الفصل الثالث والعشرون

هجرتنا إلى القمر

… وكان المفروض أن ننقل إلى القمر رجالًا ونساءً وصبيانًا مع أكبر عدد ممكن من الحيوانات والنباتات النافعة.

نحن في سنة ١٩٨٣، لقد نسيت ما كنا عليه في سنة ١٩٥٠، لقد ماتت هيئة الأمم بالهزال؛ لأن معظم الأعضاء تركوها، فلم يكن باقيًا فيها غير ثلاث دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا.

وكانت الحروب تقع من وقتٍ لآخر بين الهند والصين، أو إيران وبريطانيا، أو إيطاليا ويوغوسلافيا، فلا تُحدِث أي تأثير بين قراء الصحف لأنهم ألفوها.

ولكن على الرغم من كوارث الحروب ومذابح الاضطهادات، كان هناك إحساس عام بأن كوكب الأرض لم يعد يكفي سكانه، وأن هذا الضيق هو الباعث الحقيقي للحروب التي تنشأ من وقتٍ لآخر بين الأمم.

وشرعت مشروعات زراعية جديدة في أنحاء مختلفة من العالم؛ مثل الصحاري، ولكنها كانت بطيئة لم تكفِ الزيادة في السكان، كما طُلب إلى الأمم المتخلفة أن تحدد مقدار مواليدها، ولكن هذا الطلب لم يلقَ مجيبًا.

وكان العالم مشحونًا بآلات الحرب؛ أسلحة وأعتدة، وكانت عقلية الحرب تسود أممًا كبرى، فكان الجميع في خوف.

وأخيرًا استقر رأي الأمم الباقية في هيئة الأمم على مشروع غزو القمر، وكانت الفكرة الأولى استعماره، ونَقْل ما يزيد من سكان الأرض إليه، وكانت الفكرة الثانية الاحتياطية، أنه إذا فشل الاستعمار فعلى الأقل ستجد الأمم الكبرى أنها استنفدت ذخيرتها الحربية في إرسال القذائف إلى القمر، فلا تبقى هذه الذخيرة مادة التهابية مخزونة تبعث على الحرب، وقد تقضي على الحضارة، وقد ينقرض الإنسان.

وشرعت الدول الثلاث؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، في تهيئة القذائف إلى القمر، وكان المفروض أن تحمل هذه القذائف ناسًا وحيوانًا ومواد أخرى؛ كالطعام والماء والأكسيجين وبعض الآلات.

وشرع العلماء يكتبون عن القمر، وكان الرأي الذي انتهوا إليه هو أن القمر جزء من الأرض، وأنه نُزع من فجوة في المحيط الهادي، وموارده هي موارد الأرض، وكان المفروض أنه ليس به هواء يمكن للإنسان أن يتنفسه، ولكن العلماء الذين بحثوا عناصر القمر قالوا إن الأحجار التي فيه تحوي عنصر الأكسيجين، فإذا نقلنا معنا آلات تفرز العناصر والغازات، استطعنا أن نستخرج من القمر جميع العناصر التي بالأرض من غاز إلى سائل إلى جامد، بل استطعنا أيضًا أن نصنع الماء؛ إذ هو مركَّب من الأكسيجين والأيدروجين، وكلاهما يوجد في القمر مختلطًا بمواد أخرى.

وكان المفروض أيضًا أن ننقل إلى القمر رجالًا ونساءً وصبيانًا مع أكبر عدد ممكن من الحيوانات والنباتات النافعة، وعلى هذا الأساس اختير عدد كبير من المتطوعين من أمم مختلفة.

وكنت أنا أحد هؤلاء، وكان على القذيفة أن تخرج بسرعة كبيرة جدًّا من منطقة الجاذبية الأرضية، ثم بعد ذلك تسير وحدها بقوة الاندفاع الأول نحو القمر، وكان حسابنا أن سياحتنا لن تزيد على تسعة أيام، وكل ما كنا نخشاه هو أن القذيفة التي ستحتوينا قد تنفجر عند انطلاقها وتذرونا هباءً قبل أن نخرج من الأرض.

