الدمعة الخامسة: أوفيليا: ماذا فعلوا بك؟

على الموج الهادئ الأسود، حيث تنعس النجوم
تسبح أوفيليا الشاحبة كزهرة سوسنٍ كبيرة،
تسبح في بطءٍ شديد، ملتفة في وشاحها الطويل.
ومن الغابات البعيدة يُسمَع صوت الصيادين: «ها لا لا.»
ها هي أوفيليا الحزينة منذ أكثر من ألف عام؛
شبح أبيض يعبر فوق التيار الأسود الطويل.
منذ ألف عام يهمس جنونها الحنون
بأغنيتها الخيالية لنسمة المساء.
الريح تقبِّل نهديها وتنشر وشاحها الكبير
كأنه إكليل زهرةٍ تهدهده المياه الناعمة،
الصفصاف المرتعش يبكي على كتفيها،
وعلى جبينها الكبير الحالم تهجع أعواد البوص.
ورود الماء اختلجت من لمستها تتنهد حولها،
أحيانًا توقظ عشًّا في شجرة حورٍ نائمة؛
فتفلت منه رعشة جناحٍ صغيرة،
أغنية غامضة تهبط من النجوم الذهبية.

ها أنت يا أوفيليا الحزينة الشاحبة تسبحين فوق أمواج النهر الشاحب الحزين كزهرة سوسن كبيرة تهدهدها المياه الناعمة، الصفصاف المرتعش يبكي على كتفيك، وعلى جبينك الناصع الكبير ترقد زهرة الحب البريء. تسبحين من ألف عام، أغنية غامضة تهبط علينا من النجوم الذهبية. وشاعر حديث اسمه «رامبو» همس بأغنيتك التي تردد أصداء جنونك الحنون. كان تقيًّا وبريئًا مثلك، طفلًا قلقًا رآك في ألق النجوم.

والشاعر يقول إنه رآك في ألق النجوم؛
باحثة بالليل عن الزهور التي قطفتها يداك، ويقول إنه أبصر أوفيليا الشاحبة طافية على الماء، مكفنة في وشاحها الطويل كالزنبقة البيضاء!

نعم! مت يا طفلتي عندما جرفك نهر أسود طويل. وقبلها غرق عقلك في لجة الظلام والجنون. ونحن نسأل اليوم، ولا ندري لمن نوجه السؤال: من المسئول عن جنونك وعن غرقك أيتها الزنبقة الطاهرة البيضاء؟ أهو الحب الذي خاب أملك فيه، حبك للفارس الحزين، لهاملت الشجاع النبيل المسكين؟ أم هو أبوك بولونيوس الذي جاءت عليك حكمته الحتماء حين حولك إلى فخٍّ لئيم، ووضع على وجهك الجميل قناع التجسس على الحبيب المكتئب المذهول؟ أم تراه هو الملك كلوديوس الذي اغتصب العرش والملكة والمملكة، الثعبان المتوج الذي نفث السم في جسد الدولة، والدمل الكبير الذي نشر الصديد في عروق الحياة والمجتمع، ثم وجدت نفسك في بؤرة تطفح بالجشع والطمع، والفساد والعفن والتآمر والتلصص؟ من نسأل من هؤلاء ومن نتهم؟ هل جنى عليك أحدهم أم كلهم مشارك في الذنب والجناية؟ أتكون مأساة الحياة نفسها هي التي عجَّلت بمصيرك ومأساتك الحياة التي نخر الفساد جذورها، وحاصرتها الأبخرة الموبوءة فخنقت أنفاسها، وهبت عليها رياح الفجور فأطاحت بفضائلها؟ أم أنك قد كنت من البراءة بحيث لم تتحملي الحياة مع البشر، وكنت الوحيدة التي لم تسقط ولم تتلوث في عالمٍ ساقطٍ مسموم، ولهذا لم يبق أمامك إلا أن تلوذي بالجنون، وأن يسلمك الجنون إلى الموت؟ اعتل الزمن وتفشى المرض في كيان الطبيعة والدولة والمجتمع. فتعالي نحلم بالحب وبالحرية قبل أن تفيقي منه تحت سطح الماء. «تعالي نصحب خطواتك على طريق الحياة التي كنت شاهدة عليها قبل أن تصبحي شهيدتها. تعالي نبدأ من غرفةٍ في منزل أبيك وأنت تودعين أخاك قبل سفره بقليل.»

•••

تسلل الحب إلى قلبك كأنه طيف لطيف شريف. وتسللت معه الحيرة من هذا الضيف الرقيق المخيف. ويسارع أخوك «لايرتس» إلى تحذيرك مما يبديه لك الأمير هاملت من بوادر الحب، وينصحك أن تبقي وراء عواطفك، بعيدة عن مرمى الشهوة والخطر.

