الفصل السادس

خريف + ربيع

لقد امتاز بعبقرية الذهن، لا شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك فرقًا بين عبقرية الذهن وعبقرية الحياة!

استيقظ الأستاذ ماجد حوالي الساعة الأولى من الصباح، وكان قد آوى إلى فراشه في الساعة الحادية عشرة بعد سهرة تحامل على نفسه فيها وهو متعب.

وأحس أن قلبه يدق دقات غير منتظمة، وأن في رأسه دوارًا، وكانت زوجته غارقة في النوم على سرير آخر، ففكر في إيقاظها، ولكنه عاد وتساءل: وماذا يمكنها أن تصنع؟

وازداد الدق في ألم كما لو كان جرحًا يضرب، ثم صار خفقانًا والتهاثًا، فترك نفسه على سريره وهو يقول: إذا كانت هذه هي النهاية فلتكن!

وبقي في قلق وعرق نحو ربع ساعة، عاد إليه بعد ذلك هدوء في النفس وصفاء في الذهن، فاعتدل بقدر ما يستطيع في فراشه وجعل يفكر.

وتقلبت زوجته على سريرها، وخشي أن تراه يقظًا، فتناوم، ووضع ذراعه على رأسه، حتى اطمأن إلى أنها نائمة، وعاد إلى نفسه يبحث كأنه يحقِّق، ثم تنهد وهو يقول:

– قد لا أنجو مرة أخرى من مثل هذه النوبة، وقد تفاجئني في الليلة التالية أو بعد عشر سنوات، هذا ما لا أعرف، ولكني أعرف أني حي الآن.

ثم انبسط أمامه فيلم حياته الماضية؛ إنه الآن في الخامسة والستين من عمره، وهي سنٌّ خطرة، قلَّ مَن يتجاوزونها في مصر، وهم في أوربا يبلغونها وهم شبان بفضل العيشة الصحية التي يعيشونها: طعام بلا دسم، ورياضة يومية، ونزهة سنوية، وشباب يُستأنف عامًا بعد آخر بلا حياء كاذب.

وهو الآن أستاذ معروف في الجامعة وفي غيرها من المحافل الثقافية، وقد ألَّف كثيرًا من الكتب العلمية والفلسفية، وعاش طيلة حياته الماضية وليس له هدف سوى احتواء المعارف وتمحيصها، ودراسة الإنسان والكون. وقد أحاط بالثقافة العالمية، حتى ليمكن أن يقول عن نفسه إنه أكثر الناس ثقافة في بلاده، وأنه ليس هناك ذهن بشري قد وجد من العناية أكثر مما وجد ذهنه؛ فإنه يتصور الكون ويعرف تاريخ الإنسان، ولقد درس من الموضوعات ما لا يخطر على أذهان المثقفين، أليس في مكتبه نحو عشرة كتب ضخمة عن النباتات؟ ثم ألم يشرع هو منذ ثلاث سنوات في دراسة الذرة؟

إنه لا شك عبقري الذهن!

ولكن ما قيمة حياته؟ هل كانت هي الحياة المثلى التي لم يكن ليستطيع أن يختار غيرها لو أنه كان قد خُيِّر في بداية عمره؟

وتضاربت الأفكار والخواطر حتى احتواه النوم، واستيقظ في الصباح وتحدَّث إلى زوجته، وفاجأها بأنه ينوي زيارة الهند، وتأملتْه وهي لا تصدق ما تسمع، ونهض إلى مكتبته، وقعد يتأمل ولا يقرأ.

وبعد أن تأمل صفحات حياته الماضية فكَّر وحاول أن يتعقَّل؛ لقد امتاز بعبقرية الذهن، لا شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك فرقًا بين عبقرية الذهن وعبقرية الحياة.

لا شك أنه فيلسوف وعالم وأديب وكل شيء، لقد حفِلت حياته بالإحساس والتفكير، ولكنها لم تحفل بالحوادث والاختبارات.

ثم عارض نفسه وهو يقول: ولكن لماذا أقول هذا؟ ألم أحب؟ أحببت امرأتين أخلصتْ كلتاهما لي.