ولكن لم يحدث هذا؛ ففي صباح ٧ نوفمبر من عام ١٩٨٤، خرجت من الأرض عشرون قذيفة من أنحاء مختلفة، وصلت جميعها سالمة إلى أنحاء مختلفة من القمر، وشرعت كل جماعة تعمل على دراسة البقعة التي نزلت فيها، وتتصل بسائر الجماعات للاستنارة والاستعانة، وكانت المكالمات الرديوئية لا تنقطع بينها والتفاهم تامٌّ.

•••

والآن أصف للقارئ كيف انقذفنا من الأرض نحو القمر؛ فقد صنعت لنا أنبوبة من مركبات معدنية خفيفة، ولكنها متينة، وكان قطرها نحو سبعة أمتار، أما طولها فكان لا يقل عن ثلاثين مترًا، وكانت غرفًا منفصلة؛ كان بعضها لرصد الكواكب والنجوم، وبعضها للحيوانات وبذور النباتات، وبعضها للأطعمة والعقاقير، وبعضها للراحلين إلى القمر، وكان جزء كبير من هذه الأنبوبة مخزنًا للآلات والأدوات التي يمكن الانتفاع بها في العودة إلى الأرض.

وقد صُنع للأنبوبة مخزن أرضي حُشي بالمواد الانفجارية، وأُطلقت بمقاييس دقيقة، وأحسسنا بهزة عنيفة عند انفصالنا من الأرض واندفاعنا في الفضاء، وبعد ثلاث ثوانٍ أُطلق صاروخ من خلف الأنبوبة، ثم صار يُطلق صاروخ كل ثانيتين، وبقينا على ذلك نحو أربع ساعات كنا قد قطعنا فيها مسافة بعيدة من الأرض، ودخلنا، أو أوشكنا على أن ندخل منطقة الفضاء التي تضعف فيها جاذبية الأرض، وبعد أقل من يومين صرنا نحس أننا نسير في الفضاء بلا جاذبية؛ فلم تكن الأرض، وكذلك لم يكن القمر، يجاذباننا، ولكن اتجاهنا كان يسير نحو القمر بقوة الاندفاع الأول … وكنا ننظر إلى الأرض، فكانت تبدو لنا كما لو كانت قمرًا يزيد مساحةً وضوءًا نحو عشرة أضعاف القمر الذي كنا نسير نحوه.

وهنا حدثت مأساة ما زلت أذكرها؛ فقد كنا قد حملنا معنا الكثير من الحيوانات، وكانت عندنا شاة وكلبة تأثرتا بالصدمة الأولى عند اندفاعنا من الأرض، وكانت كلتاهما تقيء ولا تأكل، ثم ماتتا.

وخشينا أن تتعفنا، ووُكِل إليَّ إخراجهما من الأنبوبة، وكانت لها أبواب كثيرة، ورأيت أن أقذف بهما في اتجاه ينحرف عن سيرنا؛ حتى لا تسيرا معنا في اتجاهنا نحو القمر، وكانت الغرف تحتوي حواجز عديدة كان علينا أن نقفلها واحدًا بعد آخر حتى لا يتسرب الهواء إلى الفضاء، وما زلت أجرُّهما حتى انتهيت إلى آخر غرفة وقذفت بهما بأقصى ما يستطيعه ذراعي من الدفع.

ورأيت عندئذ منظرًا لن أنساه؛ فإن الشاة والكلبة اندفعتا في الفضاء، وكانت الشاة تسير وخلفها الكلبة وكأنهما تسبحان، وكان الفضاء خواء، فأقفلت الباب الزجاجي وبقيت أرقبهما وأنا في فتنة بهذا المنظر، وجعلت أتأملهما وأفكر أن هاتين المسكينتين ستجوبان الفضاء وهما على هذه الحال مليون سنة، ألف مليون سنة، وليس هناك ما يعوقهما، ولن تتعفنا، ولن يحيق بهما بِلًى أو فناء؛ إذ لا يمكن أن يحيا الميكروب فيهما؛ لأنه يحتاج إلى الهواء، كما لا يمكن التفاعل العضوي الداخلي أن يفكِّك أجزاءهما.

وقد مضى على هذا الحادث أكثر من سنتين، وما زلت أحس عندما أذكر أن الشاة والكلبة تسبحان في الفضاء الأبدي، كما لو كانت سكين تقطع رأسي، أو أحيانًا أستيقظ من النوم فزعًا من الرؤيا، وأحيانًا أجدني أقول لنفسي:

وماذا علينا إن كنا أبقيناهما ثم دفنَّاهما في أرض القمر كما هو حق الموتى؟ إنهما في الفضاء الآن وسيكونان في الفضاء بعد ألف مليون سنة، إلى الأبد، إلى الأبد، يدوران مع الكواكب ويسيران مع المجرات.