لايرتس :
أما عن هاملت وما يمنحك من تدليل، فلا تحسبيه إلا مجاملة ونزوة عابرة،
بنفسجة في ريعانها
قد تبدو في نضارتها، ولكنها لا تدوم،
وقد تزكو رائحتها، ولكنها سرعان ما تذبل.
إن شذاها وحسنها لا يعيشان
أكثر من لحظةٍ واحدة.
إنه يخاطب فيك العذراء الغريزة التي مهما بالغت في الحذر، فهي تسرف في الإهمال إن كشفت القناع عن جمالها للقمر، ولهذا يطلب منك أن تخشي الأمير ولا تعرضي شرفك للضيم إن ضيعت قلبك من أجله، أو أصغت أذنك الساذجة لأغنيات حبه، وهذه نصائح لمن لا يحتاج إلى النصيحة، يقدمها من سيغرقه أبوك بعد قليل بسيل حكمته العميقة العقيمة التي لا يقدرها الشباب إلا بعد أن يقعوا في شراك التجربة. ولهذا تبتسمين وتقولين لأخيك.
أوفيليا :
سأجعل معنى هذا الدرس النافع
حارسًا على قلبي، ولكن يا أخي الحبيب
لا تفعل ما يفعله الواعظ الأثيم؛
إذ يدل الناس على الطريق الوعرة الشائكة إلى السماء،
بينما يسير على طريق الشهوة المحفوف بالورود
كالفاجر الوقح الخليع،
ويهزأ بنفسه من النصيحة التي يقدمها لغيره،
ويأتي أبوك — وزير الملك الأول وكبير أمنائه — فيشتد عليك بالنصيحة والتحذير. سألك عما سمع عن لقائكما، فاقترفت بما قدمه لك الأمير من عروض تدل على ميله إليك. ويسخر منك الأب ويقول:
بولونيوس : ميله؟ إنك لتتكلمين كفتاةٍ غريرةٍ خضراء، أتصدقين هذه العروض كما تسمينها؟ وتجيبين إجابة خضراء كما سماك أبوك. وزفرات الحرية تتردد مع كلماتك الحائرة.
أوفيليا :
لست أدري يا سيدي، ماذا أصدق؟
لقد محضني حبه الشريف،
ودعم قوله بأقدس الوعود.
بولونيوس :
شواك لصيد العصافير
هذا التوهج الذي يبعث من النار
أكثر مما يبعث من الدفء،
وينطفئ بنفسه قبل أن يشتعل
لا تحسبيه يا ابنتي نارًا.
أما عن الأمير هاملت فلا تصدقي من أمره إلا أنه شاب.
وجملة القول يا أوفيليا
لا تصدقي وعوده
وخذي حذرك. هذا هو قولي لكِ.
والآن انصرفي لشئونك.
أوفيليا : السمع والطاعة يا سيدي.

وازدادت عليك الحيرة يا أوفيليا. فأبوك وأخوك ينصحانك بتجنب الأمير، بل يزينان لك الحذر منه والتوجس فيه، ويأمرانك بالامتناع عن قبول رسائله ورسله وهداياه، لكن نبضات قلبك تحدثك بأن حبه شريف. وتجلسين في غرفتك أيتها العذراء، فتنسجين مع الثوب الذي بين يديك خيوط العش الدافئ في شجرة الملك والمستقبل الهنيء. ويفاجئك الأمير بزيارته، فترين سترته المفكوكة الأزرار، ورأسه الحاسر، ووجهه الشاحب في مثل شحوب مرضه ونظراته التي تقطع القلب من الألم كأنما أطلق سراحه على التو من الجحيم ليروي الأهوال. وتفزعين إلى أبيك.

بولونيوس : أجن حبًّا بك؟
أوفيليا : لست أدري يا سيدي، ولكني في الحقيقة أخشى أن يكون كذلك.
بولونيوس : لا زلت لا تدرين، ولكنك تخشين عليه وتشفقين أكان الأمر في حاجةٍ إلى معرفةٍ أو دليل؟ ألم يكن الصمت والذهول لسان حاله الوحيد؟ يسألك أبوك عما قاله لك فتجيبين.
أوفيليا : أخذني من معصمي، وضغطه ضغطًا شديدًا، ثم ارتد عني إلى الخلف طول ذراع، رافعًا يده الأخرى مفتوحة فوق حاجبيه، وراح يحدق في وجهي بإمعان، حتى لكأنه يريد أن يصورني. ومكث طويلًا على هذه الحال، ثم هز ذراعي برفق ورفع رأسه وخفضه ثلاث مرات، وأرسل زفرة عميقة خلتها قد هزت كيانه وذهبت بروحه، ثم خلى سبيلي، وصار عني ورأسه ملتفت إليَّ، واستمر في السير كأنه بغير حاجةٍ إلى عينين تنيران له الطريق، وخرج من الباب دون عون منهما، وبصره معلق بي ضياؤه حتى اختفى.
بولونيوس : تعالي معي. سأذهب إلى الملك.
هذا هو جنون الحب بعينه.

