الفصل الحادي عشر

العناية الإلهية

إن أقوال ابن سينا في العناية الإلهية جد متناقضة، فبينا نشعر بأنه يشرح هذه القضية شرحًا يلائم نظريته الصدورية، وينافي القرآن وسائر الكتب الدينية، نراه من جهةٍ أخرى يتملَّص من تبعة آرائه المضلِّلة مؤمنًا بأن الله تعالى يدبِّر كل شيء، ويعتني بكل شيء مما في السموات والأرض بعناية مطلقة.

١

إن كل مثقَّف يقرأ بإمعان مصنَّفات ابن سينا الفلسفية يتوضَّح له أن حكمته — أساسيًّا — هي مزيج من التعاليم الأفلاطونية والأرسطوية مع بعض زيادات وتعديلات تتفاوت قيمةً ووزنًا بتفاوت الموضوعات التي قرَّرها. ومن نظرياته التي تأثَّرت كثيرًا بالتعاليم الأفلاطونية نظريته في العناية الإلهية.

إن أفلاطون الإلهي — كما يسميه علماءُ العرب — كان يقول بعنايات ثلاث: فالعناية الأولى تختص بالإله الأعظم الذي يعتني أولًا وأصالةً بالروحانيات، وتبعًا بالعالم كله من حيث الأجناس والأنواع والعلل الكلية، والثانية تتعلق بالجزئيات التي يعرضها الكون والفساد، وقد نسبها إلى الآلهة المحيطين بالسموات؛ أي الجواهر المفارقة التي تُحرِّك الأجرام السماوية بحركة مستديرة، والثالثة هي العناية بالأمور الإنسانية، وقد عزاها إلى الشياطين الذين كان يجعلهم الأفلاطونيون وسطاء بيننا وبين الله، على ما رواه القديس أغوسطينوس في كتابه الموسوم «بمدينة الله Civitas Dei».١
ونحن نرتئي أن الشيخ الرئيس — استنادًا إلى هذا التعليم — قال بأن الله أو المدبِّر الأول يدبِّر ويعتني بالعقل الأول وبكل ما يصدر عنه، والعقل الأول يدبِّر ويعتني بالعقل الثاني وبما يُشتق منه، والعقل الثاني يعتني ويدبِّر العقل الثالث ولواحقه، وهكذا حتى تنتهي بهذه السلسلة المنظَّمة «إلى العقل الفعَّال الذي يدبِّر أنفسنا»؛٢ لأن العلل العالية أو الصدورات الأولى عن واجب الوجود «لا يجوز أن تعمل ما تعمل من العناية لأجلنا»،٣ بل كل علَّة تعمل لأجل تاليتها، وتسوقها إلى غايتها القصوى حتى يصل هذا العمل إلى الفلك الأقصى، الذي أجسامه تؤثِّر في أجسام هذا العالم بالكيفيات التي تخصها وتسري منها إلى هذا العالم، وأنفسه تؤثِّر في أنفس هذا العالم، «وبهذه المعاني نعلم أن الطبيعة التي هي مدبِّرة لهذه الأجسام كالكمال والصور حادثة عن النفس الفاشية في الفلك أو بمعونتها.»٤

فينتج من ذلك: كما أن الله في نظر فيلسوفنا يعرف الجزئيات بالعلل الكلية، هكذا يعتني بالجزئيات ويدبِّرها بالعلل الكلية؛ إذ ليس شيء في شيء من الجزئيات إلا وهو صادر عن علَّة كلية، وبعبارةٍ أوضح: إن ابن سينا يعترف بأنه لا بدَّ في التدبير من اعتبار أمرين؛ مبدأ التدبير الذي هو العناية، وإنفاذه؛ فالله باعتبار كونه مبدأ التدبير يدبِّر جميع العلل العالية مباشرةً، وأما باعتبار إنفاذ التدبير فإنه ينفِّذ هذا التدبير في العلل العالية بنفسه مباشرةً، وفي المخلوقات السفلى بواسطة العليا.

وهذا الرأي المغلوط يتساوق — كما لا يخفى — مع نظرية ابن سينا في تكوين العالم، إلَّا أنه من جهةٍ أخرى يُناقض كتب الوحي التي تُصرِّح بأن عناية الله لا تنحصر في العلل العالية، ولا في السماء والأرض، ولا في الإنسان والملك؛ بل تتناول أحشاء أصغر الحيوانات وأخسها، وأدق ريش الطير وزهر العشب وورقة الشجرة، بحيث لا يغفل التوفيق بين أجزائها. وبوجيز العبارة: إن تدبير الله يَعُم جميع الأشياء كبيرة كانت أم صغيرة، حقيرة أم سامية.

٢

بيد أنَّ الشيخ الرئيس، إيهامًا للسذَّج، أضاف إلى ما تقدَّم قولًا معقَّدًا، هاكه بالحرف:
ليس لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكوُّن العالم، وأجزاء السماويات وأجزاء النبات والحيوان مما لا يصدر ذلك اتفاقًا بل يقتضي تدبيرًا ما، فيجب أن تعلم أن العناية هي كون الأول عالمًا لذاته بما عليه الوجود من نظام الخير وعلة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان وراضيًا به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانًا على أتمِّ تأدية إلى النظام بحسب الإمكان فهذا هو معنى العناية.٥

حقًّا إن هذا الكلام فيه من المغالطة ما ليس بقليل، هبْ أنَّ الأول يعلم من نفسه نظام الخير، وأنه هو نفسه علَّة هذا الخير والكمال «بحسب الإمكان»، فهل يكفي ذلك لتقدير العناية الإلهية التي تعتني بدقائق الجزئيات؟ هذا ما لا نظنه، وكما أن الطبيب الأفضل ليس من يلاحظ الكلِّيَّات فقط؛ بل من يقدر أن يلاحظ دقائق الجزئيات أيضًا، هكذا المعتني الأفضل ليس من يعرف نظام الموجودات وحده بل من يحيط علمًا بأصغر الموجودات وأدقها.

