الفصل الثاني والعشرون

قصة السبعة الكبار

وأنا أميل بثقافتي العلمية إلى الشك، هذا الشك العلمي الذي أوصانا به «ديكارت» الفرنسي …

لقد عشت هذه السنين التسع الأخيرة، وحفِلت حياتي بكل ساعة، بل بكل دقيقة، منها، بحيث أستطيع أن أقول إني شاهدت واختبرت فيها أكثر مما شاهدت أو اختبرت قبل ذلك في خمسين سنة، ولا أعني كثرة ما شهدت، أو وفرة ما رأيت من حوادث، وإن يكن قد زاد على المألوف زيادة كبيرة؛ فإن صفة الكيف فيه كانت أدعى إلى العجب من صفة الكم.

لا، لم تكن الحوادث والاختبارات في السنوات السبع الماضية كثيرة فقط، وإنما كانت مختلفة عما كنا نألفه من قبل؛ ولذلك أنا أحاول، في الكلمات الموجزة، أن أستقطر العبرة من هذه الحوادث والمشاهدات، ولنبدأ في البداية.

فحوالي سنة ١٩٤٩ أو ١٩٥٠ شاعت شائعات خرافية تقول إن أطباقًا تطير وتحط على الأرض ثم ترتفع، وأنها تمخر عباب الجو بسرعة آلاف الأميال في الساعة، بحيث لا يستطيع الناظر إليها إلا أن يخطف منها النظرة البرقية التي لا تعيِّن التفاصيل ولا توضح الأشخاص.

وتكرَّرت هذه الشائعات، وكنت — وقتئذ — أحرِّر في إحدى المجلات فوردت إليَّ أسئلة بشأن هذه الأطباق، وما هي، ومن أين تأتي.

وأنا أميل بثقافتي العلمية إلى الشك، هذا الشك العلمي الذي أوصانا به «ديكارت» الفرنسي؛ ولذلك حذفت الموضوع من رأسي، وأجبت هؤلاء السائلين بأن الأطباق الطائرة أسطورة، وأنها وهم وتخييل نبتا في العقول المرهقة، وأن هؤلاء الذين «رأوها» يحتاجون إلى أن يمضوا بضعة أيام أو أسابيع على الشواطئ.

وكان معنى هذه الإجابة أن الذين يرون الأطباق الطائرة مجانين ويحتاجون إلى علاج حتى يشفوا.

ولكن رويدًا رويدًا شرعت أشك في شكي؛ ذلك أن وزارات الحرب في روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا خصَّت هذه الأطباق بعناية كبيرة، فعيَّنت الموظفين العلميين لرصدها ودراستها، ثم في نهاية سنة ١٩٥٢ ظهر كتاب في أمريكا لأحد الذين شاهدوا واحدًا من هذه الأطباق قال فيه إنه اقترب من طبق طائر كان قد حط على الأرض، ولكنه لم يلامسها، وأنه قد نزل منه «إنسان» أشار إليه أن يبتعد، فلما أطاعه طار الطبق!

هل يمكن أن أنكر؟ هل يمكن أن أكون أنا العاقل الوحيد وكل هؤلاء مجانين؟!

واشتريت الكتاب وقرأته، وصرت أحلم به حتى في يقظتي؛ فإني أذكر أني ذات صباح، وأنا على الترام الذي كان قد وصل إلى ميدان التحرير، نظرت إلى المبنى المجمع فرأيت سحابة بيضاء تمر فوقه، وإذا بجزء منها ينفصل ويطير في الجو على بعد سحيق يتجاوز سرعة السحب.

وانخلع قلبي، وأردت أن أصرخ: طبق طائر، طبق طائر. ولكني التزمت الصمت، ولا أعرف لماذا! وظني أن الوقار غلبني، وظني الآخر أن السرعة التي ظهر بها ثم اختفى في الفضاء قد جعلت حديثي عنه لغوًا لن يصدِّقه أحد؛ ولذلك التزمت الصمت.