وتظنين به الجنون وتصدقين. بل تحاولين مساعدته بكل سبيل على الرغم مما أوصاك به أبوك، وما كان لك إلا أن تطيعيه. ويأخذك معه إلى الملك والملكة ليخبرهما بنبأ انطلاق الشرار خشية أن تسطع النار. صحيح أنه يتصور، بما طبع عليه من حنان الأب وبصيرته، أنه قد جن بسببك. فلما صددته عن نفسك أصابه الأسى، ثم حرم على نفسه الأكل والنوم، ثم أصيب بالهزال، ثم تردى في الجنون الذي يهذي فيه ويبكي عليه الجميع. ويعرض أبوك على الملك والملكة الدليل على جنونه، والدليل رسالة بعثها إليك وسلمتِها طائعةً لأبويكِ.
بولونيوس (يقرأ الرسالة) :
ارتابي ما شئت بأن الأنجم من نار،
وارتابي في دوران الشمس
في أن الحق كذوب، وأن الصدق يقول البهتان،
لكن لا ترتابي أبدًا في حبي.
لكن أباك — بما اكتسبه على مر الزمن والتجربة من حنكة رجل البلاط الخبيثة — ينصح بتعقب مظاهر الاضطراب، واكتشاف مكمن الحقيقة، حتى وإن اختفت في باطن الأرض، ويدبر مع الملك تدبيره. آه من ظلم الأب لابنته! هل عرف هو نفسه مداه؟ هل أدرك أنه يسدد الطعنة إلى قلبك، ويئد فيه براعم الحب الوليد؟ لن يكتفي بأن يتجسس على هاملت. سيؤكد للملك خضوعه وحسن أدائه لوظيفته. وسيجرفك معه على المنحدر الخطير. سيقول وما أفظع ما يقول:
سأطلق عليك ابنتي.
ولنختبئ عندئذٍ وراء الستارة
ونرقب المقابلة.
دبر الشيخ فأساء التدبير. فرض عليك أن تمثلي دورًا لم تُخلَقي له، ووضع على وجهك الجميل قناعًا هو منه بريء. لم يكتفِ بإبعادك عن طريقه. بل جعل من براءتك وتقواك فخًّا يطبق عليك بمصيدة تكشف عن حقيقة جنونه.
بعد أن يلقى الحبيب المذهول المتشبث بثوب الحداد نجواه المشهورة، أنحيا أم نموت؟ ذلك هو السؤال، ينتبه فجأة إلى وجودك، فيهتف:
هاملت : أوفيليا الجميلة! أيتها الحورية. فلتذكر صلواتك كل خطاياي. وتذكرين لقاءكما الأخير. وربما أحسست بالذنب لما بدا عليه من ذهول، وربما بلغك ما أشيع عنه في البلاط من جنون. لقد قالت عنك الملكة — وهي الأم الطيبة رغم كل شيء: إذا كان جمالها الطيب قد أذى الأمير، فربما تعيده فضائلها إلى طريقه المعتاد. لم تكوني هناك حين قالت ذلك، وحين أحكموا المؤامرة. ولكن لا بد أنك قد حاولت بنفسك أن تعيديه إلى الطريق. ويحرك الأمل خطاك فتسألينه كيف كانت أحواله في الأيام الأخيرة. وتحاولين — نزولًا على أمر أبيك لا على صوت الطائر الملهوف في صدرك — تحاولين أن تردي له هداياه، فيفاجئك بقوله:
هاملت : لا. لا. أنا لم أعطك شيئًا قط.

وتحاولين أن تذكريه بأنه قدمها إليك، ومعها كلمات عطرة الأنفاس زادت من قدرها. ولكنه يصدمك بسؤاله:

