الفصل الحادي عشر

لم تقض ريتا زمنًا طويلًا في النقاهة؛ بفضل قوة الحياة التي كانت فيها، ونشاط طبيعتها الذي يلوح أنْ دَوْرَ الأمومة ضاعَفَه وزاده قوة، حتى إني أول مرة رأيتها بعد بللها انفعلت من الانقلاب الذي طرأ عليها، فإن وجهها الطلق قديمًا مما أحالَتْها الولادة اغْتَدى وهو أكثر مهابةً ووقارًا، ونور عينيها المُتَّقِد سابقًا أصبح وهو أقل اتِّقادًا، وأضحت بطيئة الحركة مُتَّسِعة الصدر. نعم، إنَّ الأمومة لم تقلَّ جمالها الباهر، لكنها نسخت مجموعَه وأوَّلتْه شكلًا آخر.

فبادَلْناها عبارات التهاني المألوفة عند حصول مثل هذا الحادث السعيد، وحينما كنتُ أراها مع أختها وابنة أختها لويزا، كنت أقدِّم لها من التهاني المُستعمَلة في الحديث العادي شيئًا كثيرًا، على أني كنت أرى في ابتسامتها بلاغة لا أغترُّ بها، وحين كانت تضغط على يدي ذاك الضغط العصبي المتقطِّع، كنت كأني أسمعها تنشدني أنشودة الغرام.

فأخذتْ على المائدة مكانها الأول، وبينما كنَّا نتناول الطعام كانت تحدِّثنا حديثًا مُفعَمًا بالمزاح، يشفُّ عن سرور يبْلُغ المُنْتهى، فهل هذه ريتا التي أعرفها …؟ وأين تلك الكآبة وذاك الشجن؟ وأين ذاك البلبال وذلك الدلال …؟ كل ذلك ارتحل لِيُخْلِي المحلَّ لهدوء تام وسرور مُتناهٍ، واعتدال بالغ التمام، وقد كفى لإحداث هذه العجائب الكثيرة وَلَدٌ واحد.

فسألها البارون: كيف عافية الطفل اليوم؟

– على أحسن ما تشتهي له، وقد أرضعته منذ هنيهةٍ ونام.

– مثل سكران بيده زجاجة؟

فقطعته جونريت قائلة: دعنا من هذا المزاح.

فقالت ريتا: يا ما أُمَيْلحَه طفلًا لا يسبِّب لي كدرًا! هو كنز بل جوهرة.

ولما أن أتمت فصْل وصفِ ابنها سكتت؛ لأن الولد لم يكن يبلغ شهرًا من عمره، وكان يستحيل عليها أنْ تصف أكثر من محاسنه الطبيعية؛ لأن الباقي كان مجهولًا.

ثم قالت: إنَّ لعينيه السوداوين حلاوة المغازلة، وكلما نظر إليَّ مدهوشًا أو ممازِحًا، أشعر بجزع يتولَّاني كأنما مهجتي تذوب، وإنَّ لشَعْره نعومة الحرير ولون الذهب، وكلما أمسكته أشعر برعدة، وإنَّ لأظفاره الوردية شكلَ تلك الأصداف التي تقذفها الأمواج إلى الكثيب، وإنَّ جسده الصغير الذي أغسله بالعطر عشر مرات كلَّ يوم، يحرك في فكري ذكرى بنبينو، الذي كان أبي يُرِيني صورتَه في كنيسة ميلان، ثم إنها قطعت هذا الحديث بغتةً، وقالت: رأيت فيه خللًا في التكوين، فإن بنصر رجله اليسرى مفقود، وقد رآه الطبيب فقال: لا بأس عليه من ذلك فهو لا يؤثِّر على معيشته.

فاضطربت لهذا الخبر؛ لأن البنصر المذكور مفقود مني، وقد طالما رأيت والدتي تسأل الأطباء عمَّا إذا كان يضرني في كبري، وتأكدتُ ثمة أنَّ هنري فركنباك هو ابني بلا مراء.

