ملاحظات

تفضلت هيئة الكتاب بالقاهرة بنشر البكائية إلى صلاح عبد الصبور في ذكراه الأولى (أغسطس ١٩٨٢م)، ولكنها لم تنشر هذا التعقيب الطويل الذي ظهر مع البكائية في عدد مجلة البيروتية (ديسمبر-يناير ١٩٨٢م)، ولهذا رأيت إعادة نشره في هذه الطبعة.

الدمعة الأولى: دموع على حائط مبكاي

(١) هو كتاب تاو-تي-كنج «الطريق والفضيلة»، للحكيم الصيني لاو-تسي.

(٢) هو الكاتب الدارس فاروق خورشيد.

(٣) هو الفيلسوف سارتر.

(٤) نشيد الإنشاد، الإصحاح الثالث.

(٥) أبيجرام منسوب إلى سيمونيدز «من حوالي ٥٥٦ق.م. إلى حوالي ٤٦٨ق.م. شاعر إغريقي من جزيرة كيوس».

(٦) عن قصيدة لهلدرلين، راجع كتابي عنه، القاهرة، دار المعارف، ١٩٧٤م.

(٧) رأي للكواكبي في «طبائع الاستبداد».

(٨) هو صوت أستاذنا زكي نجيب محمود، الذي يدعو للتفكير العلمي وحضارة العلم لا حضارة الألفاظ، منذ حوالي نصف قرن، وبخاصةٍ في كتبه الأخيرة.

(٩) عن قصيدة لمظفر نواب.

(١٠) بتصرف عن قصيدة برشت المشهورة «إلى الأجيال المقبلة». وأود الإشارة إلى خواطر رائعة لفرانسوا باسيلي، نبهني إليها صديقي الفنان ضياء الشرقاوي. وقد نشرت في مجلة «الكاتب» القاهرية تحت عنوان «تساؤلات لخدش كبرياء الخداع»، العدد ١٨١، أبريل ١٩٧٦م، ص٥٢–٦٤.

(١١)
صفحة ٢٤٨ من أولاد حارتنا، وهي العمل الفني الذي أنار هذه الدمعة، عندما كنت أعمل في دراسة ترجمتها عنه. وقد نشرت الدراسة في مجلة «مرسلات الشرق» العدد «١٣»، دون تاريخ (حوالي ١٩٧٥م)، عدد خاص أهداه إلى ذكرى المستشرق أ. آبيل نخبةٌ من تلاميذه وأصدقائه، تحت عنوان «أمشاج إسلامية»، وصدر ضمن منشورات مركز دراسة مشكلات العالم الإسلامي المعاصر، مدينة بروكسيل، وإليك العنوان الأصلي للدراسة وبيانات النشر لترجع لها إن شئت.
Mélanges d’islamologie—deiésa la mémoire de A. Abel Par ses colléges, ses élèves et ses amies. Volume II. Bruxelles, P. 375. Gott, die Futuwwat und die Wissenschaft—âu Nagib Mahfuz: Aulad haratna par Fritz Steppat in: Correspondance d’Orient No. 13.
(الله والفتوات والعلم، عن أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، لأستاذي الدكتور فرتس شتيبات. نشرت ترجمة المقال مع مقدمةٍ له في مجلة الثقافة، نوفمبر ١٩٧٩م، بعد أن اعتذرت مجلة الآداب عن عدم نشرها.)