هاملت : هل أنت عفيفة؟
أوفيليا : سيدي!
هاملت : هل أنت جميلة؟
أوفيليا : ماذا تقصد يا سيدي؟
هاملت : أقصد إن كنت عفيفة وجميلة، فلا يصح أن يسمح عفافك بأي وسيلة بجمالك.
أوفيليا : وهل يتصل الجمال بمن هو خير من العفاف؟
هاملت : طبعًا، فقدرة الجمال على تحويل العفاف إلى سبيل الخنا والفجور أكبر من قدرة عفاف على جعل الجمال على صورته. قديمًا كان في هذا القول ما فيه من تناقض، أما اليوم فإن الزمن يؤكد صدقه. لقد أحببت يومًا ما.
أوفيليا : يقينًا يا سيدي. وقد حملتني على الاعتقاد بهذا.
هاملت : كان عليك ألا تصدقيني. فمهما طعمت الفضيلة جذعنا القديم، فلن نتخلص تمامًا من طعم الخطيئة الأولى. أنا ما أحببتك أبدًا.
أوفيليا : إذًا فقد خدعت.
هاملت : اذهبي إلى الدير! فيم حرصك على أن تصيري أمًّا لعصاة آثمين؟ ها أنا فيما أظن رجل شريف، ومع ذلك فباستطاعتي أن أتهم نفسي بآثام يخيل إليَّ معها أنه ربما كان من الخير أن لم تلدني أمي. إني لشديد الكبرياء، حريص على الأخذ بالثأر، عنيد الطموح، ورهن إشارتي من الآثام ما يعجز فكري عن حصره، وخيالي عن تحديد شكله، ووقتي عن تنفيذه، أي نفعٍ يرتجى من زحف أمثالي بين السماء والأرض، نحن جميعًا أوغاد أنذال، حذار أن تثقي بأحدٍ منا. هلمِّي! حُثِّي الخُطا إلى الدير! أين أبوك؟ هل سألت نفسك عن السر في سؤاله المفاجئ عن أبيك؟ لقد لاحظ حفيف الستارة، فأدرك أن وراءها عينًا أخرى من العيون التي صارت تتربص به. وكذبتِ كذبتك البيضاء الوحيدة، فقلت:
أوفيليا : في البيت يا سيدي.

(ويشتد هياجه فيصيح):

هاملت : أوصدي الأبواب عليه، حتى لا يقوم بدور الأبله إلا في بيته الوادع!

وتهمسين في حيرتك:

أوفيليا : أيتها السموات! أعينيه وأعيديه إلى رشده!
الدير : لكن بركان ثورته لا يتوقف عن إرسال حممه على رأسك الجميل. إنه يشتد في حملته عليك وعلى جنسك كله، ليشفعها بنصيحته البشعة، اذهبي إلى الدير! (ولقد كانت كلمة الدير في لغة العصر تفيد كذلك معنى الماخور.)
هاملت : إذا تزوجت أعطيتك مهرًا هذه اللعنة: كوني عفيفة كالجليد، نقية كالثلج فلن تنجي من المذمة. اذهبي إلى دير. أما إذا اضطررت للزواج فتزوجي أحد البلهاء؛ لأن العقلاء يعلمون حق العلم أنكن تجعلن منهم وحوشًا ذات قرون، هلمي إلى الدير وأسرعي!
أوفيليا : ما السر وراء هذا الغضب الهائل؟ ولماذا يتدفق سيله على رءوس النساء أجمعين؟
هاملت : لقد سمعت كذلك كيف تصبغن وجوهكن. أعطاكن الله وجهًا واحدًا، ولكنكن تصنعن لكُنَّ وجهًا آخر. تتصنَّعْن الرقص والمشي، وتتكلَّفْن في الكلام، وتخلعن على مخلوقات الله أسماء من ابتكاركن، وتجعلن الجهل عذرًا للخلاعة، إليكن عني وكفاني هذا، فقد أصابني الجنون. أتسمعين؟ هلمي إلى الدير! اذهبي!
ولا تملكين، وقد تركك وحدك، إلا أن تندبي العقل النبيل الذي هوى، وترثي لرجاء الدولة وزهرة أملها التي ذوت، وتبكي مرآة الذوق والرقة التي تحطمت، وقبل كل شيء حلم العش الدافئ الذي سقط على الأرض، وتناثر أمام عينيك.
أوفيليا :
وأنا أتعس النساء وأبأسهن،
أنا التي رشفت عسل وعوده،
أرى الآن هذا العقل النبيل الرفيع،
وقد اختل اختلال أجراسٍ عذبة،
فراحت تتحشرج بالأصوات المنكرة.
وهذه الصورة الفريدة للشباب اليافع،
يعصف بها الجنون!
يا ويلتي لما رأيت!
ويلتي لما أراه!
أي عنفٍ أشد من هذا العنف؟!
أي مرارةٍ أقسى من هذه المرارة؟!
كيف أَمْكَنَه أن يخاطبك بكل هذه الغلظة، أنت يا من طالما سألَكِ أن تدعي له في صلواتك بالغفران؟
كيف أمكنه أن يتنكر للحب الطاهر الذي اعترف بأنه ملك عليه قلبه فيما مضى؟ ومن أين واتته القوة الوحشية التي جعلته ينتزع جذوره من دمه، ويلقي بها في وجهك؟
أنت يا من سماك «ابنة السماء، معبودة روحي، أوفيليا الطاهرة»؟