ولكني عندما عدت إلى البيت جعلت أفكر: إن النظرية الفلكية الحديثة تقول إن هذا الكون، بنجومه وكواكبه، قد انفجر في لحظة واحدة قبل خمسة آلاف مليون سنة، وإذن يجب أن نستنتج أن عمر الأرض لا يختلف عن عمر الكواكب الأخرى بآلافها وملايينها، ونحن على هذه الأرض قد وصلنا إلى التفكير في غزو القمر، وإلى تأليف الكتب عن السياحة الفضائية، وليس بعيدًا، بل إن من المرجَّح أن التطور الذي عرفناه على أرضنا، وانتهى بظهور الإنسان، قد عرفته كواكب أخرى بدرجات تتفاوت قليلًا نحو التقدم أو التأخر، وإذن يجب أن نستنتج أن هناك ناسًا أو بشرًا في الكواكب يفكِّرون مثلما نفكر، ولعل بعضهم قد سبقنا إلى تهيئة الوسائل لنقلهم إلى الأرض.

وقلت: بدلًا من أطباق طائرة تخرج من الأرض لاستعمار المريخ أطباق طائرة تخرج منه لاستعمار الأرض؟

وإذن، لا بد من الاستنتاج أيضًا بأن المريخيين، أو غيرهم من سكان الكواكب الأخرى، قد أرسلوا الأطباق الطائرة للاستكشاف والاستطلاع، وأنهم يكتبون التقارير عن كواكبنا، وليس بعيدًا أن نجد ذات صباح نحو مليون مريخي قد هبطوا الأرض وطلبوا منا الطاعة أو الإعدام.

كان تفكيري يجري على مستوى التفكير وحده؛ أي بلا عاطفة، كأني أقوم بتقديرات حسابية، وصرت بعد ذلك أتتبَّع الأخبار عن هذه الأطباق الطائرة، ولكن يجب أن أعترف أني لم أكن أتحدَّث إلى أحد عنها خشية أن يتهمني بالجنون، كما سبق لي أن اتهمت الذين تجرَّأوا على القول بأنهم شاهدوها.

وكثرت الشائعات، وتناقضت الأقاويل، وشرع قلبي يهمس بها إلى عقلي في خوفٍ وترقُّب، ولكن مع الصمت الذي التزمته خشية اللوم أو السخرية.

وحدث ذات صباح أن نشرت الجرائد أخبارًا بعناوين لوائية، تخفق على عرض الصفحات الأولى، تتلخص في أن روسيا أنزلت نحو ألف طائرة في وسط الصحراء الغربية في أفريقيا، وأنها تستعين بوسائل الشق الذري والالتحام الذري لإدارتها وإيجاد الماء بها، بل قيل إنها تصنع جميع الأغذية البشرية بالتأليف الذري في الصحراء.

وأعلنت روسيا تكذيبًا عاجلًا لهذه الشائعات، ولكن هذا التكذيب بدلًا من أن يطمئن الجماهير زادهم حيرة، وطارت مئات من الطائرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية للبحث في وسط الصحراء عن هذه الطائرات فلم تجد لها أثرًا.

وعم الناس بلبلة؛ فمنهم من قال إن الشائعات كانت كاذبة، ومنهم من قال بل إن المريخيين قد أنزلوا بعضًا منهم لاستعمار الأرض.

ولكن إذا كان المريخيون قد أنزلوا بعضًا منهم إلى الأرض فأين ذهبوا؟

كان هذا السؤال يتردد على ألسنتنا، ولكن كان الجواب عليه يشيع الرعب في قلوبنا، وكان هذا الجواب: أن المريخيين قد تعلَّموا لغتنا، وأنهم يتخلَّلون مجتمعاتنا ويدرسونها، وأن الأطباق الطائرة التي كان قد مضى على الشائعات الخاصة بها نحو خمس أو ست سنوات لم تكن في حقيقتها سوى طائرات تحمل إلينا المريخيين الذين كانوا ينزلون ويختلطون بنا ويتعلمون لغتنا، ويعيشون بيننا دون أن نفطن لحقيقتهم.

