الفصل الحادي والعشرون

هل أنا قتلته؟

وكان ينام بسهولة على يدي، فما هو أن ينطرح ويسترخي، وأمدد يدي على وجهه وصدره إلى ساقيه، حتى يكون قد غاب.

عاد صديقي يلومني للمرة المئة لأني لا أمارس التنويم، أي التنويم النفسي، أو كما يسمونه، المغنطيسي؛ ذلك أنه كان قد مضى علي أكثر من ثلاث سنوات وأنا مقاطع لهذا الفن، وكنت قبل ذلك أمارسه في السهرات للمؤانسة فقط، ولم أحترفه قط، وكثيرًا ما كنت أقول إنه أسوأ فن، وإن الحكومة يجب أن تمنع ممارسته؛ لأنه ينطوي على كثير من الممكنات السيئة التي يستطيع الرجل السافل أن يستغلها وينزل بمن ينوِّمه أو ينوِّمها أكبر الضرر.

ذلك أن الشخص النائم يؤدي لنا ما نطلب منه كأنه آلة فقط، ليس له إرادة؛ فإذا قلنا له أنت لص تحب السرقة وتمارسها في خفة، وستفعل ذلك غدًا، فإنه حتى بعد أن يفيق من النوم يرتكب السرقة.

كنت أقول هذا وأستنكر التنويم مع أني — كما قلت — كنت أمارسه عن نية حسنة مع بعض أصدقائي للمداعبة والمؤانسة، ولكني منذ ثلاث سنوات انقطعت عنه انقطاعًا تامًّا؛ وذلك بسبب حادث ما زلت أتألم كلما ذكرته، ولا أعتقد أني سأعود إلى ممارسة هذا الفن، بل يقيني أن الحكومة تحسن كل الإحسان إذا هي منعته وعينت العقوبة القاسية لمن يمارسه.

ذلك أني كنت قد قرأت في بعض الكتب التي تبحث أحوال من يسمون «الفقراء» في الهند، أن «الفقير» يستطيع أن يحبس أنفاسه ويقف نبضه نحو ساعة أو أكثر، بحيث لا يستطيع الطبيب الفاحص عنه أن يهتدي إلى أية دلالة على الحياة، ولكن هذا «الفقير» يعود فيسترجع أنفاسه، كما يعود قلبه إلى النبض؛ أي يعود إلى الحياة، بعد أن يكون قد مات بضع ساعات.

وفتنني هذا الكتاب، واشتريت غيره من الكتب التي تعالج هذه الموضوعات، وجعلت أحاول الإيضاح لهذه الظاهرة العجيبة فلم أجد لها تفسيرًا إلا في هذا التنويم النفسي الذي كنت أمارسه أنا مع أصدقائي؛ ذلك أن «الفقير» الهندي يتخيل نفسه ميتًا لبضع ساعات يستيقظ بعدها؛ أي إنه يوحي إلى نفسه الموت فيموت، ولكنه يموت، لميعاد، أو — كما نقول — إنه ينوِّم نفسه ثم يستيقظ في الميعاد الذي عيَّنه.

وقلت في نفسي إني أستطيع أن أجرِّب هذه التجربة في أحد أصدقائي، وهو السيد مصطفى، وكان ينام بسهولة على يدي؛ فما هو أن ينطرح ويسترخي، وأمدد يدي على وجهه وصدره إلى ساقيه، حتى يكون قد غاب، وعندئذ أوحي إليه ما أريد، فيؤديه كما لو كان شخصًا آخر.

ولكني كنت أتردد في القيام بهذه التجربة؛ وذلك لاعتقادي بأن الشخص النائم لا يخضع كل الخضوع؛ إذ أحيانًا يقاوم فلا ينام، وأحيانًا عندما أوقظه يرفض أن يستيقظ، وقلت: ماذا يكون لو أنِّي نوَّمته ودعوته إلى وقف نبضه وحبس أنفاسه، كما يفعل «الفقير» في الهند، ثم رفض هو أن يعود إلى الحياة؟ ألا يمكن أن يكون الموت لذيذًا إلى حد أن يجد فيه الراحة الكبرى فيؤثره على يقظة الحياة؟

وترددت شهورًا لهذا السبب في تنويمه، ولكن الفكرة كانت تغريني وتتسلط عليَّ.

