المقدِّمة

لقد حان لنا النهوض!

تحت السماء الصافية، على الجبال الشامخة، تجاه البساتين الزاهية، في السهول الصامتة، بين الجدران القائمة وحيال المواد المتراكمة وقف الفيلسوف وسيقف إلى الأبد يتأمل الموجودات ويراقبها متفهِّمًا حركاتها واختلاجات نفسه، ومحدِّدًا العلاقة الكائنة بين الاثنين، ثم يُدوِّن ما يتوصَّل إليه من القواعد والموازين بأسلوبٍ منطقيٍّ؛ إرشادًا للبشرية ودليلًا للمنشغفين بالوجود الشامل.

من جميع الأمم، ومن سائر الممل والنحل خرج الفيلسوف وسيخرج؛ لأن مادة الفلسفة تأبى الجزئية، وتستعصي على الإحاطة والحصر.

تتعاقب الأجيالُ، وتتوالى السنون، والفلسفة تعمل بِهِمَّةٍ لا تعرف الملل، وعزمٍ لا يعتريه خوار على إيصال الإنسانية إلى ذروة الكمال ومسكن الجلال، غير عابئة بما يعترضها من الصعاب، ويقوم بوجهها من العقبات الكأداء.

هي كامنةٌ في جميع العقول كمون النار في الهشيم، ومستعدَّة لأن تقود العاملين في تعاليمها إلى حظيرتها الآمنة، ولكنها إذا وجدت مقاومة في شعب من الشعوب، أو أُمَّةٍ من الأمم تنتقم لنفسها انتقامًا مريعًا.

يكفي قليلٌ من النظر إلى العِلم لنتحقَّقَ من امتناع نمو الفلسفة بذاتها وحدها بدون نمو سائر الملكات؛ ذلك لأن جميع عناصر العقل يجب أن تبلغ إنماءَها قبل التأمل؛ ولكون التأمل المرتَّب على نمط معيَّن لا يظهر إلَّا متأخرًا وبعد سائر الملكات. ونحن لا نتبسَّط في بيان هذه الظاهرة؛ لأنَّها من الحقائق الملموسة في طبيعة الأمم والأفراد على السواء،١ وأقتصِرُ على الإقرار بأن مجرى الأمور في الشعب العربي لم يكن مختلفًا عنه في غيره؛ فإن الفلسفةَ العربيةَ لم تكن نبتًا في صحراء، ولا ثمرةً غير منتظرة؛ بل كانت ثمرةً لغرسةٍ ناضجةٍ، ونبتًا لأرضٍ مشغولةٍ.

قبل الترجمات نرى العقلَ العربي كبيرًا دقيقًا يود الإبداع والتحليق في سماء النظريات السامية، إلا أن معارفه الضعيفة ومداركه المحدودة الآفاق تكسر أجنحته وتُرغِمه على إرسال الحِكَم الشعبية دونما اكتراث بالتحاليل المنطقية، لكنه لمَّا اطلع على الثقافات الأعجمية، وتبحَّر في الفلسفة اليونانية، اتسعت دائرة تفكيره، واستطال نفَسُه، واتخذ اتجاهًا آخر يختلف عن الأول تمام الاختلاف، فظهرت الشيع العلمية، وكثرت المجادلات المنظَّمة، وثارت المساجلاتُ القائمة على الحُجَّةِ والبرهان، وتمخَّضت العقول بالنظريات الجديدة، فصحَّ المبدأُ المتناقل أن العِلمَ لا يختص بِشَعبٍ من الشعوب، ولا بجيلٍ من الأجيال؛ بل هو مشاع للجميع، وأنواره التي تشرق في إحدى البلدان المتمدِّنة يجوز لغيرها من الأمم الاستضاءة بها، ولو كانوا في المجاهل السحيقة والسيارات العلوية، والمعروف أن ما زُرِعَ من الأفكار العلمية في أحد البلدان، أو في أحد العصور نبت وأينع في بلاد ثانية أو عصر آخر، فرُبَّ فكرة تظهر في لبنان مثلًا يأخذها عَالِمٌ فرنسيٌّ، ويتعمَّق في درسها وتحليلها، ويزيدها صقلًا ونحتًا، ثم يرسلها نظريةً فتَّانة ترفل بثوبٍ قشيب.