وأصبح هذا الرأي الأخير عقيدة، بل عقيدة مخيفة؛ فكنا عندما نجد شخصًا له وجه مستطيل بعض الشيء نقول في صمت وخوف: لعل هذا الرجل مريخي؛ إنه لا يشبه البشر كل الشبه.

ولكن المنطق الحسي أقوى وأرسخ من المنطق العقلي؛ ولذلك سرعان ما كنا ننسى هذا الموضوع عندما نئوب إلى بيوتنا ونجد طعامنا المألوف، وأولادنا، وسريرنا، وكل شيء كما تركناه في الصباح.

وكثيرًا ما كنت أقعد بالترام فأسمع بعض القاعدين أو الواقفين يتحدثون عن الأطباق الطائرة، وعن هبوط الطائرات في الصحراء الغربية، فكان أكثر المستمعين يهزُّون أكتافهم وهم يقولون: كلام فارغ!

ولكن كان يحدث أن يكون بين المستمعين واحد فيروي أنه قبل أيام كان يسير في الغروب — وكنا وقتئذ في رمضان — وكان الشارع خاليًا أو كالخالي في قسم العباسية، فإذا به يتقدم منه شخص طويل بوجه مستطيل، بل مستطيل جدًّا، وله شعر ذهبي، وحاول أن يكلمه، فغمغم ولم يُبِن، وتذكر الراوي أن هذا المتكلم مريخي قد استخفى كي يتجسس، فغمرته موجة من الرعب كاد يغمى عليه منها، ولكنه تماسك، وعدا بأقصى سرعة في الشارع الخالي حتى دخل بيته وهو منهوك مرعوب.

وقال أحد السامعين: أعوذ بالله!

وقال آخر في سخرية: كنت شارب كونياك أو زبيب؟

وأقسم الرجل أنه لم يشرب شيئًا.

وعمنا من هذه القصة جمود يشبه الذهول.

•••

وسارت بنا الأيام ونحن في قلق من هذه الأخبار، ولكنه كان قلقًا معتدلًا، لم نأرق منه، وأذكر أن أحد الأمريكيين كتب مقالًا أذاعته المحطات الرديوئية، خلاصته أنه على فرض أن المريخيين قد نزلوا واستقر بعض أفرادهم بيننا، يتجسسون، فإن هجومًا مريخيًا على الأرض لن يؤدي إلى انتصارهم؛ وذلك لأننا نعرف من أسرار الذرة مثلما يعرفون، وأننا نفكر في غزو المريخ قريبًا، وسيشغلهم هذا الغزو الأرضي عن غزونا؛ لأننا سنضعهم في مكان الدفاع.

واعتقادي أن هذا الكاتب كان يبغي نشر الطمأنينة، ولكن الواقع أنه زاد القلق؛ لأنه كان هناك عدد كبير من البشر يعتقدون أن الحديث عن المريخيين إنما هو حديث الخرافات والأساطير التي لا تُصدَّق، أما بعد هذا المقال فقد صار هؤلاء من المصدِّقين المترقِّبين لأسوأ الأحداث.

وفشت الأمراض النفسية بين الناس، وصارت الهستريا تصيب الرجال والسيدات، والمتقدمين في السن، كما لو كانت أنفلوانزا، وكثيرًا ما رأيت أحد القاعدين في مقاهي الأوبرا وشارع فؤاد يهبُّ صارخًا وعينه مثبَّتة في السماء، وكنا نسارع إلى نضحه بالماء حتى يفيق، فإذا أفاق لم يذكر ماذا فعل.

ورأيت أحد الشباب قد وقف في «جروبي» ثم نزع ملابسه كلها، وخرج يعدو وهو عريان يصرخ: التوبة، التوبة، أشهد أني تائب، اصفحوا عنا أيها المريخيون، وكان المسكين قد اختبل عقله من الوسوسة التي لازمته.