هل أستطيع بعدُ التشكيك في أبوة زنائية …؟ وهل يمكنني بعدُ أن أُقِيل من طريقي عَثَرات فِعْل فظيع وحشيٍّ أتيتُه …؟ لا، لا فإن لي مُعذِّبًا من قلبي لا أستطيع معه التجاهُل؛ ولكثرة ما اشتدت عليَّ الأوهام نسيتُ الغداء، فصاح البارون بي قائلًا: في أيَّة السيارات يسير الآن فكرُك؟ أفي عطارد أم في الزهرة؟ أم تُرى الأرض أدنى من قَدْرك مُنحطَّة تحتك فتطلب ملأً أعلى؟

فاعتذرت بما في وسعي على إخلالي باللياقة، ولا أشك أنَّ ريتا أدركت سِرَّ ما يحرِّك دماغي، ولا بدَّ أنها حسبتني أفكر في غرامها، وربما حسب البارون أنني أفكر في كورالي، ومن المحتمل أنَّ مدام جونريت حسبتني «أحب لويزا»، وما كنت أفكر بالحقيقة إلَّا «بأن هنري فركنباك كان ابني».

ولما هممت بالذهاب مرَّت إلى جانبي وقالت هذه الكلمات الأربع: الأحد … الساعة الحادية عشر.

ماذا تقصد من هذا الموعد؟ ذاك أوضح من شمس الضحى …! تود أنْ نعود إلى شأننا القديم، وبعد أنْ نزل الستار على الفصل الأول من هذه الرواية المُحزِنة، أرادت ريتا أنْ يُرفَع عن فصلٍ آخر، وأنَّ الرواية تُوصَل، على أنَّ هذا المرام ضِدَّ مرامي، ولما أن انتهى الفصل الأول تنفَّستُ تنفُّس الراحة، وكرهت التمثيل والممثِّلين، وأقسمت أن لا أعود فأركب مراكب هذا الحب.

فأنا الآن لا أتبصر في مهرب من موعدها، بل أتبصَّر في مهربٍ من حبِّها، ولست أُرَجِّي مناصًا من لقائها، بل من هواها، وكيف النهوض من لُجَّةٍ هبطتْ بي إلى أقصى دركات المهالِك، ومن أين باب النجاة وقد أَوْصَد الحب دوني جميع المسالك …؟ فهل ريتا تَصْرِمني إذا صَرَمْتها؟ وهل تراها تُنْكِرني إذا أنكرتها …؟ لا، لا أرى مناط الثريا وإمساك السهى دون ما أُرَجِّي.

يوجد في قاعة اللوفر المربعة نجمة إلهية من رسم أندرية سولاري، يكفي الرائي أنْ يراها مرة لترتسم في مُخيِّلته فلا تفارقه البتة، ففي يوم الأحد وفي الساعة المُعيَّنة دخلتُ بيت فركنباك ووقفت على العتبة أفكر في ذاك الرسم صامتًا مدهوشًا، كأني أرى نُصْب عيني يسوع الطفل، إذ تملَّص من اللفائف، والربط يلعب برجله اليمنى وينظر إلى أمه التي هي أشبه بعذراء سولاري وعارية مثلها، لا تهتم بإخفاء كربها، بل هي تنظر إلى ثمرة أحشائها المباركة، وتبتسم لمداعباته.

فهل فرق بين حال ريتا وبين تلك الحال المرسوم؟ وهل تباين بين معنى تلك وحقيقة هذه …؟ كلَّا!

وبينا أنا في بحور أوهام خرجتْ لملاقاتي، وقالت: أهلًا بالحبيب، ومرحبًا منذ ساعة وأنا في انتظارك، فلماذا تتمهَّل بالدخول؟ ولِمَ لا أرى فيك عواطف الأبوَّة؟! وكيف لا تنعطف على ولد هو ثمرة حبِّنا؟! الولد الذي يجب أن لا تَسأل عن غَيْره ولا تشتغل بسواه.