وليت الأمر توقف عند الغلظة والقسوة ولم يتردَّ في هاوية الجنون. هذا الذي كان رجاء الدولة وزهرة آمالها، ألم يكفه أن يحطم قلبي فحطم عقله أيضًا؟ والذي أحببته وأحبه الشعب كله، هل فقد الثقة في كل شيء وكل إنسان؟ ألم يعد يرى من حوله غير ظلام فوق ظلام؟ كيف تخلت عنه بصيرته النافذة فلم يعد ينظر في أعماقي؟

وتقفين لحظاتٍ حائرة حتى يظهر أبوك والملك من خلف الستارة. انتبهت إلى ما يقولانه عن شكهما في الجنون المزعوم؟ هل آلمك أنه لم يجن سببك؟ وهل فهمت وهما يدبران لنفيه إلى بلدٍ بعيد أنهم ورطوك في التدبير؟ وهل أدركت الآن سر ثورته عليك، وهو يرى القناع الذي وضعوه على وجهك، ويمد يديه لينتزعه، فيكاد يسلخ معه اللحم ويفجر الدم؟ أم تراك لم تكتشفي شوكة الحقيقة الرهيبة التي تدمي فؤاده؟ الجميع يمثلون، وأنا أيضًا أمثل دورًا وآتي بالممثلين الفقراء الجوالين لكي أعري وجوه الممثلين، لكن يا رحمة السماء! هل يمكن أن تشترك أوفيليا في التمثيل؟ هل يمكن أن تصبح «السماوية معبودة روحي» عينًا تتجسس على نجوى القلب، وتتطفل كاللص على مكنون النفس؟ حقًّا حقًّا! فسدت الطبيعة وانهار الناموس، خرج الزمن عن محوره، فكيف أعيده إلى نصابه ومجراه؟ سقطت كل القيم وساد العدم وصار الظلام، لكني سأتحمل عبئي وأواجه المحنة وحدي. وينصرف الأمير اليائس في ثورته، الثائر من يأسه. وتقفين حائرة لا يدري أحد إن كنت قد فكرت في شيء، أو إن كنت لزمت الصمت عن القول وعن التفكير. العالم أيضًا في عينيك ظلام، والعالم — بعد جنونك يا هاملت — محض جنون وحطام. وتنتبهين من الحلم المفزع على صوت أبيك.

بولونيس : والآن يا أوفيليا.
لا حاجة لإعادة ما قاله الأمير هاملت، فقد سمعنا كل شيء.

وبدأ عقلك الجميل ينفصل عنك. هذا العقل الذي لسنا بغيره سوى صور ووحوش. هل التمست العذر لهاملت على سيل الحمم التي صبها على رأسك الصغير؟ إنك لم تستحقي كل هذا الغضب، وكل هذه القسوة، وما كان لك أن تعصي أباك الحبيب. لكن الحب قد ضاع إلى الأبد، وسيضيع كذلك الأب الحبيب. وأنت يا أوفيليا تهيمين في رياض جنتك العذرية، لا تدرين بالآلام التي عذبت نفس الأمير المسكين. لا تعرفين أنها غرقت بين الاكتئاب الذي سمم دمه وعقله، وبين الرغبة في الثأر لمقتل أبيه الذي لم يرَ شبحه الحزين. وبما أحسست بهواجسه وشكوكه. لكنك لم تتصوري أبدًا أنها ستصل به إلى الشك في حبك. وخرجت من جنتك إلى الأبد عندما قتل أباك. لم تكوني معه عندما صب سيل غضبه على أمه. ولم تشعري بألمه عندما اكتشف أن القتيل الذي يتمخض وراء الستارة لم يكن هو رأس الأفعى، لم يكن هو الدمل الكبير الذي سمم صديده عروق المملكة، والذي عاش حياته وكرس جهوده لقتله بضربة سيفه القاضية، كان المقتول أباك. وحزن الأمير الحبيب، لا لأنه جدير بأي محبةٍ أو تقدير فهو يد الدس التي أرسلها الملك في أعقابه، بل لأنه والدك أنت؛ والد أوفيليا الطاهرة التي أحبها كما أحبته، وإن عجز من فرط التأمل والتألم عن الإحساس بمدى حبه.

وخرجت من جنتك إلى الأبد.

واستدعاك الملك والملكة فرحت تهذين بغناء لا يفهمه أحد؛ لأن الجميع — بما فيهم محبوبك — مشغولون بالتآمر والتدبير، بالتمثيل وكشف التمثيل، بالمكر والتزييف والخداع الذي أفسد الحياة، وكان دائمًا — دون أن تدري — هو طابع الحياة.