والواقع أننا كلنا قد اختبلنا، ولكن بدرجات تتفاوت؛ لأن أخبار الأطباق الطائرة تكاثرت؛ ولأن الحكومات نفسها، وهي تحاول نشر الطمأنينة، كانت تنشر القلق؛ لأن استعداداها الذي كانت تفخر به كان برهانًا على أننا على وشك حرب كوكبية قد تكون فيها نهاية العالم.

•••

وذات صباح خرجت الجرائد بنبأ مرعب، ولم يكن هذا النبأ سوى إعلان قد كُتب بحروف كبيرة في الصفحات الأولى من كل جريدة، وأنا أنقل نصه لقيمته التاريخية:

«نعلن نحن المريخيين السبعة أننا قد هبطنا الأرض بعد دراسة دامت أكثر من عشر سنوات، وأننا قد عرفنا كل كبيرة وصغيرة فيها، وأننا ننوي استغلال هذا الكوكب لخير الأرضيين والمريخيين معًا، وهذا بعد أن أيقنَّا أن الأرضيين قد عجزوا عن استغلال كوكبهم إلا بمقدار واحد في الألف لجهلهم للعلوم، بل إن هذا الاستغلال لم يتجاوز جزءًا يسيرًا من قشرة الأرض، وليثق الأرضيون أننا سنعمم، بما نعرف من علوم، الخير والرخاء والصحة بينهم، وأنهم سيحمدون لنا تولينا الحكم الذي ستظهر نتائجه بعد شهور.

وكل محاولة لقتل أحد المريخيين أو إيذائه ستؤدي إلى نسف القطر الذي ينتمي إليه، وإحالته إلى صحراء بالقوات الذرية التي نملكها، فليحذرِ الأرضيون، فإننا لا نريد أن نمحوهم، ولكننا نبغي الاشتراك معهم في استغلال كوكبهم».

قرأنا هذا الإعلان ونحن في رهبة، وإني لأذكر إحساسي في ذلك الصباح، ولا أخجل من أن أقول إنه كان إحساس الراحة بعد القلق، أو الطمأنينة بعد الخوف، حتى ولو كانت طمأنينة الموت.

لا … لم تعد هناك شائعات أو شكوك؛ فقد رسينا على يقين.

وظهرت الجرائد في طبعات خاصة بعد الظهر، وقرأنا فيها أن المريخيين السبعة يقيمون في طبق طائر على مسافة خمسة كيلو مترات من باريس، وأن الحكومة الفرنسية قد أوفدت إليهم وفدًا مؤلَّفًا من أعضاء الوزارة وكبار القضاة الذين قدَّموا لهم فروض الولاء.

وفي صباح اليوم التالي أعلنت جميع الوزارات في حكومات الأرض استقالاتها وقدَّمتها بالتلغراف للسبعة المريخيين.

وكان مما يلفت النظر أن السير «ونستون تشرشل» أوضح في خطاب استقالته حاجة بريطانيا إلى المستعمرات، وناشد المريخيين ألَّا يحرموها مستعمراتها، وكان «مالنكوف» حريصًا على أن يقول للسبعة إن النظام الاشتراكي هو بالطبع نظام المريخيين؛ لأنه النظام العادل، وتبرع «أديناور» بجيش ألماني يكون في خدمة المريخيين وينفذ إرادتهم، أما «أيزنهاور» فقد رحَّب بالمريخيين وقال إن الأمريكيين مستعدون لأن يشتركوا معهم في الأبحاث الذرية للإنتاج الحربي والسلمي معًا.

•••

وشرع المريخييون يصدرون القوانين؛ فجعلوا للبشر جميعهم قوانين موحَّدة للزواج والطلاق، وجعلوا التعلُّم عامًّا، ثم طلبوا تأليف اللجان لإصلاح الأرض وإخصاب مياه المحيطات.