الدمعة الثانية: لمن أتحدث يا نفسي اليوم؟

(١)
الموت أمامي اليوم:
كالشفاء في يوم نظر العليل،
كالخروج (من البيت) بعد المرض.
الموت أمامي اليوم
كرائحة المسك،
كالجلوس تحت الشراع في يومٍ عاصف.
الموت أمامي اليوم
كشوق الغريب للعودة إلى بيته،
بعد سنواتٍ طوالٍ في الأسر.
(٢)
هو الشاعر القحطاني الجاهلي المشهور عبد يغوث بن وقاص بن صلاءة الحارثي، من أهل بيت شعرٍ معروف في الجاهلية والإسلام. كان حارسًا شديدًا مذكورًا، وسيدًا من سادات قومه، قادهم في معركة تسمى يوم الكلاب الثاني، لمقاتلة بني تميم، فأسر في القتال، وأنشد في رثاء نفسه قصيدةً قُتِل بعد إنشادها. جاء في النقائض أن يوم الكلاب الثاني كان بعد البعثة المحمدية، وإذا صح هذا، فإن الشاعر يكون قد أدرك الإسلام، وتكون قصيدته التي نكتفي بمطلعها وبعض أبياتٍ منها قد قيلت في مبعث النبي عليه الصلاة والسلام:
ألا لا تلوماني، كفَى اللوم ما بيا
فما لكما في اللوم خيرٌ ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعُها
قليل، وما لومي أخي من شماليا؟
فيا راكبًا إما عرضْتَ فبلغن
نداماي من نجران ألا تلاقيا
جزى الله قومي بالكلاب ملامة
صريحهم، والآخرين المواليا
أبا كَرِبٍ، والأَيْهمن كليهما
وقيسًا، بأعلى حضرموت اليمانيا
ولو شئت نجَّتْني من الخيل نهدة
ترى خلفها الحُوَّ الجياد تواليا
.
… إلخ.
(٣)
هو مالك بن الريب المازني التميمي، من شعراء العربية، توفي سنة ٦٠ﻫ، وقصيدته التي تبدأ بهذا البيت:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة
بجَنب الغضا أُزجي القلاص النواجيا
.
هي من القصائد النادرة التي يرثي فيها شاعرٌ نفسَه، ويصور لحظة صدقٍ نادرة، وهو على البرزخ بين الحياة والموت، لحظة تتحد فيها البداية والنهاية، ويلتقي الماضي المجيد الذاهب بلا عودة مع حاضر الألم، والغربة والوحدة في مواجهة الموت. إن قصيدة مالك بن الريب في رثائه لنفسه تذكِّرنا بقصيدة عبد يغوث، ويحتمل أن يكون مالك قد حاكى الشاعر الجاهلي، أو أن تكون قصيدة هذا الأخير قد تراءت له بصورها ووزنها ومشاعرها، بحيث فرضت نفسها عليه في لحظته البرزخية تلك. ومهما يكنِ الأمر في رثائه لنفسه الذي بلغ الغاية في قوة التصوير، وإتقان الشكل، وصدق العاطفة، ووحدة الموقف الأخير أمام النهاية الوشيكة، فلا شكَّ في أنها من عيون الشعر العربي والإنساني في كل عصوره ومواطنه.
نكتفي — بعد المطلع السابق — بذكر بعض أبياتها التي تعبر عن أهم نقلاتها، وحركاتها التصويرية والشعورية (ويستطيع القارئ أن يرجع إلى نَصِّها الكامل وشرحها الفني الوافي في كتاب الشاعر الدكتور عبده بدوي وزميليه «الأدب وروح العصر»، منشورات ذات السلاسل، الكويت، ١٩٨٥م، من ص٤٧ إلى ص٦٢، كما يمكن الرجوع للأغاني (١٥ /٦٩-٧٠)، والنقائض (١٥٢-١٥٣)، والعقد الفريد (٦ /٦٨)، والكامل لابن الأثير (١ /٢٢٨)، وأسماء المغتالين (٢٤٦)، وشرح شواهد المغني (٢٣٢)):
فليتَ الغضا لم يقطع الركب عرضه
وليت الغضَا ماشَى الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لو دَنا الغَضَا
مَزار، ولكن الغضا ليس دانيا
أجبتُ الهوى لما دعاني بزفرةٍ
تقنَّعتُ منها أن أُلام ردائيا
تقول ابنتي لما رأت طول رحلتي
سِفارك هذا تاركِي لا أبا ليا
إن الله يُرجِعْني من الغَزو لا أُرى
وإن قل مالي طالبًا ما ورائيا
تذكرت من يبكي عليَّ فلم أجِد
سوى السيف والرمح الرُّدَيني باكيا
وأشقر محبوكًا يجر عنانه
إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
صريع على أيدي الرجال بقفرةٍ
يُسوُّون لحدي حيث حُمَّ قضائيا
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا
برابيةٍ إني مقيمٌ لياليا
أقيما عليَّ اليوم أو بعض ليلة
ولا تعجلاني قد تبيَّن شانيا
وقُوما إذا ما استُلَّ روحي فهيِّئَا
ليَ السدر والأكفان عند فنائيا
وخطَّا بأطراف الأسنة مضجعي
ورُدَّا على عينيَّ فضل ردائيا
ولا تنسيا عهدي خليليَّ بعد ما
تقطَّعُ أوصالي وتبلَى عِظاميا
يقولون لا تبعد وهم يدفنوني
وأين مكان البُعد إلا مكانيا
غداة غدٍ يا لهف نفسي على غدٍ
إذا أدرجوا عني وأصبحت ثاويا
فيا ليت شعري، هل بكتْ أم مالك
كما كنت لو عالوا نعيَّكِ باكيا
إذا متُّ فاعتادي القبور وسلمي
على الرمس أُسْقيتِ السحاب الغَواديا
على جدثٍ قد جرت الريح فوقه
ترابًا كسَحْق المرْنِباني هابيا
رهينة أحجارٍ وترب تضمَّنت
قرارتها مني العظام البواليا
فيا صاحبًا إما عرضت فبلغا
بني مازن والريب ألا تلاقيا
غريب بعيد الدار ثاوٍ بقفرةٍ
يدَ الدهر معروفًا بألا تدانيا
أقلِّب طرفي حول رحلي فلا أرى
به من عيون المؤنسات مراعيا
وبالرمل منا نسوة لو شهدنني
بكين وفدَّيْنَ الطبيب المداويا
فمنهن أمي وابنتاي وخالتي
وباكية أخرى تُهيج البواكيا