وحدقت الوحوش الآدمية في وجهك البريء وخصلات شعرك المضطرب الجميل وأنت تغنين:

أوفيليا :
سافر الموت به يا طفلتي،
ونما العشب على أجفانه،
واستراحت في ثبات صخرة
عند رجليه وفي أحضانه.
الملكة : ولكن يا أوفيليا.
أوفيليا :
أرجوك اسمعي.
كفنوه في رداءٍ أبيض
فبدا كالثلج في أكفانه.
الملكة : انظر إليها يا سيدي.
أوفيليا :
وتزيا النعش بالورد شذى،
وسوى الموكب في أحزانه،
وبدا القبر فمدت شوقها
أدمعًا حرَّى إلى جثمانه.
الملك : كيف حالك يا جميلة؟
أوفيليا : بخيرٍ والحمد لله. يقولون إن البومة كانت ابنة خباز، إننا يا مولاي نعرف ما نحن، لكننا لا نعرف ما سيئول إليه. بارك الله مائدتك!
الملك : إنها تقصد أباها. كم مضى عليها وهي على هذه الحال؟
أوفيليا : أرجو أن يتم كل شيءٍ على خير. علينا أن نتمسك بالصبر. لكنني لا أملك إلا البكاء كلما تصورت أنهم سيرقدونه في الأرض الباردة.
سيعرف أخي بالأمر. ولهذا أشكر لكم نصيحتكم الطيبة. تعالي يا عزيزتي! تصبحن على خير يا سيداتي. يا سيداتي اللطيفات تصبحن على خير (تنصرف).
الملك (للملكة) : هذا سم الحزن العميق، وهو ينبع كله من موت أبيها.

أصحيح أن السم كله ينبع — كما قال الملك — من موت أبيك؟ أم أن السم تفشى في المملكة بأسرها، وانتشر في شرايين الطبيعة البشرية نفسها؟ وتهيمين كالشبح الشاحب في أرجاء البلاط، كشعاعٍ يتخبط وسط الظلمات، يتخبط حينًا، ثم يذوب وينطفئ ببحر الظلمات.

وتعودين للظهور في المشهد الخامس من الفصل الرابع بعد رجوع شقيقك «لايرتس» من غربته. لقد رجع ليثأر من قاتل أبيه، وها هو ذا يصمم على الثأر ممن يتصور أنه تسبب في جنونك. إنك تترنمين بأغنيتك الغامضة أمام أخيك وتقولين:

أوفيليا :
فوق نعشٍ حملوه،
وبقبرٍ مددوه.
آه يا ويلي آه!
بدموعٍ أمطروه،
بدموعٍ أمطروه.
الوداع يا حمامتي،
حمامتي، الوداع.
لايرتس : إن هذا الجنون أقوى من كل حسٍّ سليم. إنها تلمس الغم والأسى والعذاب والجحيم نفسه فتحيله إلى حسن ورواء.
أوفيليا :
ألن يعود من قضى؟
كيف يعود من مضى؟
هيا اذهبي؛
فلن يعود.
لن يعود أبدًا
ونحن نبكيه سُدى.
يا رحمة الله به،
ورحمة الله بنا!

•••

على الموج الهادئ الأسود حيث تنعس النجوم
تسبح أوفيليا الشاحبة كزهرة سوسن كبيرة
تسبح في بطءٍ شديد، ملتفة في وشاحها الطويل.

•••

كأنه إكليل زهرةٍ تهدهده المياه الناعمة
الصفصاف المرتعش يبكي على كتفيها
وعلى جبينها الكبير الحالم تهجع أعواد البوص.

•••

ورود الماء التي اختلجت من لمسها تتنهد حولها،
أحيانًا توقظ عشًّا في شجرة حورٍ نائمة
فتفلت منه رعشة جناحٍ صغيرة
أغنية غامضة تهبط من النجوم الذهبية.

•••

البؤرة ما زالت تنضح بالعفن وتتصاعد منها الأبخرة الموبوءة. والملك يدبر مع أخيك المكيدة التي ستصرع هاملت. وتدخلت الملكة هالعة مفزوعة.
الملك : ما وراءك يا مليكتي المحبوبة؟
الملكة : مصيبة في أعقاب مصيبة. أختك غرقت يا لايرتس.
لايرتس : غرقت آه! أين؟
الملكة :
هنالك صفصافة تميل على غدير
يعكس أوراقها الكئيبة في تياره الصافي،
هناك ذهبت أوفيليا بأكاليل غريبة
من زهور الغراب والأقحوان والزنبق في لون الأرجوان الذي يدعوه الرعاة بأسماءٍ غليظة وتسميه صبايانا العفيفات «أنام الموتى».
وعندما تسلقت الشجرة،
لتعلق أكاليلها المضفورة من الأعشاب
على الأغصان المتأرجحة،
انكسر فرع حسود
وهوت مع أكاليلها في مياه الغدير الباكي،
انتشرت ثيابها وحملتها كحورية البحر برهة من الزمن،
راحت فيها تغني مقاطع من ألحانٍ قديمة
كأنها لا تدرك محنتها،
أو كأنها مخلوق نشأ في الماء وتعود على عنصره،
لكن ذلك لم يستمر طويلًا،
فلم تلبث ثيابها التي ثقلت بما شربته
أن انتزعت المسكينة التعسة من شكواها الحنون،
وهوت بها إلى حتفها في الطين.
لايرتس : وا حسرتاه! أغرقت إذًا؟
الملكة : غرقت. غرقت.
لايرتس :
أوفيليا المسكينة. غزيرة هي المياه التي أنت فيها.
ولهذا سأمنع دموعي
وداعًا يا مولاي عندي كلمات من نار
تود لو يضطرم لهيبها
لولا أن دموعي تطفئها.