وأُلِّفت أكثر من ثلاث مئة لجنة تولَّت إلغاء الجيوش والقوات الحربية جميعها، وتحويل ما كان يُنفق عليها من ملايين الجنيهات على استزراع الصحاري وإنشاء المصانع واستخدام الذرة في الإنتاج المدني وبناء المنازل وزيادة المحاصيل الزراعية، وكانت هذه اللجان هي الحكومات الحقيقية في أقطار العالم.

•••

ولم يحس الناس باختلاف كبير بين حكوماتهم القديمة وبين الحكومات الجديدة، إلا من حيث تعميم الرفاهية وزيادة مستوى المعايش؛ فإن المريخيين عندما أمروا بإلغاء القوات الحربية أفرجوا عن مقادير عظيمة من الثروة استُخدمت في زيادة الرخاء، حتى لقد قُدِّر دخل الفرد؛ أي فرد في أي مكان في هذا العالم، بنحو ألف جنيه في السنة، وأخذت المنفعة في اقتصاديات البشر مكان الأبهة، وأصبحت المرأة تلبس ملابس الرجال وتؤدي أعمال الرجال سواء.

وابتدع المريخيون شيئين لم يكن لنا بهما عهد:
  • أولًا: تعميم اللغة الإنجليزية لجميع البشر وإهمال سائر اللغات.
  • وثانيًا: إيجاد نوع من الزواج يقوم على الامتحان والكفاءة الذهنية؛ بحيث لم يكن يجاز للمتزوجين أن يعقِّبوا إلا إذا كان متوسط ذكائهم يزيد على درجة ١٠٠، وهي درجة المتوسطين، أما غيرهم فكان لهم الحق في الزواج ولكن مع حرمانهم حق التناسل.

وأصبحت الدنيا كلها قطرًا واحدًا وشعبًا واحدًا، ولم تعد هناك أية أمة تتعصب للونها الأبيض ضد الزنوج، كما لم تعد هناك فواصل بين قطر وقطر، وخضع جميع البشر لأوامر السبعة الكبار، عن خوف منهم في البداية، ولكن عن حب لهم بعد ذلك، حين أيقنوا أن الحروب قد انتهت، وأنه لم يعد هناك استعمار أو استغلال أمة كبيرة لأمة صغيرة.

ولم تُلغَ الحكومات السابقة إلغاءً تامًا، ولكنها استحالت إلى مجالس إقليمية أو بلدية مفخَّمة، تكاد تقتصر مهمتها على بناء المنازل واستزراع الأرض البور وتعميم التعليم وإنشاء المسارح والمتاحف … إلخ.

أما أعمال الحكومة العالمية في أيدي السبعة الكبار، فكانت تتسم بسمة عالمية، مثل زيادة الأسماك في المحيطات والأنهار، وتيسير الحصول على المواد الخام لجميع الشعوب بلا تمييز، وإيجاد مجارٍ جديدة للأنهار، ونحو ذلك.

•••

وأصبح السبعة الكبار أسطورة تلتف حولها الشائعات، ولم يكن واحد منهم يختلط بالناس، وكانت إقامتهم دائمة في بقعة تقرب من باريس يحرسها جنود من البشر، وكان القصر الذي يقيمون فيه رحبًا متعدد الغرف، للموظفين البشريين الذين يتسلَّمون أوامرهم ويبلغونها للمختصين للتنفيذ، وكنا نسمي هذا القصر «الحرم المريخي».

وحدث أن أقيم معرض للجمال دُعيت إليه أجمل فتيات العالم، وكان من أغرب ما عرف، مع محاولة الكتمان للخبر، أن السبعة الكبار اختاروا سبعًا من هؤلاء الفتيات، وقيل أنهن حملن منهن وظهرت سلالة خلاسية مهجَّنة من المريخيين والأرضيين، ولكن لم يرَ أحد هؤلاء الأطفال.

وكانت الشائعات تترى؛ فقد قيل إن بعض المريخيين كان يسافر إلى المريخ ويعود بتعليمات جديدة لسياسة الأرض، ولكن الذي كنا نخشاه جميعًا، وهو استيلاء المريخيين على أرضنا، لم يحدث، بل لم نرَ مهاجرين بتاتًا من المريخ.