(٤) فرانسوا فيون (من حوالي سنة ١٤٣١م، إلى حوالي سنة ١٤٦٢م) شاعر فرنسي، امتزجت حياته المشبوهة بشعره الغنائي الرائع ليجعلا منه أسطورة، ولد في أسرةٍ أميةٍ فقيرة، وتعهده بالرعاية والحنان قسيس عطوف، كان من أقاربه، وسمي الشاعر الشاب على اسمه. تخرج في الواحدة والعشرين من عمره من جامعة باريس، ثم ما لبث أن عاش حياة الصعاليك والمتشردين والأفاكين في حانات الحي اللاتيني. قُبض عليه عدة مرات؛ لاشتراكه في جرائم القتل والسرقة، واضطر للهروب من باريس، فلم يرجع إليها إلا بعد صدور العفو العام سنة ١٤٦١م، وسرعان ما ألقي به في السجن سنة ١٤٦٢م، وحكم عليه بالإعدام شنقًا. وخفف عليه الحكم إلى النفي لمدة عشر سنوات، ولكنه اختفى بعد ذلك عن الأنظار، وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وإن كانت مؤلفاته الشعرية قد ظهرت مطبوعة في سنة ١٤٨٩م.
كان شعر فيون هو السجل الحي لضياعه وفقره، ومغامراته في الحب والجريمة وحزنه ورثائه لنفسه، وشبابه مع سخريته، ومرحه ورضاه عن نفسه.
ومن أهم قصائده «الوصية الصغيرة» (١٤٥٦م) و«الوصية الكبيرة» (١٤٦٢م) اللتان تعبران في وقتٍ واحدٍ عن تأثره بتقاليد الأدب الوسيط، وعن أصالته وواقعيته وبراعته الفنية (في التزامه بالبيت ذي الثمانية مقاطع، وبشكل البالاد، الأغنية القصصية أو الموال، والروندو الذي يكرر البيت الأول وسط القصيدة ونهايتها مع اتباع قافيتين فحسب)، وأهم ما يدل على أصالته هو عاطفته الجيَّاشة بالصدق، وقدرته على تحليل ذاته وعمق مشاعره وأحزانه على شبابه المهدَّد، وآماله في الخلاص الأخير، ويكفي أن نذكِّر القارئ بأغنيته القصصية، أو «بالاد» المشنوقين بصورها الواقعية المخيفة عن الأجساد المعلقة في المشانق، وقد أحرقتها الشمس والتهمتها الطيور الجارحة، وموسيقاها العذبة التي تردد لزمة تتكرر وتحولها إلى قداس جنائزي، تختلط فيه رهبة الموت بقسوة العالم والبشر بمخاوف الشاعر من أن يَلقَى نفس المصير «لقد طحن العذاب أعصابي، وعلمني أكثر مما علمني أي شيءٍ في أرسطو.» ألهم شعره عددًا كبيرًا من الشعراء، مثل روسيتي وسوينبيرن وهينلي وبرشت، فكتبوا عنه أو ترجموا له، أو ضمنوا شعرهم بعض أشعاره، كما كتب فيكتور هيجو وروبرت لويس ستيفنسون قصة حياته، وظهرت عنه مسرحيات وأفلام سينمائية عديدة.