لم يك في هذه الفاتحة ما يحملني على حَرْبها، ورأيت أن أستعمل معها السِّلْم أيضًا، ولكنَّ سِلْمنا كان مُتسلِّحًا، فأجبتها من فوري: اتَّهَمْتِني بالأبوَّة يا عزيزتي، فأنَّى لكِ تأكيد ذلك؟ ومن أين لي معرفة ما إذا كان هنري هو ابن فركنباك أم ابني؟

فقطعتني وقالت: كفى، هذا سُباب، أنا أعلم حقَّ العلم أن هنري هو ابن الحبِّ، وما هو ابن الزواج، وأن قبلاتك هي التي بثَّت فيه روح الحياة، وهي التي أفاضت في عروقي نارًا كانت مجهولة، وهي التي وجدت ينابيع نفسي التي كانت مُختبِئة بالقضاء والقدر، إنَّ أقنوم الغرام لا يصير لحمًا إنْ لم يكن أقنومًا، وأنت تعرف جيدًا أني بك وحدك عرفت ذاك الأقنوم، فأنكِرْ الآن إذا استطعت؟ قل: إنَّ هذا الطفل ليس منك … وقل أيضًا إنَّ عشقنا كان غرورًا، وإنَّ سَكْرنا كان رواية، وإنَّ مداعباتنا كانت حيوانية …

رأيت في الأم ذات الغيرة الشديدة التي كنت أراها فيها يوم كانت حبيبة، فاستعملتُ كلَّ العبارات النافعة؛ لإخماد حِدَّتها، وتسكين غَيْرتها، فقالت بحزن: ها قد مضى علينا يا حبيبي ستة أشهر لم نستطع في خلالها الاجتماع في بيتنا بشارع كوبنهاك، ولو تعلم كم آلمتْنِي هذه الفرقة …؟ فقد حُكِم عليَّ أنْ أراك كغريب، وأنْ أحبك بالوهم، وأنْ أتظاهر بالحب لبعلٍ أبغضه بقدر ما تراه عيني … لم يحل فؤادي عنك؛ لأنه لك بأسْرِه فهو ملكك ولك الحق في أن تعلم ماذا يحدث فيه هناك، حيث أنت السيد والملك، فأنا اليوم أحبك مثل قبل، بل أكثر من قبل، وكلما أنظر إلى هنري، كأني أراك به مرسومًا … نعم، إني أشتهي لنا ربيعًا غراميًّا مثل الربيع الماضي فآخذك بين يدي، ونقول معًا نشيد الجنون والغرام والقبل التي لا تُحصَى، آه يا إلهي، قد عشت طويلًا، فعرفت كيف تفهمون الوجود أنتم معاشر الرجال؛ ولهذا فأنا أحلُّك يا مكسيم من يمين الأمانة التي أقسمتها لي ذات مساء، فأنت الآن حر … لكن بغير قلبك …! أتفهم؟ أسمح لك بكل شيء سوى الغدر والخيانة، كلْ مع بنات المراسح إذا كان لك في ذلك سرور، ونَمْ أنى تشاء النوم الذي يعبر به الرجال عن هذه الأشياء، لكني بعد فطام هنري، أذهب إليك أنَّى كنت أو مع أي امرأة تكون، وأحلف لك أني آخُذُك من يديها، اذهب الآن قبل أن يباغتنا أحد، ولا تقبِّلني مخافةَ أن تجنِّنَي قبلُك وتحطَّ من نشاطي … بالأمان لا تنسَ شيئًا مما قلتُ.

في ذات المساء دعاني فركنباك للعشاء عنده، فقبلت دعوته قصد أن أجتمع بريتا، وأُظْهِر لها حال البلبال الذي رماني فيها حديثها في النهار، ولما أن آذنت الشمس بالغروب، جئت بيت فركنباك، فوجدت مدام جونريت وبِلَّوْرَتَيْها على أنفها، تشتغل برتْقِ ملابسها، ورأيت ريتا جالسة على المقعد، وفي يديها كتاب تقرأ فيه، أما لويزا فكانت تضرب على البيانو، فاستقبَلْنَنِي بسرور، ورحبْنَ بي، فقالت مدام جونريت: كيف فكرت اليوم في أن تأكل معنا؟

– إنني أفتكر بكم دائمًا.