قال ابن سينا:

العناية هي إحاطة علم الأول بالكل، وبالواجب أن يكون عليه الكل حتى يكون على أحسن نظام.

ومعناه أن العناية الإلهية تشمل جميع الموجودات في هذا الكون الفسيح الأرجاء؛ ليتم اتساق الوجود.

جاء في كتب اللغة: «أحاط بالأمر علمًا» أي أحدق به علمه من جميع جهاته، ومتى أحدق علم الإنسان بشيء يكون قد تعقَّل ذاك الشيء، والحال أن ابن سينا قد ركَّز مبدأ أتينا على ذكره وهو أن التعقُّل عند الجواهر المفارقة هو بمثابة الإبداع، فيكون إذن أن الله — بحسب هذا القول — يعقل جميع الأشياء، وبما أنه قد عقلها فيجب أن يبدعها بمعزِل عن توسط أي علَّة أخرى. وبهذا يقضي على نظريته الكونية من حيث لا يدري، ويصح فيه بنوعٍ ما قول ابن سبعين: «إن ابن سينا مموِّه مسفسط، كثير الطنطنة قليل الفائدة.»٦
هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى إذا كان الباري تعالى لا يدرك الأمور الجزئية إلا من عللها البسيطة،٧ فكيف يمكنه أن يعتني بالجزئيات من حيث هي جزئيات، وإذا صنع ذلك يشبه طبيبًا لم يعرف داء مريضه إلا يسيرًا، ومع ذلك يجهد نفسه في تدبيره وتطبيبه!

الخلاصة

خلاصة ما تقدَّم أن الشيخ الرئيس بعيد عن الحقيقة في القولين بُعدًا شاسعًا. أما في القول الأول فقد أوضحنا ذلك بإيجاز، وأما في القول الثاني فنبيِّنه هنا تعميمًا للفائدة:

كما كان كل فاعل يفعل لغاية معلومة كان عموم سوق المعلولات إلى غاية على قدر عموم عِلِّيَّة الفاعل الأول، وبما أن علية الله الذي هو الفاعل الأول تعم جميع الموجودات، ليس من حيث المبادئ النوعية فقط؛ بل من حيث المبادئ الشخصية أيضًا، لا في الأشياء غير الدائرة فقط؛ بل في الأشياء الدائرة أيضًا، كان لا بد أن تكون جميع الأشياء الموجودة بحال من الأحوال مسوقة من الله إلى غاية؛ فإذن لمَّا لم تكن عناية الله إلا سبب سوق الأشياء إلى غايتها، فلا بد أن تكون جميع الأشياء خاضعة لها من حيث هي مشتركة في الوجود، وبوجيز العبارة إذا كان الله هو علَّة جميع الأشياء المباشرة، وكان يعرف جميع الأشياء كليِّها وجزئيِّها مباشرة، كان عليه ولا ريب وهو الحكيم السامي أن يعتني بجميع الأشياء مباشرةً. وهذا واضح حتى إن ابن سينا نفسه قد أقرَّه في غير فلسفته، أو أنه أقرَّه في حكمته، ولكن بطرق مبهمة شأنه في سائر نظرياته.

وأخيرًا كم يلذُّ لنا أن نختم هذه العجالة بكلمة رائعة فاه بها مؤسس مجلة المقتطف المأسوف عليه الدكتور يعقوب صروف اللبناني، قال — أجزل الله ثوابه:

من الناس من يقول: «إن الله معتنٍ بالأمور الكبيرة، ولكنه لا يلتفت إلى الصغيرة.» فلو صحَّ زعمهم وترك صغار الأشياء لترك الجراثيم نفسها؛ لأنَّها من أصغر ما يوجد، ولو تركها سنة واحدة لخرب نظام العالم، وصار الإنسان يزرع أرضه قمحًا؛ فتنبت له عقارب، وينصب كرمه عنبًا فيخرج له حيَّات، ويتزوَّج بامرأة فتلد له جنادب، ويركب على فرس؛ فيستحيل تحته ضفدعًا … لو بطلت العناية لحظة من الزمان تعذَّر علينا أن نعرف مصير هذه الجراثيم. فتأمَّل وتدبَّر.

١  ك٩: ١ و٢، ك٨: ٤ و١١، طالع أيضًا كتاب العناية لغريغوريوس النصياوي، ك٨: ب٣، والخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكويني، م١، ب٢٢، ف٣.
٢  النجاة، ص٤٥٥.
٣  الكتاب نفسه، ص٤٦٦.
٤  إلهيات النجاة، ص٤٦٣.
٥  إلهيات النجاة، ص٤٦٦.
٦  انظر كتاب ماسيون المعنون: Receuil des textes inédits concernant l’histoire de la mystique en pays be l’Islam. Paris Genthner 1929. p. 128.
٧  إلهيات النجاة، المقالة الثانية، الفصل الخامس عشر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١