ولكنه تذكَّر حبَّه للمرأة الأولى، وكان مأساة؛ فلقد بسطتْ أمامه المائدة بكل ما تحتوي من شهي الطعام، وشرع يأكل، ولكن لقمة واحدة لم تدخل فاه، كأن شللًا قد أطبق شفتيه، وحاولت هي أن تفتح شفتيه، ولكنها عجزت، وبحث، ونقَّب، ودرس، وفكَّر، ثم عرف أن ثقافته قد أرهفت إنسانيته فجعلته يرى في الطعام لحمًا يصرخ بأنه من الحيوان فترفَّع عنه.

ألم يعش قرابة سنتين وهو لا يذوق اللحم؟

لقد كان ذهنه متخمًا بالفنون والآداب التي أفسدت معاني الحب عنده، وكما جعلته يعزف عن طعام اللحم جعلته أيضًا يعزف عن لقاء اللحم؛ لقد كان يحب بذهنه، ولكنه كان يجب أن يحب بإحساسه أيضًا، ولقد هنئ غيره بالشهوات الأرجوانية أما هو فلم يعرفها؛ لأن دمه شحب بالدراسة وفقد أرجوانيته.

ولكن الحب عاد فدخل قلبه واستقر وأثمر في المرة الثانية.

ثم قال: ولكن حياتي الماضية لم تغصْ إلى الأعماق، ولم ترتفع إلى القمم؛ لقد عشت في وادي الحياة، لم أعرف إحساس الخطر، ورعشة التحدي له، أو لذة الفرار منه، لم أعش في باريس حين حاصرها الألمان، ولم أخرج مع الناجين ومدافع الألمان تطاردهم، ولم أتذوَّق علقم الحياة من بؤس أو فقر أو مرض، وكان يجب أن أجرع هذا العلقم حتى أقيء منه.

«لقد كانت حياتي حياة الأفكار، ولم تكن قط حياة الحوادث والاختبار»!

لقد خرج «ثورو» إلى الغابة، وفر من المدينة الأمريكية التي كان يسكنها، وأراد بذلك أن يتعمق الحياة ويقف «على حِدَة» يتأملها في وحدته وعلى بعد من صخب المجتمع، ولكنه هو لم يترك مكتبته؛ لأن حياته كانت حياة الدرس والثقافة فقط.

أين الغابة التي يستطيع أن يلجأ إليها كي يفكر «على حدة» دون أن ينزل على آراء المجتمع؟ أين الغابة التي تحدث فيها الحوادث وتقع الأخطار ويجني منها الاختبار؟

•••

وفي هذا اليوم لم يفتح كتابًا، ولم يكتب حرفًا؛ إذ كان قاعدًا وكأنه في ذهول، وسمع نفسه يقول إنه سيزور الهند واليابان قبل أن يموت.

وتنبَّه بصرير التليفون، فتناول السماعة، وإذا بصديق يدعوه إلى تمضية المساء عنده.

ورحَّب، على غير عادته السابقة، بهذه الدعوة، ووعد بالذهاب إلى منزل صديقه الساعة الثامنة.

إنه لا يريد أن يقرأ أو يكتب، إنه يريد لقاء الناس؛ إذ لم يبقَ من العمر سوى فترة قصيرة أو طويلة قبل نوبة أخرى كهذه النوبة التي أيقظته في الليلة الماضية.

وكان عند صديقه في الميعاد، وتحدَّث إلى كثيرين في طلاقة وابتسام، وأحس انتعاشًا لجو الطرب الذي كان يسود الزائرين؛ فكانوا يضحكون لأتفه نكتة، ويشربون ويأكلون في سذاجة وحيوانية، وأكل معهم وشرب قليلًا، ثم انتحى ناحية وقعد، وجاءت إليه فتاة عرف منها أنها معلمة، ويبدو أنها لا تزيد على الخامسة والعشرين من العمر، وطال الحديث بينهما، وكانت هي تتحدث كما لو كانت مسحورة بشخصيته، كما كان هو مرتاحًا إلى إعجابها به، وإلى وسامة ملامحها وهدوء نظراتها، وكانت من أجمل ما سمعه منها قولها: أنت إنسان.