(٥) ديوجين: نسبةً إلى الفيلسوف اليوناني ديوجينيس الكلبي، من سينوب في آسيا الصغرى. ولد حوالي سنة ٤١٢ق.م. ومات في كورنثة سنة ٣٥٣ق.م. بالغ في مفهوم القناعة السقراطية، حتى وصل به إلى الزهد في كل مظاهر الحياة المتحضرة، وجعل من الاستغناء والعودة الطبيعية وإنكار الأعراف والقوانين واجبًا يلتزم به الإنسان إلى حدِّ الكلبية والحياة التلقائية الصرف. رُويت عنه حكايات ونوادر مشهورة، منها: أنه كان يقيم في برميل، ولما زاره الإسكندر، وطلب منه أن يعبر له عن حاجةٍ يحققها له، طلب منه أن يبتعد؛ لئلا يحجب عنه ضوء الشمس! ومنها: أنه سار في سوق أثينا في وقت الظهر، وهو يحمل في يده مصباحًا وينادي: أين الإنسان؟ أين الإنسان؟ (راجع عنه: قصة لكاتب السطور بعنوان: «قصة كلب يبحث عن إنسان»، نشرت في مجموعته، الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت، دار المعارف، بالقاهرة سنة ١٩٨١م.)

(٦) هما الشاعران عبد يغوث الحارثي، ومالك بن الريب التميمي اللذان سبقت الإشارة إليهما.

(٧) عن بيتٍ ورد في أحد أناشيد الجوقة، في مسرحية «أنتيجونا» لسوفوكليس.

(٨) عن حكمةٍ مشهورةٍ للفيلسوف الرياضي المتصوف باسكال (١٦٢٣–١٦٦٢م).

(٩)
كاليبان Caliban هو اسم وحش بشري شائه الخِلْقة في ملهاة شكسبير «العاصفة»، ولعله أن يكون تحريفًا لكلمة كانيبال Cannibal، التي تعني آكل لحوم البشر، وهو «شبل» الساحرة العجوز «سيكوراكس»، التي نفيت في وطنها الأصلي في الجزائر إلى جزيرة بروسبيرو. استبق شكسبير بهذه الشخصية العجيبة، تلك الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان، التي طال الجدال حولها عقب إعلان نظرية داروين عن أصل الأنواع والانتخاب الطبيعي. ويعد كالبيان تجسيدًا للشهوات الوحشية، وانفعالات الحقد والكراهية، وقد ورث عن الساحرة قوة عقلية جبارة لا تخضع إلا لسيد الجزيرة الموحشة — وهو الدوق المنفي بروسبيرو — ولا تذعن إلا لحكمته وتدينه وعبقريته.

(١٠) إشارة إلى الحادثة المشهورة عن الراهب البوذي، الذي أحرق نفسه أمام المعبد؛ احتجاجًا على حرب فيتنام ودعوة للسلام.

(١١) إشارة إلى عبارة هاملت المشهورة في مناجاته «أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة.»

(١٢) إشارة إلى إلهَي الفن والنور والنظام «أبوللو» والنشوة والحقيقة المفجعة «ديونيزيوس» عند اليونان، وهما قطبا كل حياةٍ وإبداعٍ عند نيتشه.

(١٣) نذكر مما قاله عن المرثية هذه الأبيات الدالة: لكم فتنتني المرثية الرقيقة بحنانها الذي يلمس القلب، المرثية ذات النشيج المتقطع، ذات الضحكات الممتزجة بالدموع، ذات الشعر الطويل المنثور، تلك الجميلة التي ترفع للسماء نظراتٍ مبتلة.