ضاقت الأرض بما وسعت فلم تمددي عليها جسدك، ولهذا اخترت فراش زفافك للموت على سطح الماء. وابتعدت عن الأرض التي تنوء بحمل القتلة والفجرة والأوغاد الخداعين لكي تموتي طاهرة في الماء الطاهر.

ويأتي المشهد الأول من الفصل الخامس والأخير، فنرى مراسيم الدفن المبتورة، حتى رجال الدين أبوا عليك تراتيل القداس؛ لأن روحك فيما يقولون لم ترحل في سلام. ولولا أن تدخل الملك لدفنت كما أرادوا في أرضٍ غير مقدسة، وبقيت فيها إلى أن ينفخ في الصور لولا أوامره لأهيل عليك الحصى والحجارة وشظايا الفخار. وأذن لك على مضض أن تشيعي إلى مثواك وعليك أكاليل العذارى، وأن تنثر عليك الزهور على رنين الأجراس.

وأنت في تابوتك — ينمو البنفسج من جسدك، ويتضوع منك الشذى — لا تدرين أن حبيبك المكتئب من طول ما تأمل حقيقة نفسه وحقيقة الحياة قد آب من غربته ليتمم انتقامه، ويسعى إلى مصرعه ومصيره. ولقد كان قبل وصول موكب جنازتك مشغولًا كعادته بالتأمل والتألم إلى حد السخرية المرة من الحقيقة المرة للموت والحياة.

ضحك مع حفاري القبور إلى حد البكاء، ونثر نكاته اللاذعة فوق الجماجم الخرساء، لقد عرف وهو الآن مستعد لتقبل كل شيء والتسليم بكل شيء.

إن موتك ينتزع منه صرخة حادة. يحرك السكين في الجرح الساكن منذ سنين. لقد واجه منذ لحظاتٍ حقيقة الموت المجرد، موت المهرج «يورك» الذي طالما لعب معه وهو صغير، وموت السياسي الداهية، ورجل البلاط الأجوف، والمحامي الماكر، وموت الإسكندر العظيم الذي أصبح طينًا قد يسد ثقبًا ليصد الريح، أو يصير سداد لدن خمر أو برميل، ولكنه الآن يواجه موتك أنت ومن يدري؟ ربما يواجه لأول مرة في حياته حقيقة حبه لك، حبه الذي أنكره وتنكر له، ولو أحس به لخلصه من تردده، لو آمن به لما اكتسى لون العزم الأصيل بصفرة التوجس والقلق العليلة. إن موتك يا أوفيليا هو الذي يكشف له الآن عن سر الحياة والحقيقة الذي طالما حاول عبثًا أن يرفع عنه الغطاء. أليس من أعجب أسرار هذا السر العجيب أن حفرة من الطين هي التي ستضم ضيفًا عزيزًا مثلك؟ ألم يكن الأولى أن تلتقي في غيمة أو وردة؟! أنت يا من نجوت وحدك من السم الذي استشرى في دماء كل الذين عرفهم كما استشرى في دمه. يا من لم يُزرَع فيها، دون الجميع، ذلك الدمل الكريه مكان الوردة التي لا تزال تزين جبهتك الناصعة بالحب البريء. رباه! أكان ضروريًّا أن تُجَنِّي وتموتي ليتم تطهير دولة وبعثها من جديد؟ أكان انهيارك رمزًا لانهيار المجتمع وتصدع الروح وفساد الطبيعة والإنسان؟ أم كان كالنبوءة المقدسة التي تسبق المحنة وتنذر بالسقوط. لعله الآن قد أدرك أنك الضحية. لعله فهم أخيرًا أنه مشترك في الوزر الذي ارتكبه الجميع لعله لا يسأل: ماذا فعلوا بك؟ بل يسأل: ماذا فعلنا بك؟ كيف عمينا عن رؤية نورك؟