ومع أنه كان قد سمع هذه الكلمة قبل ذلك، فإنه كان لوقعها في نفسه، من هذه الفتاة، أثر الطرب الغامر؛ فقد قالتها في وداعة ورقة بالغتين، كما لو كانت تقبِّل رأسه وتمسح جبينه.

لا بد أنها قد قرأت مؤلفاته.

وتحدثت الفتاة إليه عن شخصية المرأة، وعن حكمة العيش، وعن الكتب، وعن التربية، وعن مؤلفات «أندريه جيد» و«بول سارتر»، وكان يجيب في يسر حتى أحست هي ألفة لم تكن تنتظرها، فلم تخجل ولم تتحفظ.

وترك السهرة وعاد إلى منزله، وفي نفسه أغنية؛ فإن صورة هذه الفتاة لم تبرح ذهنه؛ إنها حين كانت تتحدث كانت ترفع رأسها إليه، فكان يرى عنقها الذي يستهدف ذقنها من أعلى وينساح عن صدرها من أدنى، وهو يذكر أنه وهو قاعد إليها قد تخيلها وقد أرسلت شعرها على وجهها، فانساح حول وجهها إلى كتفيها، ثم تأمل عينيها ونظر إليها، ثم من خلالهما، إلى هذا الذهن الذي يسأل ويستطلع في ذكاء وقصد. أنها تمتاز بعقل متسائل.

ثم طرد هذه الخواطر وهو يقول: كأني أحبها! رجل في الخامسة والستين يحب فتاة في الخامسة والعشرين؟! حب عقيم، وهو على كل حال من طرف واحد؛ إذ لا يُعقل أنها يمكن أن تحبني!

وفي صباح اليوم التالي عاد خيالها يتجسَّم، وعاد هو يتخيل ويتحدث إليها ويستمع إلى إجابتها، ثم يطرد هذه الخواطر بعزم وعنف.

ثم قال: الواقع أني لا أحبها، ولا يعقل أني أحبها، وكل ما في الأمر أنها شغفتني بإعجابها بي وبحديثها.

ولكن ساعي البريد جاء بعد يوم بخطاب منها، وعرف أن اسمها «فتنة»، ولم يجد في الخطاب غير سطور عن إعجابها به وشكرها له، ثم رجاء بلقاء آخر.

فعاد يتأمل، ثم يفكر، وماذا لو لقيَتْه؟ لعله يحتاج إلى مثل هذا اللقاء الذي يكسبه إحساسًا مجددًا بالشباب، كما تنتفع هي بحديثه. نعم، هو لقاء تلميذة بأستاذها.

وتقابلا، ثم تكرر اللقاء، ولم يكن يخاطبها باسم فتنة؛ لأنه وجد في ذكائها وإنسانيتها ما جعله حين يخاطبها يقول: يا نفس.

كان يحس أنها نفس أكثر مما هي جسم، وأنها إحساس أكثر مما هي تفكير، وأحبت فتنة هذا الاسم، وقالت: جميل هذا الاسم؛ اسمي نفس.

وسطعت «نفس» على حياته وأشرق ذهنه، وكان في الصباح، وهو قاعد في مكتبه، يتناول القلم ثم يؤلِّف بيتين من الشعر، لا يتمُّهما حتى يضحك ويمزق الورقة.

وذات صباح، وهو في مكتبه، تذكَّر «نفس»، فأحس انتعاشًا واعتلاءً، وكتب هذه الكلمات:

«إني ما زلت أقتفي أثر شبابي وأنزع نزعته»!

ثم تأمل معاني هذه الكلمات وضحك، ومزق الورقة.