وتقدم بعض منا إلى السبعة الكبار يطلبون السفر إلى المريخ، ولكن هذا العرض لم يُقبل، وفهمنا أن المريخيين يريدون إصلاح أرضنا وإلغاء الفروق المذهبية التي فرَّقتنا، وتعميم المساواة الاقتصادية، وإلغاء الجيوش، حتى لا تكون حرب في المستقبل، ويجب أن أعترف بأنهم نجحوا في كل ذلك؛ فلم يعد على وجه الأرض بارجة أو مدفع أو طائرة حربية أو قنبلة أو صاروخ ذري أو غير ذري، وعُمِّمت قواعد صحية في تحديد التناسل أطاعها الجميع؛ لأنهم وجدوا منفعتها لهم.

وعم استخدام الذرة، فصرنا نضيء بها المدن، وندير بها المصانع، ونشق بها الجبال، ونزرع بها الصحاري، وننزل بها الأمطار، وقد استطاعت الهند أن تغير مناخها بأن شقت جبال «هملايا» التي كانت تنتصب حاجزًا بينها وبين الرياح القطبية، وانخفضت بذلك حرارة الهند، وفُتحت جملة فتحات على الشاطئ بين مصر وطرابلس، فدخلت مياه البحر المتوسط إلى المنخفضات في الصحاري وغيرت المناخ، حتى صار معتدلًا بعد أن كان محرِقًا، وأنشئت السدود على النيل حتى لم تكن قطرة واحدة من مياهه تضيع سدى في البحر المتوسط.

وعاش الناس فيما كانوا يسمونه سعادة.

ثم حدثت الكارثة؛ فقد انفجرت الأسطورة: فإن الفتيات الجميلات اللائي اختارهن السبعة الكبار، وتزوجوهن، لم يطقن البقاء منعزلات في الحرم المريخي، وكنا نسمع شائعات عن أن الخلاف قد تفاقم بين واحد من السبعة الكبار وبين زوجته، ولكننا لم نكن على يقين.

وذات صباح خرجت علينا الجرائد بنبأ لا يقل خطورته عن ذلك النبأ الذي كانت قد أُخرجت به علينا قبل تسع سنوات بشأن نزول المريخيين على الأرض واستيلائهم على مقاليد الحكم، أما النبأ الجديد فهو أن السيدة «ماريان» قد فرَّت من الحرم المريخي، وأذاعت أن هؤلاء المريخيين كاذبون في دعواهم بأنهم من المريخ؛ إذ هم بشر مثلنا، وأنهم ادعوا دعوى المريخية عقب تفشي الشائعات بشأن الأطباق الطائرة، فاستغلوا هذه الشائعات، وزعموا أنهم مريخيون، وألَّفوا مجلسًا لحكم العالم، ونجحوا في هذا الزعم، وصدَّقهم الناس، وخضعوا لهم.

ثم ذكرت الأسباب التي دعتها إلى الفرار، وهي سبب واحد، هو أن زوجها المريخي الكاذب قد هجرها والتفت التفاتًا غير معتدل إلى زوجة آخر من السبعة الكبار، وحاولت «ماريان» أن ترد إليه صوابه فلم تفلح، وأخيرًا لم تتحمل الغيرة ففرَّت.

وعقب فرارها فرَّ السبعة الكبار أيضًا، ولم يُعثر لهم على أثر؛ لأنهم خشوا هجوم الباريسيين عليهم.

ولكن مع زوال السبعة الكبار لم تزل تلك الإصلاحات التي حققوها للعالم في السنوات التسع، فلم تحدث ثورة أو ردة، ولم يدعُ أحد إلى العودة إلى ما كنا عليه، وأصبح العالم أمة واحدة بفضل هذه الأكذوبة الكبرى التي كذبها علينا «السبعة الكبار».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