الفصل الثاني

أعظم المخدرات

إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل!

لما عرفتُه، قبل سنتين، أحببتُه؛ ذلك أنه كان يمتاز بشخصية انبساطية؛ يتحدث ويضحك، ويرى الدنيا مفروشة بالورود، وكان يجمع إلى الشباب شيئًا من الوسامة، وكان قد حاول الكسب وهو لا يزال طالبًا في الجامعة بالكتابة إلى الصحف الأسبوعية، ونجح في محاولته، وكان يكتب الأخبار التافهة الصغيرة التي تحتاج إليها المجلات ويتقاضى عليها نحو ثلاثين جنيهًا في الشهر.

وكنت أكفُّه عن هذا النجاح الذي أصبح عادته، ولكنه طغى في نجاحه، حتى قلت له ذات مرة إنه يتناول أسوأ المخدرات!

قال مدهوشًا: أنا؟ أنا لا أعرف المخدرات!

فقلت: يا عاطف، إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، نجاح يرافقه شباب ووسامة.

فقال: هل تطلب لي الفشل؟!

قلت: نعم؛ أنت سادر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل.

فقال ضاحكًا: إن شاء الله أنت!

كان هذا قبل سنتين، وكنت أتابع نجاحه وأنا في أسف عليه، ثم تخرَّج في الجامعة في يونية الماضي، وأحس قوة جديدة زادت طغيانه في النجاح، فوثب وسقط.

وأسوأ ما في النجاح المبكر أنه يعوِّد صاحبه الإقدام، ثم التهور!

فإن عاطف شرع منذ بلوغه الثامنة عشر يغزو قلوب الفتيات، بلا رحمة ولا تبصُّر، وكانت له معهن ميزتان: السخاء والدموع؛ فإن المرأة تُعجب بالقوة، والسخاء من أعظم مظاهر القوة؛ فإنه كان لا يبالي أن ينفق مع الفتاة التي يدعوها إلى التنزه معه نحو خمسة أو ستة جنيهات في اليوم، وكان له أسلوب في إخراج النقود وإلقائها على المائدة، كما لو كانت شيئًا تافهًا، وكان يتفضَّل على خادم المطعم بنحو عشرين قرشًا فوق الثمن، يدفعها إليه كما لو كانت ثلاثة قروش، وكان هذا السلوك يسحر الفتيات.

وفوق ذلك كان له أسلوب قاتل في الدموع.

وقد أخبرني هو كيف وقع على هذا الأسلوب؛ فقد قال لي إنه كان يلعب وهو في العاشرة مع صبيِّة من عائلة مجاورة، وكانت تأكل بعض الحلويات، فرغب إليها أن تعطيه منها، فأبت عليه فبكى، وتأسَّفت الصبية حين رأت دموعه، وحَنَت عليه وأعطته الحلوى كلها.

واستقر عند هذا الأسلوب؛ أسلوب أطفال، ولكنه أسلوب قاتل؛ فإنه كان عندما يجد جمودًا أو نفورًا من إحدى الفتيات يبكي، وكان البكاء يغمر وجهه فتحمرُّ وجنتاه، وتنهمر دموعه ويتشنَّج، ووجد بالتجارب أنه ليست هناك فتاة تستطيع مقاومته وهو في هذه الحال.

وليس هذا غريبًا؛ فإن كل فتاة أمٌّ بطبيعتها، وهي تلعب بالعروس وتحتضنها وهي لا تزال طفلة؛ أي تلعب بالأمومة، ولذلك يمتزج الحب عندها بالحنان، وهي تعامل حبيبها كما لو كان طفلها وهي أمه!

وكان عاطف من ذلك الطراز الانبساطي الذي يذوب؛ يذوب فرحًا فيضحك كأنه سينفجر، ويذوب أسفًا حتى تبلله الدموع، وكان يعرف، بالتجارب العديدة، أنه ليس شيء أفعل من رحيق الحب عندما يمتزج بملح الدموع في القبلة الحارة، وبذلك كثرت ضحاياه.

وهذا هو الذي جعلني أدعو له بالفشل؛ فقد كان خطره كبيرًا على الفتيات، كما كان الخطر عليه هو نفسه كبيرًا أيضًا؛ إذ هو كان يحيا وهو سكران بهذا المخدر القوي: النجاح الدائم.

وحدث هذا العام ما تمنيت له، ولكن بصورة أبشع وأفظع مما تمنيت!

فإنه عرف فتاة طردته لأول لقاء، ولكنه سلَّط عليها ثلاثة أسلحة: الشباب والسخاء والدموع، فوقعت، وكان وقوعها عظيمًا؛ إذ حملت، ولم يعرف عاطف في كل مغامراته الماضية مثل هذه الكارثة، وقصد إلى الأطباء في القاهرة يساومهم على إسقاط الجنين، ولكنهم رفضوا، وفكرت الفتاة في الانتحار، وأحس عاطف بجريمته، وجعل يخفف عنها، ويمنِّيها بإسقاط الجنين، وبالزواج منها.

وسافر إلى طنطا، وهناك وجد من الأطباء مَن قَبِل إجراء العملية بخمسين جنيهًا، وخرج الاثنان من القاهرة في الصباح التالي إلى طنطا، وبعد أقل من ساعتين كان الطبيب يرتكب جريمة الإجهاض التي أتَّمها بعد أكثر من ساعة من العذاب للفتاة المسكينة.

وعاد الاثنان إلى القاهرة حوالي الظهر، وودَّع عاطف الفتاة عند باب منزلها، وتجنب السؤال عنها توقيًا للشبهة، ولكنه بقي سبعة أيام وهو يتقلب على نار من القلق.

وذات صباح وهو يتصفح الجريدة قرأ نعيها؛ ماتت من عملية الإجهاض، أو من آثارها!

ولقيتُه بعد هذا الحادث بنحو شهر، وقد هزل وشحب، وكنت قد عرفت الخبر، فكان أول ما قلت له: كان أولى أن تموت أنت!

وجعل يحدثني ويهذي عن الانتحار، فقلت له: اسمع يا عاطف، كنت أتمنى لك فشلًا يوقظك من نشوة الانتصار، ولكن شاءت الأقدار أن تسفك الدم، أو تشترك في سفكه حتى تستيقظ؛ أنت مجرم!

•••

وقعت هذه الجريمة منذ خمسة شهور، ولم أره منذ ذلك اللقاء المؤلم الأخير، ولكني لم أنقطع عن السؤال عنه، وعرفت أن أم الفتاة قد أصيبت بالفالج، وأنها تلزم السرير منذ وفاة ابنتها.

أما عاطف فقد تغير؛ فإنه لم يترك بيته، بل غرفته، هذه الشهور الثلاثة الأخيرة؛ فقد زهد الدنيا، والنجاح، والحب، وهو لا يزال يجترُّ جريمته: موت فتاة شابة، وشلل الأم.

واعتقادي أنه سوف يعيش وهو يحمل على عاتقيه هذين الوزرين الثقيلين، ولا بد أيضًا أنه سيقلع عن أسلوبه القديم.

ولكن ما منفعة ذلك الآن؟ هل يَصلُح إنسان بموت إنسان آخر؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