الفصل الثالث

وأدركت ريتا أني أهوى لويزا، وأنها تهواني، فشَحَذَت سيف الغرام، وأعدَّته ليوم الانتقام، ووقفت لي بالمرصاد، ترْقُب حركاتي أنَّى قصدت، وكيف كنت؟ مع جماعة أم على انفراد؟ وبينما كانت لويزا تضرب على البيانو في ذات يوم حانت مني التفاتة غرامية إليها، فابتسمت وتورَّدت وجنتاها، فرأت ريتا ما كان منَّا، وقامت من فَوْرها، ودنت مني وقالت: «سوف ترى.» فأجبتها: «وأنت سوف ترين.»

ومضى على ذلك مدة، وأنا لا أستطيع الاختلاء بلويزا، ولا أجسر أن أشدِّد النظر إليها خوفًا من عمتها، فضاقت بي الحال، وصعب عليَّ الأمر، وجعلت أفتش على وسيلة أشرح بها لحبيبتي ما يُخالِج قلبي، وبعد الرويَّة بدا لي الصواب، ورأيت أن المكاتبة أسهل طريقة لنيل المرام، وبلوغ المُنى؛ لأن المكاتبة هي الزيت الذي ينير قناديل الحب، ومتى كان هذا الزيت موجودًا في القناديل فلا يُطفَأ نورها، والمكاتبة نصف المشاهدة، كما يقول المثل السائر، وهي قُبَلُ العاشقين بل هي إرسال الشعائر والفؤاد، بصورة الورق والمداد.

فكتبت إليها كتابًا مُطوَّلًا، ووضعته في سِفْر، ودفعته إليها أمام أمِّها فأخذته وبعد ثلاثة أيام ردت إليَّ ذلك السفر وفيه هذا الكتاب:

حبيبي

ساءني أنك ترسل لي الكتب سرًّا، ولِمَ ذلك إذا كنت عاشقًا، فهل تخشى لومة لائم؟! أم لك ثمَّت مقاصد أخرى لا أعلمها؟! على أني لم أسئ بك الظن، ونسبت ذلك للظروف، قل لي متى عَهْدُ اجتماعنا أقريب يا ترى أم بعيد؟ وهل مدة هذا التعذيب طويلة؟ وهل تلك السعادة التي أراها في الحلم تتمُّ عن قريب؟ إن عمي يحبُّك ويريد صالحك، فاطلبني منه فإنه لا يرفض طلبك.

وقد قلتَ في كتابك: إنك لم تنمْ غرارًا منذ أسبوع، فأنا أقسم لك أنني لم أزل مُسهَّدة الطرف منذ عرفتك، وهذا يدلُّني على أن عهدك بالغرام قريب، ولكن كيف كانت الحال، فإني أهواك ولا أُلْوِي عن حبك ما دامت تجري في عروقي قطرة دم.

تقبلك بحرارةٍ واشتياق حبيبتك
لويزا أسيرة هواك

فاضطرمت نيران الغرام بين جوانحي، وأقسمت أن أتجهَّم ريتا وأدوس قلبها وحبَّها، وأنْ أسقيها كأس النَّكال، إذا مكنتني من ذلك الأحوال، فجعلت أُغْلِظ لها الكلام، وأُسْمِعها أقوالًا أفتكَ من السهام، وهي لا تزيد إلَّا هيامًا، ولا يَزِيدها الجفاءُ إلَّا اضطرامًا، حتى أوفت الدنيا على فصل الربيع، فحسبتُ أنَّ مقاومة ريتا تنتهي مع فصل الشتاء؛ لتُخْلِي في القلب مكانًا لاستقبال الربيع، ولكن بئس الحسبان، فإن فصْل غرامها كان في أوله.

وكتبتْ لي لويزا في هذا الغضون تعْذِلُني على قِلَّة مكاتبتي، وتنسب إليَّ قسوة القلب والسلوان فلم أُجِبْها، وفي صباح الغد ذهبتُ إلى بيت فركنباك، فرأيت البارون والبارونة، وجونريت ولويزا مُجتمِعين معًا كأن على رءوسهم الطير، كلٌّ ينظر إلى شيء ولا يفوه بِبِنْتِ شَفَة، فعلمت أنَّ عمي أرسل للبارون يسأله أنْ يفي بوعده، وقلت: اللهم هوِّن العسير، فإنك على كلِّ شيءٍ قدير، وفي اليوم التالي وَرَدَنِي من لويزا كتابٌ هذا نصه:

حبيبي

أرى الكل يعبسون وجوههم بي من البارون إلى البارونة، إلى عمتي ولا أعلم لماذا؟ قد كان بالأمس وَرَدَ على عمي كتاب من افريه على ما أظن، فدفعه إلى عمتي فقرأته هذه، ثم قامت بغضب وذهبت معه إلى غرفة أخرى وتحدَّثا مليًّا، ولا جَرَمَ أن عمتي حالت دون مراد عمِّك، وإني لأعجب من ذلك مع ما أعهد لك عندها من المكانة والاعتبار، فماذا أصنع؟!

حبيبتك لويزا
فأجبتها بهذا الكتاب المختصر:

حبيبتي ومليكة فؤادي

كل ما جرى كان مُقدَّرًا، ويجب أنْ أخلو بك؛ لأحدثك بهذا الشأن مليًّا، فأنا أنتظرك غدًا سحابة النهار، عسى أنَّ الظروف تمكِّنك من المجيء إليَّ، أحسني الظن بشرفي وحبي، أقبلك.

حبيبك مكسيم

وفي الغد أقبلت تتمايل في تهاديها، كأنها الشمس تبدو بأبهى مجاليها، فاستقْبَلْتها كما يَسْتَوْجِب الغرام من الحفاوة والإكرام، فقالت: إن مجيئي إليك لم تسبقني إليه عذراء من قبل؛ وذلك لاندماج اعتقادي على شرفك، والآن قُلْ ما بدا لك، واختصر في حديثك ما تستطيع، فقلت: إنَّ حلَّ مسألتنا بسيط وصعب معًا، فإذا انقاد البارون لإرادة البارونة يعظم الخَرْق، ويُطمَى البلاء، وإذا لم يُطِعها نبلغ المرام بأقرب وقت، وكيف كان الأمر، فإنني أبقى على عهدي، وأبذل في نَيْل المراد جهدي، وتأكَّدي يا حبيبتي أني أقطع كلَّ المشاق والمصاعب للوصول إليك، وإذا فرَّقت بيننا الليالي؛ فإنها لا تستطيع أنْ تفرق بين قلبينا، ولا يقدر أنْ يفصلني عنك إلَّا الله تعالى والقبر، فقالت: وأنا أقسم أيضًا بما أقسمت به، فقلت: وهل تأذنين لي يا حبيبتي أنْ أختم على هذا القسم بقبلة نجعلها يمين الأمانة والوفاء؟ فقالت: نعم، ثم انحنت عليَّ، فقبلتها قبلة وقبلتني مثلها، ثم ودَّعتني ومَضَتْ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