الدمعة الثالثة: الكابوس

(١) هذه رواية قصيرة كتبتها قبل ما يقرب من سبع سنوات. كنت أعيش وحيدًا في كهف صنعاء الطيب الأمين، وأُكثر من قراءة البردوني والمقالح وعبد الصبور، ومن تأمل مصير وطني ومصيري ومراجعة النفس التي راحت تطل «على مشارف الخمسين». وصحوت ذات ليلةٍ من كابوسٍ ظلت غرائبه المختلطة تلاحقني في اليقظة والمنام: هيجل يتربع فوق عرش الصيرورة — وكنت أيامها أقرؤه وأدرسه! — وجوه فلاسفة وشعراء أخذوا من عمري ما أخذوه، وجه الأم الطيبة الراقدة في قبرٍ ريفيٍّ بعيد، أوراقٍ متناثرة من شجرةٍ محترقة الأنفاس (يوليو ١٩٧٩م)، ثم بلغت الخمسين وتخطيتها فنسيته أو أُنسيته، حتى رجعت إليه، فاخترت منه هذه الصور والإيقاعات.

الدمعة الرابعة: نم بسلام

(١) كل ما بين فاصلتين صغيرتين من شعر صلاح عبد الصبور، أما بقية السطور الشاحبة فهي مني: فراشات عاجزة تحاول أن تحوم في نوره، وترفرف في سمائه. وهذه البكائية تفترض الاطلاع على مؤلفات الراسل العزيز. دواوينه الستة ومسرحياته الشعرية الخمس وكتبه النثرية والنقدية، وخصوصًا سيرة كفاحه مع الفن «حياتي في الشعر» وهي محاولة لتقمص وجدان الشاعر وإعادة بنائه، وهو على طريق رحلته الأخيرة، منذ أن غادر البيت الذي كان مدعوًّا إليه بعد شعوره بألمٍ شديدٍ في صدره، حتى سقوطه في الغيبوبة. وإذا لم يكن قد قدر لي أن أصحبه على هذا الطريق، فقد صحبته على طريق العمر، وعشت فرحه وجرحه في مئات الأيام والليالي التي عشتها معه. لا شك أن تفاصيل السفر الأخير هنا مختلفة عما جرت عليه في الواقع. ولكنني أسترجع الأحاسيس وأتابع خطى الحوار الباطن كما تصورتها من قراءتي لأعماله، ومن واقع رحلة العمر لا من وقائع السفر الأخير.

(٢)
هو بيت أبي العلاء المشهور:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه
فيخرج من أرضٍ له وسماء
.
وطالما تمثل به العزيز المسافر وردده، وكأنه الحكمة الأخيرة والكلمة النهائية. وجود الإنسان. أما عن حبه الكبير رهين المحبسين فقد أكده في «حياتي في الشعر» وتمنى أن يتفرغ لكتاب يشرح فيه بعض أشعاره، ويأخذ بيد القارئ للدخول في عالمه، وإذا لم تخني الذاكرة فقد نشر بالفعل فصلين منه في مجلتي «المجلة» و«الثقافة» المحتجبتين، وبقي حبه وارتباطه بالثائر العظيم المهزوم أشبه بالحبل السري الذي يربط الجنين بالأم والإنسان بالأرض. ومن سوء حظنا أن مشروع هذا الكتاب لم يكتمل، شأنه شأن عديد من المشروعات التي لم تر النور.

(٣) لم يعد سرًّا أن هؤلاء الأصدقاء هم على الترتيب: الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، والشاعر المجدد أمل دنقل، والناقد الجاد وأستاذ الأدب العربي جابر عصفور.

(٤) من قصيدة للشاعرة اليونانية سافو. وكنت قد أهديت كتابي عنها (١٩٦٦م) للراحل الحبيب، وتفضل بمراجعته في الصفحة الأدبية بجريدة الأهرام.

(٥) البيت لعبيد بن الأبرص.

(٦) مي ومعتزة هما ابنتا الشاعر الحبيبتان.

(٧) كانت جامعة كمبريدج قد وجهت الدعوة للشاعر ليحاضر فيها، ولولا محنة لقمة العيش ولعنة البيروقراطية اللتان تلتهمان عمر المبدعين في بلادنا لأتيحت له نعمة اللقاء بنفسه والبقاء أيامًا أو أسابيع في جو العلم النقي والريف الهادئ والنفوس التي لم تفقد معنى الحب والاحترام.