•••

وقبل أن نصل إلى القمر بنحو ساعتين جهَّزنا الآلات التي نحتاج إليها للخروج من الأنبوبة وللهبوط بها سالمين على أرض القمر، وكان كلٌّ منا في شِكَّة تشبه شِكَّة الغطاسين، وكان داخل الشِّكَّة مخزن صغير للأكسيجين وبعض الغازات الأخرى.

وأمضينا الساعات الأخيرة قبل وصولنا إلى القمر ونحن نتأمله، وكان صحاري قاحلة، وهوَّات تشبه فوَّهات البراكين، وحولها جبال عمودية كأنها أسوار مبنية.

وصادف هبوطنا النهار، فلم نخرج؛ لأن الشمس كانت تضرب أرض القمر وترفع الحرارة فيه إلى درجة غليان الماء على الأرض، وانتظرنا إلى قرابة الغروب، فخرجنا وجولنا فيه قليلًا، ثم عدنا عندما أمسينا؛ لأن درجة الحرارة نزلت إلى الصفر، بل تحت الصفر بكثير.

وكنا — بالطبع — نعرف كل هذا، وكنا ننتظره قبل الوصول إلى القمر؛ ولذلك أعددنا مساكن من الزجاج الطري، وكانت الجدران طبقات لا تنفذ منها حرارة الشمس في النهار، كما لا تتسرب حرارة المسكن إلى الخارج في الليل.

وكنا قرابة أربع مئة من الرجال والنساء، وشرعنا منذ وصولنا في رصد الأجواء القمرية، وفي البحث عن الماء، وغازات الأكسيجين والأيدروجين، والنباتات والحيوانات.

وقد خابت آمالنا، أو بالأحرى لم نجد ما كنا نحلم به، ولكن لم يكن فينا واحد من الأربعمائة غير متخصص في عمل كيميائي أو بيولوجي أو معدني أو صناعي؛ ولذلك شرعنا نستخلص الغازات الحيوية من صخور القمر، ونبني بيوتًا للنبات والحيوان ونصنع الماء، واستطعنا أن نجد — قبل أن يمر علينا عام — فجوات وتخاريب في الأسوار والجبال لا تحرقها الشمس، بل وجدنا فيها عددًا غير صغير من النباتات والحيوانات البدائية، فصرنا نأكل منها ونستنتجها بأساليبنا الأرضية العلمية.

وشيَّدنا بيوتًا كبيرة للسكنى، تعددت جدرانها وسقوفها، ووضعنا فيها هواء يتفق وحاجاتنا في التنفس، فلم تكن حرارة النهار أو برودة الليل تؤثر فيها.

وبالطبع هناك من كانوا يعتقدون أن بلوغ الحرارة في النهار إلى درجة ١٠٠ فوق الصفر، وفي الليل إلى نحو ١٠٠ تحت الصفر، كانوا يعتقدون أن هذه الحال لا تطاق، ولا يمكن للإنسان الأرضي أن يتغلب عليها، ولكن الواقع أن هذا الاختلاف كان مصدر القوة لنا ونحن في القمر.

ألا تعرف أن مصانعنا وسياراتنا وقطاراتنا وطائراتنا على الأرض إنما تعمل كلها باختلاف الحرارة داخل القاطرة أو الموطر أو الآلة البخارية وخارجها؟

كنا على القمر نجمع حرارة الشمس ونسلِّطها على السوائل أو الغازات التي نجمعها فتتمدد داخل خزانات قوية الجدارن، وكانت تبقى مضغوطة، فإذا كان الليل وهبط الترمومتر من ١٠٠ فوق الصفر إلى ١٠٠ تحت الصفر أطلقنا الغازات فأدرنا بها آلاتنا وولَّدنا بها القوة الكهربائية للإضاءة والإدارة وإيجاد الحرارة الملائمة لحياتنا وحياة النبات والحيوان.

كانت الشمس فحمنا وبترولنا في النهار، وكنا نجد فيها كنزًا لا يفنى في إيجاد القوة والتدفئة في الليل، وأصبح عندنا العديد من المصانع، ولكن أكثرها كان يتخصص في صنع الآلات وبناء البيوت.

