكتة أو الكلمة الرقيقة، ولكنه في هذا اليوم جاء متعبًا من مكتبه، فتناول غداءه وهو صامت، وآوى إلى سريره يريد الراحة.

وما هو أن انتهت السيدة أنيسة من تناول غدائها حتى هُرعت إليه، وقعدت على كرسي إزاء السرير، وشرعت تعيد عليه بضعة ألحان قديمة بمناسبة بضع حوادث حديثة؛ لأن الشيء بالشيء يذكر.

فقد حدث صباح اليوم أنها عرفت أن خادمتهم السابقة، التي تركتهم منذ سبعة شهور، تخدم هذه الأيام في بيت شقيقه، وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قبل ثلاث سنوات قد طلبت استخدام «أمينة» التي كانت قد خرجت من بيت ابن عمه، ولكنه؛ أي زوجها، استنكف وقال لها: لا يجوز لنا هذا؛ لأن زوجة ابن عمي ربما تعتب علينا.

والآن ماذا يقول؟ ها هي خادمتهم القديمة تخدم الآن في بيت شقيقه، لماذا لم يستنكفوا هم؟!

إن معيشتها معه عناء وعذاب، ولو أنه كان يحبها لكان يسمع كلامها، ولكنه لا يحبها.

وكان زوجها مستلقيًا على السرير لا يتكلم، وزاد هذا من غضبها، فأعادت كلامها وارتفع صوتها، وكانت معتادة أن تجد الكلمة اللطيفة التي تخفف من حدِّتها، ولكن زوجها هذه المرة لم يرد، بل بقي صامتًا.

وصاحت به، بعد أن تعبت: لماذا لا يرد؟ لماذا لا يقول الحق؟ ولماذا تعيش معه في هذا الذل؟

ولكنه لم يرد.

ونهضت السيدة أنيسة وهي حانقة مجنونة، وهزته وهي تقول: رد! رد عليَّ.

ولكنها أحست فيه جمودًا غريبًا، حتى صار جسمه كله يتأرجح يمنة ويسرة وهي تهزه، ففزعت وتراجعت للوراء، ونادت الخادمة، وجعلت الاثنتان تهزان السيد راجي، ولكن بلا جدوى؛ لقد مات.

•••

وبعد خمس سنوات كانت بالبيت زائرة، وجرى الحديث عن السيد راجي، فقالت أرملته السيدة أنيسة.

«كان دائمًا يعاكسني ويناقرني، حتى ساعة موته، قعدت ألاطفه وأسليه بالحديث، فلم يرد عليَّ، ولكن الله يرحمه»!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