وعندما نطلع على المصنفات التي نُقِلت من اليونانية إلى العربية ومدى التأثير الذي أحدثته في المفكرين الأعارب، نعترف بأن الحضارة العربية هي مدينة لإغريقيا في رقيِّها أكثر من غيرها؛ لأنَّها أمها في جميع أمور العقل تقريبًا؛ إذن على أبناء الضاد ألا ينسوا هذه الحقيقة الواضحة؛ لئلَّا يُرموا بالكفران وإغماط النعمة.

وقولنا: إن الشعب العربي هو ابن إغريقيا في أمور العقل لا يعني أنه كان ناقلًا فقط؛ بل قد أدَّى إلى جميع العلوم رسالته، وحَفِظ تراث الأقدمين الثمين، وزاده كمالًا وجمالًا، إلا أنه في الفلسفة لم يتمكَّن من الإبداع الكلي رغم ما فيه من الشوق والمقدرة على اقتباس النظريات الدقيقة. وهذا — على ظننا — يرجع إلى طبيعة العربي المقلِّدة وقِصَر وقته، فضلًا عن أن العالم الإسلامي لم ينثنِ يومًا عن تكفير الفلسفة وإرهاقها حتى صار اسم فيلسوف مرادفًا لزنديق. ومن كثرة الضغط الذي لحق بالحكمة ونزل بِعُشَّاقِها قلَّ عددُ المقبلين على درسها واكتناه أسرارها، وغابت عن البلدان العربية شيئًا فشيئًا، وخيَّم ظلام الجهل، وتقوَّضت أركان الدولة، وتشتَّتت الكتب العلمية، وصار يُنظر إليها كما يُنظر إلى الطلاسم والملاغز، وهكذا تكون الفلسفة قد انتقمت لنفسها انتقامًا هائلًا.

قال بارتلمي سانتهلير أستاذ الفلسفة الإغريقية في كولليج دي فرانس: «إن العقل الإنساني بطيء في سيره، فيحسن به وهو سائر في طريقه غير المتناهي أن يُلقي نظره بين الفَيْنة والفَيْنة إلى الوراء؛ ليرى من أين ابتدأ سيره؛ وليُسدِّد خطاه في المستقبل غير المحدود الذي ينتظر قدومه.»

ولا شيء يرينا مبتدأ سير العقل العربي غير درس تاريخ الفلسفة درسًا علميًّا، ولا شيء يسدِّد الخطى في المستقبل غير التخرج في مدرسة التاريخ نفسه؛ لأنه أستاذ الحياة على حد قول شيشرون الخطيب الروماني الشهير.

إن جميع البلدان، وسائر الشعوب، تعطي الفلسفة دراسات وافية عن علمائها ومفكريها الأقدمين، وتقدِّم لأسرة العلم رجالًا أفذاذًا نابغين. أما العالم العربي فلا يزال غير مكترث بدرس تراث فلاسفته إلا بمقدار، وغير مقدِّم للعالم فلاسفة مبدعين.

لقد حان لنا — نحن الشباب المثقَّف — أن ننهض إلى العمل الفلسفي المثمر، ونبعث الفلسفة العربية من لَحْدِها كما بعثنا الأدب العربي، وأن نسير في طريق البحث والتفكير الطلق غير عابئين بالمصاعب والأتعاب؛ لأن من لم يركب الأخطار لا ينل الرغائب.

لنعمل على إعادة مجدنا الغابر وعزِّنا التالد، لنعمل على تكوين مفكرين ناضجين منا ولنا، مستمدِّين مُثُلنا العليا من نفسيتنا، موضِّحين للملأ أن في عقولنا كل عِلم وكل فلسفةٍ وكل فنٍّ، وفي إرادتنا كل عزمٍ وكل حزمٍ وكل مثابرةٍ، ولعلنا بهذا البحث الذي كلَّفنا جهودًا لا تُحصى نكون أدَّينا بعض الخدمة، وحسبنا الله خير مثيب.

الأب بولس مسعد
الحلبي اللبناني
دير سيدة اللويزة، في ١٢ حزيران ١٩٣٧م
١  انظر مقدِّمة الكون والفساد لأرسطو، الترجمة العربية، ص٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١