وكنا بالطبع نحيا حياة اشتراكية؛ فلم يكن لدينا ونحن أربع مئة شخص أكثر من عشرة بيوت، وقد نجحنا في زراعة جميع الحبوب الغذائية التي كنا نزرعها على الأرض، وذلك بإيجاد المباني من طبقات الزجاج التي تحمي النباتات من حرارة الشمس، وتمنع تسرب الهواء منها في الوقت نفسه، فينمو النبات والحيوان فيها نموًّا سريعًا عظيمًا.

وحدثت حوادث دلَّت على أنه لا يزال بيننا صغار من الرجال لم ينضجوا، ولم يعرفوا دلالة غزو الإنسان للقمر، فمن ذلك أن أحد الإنجليز عندما هبط القمر أخرج راية إنجليزية وغرزها وقال:

– هذا ملك بريطانيا.

وفعل مثله فرنسي، وفعل مثله ألماني.

وكان العقلاء يضحكون من هذه السخافات، ولكن الواقع أن هذه الرايات قسمتنا طوائف كما كنا على الأرض، وحدثت حرب صغيرة انتهت بأن القمر للقمريين وحدهم، وأن اللغة العامة هي الإنجليزية، وشرعنا ندرس كيف نؤسس مجتمعًا جديدًا بقوانين جديدة عن الزواج والطلاق وتربية الأبناء ونظام الحكم، وكانت المناقشات تحتدُّ بيننا، وكان أسوأ ما فيها أن بعضنا كان يريد أن ينقل الحزازات الاجتماعية والعنصرية والدينية إلى القمر، حتى لقد حدث ما يشبه الحرب الدينية.

ولكن العقلاء تغلَّبوا في النهاية، ومنعوا دراسة التاريخ الأرضي لمدة عشر سنوات؛ حتى ينسى القمريون أصول شحنائهم على الأرض.

وكان أحسن الأوقات في القمر تلك الليالي التي كان يسطع فيها نور الأرض علينا بقوة كبيرة جدًّا بحيث كان يستحيل الليل نهارًا، ولكن بلا شمس، فكان يخرج كل منا في شِكَّته التي تشبه بذلة الغواص على الأرض ونتنزه ونلعب.

ومع أن هذه الشِكَّة التي كان يلبسها كل منا لم يكن يقل وزنها على الأرض عن مئة رطل، فإننا لم نكن نحس بثقلها؛ لأن الثقل هو في النهاية جاذبية، وجاذبية القمر صغيرة جدًّا، بل إننا لو كان في استطاعتنا أن نسير على القمر دون أن تُثقلنا هذه الشِكَّة لكانت خطواتنا وَثَبات نرتفع بها عشرة أمتار في الهواء وننزل ثانيًا.

وكان اتصالنا الرديوئي بالأرض على أحسن ما يكون، وكنا نستمع إلى الإذاعات والأغاني، ونحس أن مشكلات الأرض لم تعد مشكلاتنا؛ ولذلك أقمنا محطة إذاعية خاصة لنا، وكان مستواها الثقافي عاليًا؛ لأننا كلنا كنا من المتخصصين في العلوم.

وشرع بعضنا، بعد أقل من سنتين، يبحث موضوع الاستعداد لغزو الكواكب القريبة التي كنا نرصدها من القمر بأفضل وأدق مما كنا نرصدها ونحن على الأرض؛ وذلك لأن طبقة الهواء التي تكسو الأرض ليس لها ما يضارعها على القمر، والرؤية التلسكوبية — لهذا السبب — واضحة كل الوضوح.

•••

وقد عدنا إلى الأرض ونحن عشرون في سنة ١٩٨٧ بحسب تاريخ الأرض، (وسنة ٣ بحسب تاريخ القمر)؛ كي نشرح للأرضيين أحوال القمريين وندعوهم إلى الهجرة إلى القمر.

وقد مضى عليَّ وأنا بالأرض نحو ستة شهور، وشوقي إلى القمر لا يعدله شوق؛ إذ هو خلوٌ من هذه الخلافات الأنانية الصغيرة التي تشغل الأرضيين، ولكن شيئًا واحدًا يؤلمني، هو هذه الشاة والكلبة خلفها، تسيران في الفضاء إلى الأبد، إلى الأبد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