وذات مساء زارني السيد مصطفى، وقعدنا نتحدث ونشرب بعض المرطبات، وأوغل هو في المزاح حتى غاظني، فقلت أنا على سبيل المزاح: والله يا مجرم لأقتلنك غدًا، ثم نهضت، وحدقت في عينيه، وقلت له: أنت في نعاس تتثاءب، قد اقتربت من النوم، رأسك يستند إلى الوراء، أنت على وشك النوم، أنت تنام.

ثم جعلت أمسح وجهه وجسمه بيدَيَّ الاثنتين، وقلت: أنت نائم، تسمعني فقط، اسمع، غدًا وأنت في فراشك، في الساعة الثالثة بعد الظهر، سيأخذ نبضك في الانخفاض من ٧٠ إلى ٥٠ إلى ٣٠، إلى أن يبلغ الصفر، ويقف قلبك، وتنقطع أنفاسك كأنك ميت، ستكون ميتًا تمامًا؛ لا نفس ولا نبض، وسآتي إليك في الساعة الرابعة فأوقظك.

وجعلت أكرر هذا الإيحاء، ثم أيقظته وهو لا يدري بما حدث، وتركني، وآويت إلى فراشي وأنا مطمئن ضاحك؛ سوف أراه غدًا ميتًا وسوف أوقظه.

واستيقظت في الصباح وقد نسيت كل شيء، بل بقيت طيلة النهار وأنا مشغول بمهام أخرى أنستني السيد مصطفى، وفي الساعة الرابعة أو بعدها بقليل، جاءني خادم السيد مصطفى وأخبرني وهو يبكي بأن سيده مات، وتلقيت الخبر أنا بالضحك الذي أذهل الخادم، وقد ضحكت لأني كنت أعرف السر، وكنت على يقين بأن كلمتين مني تعيدانه إلى الحياة.

ولبست ملابسي وقصدت إلى منزل السيد مصطفى ومعي الخادم، ودخلت غرفته فوجدت أخته تبكي، ومعها الطبيب الذي أحضروه، وكان قد أخرج ورقة يكتب عليها شهادة الوفاة.

وقصدت من فوري إلى السيد مصطفى وهو منبطح على سريره شاحب جامد، فجعلت أمسح وجهه وجسمه، وأناديه، وأقول له: هذا ميعاد استيقاظك، انهض، استيقظ.

وجعل الطبيب ينظر إليَّ في سخرية ويقول: إنه مريض بالقلب منذ سنتين وأنا أعالجه، وكانت تجيئه مثل هذه النوبات، وكان منتظرًا أن يموت في إحداها.

وصعقت عندما سمعت كلام الطبيب، وقلت وأنا لا أدري دلالة ما أقول: أنت، أنت لم تخبرني بهذا.

وقال الطبيب: أخبرك؟ ولماذا أخبرك؟!

وجعلت أهرول في مسح صديقي، وأكرر له القول: أنت حي، استيقظ، هذا هو الميعاد، استيقظ أرجوك، أرجوك.

وتحرك جفناه، ولعبت شفتاه، وفرحت، ووضعت أذني على شفتيه، وسمعته يقول بصوتٍ خافت: أنا في راحةٍ كبرى، الموت لذيذ، قلبي لا يؤلمني الآن، أنا ميت، أنا ميت.

ثم أطبق شفتيه وصمت، وعدت أنا في هرولة جنونية أصيح وأصرخ: اصحَ، اصحَ لأجلي، نحن صديقان.

ولكن كل هذا كان عبثًا؛ لأن حقيقة ما حدث أن قلبه المريض، الذي كنت أجهله عندما نوَّمته، كان يؤلمه، وكانت تنتابه نوبات همود تشبه أو تقارب ما أحدثتُه له أنا بالتنويم، فلما وصل القلب إلى الوقوف بالتنويم رفض، أو عجز، عن قوته.

ومضى على هذا الحادث ثلاث سنوات، ولا يكاد يمضي عليَّ يوم حتى أتساءل: هل أنا قتلته؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