ثم قامت لويزا، وجعلت تبحث عن كتاب تشغل به أعينَها إذا لم أقل فكرها، فقلت لها العفو يا سيدتي، فقد أتيت كمقلق الأعياد، وقطعتك عن إتمام اللحن الذي كنت تَضْرِبينه على البيانو، وقد سمعتُ بعضَه من الخارج، وهو ما أظن من ألحان سيبستيان باش.

– نعم يا مولاي، كنت أضرب لحنًا لباش.

– أتسمحين لي يا سيدتي أنْ أستأذن لك من مدام جونريت أنْ تضربي هذا اللحن من أوله وتتميه هذه المرة؟

فقالت ريتا: لا نحب ألحان باش، فاضربي غيرها.

– ماذا تشائين يا عمتي.

– لحنًا غير مُمِلٍّ ولا جدِّي.

– أتحبين مشهد أولاد شيمين؟ فهو لحن قصير لا يطول عذابُك معه إذا أمَلَّك.

– العنوان حسن، فاضربي هذا المشهد.

لويزا ماهرة بضرب البيانو، مهارة ينتهي الوصف إليها، وقد طالما سمعت الألحان التي ضربتْها على البيانو، فلم تؤثِّر عليَّ مثل هذه المرة، ولما أن انتهت من مشهد أولاد شيمين انتقلت إلى لحنٍ آخر يُدعَى الحلم، فحسبت أني استؤسِرت، وشعرت بأن دمي غَلَى في عروقي، وحرَّك دماغي بقوة، وتولَّتني هزَّة شديدة، فاغتدتْ أعصابي كأنها أوتارٌ تضرب عليها ريشة عواد، ولا أعلم لأيِّ شيء أنسب هذا الشعور وهذه العاطفة، وقبل منتهى الحلم سالت من عيني دمعة انفعال، وقفتْ على طرف مآقيَّ مُضْطَرِبة كأنها خائفة فمسحتُها سرًّا.

فقلت لمدام جونريت: أيمكنني أنْ أستأذن لها بإعادة الحلم؟

– إذا كان ما تقول عن سلامة قلب، وكان بالحقيقة يلذُّك ضربها فإني آذن لها، أمَّا إذا كان ذلك خداعًا فالحذار الحذار، فإن العذارى يغرُّهن الثناء؛ لأن قلوبهن مثل الهواء.

وقالت ريتا: لعمرك ماذا ترى من الغرابة في هذا الحلم؟

فأجبتها بتحمُّس — وكانت لم تزل أعصابي ترتجف — نعم، إن الذي أراه أقوله لك بلا تعسُّف، وهو أن أمًّا جالسة إلى مَهْد ابنها البكر قُبَيل نومه، وكانت أجفانه تنطبق، وفمه الحلو يفوه بشيء عذب لا أعلم ما هو كمناغاة الطيور، أو كصوت جري الماء على الأعشاب، وكأن أمه حارس تنتظر قدوم ملك النوم؛ ليظل تحت جناحيه هذا الشاروبيم الطريد من النعيم، ثم كأن الأوهام استفزَّتها فاغتدت وهي تسير في عالم الخيال بعيدة عن الأوجال البشرية، هناك في ذاك العالم الأرفع حيث لا حزن، ولا ألم هناك حيث الطهارة بلا دَنَسٍ ولا عيب، هناك اختارت السُّكْنى مع ابنها؛ ليعيش بعيدًا عن مشاقِّ الدنيا خاليًا من الأشجان الكثيرة فيها حتى يكبر ويترعرع، وبينا هي تنحني على جبينه لِتقبِّله كان الطفل قد نام.

فقالت ريتا بصوتٍ متقطِّع: أعيدي لنا الحلم يا لويزا.

فأجابتها لويزا بأن جلست إلى البيانو وأعادت الحلم.

ولما انتصف الليل عدتُ إلى منزلي لا أفكِّر في غير مشهد أولاد شيمين، والحلم، ولا أتصور غير أصابع لويزا تضرب على البيانو …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