(٨) مسرحية شعرية حدثني الصديق المسافر مرتين أنه بدأها وكتب بعض مشاهد منها. وقد اطلعت بعد رحيله على حديثٍ ذكر فيه أن يعالج فيها مشكلة الأصالة والمعاصرة التي اشتعلت في سنوات الهزيمة الأخيرة، وعسى أن تنشر هذه المشاهد لنتأكد من جناية الروتين على الشعراء.

(٩) عنوان الذكريات التي دأبت مجلة «الدوحة» على نشرها في الشهور الأخيرة، وأرجو أن تظهر قريبًا في كتاب، وقد ذكرني فيها وفي حياتي في الشعر — كرمًا منه ومداعبة حلوة — وأشاد بقراءاتنا المشتركة لبعض شعراء الغرب. وأشهد أن كل لحظة عشتها معه وندمت فيها بحضوره وحبه قد كان لها كل الفضل علي إلى آخر نفس في.

(١٠) السطور الأخيرة تنويعات على أبياتٍ من قصيدة الشاعر مجاهد عبد المنعم مجاهد: إلى صلاح عبد الصبور، روحًا حزينًا كالناس في بلادي، مجلة الدوحة، عدد أكتوبر ١٩٨١م، ص٥٠.

(١١) مجموعة من أصحاب العزيز الحاضر الغائب وأصدقاء عمره: الشاعر الناقد وأستاذ الأدب العربي الدكتور أحمد كمال زكي، الروائي ودارس الأدب الشعبي العربي فاروق خورشيد، القاص والكاتب الإذاعي محمد عبد الواحد، الروائي والكاتب المسرحي وكاتب الإذاعة عبد الرحمن فهمي، الشاعر والناقد وأستاذ الأدب العربي الدكتور عز الدين إسماعيل.

(١٢) كان صديق العمر يداعبني بهذه التسمية التي لا أستحقها.

(١٣) السطور الخمسة الأخيرة عن قصيدة «الجيتار» للوركا، وقد ذكرها في «حياتي في الشعر»، وأضفيت عليها الإيقاع.

(١٤) المقطوعتان الأخيرتان عن قصيدة «حدث في النصف الثاني من الليل» وهي المرثية التي كتبها الشاعر العربي الكبير من اليمن الدكتور عبد العزيز المقالح، ونشرت في جريدة الثورة في صنعاء.

(١٥) أقمنا — صديق العمر وأنا — في مسكنٍ واحد في حي المنيل وحي العجوزة بالقاهرة ما يقرب من السنتين (بين سنتي ١٩٥٦م و١٩٥٧م) عندما انتقل إلى مسكنٍ آخر بالقرب من دار روز اليوسف التي انضم إلى هيئة تحريرها بعد استقالته من التدريس — واتجهت أنا في منحة دراسية إلى ألمانيا — وإني لأطل الآن بكل الحب والعرفان على هذه الأيام التي عرفت فيها الإنسان الكبير والمثقف العظيم، وأعيشها كما أعيش غيرها حاضرًا حيًّا إلى آخر نبضة في القلب وومضة في العين.

(١٦) أذكِّر الصامتين من أساتذة الأدب عندنا بأن عشرات الباحثين في أمريكا وأوروبا يعكفون منذ السنين على دراسة أعمال صلاح، وأن الندوات قد أقيمت هناك بعد رحيله وأمامي الآن ترجمة جيدة لمأساة الحلاج بعنوان «موت الصوفي» قام بها أحد المستشرقين الألمان وراجعها صديقنا ناجي نجيب المقيم في برلين، وينتظر صدور «مسافر ليل» عن دار النشر نفسها عن قريب. أذكِّرهم أيضًا بأنه كان قبل رحيله المفاجئ يستعد لحضور عرض مسافر ليل والأمير تنتظر على بعض مسارح يوغوسلافيا والنمسا كما كانت الدوائر الأدبية في كمبريدج تنتظر تلبية الدعوة الموجهة إليه. أيكون الأغراب أحن علينا من أنفسنا وأقدر على تقديرنا من بعض أهلنا. يا رب كيف أعطيتنا القدرة على كل هذا الجحود؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١