وينزل لايرتس وهاملت إلى القبر. وينشب العراك، حتى يفرق الحاضرون بينهما. ويصرخ هاملت متوعدًا:

هاملت :
والله لأحاربنه بهذا الشأن
حتى تتوقف رموش عيني عن الحركة.
الملكة : أي شأنٍ تعني يا ولدي؟
هاملت :
لقد أحببت أوفيليا،
وإن أربعين ألف أخ
لن يساوي حبهم
مقدار حبي لها.
أتريد أن تبكي؟ أن تقاتل؟ أن تصوم؟ أن تتجرع خلًّا وتأكل تمساحًا؟ أم تريد أن تمزق نفسك وتدفن نفسك حيًّا معها؟ سأفعل ذلك أيضًا.
لكن ماذا يجدي التحدي؟ ماذا تنفع الصرخات والزفرات؟ إن المأساة الحقيقية داخل المأساة قد وقعت، والستارة تهبط الآن على أفجع فصولها. طبع القدر خاتمه الثقيل على مصائر الجميع. ولم يبق إلا أن تدور عجلات عربته لتنحدر في الهاوية الأخيرة.

ويكمل الشاعر الذي ذكرت لك في البداية إنه يشبهك في روحه ومصيره، يكمل أغنيتك الغامضة التي تهبط من النجوم الذهبية:

أوفيليا الشاحبة! أنت أيتها الجميلة كالثلج!
نعم. متِّ يا طفلتي عندما جرفك نهر!
لأن الريح الهابطة من جبال النرويج الشامخة
كلَّمَتْك في همس عن الحرية القاسية،
لأن نسمة تخللت شعرك الغزير،
وحملت لروحك الحالمة أنباء غريبة،
لأن فؤادك سماء غناء الطبيعة.
في بكاء الأشجار وتنهدات الليالي،
لأن نداء البحار المجنونة، نشيجها الهائل المرير
كسر قلبك الطفل، قلبك الإنساني الرقيق،
لأنه في صباح يوم من أبريل جثا فارس شاحب جميل
فارس مسكين مجنون
عند ركبتيك في صمت وذهول!
السماء! والحب! والحرية!
أي حلم أيتها المجنونة المسكينة
ذبت فيه ذوبان الثلج في اللهيب؟!
رؤاك العميقة هي التي خنقت كلمتك
واللانهاية الرهيبة أقلقت عينك الزرقاء!
تصدعت أركان المجتمع المريض، وانهارت فوق رءوس المرضى الذين تسببوا في سقوطه. ومضيت أنت يا أوفيليا، شهيدة عصر مريض وشاهدة عليه، كما يمضي شعاع توهج لحظة في بحر ليل دامس. وانطفأت شعلتك الأخيرة في الماء بعد أن عصفت به ريح الجنون. لكن من الذي فطن إلى الحكمة من جنونك وموتك؟ حتى حبيبك الحزين من طول ما تأمل وجه الحقيقة المرة خلف الأقنعة لم يعرف سرك، ولم يستطع أن يحبك. كأن الزمن قد خرج عن مجراه وجذور الشر كانت ضاربة في جسدك الوجود الذي أراد أن يعيده إلى مجراه، كما كانت ضاربة في جسد المجتمع والوجود، وكان من المستحيل أن يداويه شعاع نجمة عبرت السماء الدنمرك، ثم احتواها الظلام أو زهرة بريئة تفتحت وسط غابة من الأعشاب العفنة والحشرات الفتاكة.
لكن شبحك الأبيض كالثلج، النقي كالزنبقة سيظل يهيم على الأرض،
والريح التي كلَّمَتْك في همس عن الحرية القاسية ستظل تتكلم،
ونداء البحار الذي كسر قلبك الطفل سيظل ينادي قلوب الأطفال،
والحلم الذي ذبت فيه ذوبان الثلج في اللهيب،
الحلم العميق الذي خنق كلمتك وأقلق عينيك،
الحلم بالحب والحرية سيظل يهمس للقلوب والعيون التي تشبه قلبك وعينيك.
وإذا ظل الزمن يخرج عن محوره ومجراه،
وظلت الأرض تطفح بالآثام واللعنات،
والمجتمع ينوء بثقل اللئام والأوغاد والكلاب والذئاب والقرود والحشرات،
فسيوجد دومًا من يعيد الزمن لمجراه،
من يجعل الأرض مسكنًا للبراءة والنقاء،
ولتنبح الكلاب القمر كما تشاء، فسيبقى القمر ساطعًا في السماء،
وتبقين أيتها البريئة كشعاع النجم الوضاء،
كالزنبقة البيضاء طافية على وجه الأرض والماء.
١٩٨٤م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١