•••

وكثرت المواعيد والمقابلات، وكانا يخرجان لمقابلة الربيع في الحقول؛ حيث يعبق الجو بأزهاره، وحيث تنشد الطيور أشعارها على الأشجار، ثم تكون بينهما كلمات وهمسات وقبلات، ثم يفترقان ويعود الأستاذ ماجد إلى منزله ليتلقَّى وخزات ضميره: ما الذي يبغي من هذا الحب؟ إنه يعبث بالفتاة. وصحيح أنه مخلص في حبه صادق في إحساسه، ولكن مكانة كل منهما الاجتماعية، والفرق الشاسع بين عمريهما، يجعلان من كل هذه المقابلات عبثًا؛ إذ لن تنتهي بزواج.

ثم يعتذر أمام ضميره فيقول: ولكنها تنتفع بحديثي؛ لأني أربِّيها.

ولكن ضميره يرد في غلظة: أنت تغالط، وأنت تعرف أنك تثلم شرفها بالإشاعات، وتعطل زواجها من شاب في عمرها يعطيها قدر ما تعطيه من قلبها، وهذا ما لا تقدر أنت عليه؛ خير تربية لها هو زواجها.

ثم تغمر ذهنه غيمة من الظلام والأسف؛ لأن عقله يناقض قلبه. أجل، يجب أن يعترف بالحق، وأن يقول لها إنهما لا يتكافآن؛ إذ هو في سياق الموت، وهي في انتظار الحياة، هو في خريف العمر، أو في شتائه، أما هي فلا تزال في ربيع عمرها.

وبعد أيام قصد الأستاذ ماجد إلى الآنسة «نفس» وأخبرها بضرورة انفصالهما، وقال: لا أعرف إذا كنت عاقلًا أم جبانًا، ولكن على أية حال يجب أن تتزوجي شابًّا في سنك، وأن تسكبي عليه كل ما عندك من حب، أما أنا فحسبي عبقرية الذهن، أما عبقرية الحياة فقد مضى أوانها عندي.

وفزعت «نفس» من هذا التغير، وأصرت على أنهما زوجان؛ زوجان في الروح، وأنها لا تطلب أكثر من ذلك.

ولكن الأستاذ ماجد أصر أيضًا على أنها يجب أن تتزوج وتحيا حياة بعيدة عنه؛ لأنه لا يكفل لنفسه أو لها السلامة في هذا الحب الذي وصفته بأنه «روحي».

إن هذا الحب بلا شك، إلى الآن، كما وصفته، ولكن هل يمكنهما الصبر على ذلك طويلًا؟ وما بقي من عمره هو سنوات معدودات، وقد لا تكون أكثر من شهور، أما هي فأمامها نصف قرن، وعليها أن تختار هذا الشريك الذي يرافقها في هذه الرحلة الطويلة.

وقال: لا بد من الانفصال، لا بد.

ثم صمت، وعاد إلى الكلام وقال: عودي إلى الحياة، وسأعود إلى مكتبي.

وتألمت «نفس» وبكت، وتوسلت، ومسح هو دموعها، وقبَّل شعرها ووجهها وهو يرتعش، ثم جرى الحديث بينهما كما لو كان عتابًا واعتذارًا بين عاشقين، واقتنعت هي، من حيث لم يقل لها، فإن فراقهما هو الوسيلة الوحيدة لأن يعود الأستاذ ماجد إلى دراساته التي انقطع عنها لاشتغال قلبه بحبها.

ثم صار الحديث وداعًا ودموعًا، أنها لن تنساه، أنه لن ينساها، ولن تنقطع المكاتبات بينهما حتى بعد أن تتزوج من شاب في عمرها، وقالت وهو يمسح دموعها: إن ما يربطني بك أقوى من أية رابطة أخرى.

وتزوجت «نفس» من أحد الأطباء الشبان، وأصرت على استبقاء هذا الاسم الذي يذكرها على الدوام بزواج روحي سابق لن يلغيه طلاق، أما الأستاذ ماجد فقد أحس أنه لا يطيق رؤية مكتبه وقراءة كتبه، فتجهَّز وسافر إلى الهند في «رحلة ثقافية»؛ كي يختبر الحياة بما بقي له من وسائل الاختبار.

وبعد سنين كان أصدقاء الأستاذ ماجد العارفون يقولون إنه كان عاقلًا، أما هو فكان يقول عن نفسه إنه كان جبانًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